قراءة في كتاب نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط – جورج قرم

أضف تعليق

209378726314

اسم الكتاب: نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط.

اسم المؤلف: جورج قرم.

اسم المترجم: سلام دياب.

الدار الطابعة: دار الفارابي.

التعريف بالمؤلف والكتاب

الدكتور جورج قرم مولود سنة 1940, من أكثر المؤلفين العرب غزارة بالتأليف ونشاطا. وهو الوزير السابق في الحكومة اللبنانية. كتاب جورج قرم الذي بين أيدينا جزء من مشروعه الذي يتألف من “شرق غرب الشرخ الأسطوري” و “المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين” وهذا المشروع يهدف بشكل أساسي إلى إعادة فهم الاختلاف بين الغرب والشرق وأنه ليس سببه ثقافي أو ديني كما يدعي صمويل هنتغتون والتأكيد على السياق السياسي و دور الهيمنة الغربية على الدول العربية وحلفائها في خلق ظاهرة الإرهاب وإعادة دور الدين بشكل مكثف في الحياة العامة. جورج قرم ينتمي بشكل واضح إلى مدرسة تؤمن بقيم الحداثة و التنوير بطموحها الإنساني وموقفه من الدين ينتمي إلى هذه المدرسة ويرفض بشكل صارم مقولات ما بعد الحداثة والنسبوية والتعددية الثقافية. أيضا جورج قرم يكتب أساسا باللغة الفرنسية وبالتالي سيلاحظ القارئ أنه يتوجه بالكلام في أجزاء من الكتاب بشكل مباشر إلى المثقف الفرنسي وماذا يجب أن يكون دوره في الفترة القادمة

الكتاب مترجم والترجمة كانت ممتازة لكن واجه المترجم مشكلة في التفريق بين مصطلحي

sécularisation

 الذي يتم ترجمته بالعادة في العالم العربي إلى علمانية. ومصطلح

laïcité

الذي يجري في العادة تعريبه في العالم العربي بـ “اللائكية” أو توصف اللائكية بأنها “العلمانية الصارمة”. المترجم ترجم

sécularisation

إلى الدنيوية و ترجم

laïcité

إلى العلمانية وهذا الاختيار قد يشوش على القارئ نوعا ما لكن يبدو أن هذا التفريق أتى من جورج قرم نفسه و من المعروف أن سكالرزيوم تترجم إلى العلمانية أو الدنيوية.

مقدمة للمقاربة الدنيوية في تحليل الصراعات

إن الصراعات التي نسميها بالصراعات الجيوسياسية أي تلك التي توضع وجها لوجه بلدا ضد بلد أو عدة بلدان تتطلب دوما التبرير لجعل العنف والموت والدمار الذي تزرع بذوره مقبولا. بل يمكننا القول إن الصراع لا يندلع إلا عندما يعتبر هذا الطرف أو ذاك أنه أقنع بما فيه الكفاية رأيه العام بضرورة إعلان الحرب. تجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من الصراعات المحلية داخل بلد ما سرعان ما تكسب بعدا إقليميا أو حتى دوليا قد يفضي إلى صراعات أكبر أو قد يكون بمثابة فضاء رمزي ومحدد لصراع أكبر.

ومن المفارقات كما يقول جورج قرم أن الخطاب الجديد لتبرير الحرب رغم أننا في عالم العولمة ويتميز عالمنا على نحو متزايد بإمكانية استخدام أدوات البحث والتنقيب فإن الخطاب الجديد لتبرير الصراعات تميز باستخدام مكثف لـ البروباغاندا والايدولوجيا  وللدعاية والتضليل والتذرع بـ “قيم” ذات طبيعة استعلائية يجب حمايتها أو نشرها. وأكثر من ذلك اتخذ هذا الخطاب الجديد خلال السنوات الأخيرة لغة جواهرانية تركز على شرح أسباب النزاع باعتبارات ذات طبيعة انثروبولوجية أو دينية أو عرقية أو ثقافية. تبرز الصراعات هنا كضرورة لا مفر منها للحفاظ على “كينونة” شبه منزهة أو ثابتة تتجسد من خلال قيم ما, أو على العكس لتدمير كينونة تعتبر مؤذية ولا يمكن التساهل معها للحفاظ على السلام.

يؤكد جورج قرم أن التحليل الدنيوي لأسباب الصراعات يميل الآن إلى التواري حقل المعارف الأكاديمية التي يزداد تركيزها على عوامل يشار إليها بشكل خاطئ بعودة الدين أو العرق عوامل تقدم بمثابة التفسير الرئيس للصراعات والحروب. وهكذا يقول جورج قرم أن التحليل الدنيوي ذلك الذي ينفي مقاربة الصراعات من المنظور الأنثروبولوجي الديني أو العرقي أو بأحد أشكال المزاعم الجواهرانية لأسباب الصراعات أو بتحديد عامل واحد أو مذنب واحد أو مسؤول عن الصراعات. تسعى هذه المقاربة الدينوية إلى استعادة معرفة الأسباب الحقيقية للصراعات التي تجد جذورها في تاريخ مختلف المجتمعات تاريخ معقد دوما لا يحتمل أي تبسيط.

يؤكد جورج قرم على أن الذي يريد تغطية الصراع إعلاميا أو أكاديميا اتخاذ عدة احتياطات منهجية.

الاحتياط الأول تجنب الرؤية الثنائية للعالم ومبدأ السببية الأحادي الجانب.

الاحتياط الثاني: الانتباه لانزلاق القانون الدولي أو ما يسمى بالشرعية الدولية للإشارة إلى قرارات مجلس الأمن, فخلف هذا المصطلح تختبئ قوة وإرادة أمريكا وحلفائها. وكما يقول جورج قرم إن الجمعية العامة التي تضم كل الدول هي الجهة الوحيدة التي بالإمكان اعتبارها الممثل عن دول العالم كافة وليس عن مجتمع دولي لا وجود له أساسا.

الاحتياط الثالث: العودة إلى تقنيات التحليلات السياسية الدنيوية والمتعددة العوامل التفسيرية للصراعات: يتطلب النهج الدنيوي في التحليل بحسب رأي جورج قرم مراجعة كل العوامل التي أدت إلى نشوء الصراع. وهذا ما يمكن تسميته بالتحليل متعدد العوامل إذ يستعرض الأسباب الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والعقائدية التي أسست لبنية الصراع.

يذكر جورج قرم أن من أسباب الصراعات هو انبعاث الأفكار الأرستقراطية والسلطوية. يقول جورج قرم شهدنا عودة ظهور الأفكار الأرستقراطية المصحوبة بعودة ظهور أفكار حول عدم المساواة بين الأجناس والأعراق والحضارات. وهو جدل قيم أدمى أوربا طوال تاريخها الحديث من حروبها الدينية التي نالت من جبروت الكنية الكاثوليكية الرومانية إلى الثورة الفرنسية التي هاجمت امتيازات الطبقية الأرستقراطية الإقطاعية المنشأ, إلى الحركات القومية الأوربية الكبرى التي اعتبرت نفسها الشعب المختار والمتفوق فألهبت المشاعر والأهواء وأثارت حروب القرن العشرين بما فيها الكثير من الحروب الاستعمارية وكذلك الحرب العالمية الأولى. هو جدل بين قدامى ومحدثين أو بين أنصار نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي هرمي قائم على المنشأ العائلي والثروة أو الطبقة الاجتماعية. نظام ثابت لا يتبدل في التاريخ وبين أولئك الذين يدعون إلى المساواة بين الرجل والمرأة والشعوب بغض النظر عن الزاوية التي نرى فيها هذا الجدل فهو مسؤول إلى حد كبير عن أعمال العنف المتكررة في الواقع عن حرب أهلية دائمة تقريبا داخل حتى العالم الغربي ذاته. وهو كذلك المسؤول عن فظائع الحرب العالمية الثانية أو حرب جلاء الاستعمار التي يجب أن نؤكد فيها على الدور الهام الذي أدَّاه فيها قسم من الدول الأوروبية علما أنها تعتبر نفسها من أنصار المساواة والقيم الإنسانوية.

وكما يرى جورج قرم أن التراث الثور الفرنسي الذي وضع قيد التنفيذ مبادئ الفلاسفة الإنكليز ومبادئ فلسفة الأنوار قد أعطى للعالم الأدوات السياسية والقانونية لتحرير الشعوب والطبقات الاجتماعية في حين تعزز النيوليبرالية اليوم عودة الفروق والطبقات الاجتماعية وصناعة الامتيازات التي غالبا لا تبررها أية جدارة حقيقية.

يذكر المؤلف كأحد أسباب الصراع أن دولا ذات مكونات ناقصة نشأت في حالات صراع لايزال قائما. فهناك دول نشأت في ظروف نزاع وهي غير قادرة على البقاء إلا في ظل استمرار آليات التنازع تلك هي حالة دولة إسرائيل ودولة الباكستان اللتين نشأتا انطلاقا من رفض قبولهما التعايش الديني التعددي إذ إن كلتيهما تزعمان تجسيد جوهر الدين ونقائه. إن أقدم نزاعين في الوقت الحالي هما الصراع الفلسطيني والصراع الكشميري وهما راجعان إلى إدعاء هاتين الدولتين تجسيد شرعية دينية. أيضا يمكن أن نذكر في هذا الإطار الدول التي تشكلت لكي تكون “دولا عازلة” لطموحات قوى إقليمية ودولية مختلفة كما هي حال لبنان وأفغانستان. فضلا عن ذلك فإن بعض هذه الدول محاطة من جميع الجهات وبدون موارد وبالتالي فهي تعتمد على حسن نية جيرانها الأكثر نفوذا والبعض الآخر ذات طبيعة جمهورية الموز _ وهي الدول التي يكون اقتصادها يعتمد على عدد قليل من المنتجات كزراعة الموز تحكمها مجموعة صغيرة وفاسدة وتكون غير مستقرة_ لا يزال يعيش في زمن الاستعمار الجديد. وسواء كانت هذه الدول مكونة بالشكل الصحيح أو ضعيفة هيكليا ورهينة التأثيرات الخارجية على نحو غير متناسب فإنها تؤدي إلى توتر مستمر وغالبا ما تكون نقطة بداية لصراعات أوسع نطاقا. إن عب الاستعمار وعبء حروب إزالته ولكن في كثير من الأحيان تركة الحروب الباردة كل هذه العوامل لا تزال تؤثر في الديناميكية المزعزعة للمجتمعات والمؤججة للأوضاع النزاعية المتمحور حولها وذلك على حساب السكان ضحايا هذه الصراعات التي تتجاوزهم بكثير.

يختتم الفصل جورج قرم بذكره لفائدة المقاربات الدنيوية للصراعات: فهو كما يقول إن هذه المقاربات هي الوسيلة الوحيدة القادرة على أن تعارض تطور انتشار المفردات والتركيبات الأسطورية التي تمنح شرعية كاذبة وسهلة للحروب والصراعات. وفي كثير من الأحيان لا يتقيد المثقفون والباحثون بهذه الاحتياطات بل يتماهون مع شعارات وسياسات القوى التي هي مصدر إنفجار الصراعات. إن إمكانية النفاذ إلى وسائل الإعلام والتأثير في الأمراء الحكام أقوى من الرغبة في فهم وتفسير رهانات الصراع في كل تعقيداتها. هكذا نشهد في الأبحاث الأكاديمية جملة من القيم الضمنية يتم التعبير عنها من خلال المسبقات البديهية والأحكام الفجة وكذلك من خلال استخدام مفردات انثربولوجية جوهرانية تحون دون كل تحليل دقيق لصراعٍ ما. ويواصل جورج قرم أن هذه المواقف تتعارض مع الرغبة في السلام والعدالة التي تتوق إليها المجتمعات في العادة. فالبشر العاديون لا يطلبون الحرب بل هم دعاة سلام لا يطمحون إلا إلى العيش الآمن وإنما هي النخبة السياسية المتعطشة إلى مزيد من السلطة والمكاسب المادية. فالحرب والعنف قبل أن يطالا الجسد ويجلبا الموت هما في البداية حرب كلامية واستحداث معان تحمل العداء للآخر والانتفاص منه وتهميجه.

في الفصل الثاني يتحدث جورج قرم عن الصراعات الجديدة ووظيفة “عودة الدين”

يؤكد جورج قرم أن هذه العبارة اكتسبت رواج كبيرا دون أن يتساءل الباحث عن معناها ووظيفتها. ففي البداية إن الحديث عن عودة يفترض أنه كان هنالك غياب, غير أن ما من شيء قابل للجدال والمناقشة مثل هذا القول وذلك لسببين الأول أن الدين على اختلاف أشكاله قديم قدم الكون فالحاجة إلى التسامي وإلى تفسير هشاشة الوجود البشري أمام ديمومة الكون وحتمية الموت يستدعي الإيمان بجملة من المعتقدات من شأنها أن تهديء من قلق الإنسان وروعه. وهذا الشيء لم يختف وفي أمريكا حيث كان التدين التقليدي هو السمة الأساسية للمجتمع الأمريكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي حتى وفي أوربا ظل الدين موجودا وحاضرا وإن اكتسب طابعا علمانيا بشكل تدريجي. و السبب الثاني الذي يجب أن يبعث الشك في وجود ظاهرة “عودة الدين” فيعود إلى غياب الإحياء اللاهوتي في الديانات التوحيدية الكبرى. فكلي كي يكون هنالك عودة للدين يجب أن يكون هنالك تجديد عميق للاهوت في تلك الأديان وهذا ما لم يحدث بنظر جورج قرم.

ويتحدث المؤلف على أنه بعيدا عن عودة الدين فإننا نشهد وإلى حد بعيد أزمة حادة تصيب هذا البعد الأساسي من المجتمعات البشرية في جميع أنحاء العالم. تضافرت هذه الأزمة مع أزمات متعددة الجوانب تتصل بالشرعية السياسية وتصيب مجتمعات عديدة. تتلاعب أزمة الشرعية السياسية بالأزمة الدينية نفسها وقد تتلاعب الأزمة الدينية بأزمة الشرعية السياسية. هذا ما يخلق في المجتمعات المتأزمة خصوصا المجتمعات التوحيدية هذا الخانق من حرب الحضارات والأديان. فالأزمة تستشري داخل المجتمعات التوحيدية وكذلك بين بعضها البعض هي أزمة سياسية بامتياز تتصف ليس بـ “عودة الدين” و إنما بـ “اللجوء إلى الدين”.

يتحدث المؤلف كيف أن العلمانية كانت هي الايديولوجية السائدة في القرن العشرين و أن القاموس العلماني هو كان القاموس المستخدم في تفسير الصراعات ولم تكن تستدعى القيم الدينية في لتبرير الرغبات السياسية.

 لكن يقول المؤلف أنه من المفيد أن ندرك كيف انقلب العالم في بضعة عقود من جيوسياسية غاب عنها استحضار القيم الدينية والحضارات والثقافات إلى عالم لا يكف فيه قادته وأصحاب القرارات السياسية للقوى العظمى أو الصغرى عن استحضار علاقتهم بالله وتمسكهم بقيم دينية وحضارات عابرة للأوطان خيالية أكثر منها واقعية. كانت هنالك خمس أحداث سياسية كبرى قادت إلى هذا التحول ويذكرها المؤلف بالترتيب الزمني.

 الحدث الأول: انتصار الوهابية في العالم الإسلامي. الحدث الثاني انفصال مسلمي الهند وتأسيس دولة باكستان. فبعدما أرادت النخبة المسلمة في الهند الانفصال عن الاتحاد الهندي لتشكيل دولة منفصلة قائمة على الهوية الدينية. حدث للأسف حمام الدم 1947 ونشأت دولة باكستان وفي عام 1970 انفصل البنغلادشيون في حرب هي الأخرى دامية وهذا يؤكد أن الرابط الديني وحده لا يكفي لتشكيل أمة متماسكة. الحدث الثالث هو الصهيونية وقيام دولة إسرائيل. الحدث الرابع هو تأسيس منظمة مؤتمر الإسلامي. الحدث الخامس هو الثورة الدينية الإيرانية. وفي نفس الفترة حدث الإحياء الكاثوليكي الذي انطلق من بولندا و برز الانجيليون الجدد في الولايات المتحدة وأخيرا انهار الاتحاد السوفيتي.

images

العلمانية كحل لمسألة الدين.

يؤكد المؤلف على الفروق بين ما يسميه _بالإدخال في الدنيوية_ و” العلمانية” ويقصد بنظام الإدخال في الدنيوية هو المفهوم الانجلوسكسوني والألماني للعلمانية المستوحى من قيم الكنائس البروتستانتية المختلفة. والعلمانية التي سيتحدث عنها ما تسمى بـ “اللائكية” المستوحاة من التقليد الفرنسي. و يقول أن هنالك ثلاث مزايا للنظام العلماني على الأقل وليست متواجدة في الدينيوية.

المزية الأولى هو التأكيد على الإنسانوية كمبدأ ينظم المجتمعات ومصدر للأخلاقيات والسلوكيات. وبموجب هذا المبدأ تُحرم كل رؤية تراتبية للحضارات والأعراق والثقافات والأديان. المزية الثانية: هي إنشاء فضاء عام مستقل عن الفضاء الخاص يسمح بنشر المواطنة. إن الفصل بين الفضاءين ضروري لازدهار المواطنة ففي الفضاء الخاص يستطيع المواطن ممارسة كل الخصوصيات التي يرغب فيها سواء في اعتقاداته الدينية أو في لباسه بل حتى في اللغة التي يود استخدامها. لكن في الفضاء العام يجب على المواطن أن يضع معتقداته وتقاليده الخاصة حيث إنه مواطن ذو سلوكية تنشأ عن تربية مدنية اكتسبها من أخلاقية المصلحة العامة في المجتمع وعلاقاته بالمحيط الخارجي. وأيضا من الفضاء العام الإعلام باختلاف أشكاله و إذا كان الإعلام يستخدم لنشر قيما ذات طبيعة خاصة دينية أو عرقية فهذا يعني أنه يستخدم الفضاء العام كوسيلة لتوثيق الروابط الدينية العرقية أو الدينية أو لترويج هذه الروابط ونكون بهذا في تناقض صارخ مع جوهر القيم الجمهورية في ذاتها.

المزية الثالثة للنظام العلماني هي السعي الدؤوب وراء المصلحة العامة داخل المجتمعات وبين المجتمعات ففي الفضاء العام تناقش شؤون المجتمع وتعد فيه قواعد الأخلاق العامة التي تستقى منها القوانين والأنظمة المتوجب تطبيقها وكذلك السياسات التي يتوجب تنفيذها للتوصل إلى ما يعرف بالمصلحة العامة.

ويؤكد المؤلف أنه من خلال هذه المبادئ الثلاثة نرى الفرق الفاصل بين نظام إدخال الدين في الدنيوية وبين نظام علماني. ففي نظام الإدخال في الدنيوية تكون الهوية والقيم الدينية في قلب الحياة العامة حيث يمكن توظيف الدين والأصول العرقية مباشرة في المجادلات أو المنافسات السياسية. أما في النظام العلماني فالدين والأصول العرقية تبقى قيد الفضاء الخاص. في الحالة الأولى تُشجع الطائفية بجميع أنواعها وتشجع كذلك جماعات الضغط الخاصة بها للإدلاء بآرائها في الفضاء العام. في الحالة الثانية فهي تشكل عقبة خطيرة أمام تنمية الشعور بالمواطنة والفكر الجمهوري.

في الفصل الثامن يتناول المؤلف الطائفية والتعددية الثقافية كمصدر للصراعات.

يقول جورج قرم إنه يمكن اعتبار مفهوم المواطنة الحديث أعظم إنجاز للمجتمعات البشرية إذ خلافا للمفهوم الإغريقي الذي كان يقتصر على فئة معينة من سكان المدينة يشمل المفهوم الحديث جميع الفئات الاجتماعية. في نهاية المطاف وتحت تأثير الفلسفة الليبرالية الانكليزية وعصر الأنوار الأوربية ومبادئ الثورة الفرنسية الكبرى تم إدماج كل أفراد المجتمع في جسد سياسي واحد دون أي إقصاء على أساس عنصري أو ديني أو جنسي أو متعلق بالانماء العرقي أو العائلي.

إن هذا المفهوم يعاني اليوم من تراجع ملحوظ وأصبح موضع مجادلات بشكل متزايد تحت وطأة الظواهر الإيديولوجية والسياسية المختلفة التي تميز مرحلة ما بعد الحداثة. وأيضا هواجس المجتمع الناجمة عن العولمة الاقتصادية وتراجع الثقة بمزايا نظام الدولة – الأمة سليل القرن التاسع عشر الأوربي نظامٌ استطاع نموذجه أن يجوب الكرة الأرضية.

يتحدث المؤلف عن السياقات والأصول التاريخية لهواجس الهوية.

فيقول جورج قرم دعونا نذكر سريعا بالسياق العالمي الذي حفز صعود الايديولوجيات والذاكرات الخاصة بالهوية. فالقضية اليوم هي رؤية العالم الذي ينغلق في الوقت الراهن داخل تقسيم ثنائي بين “نحن” و “هم” بين عالم منطو على طائفة دينية أو عرقية أو مجموعة من المجتمعات تعرف نفسها من خلال حضارة وقيم مشتركة من جهة وبين عالم خارجي “عدائي” يتوعد “بوحشيته” بل بنزعته الاضطهادية أو الظالمة. هكذا حل محل الرجاء في أخوة عالمية نظرة تشاؤمية تحفز المطالبة بالضمانات والحمايات والحصص والمؤسسات المنفصلة والرسمية لكي يشعر أعضاء الطائفة بتمثيلهم في الفضاء العام.

قد يكون هذا التصعيد في قضايا الهوية ناجما عن اجتماع أسباب مختلفة. فالسبب الاول غني عن التعريف: وهو الانهيار التدريجي للإيديولوجيات العالمية والعلمانية منذ ابتدأت المرحلة الأولى للحرب الباردة, وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية للحركات الدينية الأصولية وغير الأصولية من أجل زعزعة قبضة الأحزاب الشيوعية أو نفوذها, خصوصا في أوربا الوسطى والعالم الإسلامي.

إضافة إلى ذلك فإن تجانس أنماط الحياة في جميع أنحاء العالم تحت تأثير مجتمع الاستهلاك والعولمة الافتصادية لم يخل من تأجيج مختلف أشكال المقاومة الثقافية, خصوصا لدى أولئك المستبعدين من الأنماط الجديدة في النمو الاقتصادي وتداول الثروة. وغالبا جاءت عبارة هذه المقاومة الثقافية عن طريق التقوقع على الهوية الذي حفزته الحركات السياسية الراديكالية القديمة منها والحديثة كحركات اليمين المتطرف في أوربا وبعض الحركات الأصولية الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

يتحدث جورج قرم عن نظرية التعددية الثقافية فيقول: في هذا السياق المختلف الأشكال ومع الارتفاع الهائل لعدد المهاجرين الوافدين من قارات أخرى, في هذا السياق اعتبر العديد من الأدباء أن تراث عصر الأنوار والثورة الفرنسية قد عفى عليه الزمن حيث إن عصر ما بعد الحداثة يتطلب في نظرهم بعض التعديلات للمفاهيم الصارمة والمتجانسة للأخلاقية الجمهورية التي تفصل بحزم الفضاء الخاص عن الفضاء العام حيث لا يجوز التعبير عن الخصوصيات العرقية والدينية. من هذا المنظور يتوجب على الديمقراطية أن تتأقلم مع هذه الأشكال الجديدة للطائفية أليس من الأفضل احتواؤها وإضفاء الطالبع المؤسساتي عليها وقبولها والاعتراف بالتعددية بكل أبعادها في الفضاء العام بدلا من التمسك بالانقسامات السياسية والايديولوجية التقليدية البحتة بين يمين ووسط ويسار انقسامات كانت ستفقد في جميع الأحوال كل قيمة معنوية لها؟

يذكر جورج قرم أن مصطلح مجتمع أصلا يفيد في حد ذاتها معاني مفهوم التعددية كافة فالمجتمع في طبيعته تعددي وعندما يختل هذا الشرط نصبح أمام أنواع أخرى من توصيف المجموعة البشرية التي قد تكون قبلية أو طائفية أو عرقية أو لغوية أو دينية بشكل وثيق أو ريفية وإقليمية حصرا. لكن هذه المجموعات المغلقة قل تواجدها بفعل التمدين المتزايد للعالم منذ قرنين وتكاثر ظواهر الهجرة والانتشار التدريجي للتعليم.  لكن تنوي التعددية الثقافية أن كل هذا التعدد سواء كان شعب و عرق و دين وحضارة واختلاف الأجناس وجماعات مضطهدة تاريخيا بمختلف أشكال الاستعمار أو ببقايا منظمات اجتماعية ذات تسلسلات هرمية حادة وقاسية كنظام الطبقات الهندي, فالتعددية الثقافية تنوي تنظيم كل ذلك وأن تجعل من إدارة “الاختلاف” نقطة التركيز في الشؤون العامة. وأيضا تم اكتساب مصطلح “اندماج” أو “التماثل” صبغة سلبية في مفاهيم ديمقراطية ما بعد الحداثة.

ما هي الإشكالات في نظرية التعددية الثقافية؟ يجيب جورج قرم أن هنالك إشكاليتان رئيستان للتعددية الثقافية. الإشكالية الأولى بتحقيق التوازن بين الحق في الاختلاف والحق في المساواة وكذلك بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد. لنلاحظ أولا أن مفهوم التعددية في ذاته ملتو في المقاربة الخاصة التي تنادي بإقامة مجتمعات متعددة الثقافة ذلك أن الأمر لم يعد تعددية الآراء السياسية والاجتماعية والاقتصادية أي المناهج المختلفة لتحقيق “المصلحة العامة” للمجتمع وإنما قد أصبح مجرد إقامة نظام التأكيد على اختلاف الانتماءات الهويتية ذات الطبيعة العرقية أو الدينية أو الثقافية. وهذا ما يؤدي إلى حدوث إنقلاب في فلسفة الديمقراطية الحديثة بكل أبعادها خصوصا في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. والجدير بالملاحظة هنا هو أن صعود الاختلافات العرقية والدينية في مجتمع ديمقراطي ما يعود إجمالا فقدان تكافؤ الفرص الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولذلك يصبح التقوقع على الهوية وسيلة فعالة للتعبير عن السخط الاجتماعي-السياسي.

يتحدث المؤلف عن مفهوم حق الاختلاف الذي ترفعه التعددية الثقافية ويقول أن المفارقة تكمن في أن مفهوم الحق في عرف القانون يحتاج إلى تكملته الطبيعية ألا هي والمساواة. فالحق لتحقيق رسالته الأولى يجب أن يكون عاما وينطبق على كل المواطنين كافة بطريقة متساوية. وهذا بالتحديد ما ينقصه حق الاختلاف الذي يعني أن بعض بنود القانون لن تطبق على بعض فئات المواطنين أو أن يتم اعتمدا التمييز الايجابي لمصلحة تلك الفئات لتأمين ذات الخصوصية الهويتية تكافؤ فرص اقتصادية واجتماعية أفضل كنظام الحصص أو الألأولوية في التوظيف أو تبسيط الامتحانات والاختبارات للحصول على شهادات أو على وظائف.

الإشكالية الثانية للتعددية الثقافية في إشكالية المخاطر التي تجرها الأنظمة السياسية ذات القاعدة الطائفية كالنظام اللبناني في مجال احترام الحقوق الفردية وشخصية كل مواطن. ومن مآسي حقوق الطوائف سحق الفرد عن طريق أسره في اتباعه طائفية خانقة. أولئك الذين يستفيدون من الحقوق الطائفية هم من يستخدم ويفرط في استخدام لغة الهوية ومطلقية الفروق. يواصل جورج قرم فيقول إن المجتمع الطائفي أو المتعدد الثقافات حسب العبارة الجديدة غالبا ما يؤدي إلى تكوين غيتوهات متجاورة فما من نجاح يذكر حقا في هذا المجال. سويسرا هي النموذج الأكثر نجاحا ولكن ليس هذا هو الحال في بقية الدول.

يقول جورج قرم أنه يجب العودة إلى إعادة قيم الحرية الفردية ومفهوم الفكر الجمهوري. فيقول أن الجمع بين نظام سياسي يضمن الحريات الفردية إلى أعلى درجاتها ويكفل في الوقت نفسه التوزيع العادل لثمار النمو الاقتصادي وبين التقدم التقني لكل فئات المجتمع ولكل مناطق البلد هو بلا شك أفضل حماية للمجموعات المهددة أو المهمشة في مظهر من مظاهر هويتها المعقدة. ويقول ماذا يمكن أن يضمن بشكل أفضل بقاء مجموعة بشرية تعاني تناقصا ديموغرافيا أو حالة التهميش والإقصاء الاجتماعي – الاقتصادي خير من التطبيق الصارم للحرية الدينية وحرية التعليم وحرية التنظيم الثقافي والفني؟ وإذا اقترنت بآليات عادلة لتوزيع المداخيل ومن أجل إزالة الإقصاء وتوفير عمل لائق للجميع يمكننا حينئذ أن نظن أنها خير وصفة للحفاظ على المجتمع المتعدد وأشكال التعددية الخاصة بكل مجتمع.

رأي القارئ في الكتاب

بشكل مجمل الكتاب ممتاز ويحاول أن يعيد الاعتبار للمفاهيم الكلاسيكية في تفسير الصراعات الجيوسياسية في العالم و أيضا للمفاهيم الكلاسيكية في الطريقة المثلى للتعامل مع ظاهرة الدين في المجال العام والخاص. جورج قرم ينجح نجاحا كبيرا في جانب تفسير الصراع في الشرق الأوسط وتأكيده على المسألة الاقتصادية بأنها من خلالها وحدها تستطيع فهم مجمل الصراع في المنطقة. فدول الخليج لأنها تملك فائضا كبيرا من المال بسبب النفط والغاز تملك تأثيرا كبيرا على بقية الدول العربية ولأنها تنتمي إلى محور محافظ قريب من أمريكا بالتالي تسعى غالبا لدعم جماعات إسلامية أو علمانية لا تهدد مصالح أمريكا, وتسعى أيضا لنشر تعاليم السلفية لأن هذا يشكل قوة ناعمة لهذه الدول. وأيضا هذا العامل هو ما يفسر اهتمام قوى الاستعمار المختلفة من بريطانيا و ورثيتها أمريكا بهذه المنطقة لأنها تشكل الخزان الأكبر لمصدر الطاقة في العالم ويجب ألا يسقط هذا الخزان بأيدي أطراف قد تهدد وصول مصادر الطاقة إلى بقية العالم.

أيضا مناقشة جورج قرم لمفهوم التعددية الثقافية كان موفقا من ناحية أخطار التعددية الثقافية, لكن يبقى الاعتراض الأساسي قائم وهو أن الدول العلمانية مثل فرنسا وأمريكا وكما يقول باتريك سافيدان صاحب كتاب الدولة والتعددية الثقافية ” نلاحظ مثلا في فرنسا أن جدول العطل يتضمن أياما ترتبط بالديانة الكاثوليكية ويقتضي مبدأ الحياد في هذه الحالة تعويض هذه الأيام بأيام محايدة أو أن نمنح الفرد أيام عطل لا ترتبط بحدث خاص بحيث يتصرف فيها كيف شاء أن يتصرف. وفي الحقيقة أن الدولة يستحيل عليها إخفاء آثار الهيمنة الرمزية للأغلبية بسبب التداخل الذي لا يمكن تحاشيه للثقافي والسياسي, ويدفع بنا هذا الاعتراف أن الدولة من أجل أن تحقق الأهداف التي تأسست من أجلها فلا يمكن لها ان تمتنع عن التصرف كفاعل ثقافي.” وفي الحقيقة أن  هذا الاعتراض قوي ويؤكد على الجذور الدينية للدولة لكن الدولة تحرص بشكل مستمر على أن تظهر بالمظهر العلماني حتى القيم الدينية الموجودة فيها تتبناها بشكل رمزي حيث أنه اعتقاد الأسلاف مؤسسي الدولة وبالتالي تتبناها الدولة احتراما لهم, و ليس بسبب “دينيتها” لكن بسبب “اعتناق الأسلاف لها” فمثلا توضع اقتباسات من كلام  مؤسسي الدولة وفيها نبرة دينية في الكتب المدرسية أو في الأماكن العامة, وهذا لا يناقض قيم الدولة الجمهورية والعلمانية.  و أما موضوع العطل الرسمية لاشك أن أحد الحلول هو وضع اجازات في المناسبات الدينية المختلفة وهذا ما أقرته مدينة نيويورك مؤخرا بأن جعلت عيد الفطر وعيد الأضحى عطلة رسمية لطلاب المدارس العامة. وبلا شك أن قيم مؤسسي الدولة سنراها واضحة في مختلف نواحي الدولة لكن يجب أن يتم علمنة هذه القيم ويجب أن تكون مفتوحة وشاملة بأن يكون لأي أحد اعتناقها ولا يجبر أحد عليها و أن تشمل أكثر عدد ممكن ومؤثــِّر من مواطني الدولة وألا تأخذ بعدا عرقيا أو طائفيا ينتقص من بقية مواطني الدولة.

أيضا حديث جورج قرم عن الفصل بين المجال الخاص والعام وأن الدين ومظاهره يكون محلها هو المجال الخاص لم يكن موفقا. وحجتي ليست أن الدين ملاصق للإنسان لايمكنه التخلي عنه كما يقول الإسلاميون في العادة. لكن الحجة الأساسية هي أن الدين بحد ذاته عبء ثقيل على الشخص المتدين فهو يتعلق بالمصير الأخروي وأن هنالك أناس سيذهبون إلى الجنة وأن هنالك من سيذهب إلى النار, وبالتالي لديه هم “دعوي” لنشر الدين, و هو واجب ديني في المسيحية والإسلام وهذا الشخص يريد أن يحاول أن يدعو بقية مواطني الدولة لدينه لكي لا يذهبوا إلى النار, وبالتالي مجال الدعوة ومجال السجالات الدينية بين الأديان والمذاهب سيكون حتما المجال العام. وأيضا حتى “الإنكار” على الإقدام على فعل محرم هو ليس محمي فقط بحرية ممارسة الدين بل بحرية التعبير فكيف لنا أن نقمع شخص يريد أن يرفع لافتة بجانب عيادة للاجهاض مكتوب فيها عبارة دينية تحرم هذا الفعل. وأيضا لو أن مجموعة متدينين يريدون مساعدة الفقراء وإقامة جمعيات تطوعية عملا بنص ديني وهم يُعرِّفون أنفسهم في المجال العام أنهم يساعدون الفقراء والمساكين عملا بوصايا الأنبياء هل من الحكمة منع هؤلاء لأنه مارسوا واجبا دينيا في المجال العام ؟

إن الدولة التي تمنع الدين من المجال العام هي ليست تقصي فقط جزءا أصيلا من المجتمع بل تجعل من طائفة المتدينين كلهم أعداءا لها لأن الدولة تكون عدوة لدينهم. بالمقابل ليس المطلوب هو فتح المجال العام لمختلف أنواع الخطابات الدينية فالخطابات التي تدعو للعنف أو تهدد بقية السكان يجب أن تُجرم لأنها تهدد السلم الأهلي. وأيضا يجب تشجيع نوعية الخطابات الدينية المتنورة التي تناقش ظواهر التدين الرجعية والتي فيها إهانة للإنسان و المرأة أو ظواهر التدين تلك التي  تقف أمام تقدم الدولة أو يهددها.  وشخصيا أميل إلى رأي مارسيل غوشيه الذي يرى أن الحل لظاهرة الدين في الدولة هو الفصل بين المجال السياسي والمجال العام وتوسيع المجال العام وهذا يتاح للمتدينين العمل فيه دون أن تحاصرهم اللعبة السياسية. ورغم أن مارسيل غوشيه نفسه رأى أنه يجب أن الدولة تساوي بين كل الأديان والمذاهب والآراء فهذا في نظري ليس موفقا دائما بل من الأفضل للدولة مع سماحها بحرية التدين وحرية الخطابات الدينية المختلفة, لكن عليها أن تخدم خطابا دينيا أكثر تفتحا ومتسقا مع القيم الجمهورية التي تتبناها الدولة نفسها. فكما أن الدولة ليست حيادية في المجال الثقافي وتدعم مشاريع ثقافية مختلفة للمواطنين مثل تمويل مسرحيات وطنية أو مسرحيات لها قيم ثقافية وإنسانية بهدف صنع مواطن صالح فإن لها حق أيضا أن تدعم أنشطة دينية مختلفة تؤكد على هذه المعاني.

قراءة في كتاب الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية لبارينتجون مور

تعليق واحد

اسم الكتاب: الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية
اسم المؤلف: بارينتجون مور
اسم المترجم: أحمد محمود
عدد الصفحات: ٦٠٠

رحلة شيقة مليئة بالمعارف التي يشرع لنا سماواتها بارينتجون مور ونحن نسير بين صفحات الكتاب, لا يمكن لأية مهتم بالثورات الكبرى التي غيرت شكل الدول للأبد ألا يقرأ هذا الكتاب, إن الفرق الجوهري بين الثورة والانقلاب ليس هو أن تكون مسلحة أو بشرت بالعدالة أم لا, إن الفرق الجوهري كما نرى أنه الثورة ابنة شرعية للحالة الاجتماعية حيث حينما نتأملها لا يمكن لنا فصلها عن سياقها الاجتماعي عكس الانقلاب الذي قد يكون انقاذا للنظام السائذ وتكريسا لحالة اجتماعية سائدة, الثورة ليست بالضرورة يقوم بها مجموعة كبيرة من الشعب, فالثورة قد يقوم بها مجموعة مسلحين لكنهم فعلوها استجابة لنداء التاريخ المؤكد ضرورة التغيير, بارينتجون مور يتحدث في كتابه هذا عن سبع ثورات كبرى واخترت أن أتحدث عن ثلاث فقط في هذه التدوينة, نلاحظ في منهج بارنتجون مور هو التركيز على دور النظام الاقتصادي الذي أدى إلى الثورة فبتغيير النظام الاقتصادي تقوى طبقات جديدة في المجتمع وتضعف طبقات أخرى, وأيضا ففي حالة انجلترا نلاحظ أن عدم وجود الفلاحين وعدم وجود الغوغاء وكونها الثورة الانجليزية ثورة قامت بها الطبقة البرجوازية الصاعدة والأرستقراطية المعادية للملك هو ما أدى إلى نجاحها في تحولها نحو الديمقراطية والحرية في انجلترا عكس ما حدث في فرنسا حيث كان الغوغاء هم المحرك الأساسي للثورة, وأيضا كان أهم نتائج الثورة الانجليزية هو وجود برلمان قوي ويتمتع بقدر كافي من المرونة ليكون هو حلبة صراع طبقات المجتمع وبذلك ترسخت العملية الديمقراطية في انجلترا وأن البرلمان هو المكان الطبيعي للتحقيق المطالب والرؤى والأفكار السياسية, وعند حديث بارنتجون مور عن الحرب الأهلية الأمريكية باعتبارها ثورة لأنه تم فيها هزيمة الشكل الاقتصادي الأرستقراطي المتخم بالرجعية وإن كان ظل قائما ثقافيا حتى بعد الحرب الأهلية لكنه لم يعد موجودا اقتصاديا, فقد كان بارنتجون مور يرى أن اقتصاد الجنوب مقارب لاقتصاد روسيا قبل الثورة البلشفية, وأما القول أن نهاية الرق كانت نتيجة حتمية ولم تكن الحرب ضرورية فمور يرى أن هذا كلام فارغ إذ أنه حتى في أثناء الحرب واجه ابراهام لينكلون معارضة شديدة حتى من حزبه لتمرير التعديل الثالث عشر القاضي بتحرير العبيد ولم يستطيعوا تمرير هذا التعديل على الولايات الجنوبية التي تعمل بنظام الرق لكنها لم تنفصل عن دولة الولايات المتحدة الأمريكية, وفي حالة اليابان نشاهد أن النظام الاجتماعي القديم تفكك بسبب أعمال الطبقة الحاكمة الذين فعلوا أمرين مهمين الأول هو محاولة ترسية السلم وبسبب ذلك فقد “الساموراي” أهميته في الدولة وتوجه العديد منهم إلى كونهم قطاعين طرق وجاهزين للثورة في أية وقت ولا شك أن النظام الاجتماعي في اليابان بترسيته للسلم تخلى عن أحد الطبقات الحامية للنظام الاجتماعي, والأمر الآخر الذي فعلته الطبقة الحاكمة في اليابان وساهم في الثورة هو فرض “حياة الترف” على طبقة الدايمو الذين لم يكن لهم خيار إلا الاستعانة بطبقة التجار البرجوازية الصاعدة في ذلك الوقت ومع الوقت قوت هذه الطبقة وكانت حليفة ميجي والمحرك الأقوى لعصر الاصلاحات في اليابان حيث كان القضاء على النظام القديم سهلا بعد تفككه.
يبدأ بارينتجون مور كتابه بطرح قضية التحول الديمقراطي في انجلترا ويعرض السؤال الأسرع تبادرا إلى الذهن حين تناول مسألة التحول الديمقراطي في انجلترا : لماذا بلغت عملية التحول الصناعي في انجلترا أوجها عند إقامة مجتمع حر نسبيا ؟! يتم في العادة عند تناول هذا الموضوع الحديث عن دور التسامح الديني والحرية السياسية ودور المكون الأرستقراطي لكن يتم تجاهل الدور الخاص وشديد الأهمية الذي أدته الطبقات في الريف في التحول إلى التصنيع , هذا الانفتاح كان نتيجة الثورة الانجليزية على الملك تشارلز في القرن السابع عشر وهذه الثورة كانت لها إرهاصات كثيرة من بينها هي تلاشي فكرة العصور الوسطى العصور الماقبل رأسمالية التي كانت تحكم على الأفعال الاقتصادية بناء على إسهامها في سلامة النظام الاجتماعي وأصبحت الفكرة التي يتبناها الناس هي الحكم على الفعل الاقتصادي من حيث هو دوره في مراكمة رأس المال, ولأن انجلترا كانت مجتمعا زراعيا فكان محل النقاش هو الأرض والفلاح , لقد كان الإقطاع الملكي يحمل معه ليس الأرض وحدها فالإقطاع كان على الدوام محملا ومقيدا بمجموعة كبيرة من الالتزامات نحو الآخرين, وفي انجلترا حتى قبل أن يولد آدم سميث بدأت جماعات متناثرة من الإنجليز تقيم في الريف قبول المصلحة الذاتية والحرية الاقتصادية على أنهما الأساس الطبيعي للمجتمع الإنساني, نتج عن هذا المبدأ عصر “السياج ” _الذي كان يوضع حول الأرض.. مثل “الشبك” _ فقد كان الفلاحون في انجلترا يرعون أغنامهم في الحقول المفتوحة ويحتطبون منها وكان هذا هو التعامل العرفي في انجلترا حيث أن سكان “الضيعة” يرعون في الأراضي ويعتبرونها ملكا مشاعا, لكن لم يستمر الوضع على هذا النحو فقد وجد السيد الإقطاعي والملاك الصغار للأراضي مخرجا قانونيا لتسييج أراضيهم وتأجيرها لمن يبيع الصوف, ولذلك وانتعش سوق الأراضي بين سنة 1580 واستمر لنصف عقد ليكون ثمن سعر استئجار الأرض لسنة هو ثلث الثمن بيعها قبل عقود قليلة من عام 1580والسياجات كانت شكلا من أشكال الاستيلاء على الأرضي البور والأراضي المشاعة وفي كثير من الأحيان على أراضي الجيران الذين لم يكونوا يملكون مراقبين أشداء للدفاع عن حقوقهم, خرج هؤلاء الذين شجعوا موجة الرأسمالية الصناعية منتصرون في الصراع ضد النظام القديم وخرج الفلاحون العاديون كما هي العادة الضحايا الرئيسون للتغيير. فقد كان الفلاح البسيط مضطرا لمقاومة السيل الرأسمالي الغازي وتبنيه للتقليد الانجليزي القائم على التنظيم التعاوني والحاجة إلى الأرض المشاع والخشب, وتم طرد الكثير من الفلاحيين وحولت الأراضي الزراعية والمشاع إلى مراع للأغنام حيث كان الصوف مصدرا مدرا للمال لمالك الأرض الانجليزي, وعلى ذلك فقد كان الناقل الرئيسي لما بات في النهاية مجتمعا حديثا وعلمانيا هو رجل التجارة في كل من الريف والمدن, وعلى عكس ما حدث في فرنسا انطلق هؤلاء التجار قدما بشكل أساسي اعتمادا على أنفسهم وليس تحت مظلة الرعاية الملكية, وكانت القوة الطبقة الارستقراطية بالإضافة إلى البرجوازية الصاعدة ضد تدخل التاج الملكي الذي كان يعوزه الكثير من الكفاءة الادارية في التخفيف من أثر “السياجات” على الفلاحيين والطبقات الفقيرة في المدن التي أصبحت بمرور الوقت تهديدا حقيقيا للنظام .

إذا ً كانت الثورة الانجليزية مواجهة بين العناصر ذات العقلية التجارية بين طبقات ملاك الأراضي العليا وبقدر أقل بين صغار الملاك والمحاولات الملكية للحفاظ على النظام القديم, وبطبيعة الحال هذا ليس السبب الوحيد لنشوب الحرب الأهلية لكنه السبب الرئيسي برأي بارينتجون مور, وبعد انتصار الثورة تم قتل الملك تشارز الأول بتوقيع 59 من أعضاء البرلمان في مقابل 49 الذين كانوا ضد إعدام تشارلز الأول, وتم إعدام الملك في مشهد مأساوي حيث وقف كروموبل _قائد المعارضة ورئيس المجلس الجمهوري لبريطانيا وهي المدة القصيرة التي أصبحت فيها بريطانيا جمهورية قبل أن تعود العائلة المالكة بقليل من الصلاحيات والكثير من الخوف_ خلف الملك في أثناء قتله وأخذ يلطخ يديه بدمه بعد قتله ويرفعها للحشود قائلا “انظروا إن دمه أحمر مثلنا .. مثل كل الناس .. وليس دمه أزرقا كما كان يعتقد الناس .
لم يكن الكثير من الأثرياء مرتاحين مع التغيير الكبير الذي أحدثته الثورة فقد سقطت في وقت واحد اثنتين من دعائم النظام الاجتماعي هما التاج و الكنيسة ولذلك رحب الكثير من الأثرياء بعودة الملكية في شكل جديد يتناسب مع متطلباتهم, وبالنسبة للملوك فقد كان مشهد قتل الملك تشارلز الأول مرعبا ولم يحاول أي ملك انجليزي أخذ الحكم المطلق مأخذ الجد, ويلاحظ في الثورة الانجليزية أنه لم يظهر الفلاحون وغوغاء المدن على السطح كما كانوا هم المحرك الرئيسي في الثورة الفرنسية وذلك ساعد على عدم إقامة ديكتاتورية حيث ظل النظام القديم في الثورة الانجليزية باقيا, وكانت سياسة قادة التمرد رأسمالية واضحة فقد كانوا يرفضون تدخل التاج الملكي في حقوق الملكية الخاصة بملاك الأراضي _حيث كان الملك في السابق ضد السياجات_ وكانوا أيضا ضد تدخل الراديكاليين من الطبقات الأدنى وتم التصدي لهذه المحاولات بحزم ومهارة.

لقد كان القرن التاسع عشر هو قرن التحول الديمقراطي في انجلترا بطريق سلمي بامتياز فما كان دور القرن الثامن عشرو القرن السابع في الاسهام في ذلك التحول ؟! لقد كان الميراث الذي ورثته انجلترا من القرن السابع عشر والثامن عشر هو تقوية البرلمان على حساب الملك ويعني كون البرلمان موجودا أنه كانت هناك مؤسسة مرنة تمثل الحلبة التي كان يمكن أن تُسحب إلى داخلها العناصر الاجتماعية الجديدة عند ظهور مطالبها وآلية مؤسسة لتسوية صراعات المصالح بين تلك الجماعات بطريقة سلمية, والميراث الثاني الذي ورثته انجلترا من القرن السابع والثامن عشر هو القضاء على طبقة الفلاحين وبالرغم مما تبدو عليه تلك النتيجة من قسوة فهناك أسس قوية للاعتقاد بأنه ربما كانت أهمية هذا الاسهام في التحول الديمقراطي بقدر أهمية تقوية البرلمان, فقد كان ذلك يعني أن التحديث يمكن أن يمضي في انجلترا بدون مخزون ضخم من القوى المحافظة والرجعية التي كانت موجودة في فترات معينة في ألمانيا واليابان والهند , وهو يعني أيضا أن احتمال حدوث ثورات الفلاحين بالطريقة الروسي والصينية مستبعد جدا. بالإضافة إلى المصلحة التجارية والصناعية بقاعدتها الاقتصادية القوية المدعومة من خلال الطبقة البرجوازية والطبقة الأرستقراطية الذين كانا كليهما يؤمنون بالمبادئ الرأسمالية وهذه الطبقة كانت تتميز بقدر من المرونة لتقديم تنازلات شعبية عندما تكون ضرورية.

كون أمريكا دولة ولدت متأخرة أعطاها من المميزات ما لم يكن لدول أوربا أو آسيا فأولا أمريكا في طريقها إلى الرأسمالية لم تواجه طبقة من الفلاحيين مثلما كان في أوربا وآسيا ولم تواجه مشكلة تفكيك المجتمع الزراعي المعقد والراسخ الخاص بأي من الشكلين الإقطاعي والبيروقراطي فالزراعة في أمريكا كانت منذ البداية زراعة تجارية, لكن كان هنالك معركتان مسلحتان كبيرتان في التاريخ الأمريكي ساهمت في تحول الولايات المتحدة إلى الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية المعركة الأولى هي الثورة الأمريكية ضد بريطانيا المعركة الثانية هي الحرب الأهلية الأمريكية ومن الشائع في التاريخ اعتبار الحرب الأهلية بمثابة نقطة فاصلة بين الحقبتين الزراعية والصناعية في التاريخ الأمريكي وأن نصر الشمال هو نصر للاقتصاد والفكر الصناعي على الاقتصاد والفكر الزراعي. وأيضا تعتبر الحرب الأهلية بمثابة الجرح في سجل الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت بعد الثورة الأمريكية بعبقرية سياسية باتخاذ الحلول الوسط بالمصالحة بين الولايات الجنوبية والشمالية وبين الولايات الصغيرة والولايات الكبيرة حين كتابة الدستور لكن لماذا لم تحضر هذه العبقرية أثناء الحرب الأهلية وهل كانت الحرب حتمية ولم يكن لدى أي الجانبين حل الخلاف بدون حرب؟!

يقول بارنتجون مور: بحلول عام 1860 أي قبل حدوث الحرب الأهلية بــ”!!!” كانت قد تشكلت في الولايات المتحدة ثلاثة أشكال مختلفة إلى حد كبير من المجتمع في أجزاء من البلاد: الجنوب الذي يزرع القطن والغرب أرض المزارعين الأحرار والشمال الذي يتحول بسرعة نحو التصنيع, لم يكن القطن مهما للاقتصاد الجنوبي فحسب بل كان مهما للاقتصاد الأمريكي ككل ولم تكن تلك المزارع التي يديرها العبيد زائدة غير متوافقة زمنيا مع الرأسمالية الصناعية في الشمال الشرقي بل كانت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام وجزءا من محركاته الأساسية في العالم بصفة عامة وكانت انجلترا تستورد معظم قطنها من الجنوب.

لقد كان ملاك العبيد في مناطق الجنوب لا يتجاوز 350 ألف مواطن من أصل 6 ملايين في المناطق التي تسمح بالاسترقاق, لكن مع ذلك يقول بارنتجون مور لم يكن الرق في أمريكا في طريقه للزوال بلا قوة عسكرية, و أن اعتبار أن الحرب الأهلية لم تفعل إلا أن حققت نتيجة كانت حتمية كلام فيه سخف ويدل عليه أنه حتى في أثناء الحرب الأهلية واجه التحرير السلمي للعبيد صعوبات لا يكاد يمكن التغلب عليها, ففي الولايات الجنوبية التي كانت تسمح بالاستعباد ولم تستقل عن الولايات المتحدة وقفت بشدة ضد قانون لينكلون لتحرير العبيد وفي الحقيقة أن التعديل الثالث عشر الشهير الذي حرر العبيد كان قد استثنى تلك الولايات التي كانت تأخذ بنظام الرق وبقت في الاتحاد وتلك المناطق من الجنوب الواقعة داخل خطوط الاتحاد. وفي وصف دقيق قال إيرل راسل “لم يسري التعديل الثالث عشر إلا حيثما لا يمكن لسلطات الولايات المتحدة ممارسة نفوذها” وفي الحقيقة أن بقاء العبيد في المقام الأول كما يرى مور أنه كان مفيد اقتصاديا للجنوب, لقد كانت ولايات الغرب المفتوحة حديثا هي الشرارة التي أشعلت الحرب بين الشمال والجنوب, فقد كان الشمال يخاف أنه إن انتشرت العبودية قد تنقلب الموازيين بين ولايات العبيد وولايات الأحرار الأمر الذي له أهميته بالطبع إذا كان للفروق بين مجتمع فيه عبودية ومجتمع يخلو منها أهمية وبحلول عام 1820 كانت المشكلة قد احتدمت ورغم أنه كان هنالك مجموعة من التسويات إلا أن المسألة لم تسوى للأبد ولذلك كانت المشكلة تنفجر على نحو متقطع بين فينة وأخرى, وبحلول 1857 حدث انهيار اقتصادي وهبطت أسعار القطن بشكل حاد وارتفعت معها أسعار العبيد بسبب كثرة الطلب عليهم وقلتهم فلم يكن بالإمكان استيراد العبيد بشكل قانوني كما في السابق وهذا سبب امتعاض الجنوب. لا يمكن أيضا فهم سبب الخلاف بين الجنوب والشمال بدون أن نفهم أن الجنوب كان بلا طبقة برجوازية حقيقية فرغم أن مالك المزرعة في الجنوب رأسمالي إلا أنه كان مختلفا عن الرأسمالي في الشمال فلم تكن الحضارة التي نشأت في الجنوب حضارة برجوزاية ومن المؤكد أنها لم تقم على حياة المدينة بل أنه على عكس ما حصل في أوربا من تحدي فكرة مكانة الفرد القائمة على “أصله” ومن أي عائلة أتى وهذا ما فعلته الطبقة البرجوازية في أوربا حينما تحدت الطبقة الأرستقراطية ظلت مناطق الجنوب في الولايات المتحدة تدافع عن هذه الفكرة وظلت ترى أن أفكار الثورة الأمريكية و الفرنسية أفكار هدامة , إذا ً نحن أمام حضارتين مختلفتين تنتميان إلى دولة واحدة وكما يقول بارنجتون مور أنه لا يجد في ذهنه حالة غريبة كهذه فمن الصعب العثور على حالة في التاريخ أنشأت فيها منطقتان مختلفتان أنظمة اقتصادية تقوم على مبادئ متناقضة تناقضا كبيرا ومع ذلك تظل قائمة في ظل حكومة مركزية تتمتع بسلطة حقيقية في كلتا المنطقتين.

النتيجة التي يتوصل إلليها بارنجتون مور أن الحرب الأهلية لم تكن بسبب المنافسة بين الاقتصاد الشمالي والجنوبي إذ أنهما كانا متكاملين في أحسن الأحوال وفي أسوئها لم يرتبطا ببعضهما البعض , وفي الحقيقة لم يكن يشكل المجتمع الجنوبي بنظامه الاقتصادي القائم على العبودية أي خطر على النمو الرأسمالي في الشمال لكن من الواضح أن المجتمع الجنوبي كان يشكل عقبة ضخمة في سبيل الديمقراطية, فعلى الأقل كل تصورٍ للديمقراطية يشمل أهداف المساواة بين البشر ولو حتى ذلك الشكل المحدود من مساواة الفرص وحرية الإنسان, وعلى ذلك كان المجتمع الجنوبي عائقا للمجتمع الشمالي الذي كان يرى نفسه وريثا للثورة الانجليزية في القرن السابع عشر ووريثا للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر بل وأيضا وريثا للثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر, ويبدو أن انتصار الشمال في الحرب الأهلية بالرغم من كل نتائجه الغامضة انتصارا سياسيا للحرية إذا قارنه بما كان يمكن أن يحدث لو انتصر الجنوب في الحرب, فمن الواضع أنه لو انتصر الجنوب أن نظام الرق سيرسخ نفسه في الولايات الغربية المفتوحة حديثا و التي أحاطت بالشمال الشرقي , حينذاك ستكون الولايات المتحدة مثل روسيا قبل الثورة البلشفية أي اقتصاد الأملاك الشاسعة والأرستقراطية المناهضة للديمقراطية وطبقة تجارية وصناعية ضعيفة وتابعة وعاجزة وغير قادرة على الاندفاع نحو الديمقراطية السياسية وغير راغبة في ذلك. إذا كان القضاء على العبودية خطوة حاسمة وكان يشبه في أهميته القضاء على الحكم الملكي المطلق في الحرب الاهلية الانجليزية وتلك أولوية لابد منها لأي تقدم في سبيل الحرية والديمقراطية.

ينتقل بارنتجون مور إلى الحديث عن اليابان وطريقة تحولها إلى الرأسمالية وهي التحول من الأعلى للأسفل, لقد كان وضع اليابان والصين ورسيا متشابها فكل من هذه الدول خلال القرن السابع عشر وصلت إلى سلطة هذه البلدان حكومات قوية أنهت تاريخا طويلا من الاقتتال والحروب الداخلية لكن نزوع اليابان إلى التحديث كان مختلفا عن الدولتين الآخريين, وتشكلت كقوة صناعية كبرى في بدايات القرن العشرين ولم تشهد ثورة فلاحية كما في الصين وروسيا, بعد أن انتصر توكوجاوا إياسو نصرا حاسما في معركة سيكيجهارا التي وقعت عام 1600 انهى بذلك الانتصار عصر الباونات المتحاربين وأعلن بداية فترة السلم الداخلي وعُرف هذا النظام من الحكم بجوانبه السياسية والرسمية باسم شوجن توكوجاوا واستمر حتى عودة الامبرطور في عام 1868, وكانت الفكرة الأساسية للشوجن فكرة ثابتة وهي الحفاظ على النظام والسلم, فقد كان المجتمع مقسما تقسيما حادا إلى حكام ومحكومين وكان المحكومون في المقام الأول من الفلاحين الذين كانت طبقات المحاربين الحاكمة تعتبرهم في الأساس أداة لفلاحة الأرض وإنتاج الضرائب لمنفعتها, وفي المقابل وحين كان النظام يعمل بشكل جيد كان الفلاحون يحصلون على فوائد القدر اليسير من الأمن الاقتصادي والعدل السياسي على أقل تقدير, كان الحكام يحاولون قمع أي تأثيرات يمكن أن تقضي على النظام السائد و إجهاض أية محاولة لولادة طبقة جديدة تقلق طبقة الحكام لكنهم في النهاية سيفشلون عندما يظهر التجار ويقلقون النظام السائد, كانت هنالك فروق ودرجات مهمة داخل الطبقة الحاكمة فقد كان الإمبرطور ليس أكثر من اسم رمزي يتذرع به الشوجن ليفرض سطوته وسيطرته وظل الامبرطور ليس بيده سلطة فعلية حتى القرن التاسع عشر, وبالمقابل كانت أسرة توكوجاوا التي منها الشوجن يملكون ما بين ربع او خمس الأراضي البلاد, ثم كانت تلي هذه الطبقة في المرتبة جماعة صغيرة هم السادة العظام ويسمون بالدايمبو ولم يكن هنالك سوى 194 منهم في عام 1614 وكانت لهم مزارع شاسعة تنتج الأرز غالبا وكانت تلي هذه الطبقة منزلة ً جماعة الساموراي الرئيسية أو المحاربون الذين كانت بينهم تفاوتات كبيرة في السلطة والثروة ويقدر هؤلاء حوالي مليوني شخص أو تقريبا بين كل ستة عشر من السكان, وكان الساموراي من الناحية الرسمية أتباع عسكريين للدايمبو وكان يتلقون منهم راتبا سنويا من الأرز, وفي الحقيقة أن الشوجن توكوجاوا بجعل الساموراي متلقين للراتب السنوي كان قد عزلهم عن قواعد السلطة المستقلة في الريف وقضى بضربة واحدة على المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار السياسي في الفترة السابقة , وفي الوقت نفسه ومن خلال فرض السلم والنظام حرم الشوجن الساموراي من أية وظيفة حقيقية في المجتمع الياباني وأسهم في خلق جماعة الساموراي الذين أصابهم الفقر والذين سيكونون في النهاية سببا رئيسا في الإطاحة بالشوجن.

يقول بارنتجون مور عانى نظام توكوجاوا ولم يستطع المحافظة على شكل الطبقات القديم ومع ظهور سفن الكومودوا بيري في عام 1854 كان نظام توكوجاوا قد عانى من انهيار كبير وكان انهيار النظام القديم بالإضافة إلى محاولات الحفاظ على امتيازات النخبة الزراعي قد أدى إلى ظهر بعض القوى الاجتماعية التي بلغت ذروتها في النظام الذي ألقى قنابله المميتة على بيرل هاربر في عام 1941 .

لقد كان هنالك عاملين تسببا في موت النظام القديم و كانا القابلة التي أشرفت على ولادة النظام الجديد, ومن المفارقات أن يكون هذان العاملان هما ما حرص على ترسيته الشوجن توكوجاوا وهما الترف والسلم, فقد كان الترف الذي فُرض على طبقة الدايمبو من خلال إجبارهم على الإقامة في العاصمة في فترات محددة من السنة وبذلك ازدادت نفقاتهم حيث كان عليهم الاحتفاظ بمقرين في الموطن الاصلي وفي العاصمة وما يستتبع ذلك من سفر مع الحاشية وإظهار أشكالا من البذخ وهي ضرورية لتأكيد المكانة الاجتماعية وصرف تكاليف إقامتهم في العاصمة, فهذه الزيادة في الإنفاق أضعفت الدايمبو وأعطى في نفس الوقت حافزا للطبقات التجارية في المدن, فقد اضطر الدايمبور إلى شحن منتجات مزارعهم المحلية إلى السوق مستعينين بخدمات التجار وبذلك أصبح الدايمبو معتمدا على التاجر في تسويق سلعته في المدن ومن جهة أخرى اعتمد التاجر على الدايمبور ليوفر له الحماية السياسية. ومن ناحية أخرى كانت المصارف الكبيرة التي اضطر أن يدفعها الدايمبو ومع شيوع السلم والنظام سببا رئيسيا لتخفيض رواتب الساموراي التابعين لهم, ولاشك أن مكانة المحارب القديم في اليابان كان قد شارفت على الغروب وكانت مكانة المكانة القائمة على الثروة قاربت على الشروق, يقول أحد الأدباء اليابانيين واصفا تلك الحقبة أن “الساموراي أصبح يكره سيده أكثر مما يكره ألد أعدائه المحاربين” ورغم أن في هذا الوصف مبالغة لكن نشأ في تلك الفترة, ولا ننسى أن الساموراي كان ممنوع عليه ممارسة أية نشاط تجاري وبالرغم أن كثيرا منهم لم يكونوا أوفياء لهذا القانون لكن لم يحققوا أرباحا تشعرهم بالأمان كساموراي , ولأجل ذلك أصبح كثير من الساموراي “رونين” أي لا سيد لهم, ولأن هؤلاء موهبتهم الكبيرة هي القتال لم يتوانى عن الانخراط في أية نشاط عنيف, وهذا أسهم بشكل كبير في اضطراب الجزء الأخير من عصر توكوجاوا, وانخرط عدد منهم في قضية التخلص من الغربيين وعارض كثير منهم فتح موانئ جديد لأنه يعني حينئذ أن طرد الغربيين مجرد حلم, ومن جانب أخر اشتدت قوة طبقة التجار “تشونين” حتى أنها تفوقت على قوة الأرستقراطية اليابانية “الدايمبو” أو “الساموراي” فقد كان هؤلاء يعتمدون على التجار في تحويل محاصيلهم الزراعية إلى نقد وتمويلهم بالكثير من الأشياء الضرورية ومعظم الطيبات اللازمة لأسلوب الحياة الارستقراطي, ومن الملاحظ أن التجار لم يطالبوا بالتخلص من القيود الاقطاعية, وأكثر من ذلك أصبحت عائلات الساموراي الفقيرة تبيع مرتبتها السياسية إلى التجار وبذلك نشأت طبقة تجار محاربين وبالمقابل نشأت طبقة دايمبو وساموراي تجار فانهار الفصل الطبقي الذي كان يقوم عليه نظام الشوجن.

نظام الشوجن كان يوشك على الانهيار ومع استغلال موضوع الاقطاع من قبل أنصار الإمبرطور “ميجي” تم تحريض الفلاحيين للقيام بتمردات متفرقة, ولم تكن سوى مسألة وقت حتى يعود الإمبرطور ليكون هو السلطة المركزية ويبدأ عصر “الميجي – الإصلاح” و قصة اليابان الرأسمالية .

٢٠١٣٠٤٠٨-١٣٢١٢٦.jpg

قراءة في كتاب بؤس الايديولوجيا – كارل بوبر

تعليق واحد

اسم الكتاب: بؤس الايدولوجيا
اسم المؤلف: كارل بوبر
اسم المترجم : عبدالحميد صبرة
عدد الصفحات: ٢٠٤

كارل بوبر يعتبر من أبرز المفكرين المعنيين بقضية “فلسفة العلم” وقدم إضافات محترمة له، وهو في هذا الكتاب يدق طبول الحرب ليشن هجوما كاسحا ضد علماء العلوم الإنسانية ولا يستثني من مدنهم سوى علم النفس و الاقتصاد فقد أعطاهم الأمان في بداية كتابه, الطريق الذي يسلكه كارل بوبر في هجومه هو تقرير أن معظم العلماء الإنسانيين _ما قبل نظرية الفوضى على الأقل_ يؤمنون بأن هنالك قوانين و اتجاهات وأنماط يسير عليها التطور التاريخي وأنه بالإمكان الكشف عن هذه الأنماط _وفيما بعد وُلِدَت فلسفةٌ تقول أنه لا يمكن التنبؤ بالتاريخ وأحد أبرز رواد هذه الفلسفة نسيم طالب صاحب كتاب البجعة السوداء_ كارل بوبر يقول أن علماء العلوم الإنسانية رغم أنهم دشنوا علومهم قبل العلوم التطبيقية الطبيعية لم يستطيعوا حتى الآن أن أن يصلوا إلى معادلات تخبرنا عن التطور التاريخي .و أن النقطة “ب” سيصل إليها المجتمع في حالة كذا وكذا بعكس العلوم الطبيعية التي قدمت نتائج مذهلة في توقع مسارات النجوم وتأثيراا الكواكب وأماكن سقوط القذائف ونحوها, كارل بوبر بعد أن يعرض بؤس الفلاسفة التاريخانيين من وجهة نظره يؤكد نظريته الأساسية وهي أن العلم يجب أن يستخدم أكثر في مناطق النفي وأنه لا يكون علما بلا اختبار وتجريب فأنت ربما تنظر وتحلل لمدة سنوات أن كل البجع أبيض عن طريق الاستقراء لكن يكفي أن ترى بجعة سوداء واحدة لتثبت فشل هذه النظرية. فهو كما هو واضح ينزع إلى أن يُعرَّض النظريات إلى أقسى أنواع التحديات فإن صمدت كان نظرية علمية , وبشكل عام الكتاب ممتاز ويحفزك على التفكير والتساؤل لماذا لم تتقدم العلوم الانسانية كما تقدمت العلوم الطبيعية ؟! وفي كل جواب قد تقدمه سيرد عليك كارل بوبر مبينا أن العلوم الطبيعية واجهت تلك الصعوبات بعينها ما عدا أنها استنتجت لها منهجا يجعلها ناجحة.

ينطلق كارل بوبر من فكرة مفادها أن هنالك مذهبٌ كثيرا ما نصادفه في المناقشات المتصلة بالعلوم الاجتماعية وهذا المذهب كثيرا ما يـُستخدم من غير نظر نقدي بل قد يسلم به تسليما , وهو يقصد في الإجمال طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبؤ التاريخي هو غايتها الرئيسية كما تفترض أن إمكان الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الأنماط التي يسير التطور التاريخي وفقا لها , وكارل بوبر يسمي هذا المذهب بالمذهب “التاريخاني ” , يبدأ كارل بوبر كتابه بالقول أن العلوم الاجتماعية والاهتمام بها ليس أحدث من العلوم الطبيعية وفي العصور القديمة كان يمكن أن تبدو فيها العلوم الاجتماعية متقدمة على العلوم الطبيعية , ولكن بمجيء جاليلو ونيوتن أحرزت العلوم الطبيعية من النجاح ما لم يكن مرتقبا لها وتفوقت على غيرها من العلوم , ولكن العلوم الاجتماعية لا يبدو أنها وجدت من يحقق لها ما حققه جاليلو ونيوتن للعلوم الطبيعية , وفي هذه الأحوال يتجه الباحثون في علم من العلوم الاجتماعية إلى الاشتغال بالمسائل المنهجية والكثير من مناقشاتهم حول هذه المسائل يُطرح وقد اتجهوا بأبصارهم إلى مناهج العلوم المزدهرة وبخاصة العلوم الطبيعية , فمثلا كانت المحاولات الهادفة إلى تقليد المنهاج التجرييبية المتبعة في العلوم الطبيعية هي التي أدت إلى إصلاح علم النفس في عهد فونت , ولكن كما يرى بوبر أن نتيجة هذه الإصلاحات في العلوم الاجتماعية عدا علم الاقتصاد وعلم النفس لم يحالفها التوفيق. وحينما فشلت بدءا العلماء يتساءلون عن إمكان تطبيق المناهج الفيزيقية _مناهج العلوم الطبيعية _ على العلوم الاجتماعية , وكما يقول بوبر نشأ فريقين من ذلك التساؤل، فريقٌ مؤيد لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية وفريقٌ رافض لها , ويعتقد بوبر أن كلا الفريقين وما يقدمانه من حجج قائم على فهم خاطئ للعلوم الطبيعية .

يعارض المذهب التاريخاني الذي يقول باستحالة تطبيق معايير المنهج الطبيعي في العلوم الاجتماعية: إن المناهج التي تتميز بها العلوم الطبيعية لا يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية لأن قوانين الطبيعة أو القوانين الفيزيقائية هي قوانين صادقة في كل مكان وأي زمان ذلك أن العلوم الطبيعية تسيطر عليها مجموعة من القوانين التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان، عكس القوانين الاجتماعية أو قوانين الحياة الاجتماعية فتختلف باختلاف الزمان والمكان ورغم تسليم المذهب التاريخياني كما يقول بوبر بأن كثيرا من الظروف الاجتماعية النموذجية يعود إلى الظهور على نحو منتظم فإن المذهب التاريخاني ينكر أن يكون لانتظام وقوع هذه الحوادث في الحياة الاجتماعية ما لنظيره في العالم الفيزيقي من طابع ثابت , وذلك لأن الحوادث الاجتماعية المنتظمة تعتمد في وقوعها على التاريخ كما أنها تعتمد على الفوارق الحضارية ي أنها تعتمد على موقف تاريخي معين . ومن ثم لا ينبغي للمرء أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية مثلا من غير تقييد وإنما يجور له فقط أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية في عهد الإقطاع أو القوانين الاقتصادية في مطلع العهد الصناعي وهكذا .ولذلك يقول المذهب التاريخاني أن كثير من التغييرات التي حصلت في العلوم الاجتماعية إنما هي من صنع الإنسان نفسه وهذا لا ينطبق على القوانين الفيزيقية فهي ليست من صنع الإنسان، إذ أنها ثابته وحتى لو تغيرت فإن تغييرها لم يحصل بسبب الإنسان وهذه الحجة كما يقول بوبر تجد لديها قبولا لدى أصحاب النزعة العملية من المذهب التاريخاني الذين يرفضون الأمر الواقع ويسعون إلى التغيير وكما يقول ماركس الذي يعده بوبر “أحد مشاهير التاريخانيين والنزعة العملية ” فهو يقول _أي ماركس_ “لقد وقف الفلاسفة حتى الآن عند تفسير العالم على أنحاء مختلفة , ولكن المهم هو تغييره ”

ويحتج التاريخيون أيضا بأن العلوم الطبيعية تستخدم منهج التجربة أي أنها تتوسل إلى عزل الظواهر الطبيعية صناعيا والتحكم فيها حتى تتوصل إلى تحقيق الظروف المتماثلة مرة بعد أخرى وما يترتب على هذه الظروف من نتائج معينة , وواضح أن هذا المنهج يعتمد على الفكرة القائلة بأن الأمور المتماثلة تحدث في الظروف المتماثلة والذي يدعيه صاحب المذهب التاريخاني هو أن هذا المنهج يمتنع تطبيقه في العلوم الاجتماعية وحتى إن أمكن تطبيقه فهو في رأي المنهج التاريخاني عديم النفع لأنه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقق إلا في حدود الفترة التاريخانية الواحدة فلن يكون لأية تجربة نجربها إلا دلالة محدودة جدا , وأيضا التجربة في العلوم التطبيقية لا تكون إلا بعزل الظواهر الطبيعية صناعيا وإن تم عزل الظواهر الاجتماعية صناعيا كما في العلوم الطبيعية فإن ذلك سيؤدي إلى استبعاد العوامل التي لها الأهمية العظمى في علم الاجتماع , فنحن على سبيل المثال لن نجد في روبنسن كروسو وفي نظامه الاقتصادي الفردي المنعزل نموذجا مفيدا للنظام الاقتصادي الذي لا تنشأ مشكلاته إلا عن التأثير المتبادل بين الأفراد والجماعات.

وأيضا يقول المذهب التاريخاني أن تكرار التجربة بحذافيرها بالنسبة للمجتمعات مستحيلة إذ أننا في علم الحياة نتكلم عن تاريخ الكائن العضوي لأن هذا النوع من الكائنات يتكيف إلى حد ما بالحوادث الماضية , وإذا تكررت هذه الحوادث فإنها تفقد ما لها من طابع الجدة _بأن تكون جديدة_ بالنسبة للكائن العضوي الذي جربها , فتتخذ صفة العادة بالنسبه له , ولكن هذا هو السبب في أن تجربة الكائن للحادث المتكرر ليست هي نفس تجربته للحاديث الأصلي أي السبب في أن تجربة التكرار هي تجربة جديدة , وعلى ذلك فتكرار الحوادث المشاهدة يقابله تولد التجارب الجديدة في من يقوم بالمشاهدة ولما كان التكرار تنشأ عنه عادات جديدة فهو على في تكون ظروف جديدة لها صفة العادة ومن ثم فلا يمكن لمجموع الظروف الداخلية والخارجية التي تكررت فيها تجربة تجريها على كائن عضوي معين لا يمكن لهذه الظروف أن تكون من التشابه بحيث يجوز أن نتكلم عن تكرار بالمعنى الصحيح , وذلك لأنه حتى لو تكررت ظروف البيئة بحذافيرها فإن هذا التكرار سيقترن بظروف جديدة في داخل الكائن العضوي : إذ أن الكائن العضوي يتعلم من التجربة , أما في العالم الطبيعي فإنه يستحيل أن يحدث فيه شيء جديد حقا فقد يخترع الإنسان آلة جديدة ولكن من الممكن دائما أن ننظر إليها على أنها ترتيب جديد لعناصر هي أبعد ما تكون عن الجدة _بأن تكون جديدة_ , وعند المذهب التاريخاني أن الجدة في عالم الاجتماع جدة حقيقية بل جدة جوهرية كالجدة البيولوجية أي أنها جدة حقيقية لا يمكن ردها إلى جدة في الترتيب وذلك أنه يستحيل في الحياة الاجتماعية أن تبقى العوامل القديمة في الترتيب الجديد كما كانت عليه من قبل تماما , ويزعم المذهب التاريخاني كما يقول بوبر أنه ما من شيء يفوق في أهميته ظهور الفترات التاريخية الجديدة حقا , وهذا الأمر الفائق الأهمية في الحياة الاجتماعية لا تمكن دراسته بنفس الطرق التي تعودنا اتباعها في تفسير الظواهر الفيزيقية الجديدة أي باعتبارها ترتيبات جديدة لعناصر مألوفة وحتى لو أمكن تطبيق المناهج الفيزيقية المعهودة على المجتمع لما أمكن تطبيقها على أهم صفاته جميعا : يعني المذهب التاريخاني بذلك انقسامه إلى فترات وظهور الجدة فيه .

ثم ينتقل بوبر ليعرض مذهب التاريخانيين المؤيدين لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية في العلوم الانسانية, فهؤلاء يقولون إن العلوم الإنسانية نسق نظري غايته تفسير الحوادث والتنبؤ بها بواسطة النظريات والقوانين الكلية التي يحاول عالم الاجتماع اكتشافها , وحين نَصفُ علم الاجتماع بأنه تجريبي فمعنى ذلك أن له سندا من التجربة وأن الحوادث التي يفسرها ويتنبأ بها هي وقائع يمكن مشاهدتها وأن المشاهدة هي الأساس الذي نعتمد عليه في قبولنا أو رفضنا لأية نظرية من نظرياته , ونحن حينما نتحدث عن النجاح الذي أحرزه علم الطبيعة فالمقصود النجاح الذي أحرزه في تنبؤاته ونحن حين نعارض بين النجاح المحدود لعلم الاجتماع ونجاح العلوم الطبيعية فنحن نفترض أن نجاح علم الاجتماع ينبغي هو الآخر أن يقوم في أساسه على تأييد التجربة لتنبؤاته , ويلزم عن ذلك أن بعض المناهج كالتنبؤ بواسطة القوانين واختبار القوانين بالتجربة يجب أن يكون خطا مشتركا بين علم الاجتماع وعلم الطبيعة .
يقول كارل بوبر أن أحد الأسس التي انطلق منها المؤيديون لاستخدام المنهج الطبيعي في العلوم الاجتماعية هي إعجابهم الشديد بنيوتن وعلم الفلك تحديدا وقدرته على التنبؤ بالأحداث فعلم الفلك يستطيع بحساباته أن يتنبأ أين ستكون النجوم , فلذلك دعا التاريخانيون المؤيدين لاستخدام المنهج الطبيعي أنه كما لعالم الفلك أن يستعين بسجلات المراصد و مراقبة الكواكب وحينها يستطيع التنبؤ عنها فكذلك على عالم الاجتماع أن يطالع التاريخ ومن خلال دراسته يستطيع التنبؤ بالأحداث وأيضا كما أن علم الفلك قائم على تفسير الحركات باعتبارها معلومة لقوى تعينها أو ما يسمى بالديناميكا فكذلك التاريخانيون يقولون أنه يجب أن يقوم علم الاجتماع على نوع من الديناميكا الاجتماعية أي على نظرية تفسر الحركة الاجتماعية باعتبارها معينة بقوى اجتماعية أو تاريخية , ثم بعد ذلك نصل إلى نظرية التطور التاريخي وكما يقول بوبر يدعي المذهب التاريخاني أن علم الاجتماع ليس إلا علم التاريخ وليس المقصود بالتاريخ هنا المعنى التقليدي والمحدود للكلمة بأن يكون سجلا للأحداث الماضية بل المقصود أنه ذلك العلم الذي لا يكتفي بأن يعود بصره إلى الماضي فحسب بل يُلقي ببصره نحو المستقبل أيضا , وعلم التاريخ بهذا المعنى يدرس القوى المؤثرة بوجه عام وقوانين التطور الاجتماعي بوجه خاص ولذلك من وجهة نظر المذهب أن القوانين الاجتماعية الصادقة صدقا كليا هي قوانين تاريخية , إذ يجب أن تكون قوانين للصيرورة والتغيير والتطور , وفي رأي التاريخانيين أن علماء الاجتماع ينبغي أن يحاولوا الوصول إلى فكرة عامة عن الاتجاهات العريضة التي تتغير الأبنية الاجتماعية وفقا لها كما أن يحاولوا أن يدركوا العلل في هذه الصيرورة حتى يستعد الناس لاستقبال التغييرات الوشيكة الوقوع باستنباط النبوءات من تلك القوانين .

لا ينبغي أن نفهم أن المذهب التاريخاني بكلا اتجاهيه يدعو إلى انتظار التغيير أو القدرية بأن ينفي قدرة الإنسان على تغيير مجتمعه فهذا لم يكن مقصودهم بل إن المذهب التاريخاني لديهم ميول لما يسميه بوبر “النزعة العملية ” والمذهب التاريخاني يعلم تمام العلم أن رغباتنا وأفكارنا وأحلامنا واستدلالاتنا ومخاوفنا ومعارفنا ومصالحنا وأعمالنا هي كلها قوة مؤثرة في تطور المجتمع والمذهب لا يقول بعجزنا عن إحداث أي شيء كان , وإنما يتنبأ بأنك لن تستطيع أن تحقق شيئا بأحلامك أو بما يركبه عقلك طبقا لخطة مرسومة فلا تأثير إلا للخطط التي تتمشى مع تيار التاريخ الرئيسي , ولذلك فالأعمال المعقولة ليست إلا ما يتلاءم مع التغييرات الوشيكة الوقوع ويساعد على تحقيقها ومن ثم فالنبوءة التاريخية والتفسير التاريخي يجب اتخاذهما أساسا لكل عمل اجتماعي واقعي صادر عن رؤية , ثم يتساءل بوبر هل بإمكان المذهب التاريخاني أن يبعث الأمل والرجاء في نفوس من يرغبون في رؤية عالم أفضل ؟ فيجيب أن هذا الأمل لا يمكن أن يمنحه من التاريخانين إلا من ينظر إلى التطور الاجتماعي نظرة متفائلة فيعتقد أنه بطبيعته “خير” و “مطابق للعقل” بمعنى أنه متجه بطبيعته نحو حالة أفضل وأكثر قبولا لدى العقل . ومن المفارقات أن منهج التاريخانيين القائم على المذهب الطبيعي يستلزم منه نظرية اجتماعية تقول بأن المجتمع لا يتطور أو يتغير تغيرات ذات شأن , أما المذهب الآخر المعارض للعلوم الطبيعية فهو يقول أن المجتمع متغير بالضرورة ولكنه يسير في طريق مرسوم لا يمكن أن يتغير ويمر بمراحل عينتها من قبل الضرورة التاريخية فها هو ماركس يقول “إذا ما اكتشفت مجتمع من المجتمعات قانون الطبيعي الذي يعين حركته فلن يمكنه ذلك من تخطي المراحل الطبيعية لتطوره أو حذفها من الوجود بجرة قلم ولكن في استطاعته أن يفعل شيئا واحدا وهو التقليل من آلام الوضع والتقصير من مدتها ”
بعد أن نقد بوبر المذهب التاريخاني بكونه مذهب كلي وشمولي ولا يؤمن بالهندسة الاجتماعية أو تكنولوجيا المجتمع بحيث يكون التغيير مرسوما مسبقا ومخططا له ويكون جزيئا ويعتبر المذهب التاريخاني مثل هذا النوع من التغيير أو الذي يطالب به كالمشعوذ الذي يقوم برقصة لنزول المطر بينما يرى المذهب التاريخاني مهمته الأساسية بأن يكون كالنشرة الجوية بأن ترصد أحوال المجتمع وتتوقع التغييرات التي تحصل على حد ادعاء بوبر , ثم ينتقل بوبر إلى الرد على مذهب التاريخيين الذين يرون استحالة تطبيق المناهج الطبيعية على علوم الاجتماع فيقول يزعم التاريخاني أن المنهج التجريبي لا يمكن تطبيقه في العلوم الاجتماعية لأننا لا نستطيع في الميدان الاجتماعي تحقيق الظروف التجريبية المتماثلة تماما مرة بعد أخرى ومع أن بوبر يسلم بأن هذا الزعم قد يكون فيه شيء من الحق لكنه يقرر أن زعم المذهب التاريخاني قائم على سوء فهم فاحش للمناهج التجريبية في علم الطبيعة , ولنتأمل أولا في هذه المناهج الطبيعية فكل عالم طبيعي تجريبي يعلم أنه قد تحدث أمور مختلفة جد الاختلاف في ظروف تبدو متماثلة فقد تبدو لنا قطعتان من السلك متشابهتين تماما التشابه لكننا إذا وضعنا الواحدة منهما مكان الأخرى في جهاز كهربائي كان الخلاف في النتيجة كبيرا جدا وقد نحتاج إلى بحث طويل حتى نكتشف أي نوع من التماثل ينبغي تحققه لنحصل على نفس النتائج وقد نحتاج إلى إتمام البحث قبل أن يكون بمقدرونا تحقيق الظروف المتماثلة لأجل إجراء تجاربنا ..ومع ذلك فنحن نطبق منهج التجربة طوال الوقت , وحتى حجة العزل الصناعي فالمذهب الطبيعي لا يستطيع عزل تأثير القمر على أحد الكواكب لكي ينظر إلى مدى تأثيره وحجمه بل يستمر بالتجربة والمقارنة وكذلك المفترض على عالم الاجتماع وأيضا قضية التطورات التاريخية فكما يرى بوبر أن المسألة بالنسبة للتاريخانيين أنهم يشكون لو أنهم ذهبوا إلى فترة تاريخية بعيدة لكان الفشل مصير الكثرة الكاثرة من تجاربهم الاجتماعية ويقول بوبر أن مثل هذه المخاوف تبدو جزءا من هستيريا المذهب التاريخاني بانشغاله المرضي بأهمية التغير الاجتماعي والمسألة كما يقول بوبر أن عالم الاجتماع التاريخاني ليس له القدرة على تكييف ذهنه تكييفا ناجحا يتلاءم وما يحدث في البيئة الاجتماعية من تغييرات .

ثم ينتقل بوبر إلى حجة التاريخانين الثانية وهي أن التعميمات لا تصدق إلا على فترة تاريخية معينة , ويبدأ بوبر بانتقاد دعوى المذهب التاريخاني بأنه يسلم بأن معظم الناس الذين يعيشون في فترة تاريخية معينة يميلون إلى الاعتقاد خطأ بأن ما يحدث حولهم على نحو منتظم هو من القوانين الكلية للحياة الاجتماعية ونحن لا نستطيع أن نكتشف ذلك إلا عندما ننتقل إلى بلد غريب فجأة فنجد أن عاداتنا في الأكل ونحوه لا تلقى قبولا لدى البلد الغريب كما كنا نفترض من قبل وينتج عن ذلك بوضوح أن كثير من تعميماتنا التاريخية الأخرى قد تكون من هذا النوع نفسه ونحن لا نستطيع الانتقال إلى فترة تاريخية معينة لتأكد من هذا الأمر وهذه الصعوبة لا تواجه المذهب الطبيعي فيقول العالم التاريخاني إنه لا يستطيع التأكد من أن ما يكتشفه هو قوانين كلية حقا لأنه لا يملك ما يكفي من الوثائق لإثبات ذلك , ويرد بوبر بأن ما يلحق بيئتنا الفيزيقية من تغير قد تنشأ عنه تجارب مماثلة تماما لما ينشأ نتيجة لتغير بيئتنا الاجتماعية أو التاريخية , فهل هناك كما يقول بوبر ما هو أكثر انتظاما من تعاقب الليل و النهار ؟ مع ذلك فهذا التعاقب لا ينطبق إن عبرنا الدائرة القطبية , ونيوتن لم يكن مضطرا أن يتنحى ناحية من العالم يشاهد منها حركة الأجسام التي ل خضع لتأثير قوة الجاذبية أو غيرها حتى يتبين أهمية قانون القصور الذاتي مثلا بل على العكس إن قانونه هذا محتفظ بقيمته في المجموعة الشمسية على الرغم أنه لا يوجد فيها جسم واحد يتحرك بمقتضاه , ويتوصل بوبر أنه لا يبدو أن هنالك سببا نعجز من أجله عن صياغة النظريات الاجتماعية الهامة بالنسبة لكل الفترات الاجتماعية فالفوارق البارزة بين هذه الفترات لا تدل على استحالة اكتشاف مثل هذه القوانين , ثم ينتقل بوبر إلى الرد على المذهب التاريخاني المؤيد لاستخدام المنهج الطبيعي بحجة أن تاريخاني القرن التاسع عشر يعتنق عقيدة التطور الاجتماعي وهو يقتبسها من داروين كما كان التاريخاني في القرن الثامن عشر يؤمن بالتنبؤات بعيدة المدى ويقتبسها من نيوتن .
يرى بوبر أن مذهب وحدة المنهج بين المذهب الطبيعي والاجتماعي وهو المنهج الذي يقول بأن العلوم النظرية أو التي تهدف إلى تقرير القضايا العامة سواء كانت علوما طبيعية أو اجتماعية تستخدم جميعها منهجا واحدا وهذا المنهج هو الصحيح برأي بوبر , فهذه المناهج ترجع إلى التفسير العلم الاستنباطي و التنبؤ والاختبار ويسمى في كثير من الأحيان منهج الفرض لأنه لا يحقق اليقين المطلق لأي من القضايا العلمية التي يختبرها وإنما تحتفظ هذه القضايا دائما بطباع الفروض المؤقتة وإن بدا هذا الطابع قد يذهب عنها بعد نجاحها في كثير من الاختبارات القاسية , ويواصل بوبر فيقول يجب أن ننظر إلى الاختبارات باعتبارها محاولات لاستئصال النظريات الكاذبة أو اكتشاف مواطن الضعف في النظريات حتى ننبذها إن كان الاختبار يكذبها وتبدو هذه النظرية أحيانا مخالفة لأهداف العلم إذ يقال إن غاية العلم إثبات النظريات لا حذف الكاذب منا ولكن استهدافنا إلى إثبات النظريات إلى أقصى درجة تستطيعها هو نفسه الذي يدعونا إلى أخضاعها لأقسى أنواع الاختبار فينبغي أن نحاول اكتشاف وجوه النقص فيها وينبغي أن نحاول تكذيبها ويختم بوبر بقوله إن أردنا أن نضمن البقاء للنظريات الصالحة لوحدها علينا أن نجعل كفاحها من أجل الحياة عسيرا .

٢٠١٣٠٣٢٠-٠٧٥٦٥١.jpg

٢٠١٣٠٣٢٠-٠٧٥٩٥٧.jpg

قراءة في كتاب المجتمع والدولة في الخليج العربي – خلدون النقيب

أضف تعليق

المفكر الكويتي الراحل خلدون النقيب يعتبر واحدا من أهم علماء الإجتماع في الفكر العربي المعاصر ويتسم منطقه وتحليله بالوضوح و الجرأة والتمسك بقيم العروبة طبعا هذا غير العمق الفكري الذي تتميز به كتاباته , وفي هذا الكتاب يحاول أن يدرس مجتمع الخليج العربي منذ القرن السادس عشر حتى العقد الثامن من القرن العشرين وهو وقت صدور الكتاب ومع أن الكتاب له أكثر من خمسة وعشرين سنة إلا أنه يعتبر من أهم الكتب من الناحية التحليلية التي تحدثت عن الخليج العربي وحاولت أن تسبر غور هذه البقعة المعقدة , يبدأ الكاتب كتابه محاولا استنطاق روح البقعة التي يسكنها أهل الجزيرة العربية فيقول :إذا كان لأي منطقة حضارية على وجه الأرض روح ناطقة فهي منطقة الجزيرة العربية وامتدادها الطبيعي من وادي حضرموت إلى وادي الفرات ويقصد المؤلف بالروح الناطقة الكل الحضاري أو النظرة الكلية الإجمالية للأشياء التي تتراكم عبر العصور مهيمنة بشكل خفي وظاهر على مسلكيات ونزعات السكان , إنها هذه السمات المشتركة والتركيبة الذهنية الكلية التي تجمع شتات هذا المهرجان المغرق في القدم من التحضر والتعبد والتمرد ومن الجماعات الغازية العابرة ومن قوافل التجارة والحج ومن صخب الأسواق وسكون الصحراء من اختلاط البداوة بالجهاد والجهاد بالتجارة والتجارة بالزراعة في تفاعل وذوبان متواصل , فعند خلدون النقيب كل هذه الأمور لها تأثيراتها الواسعة والعميقة في البنية الثقافية للجزيرة العربية , في الفصل الأول يطرح خلدون النقيب فكرته الأولى عن الخليج العربي ما بين القرن الثالث عشر والقرن التاسع عشر وهذه الفكرة تهز الصورة النمطية لدول الخليج العربي بأن اقتصادها كان قائم على الغزو والرعي بل يقول أنه كان هنالك ثورة تجارية استمرت منذ القرن الثالث عشر منذ سقوط الدولة العباسية حتى القرن التاسع عشر في الخليج العربي وشهد الخليج في تلك الفترة نموا اقتصاديا هائلا ونقرأ في بعض المراجع التاريخية حديثا عن مدى الثراء الخرافي للتجار العرب في الكاجارات وعن مدى ثراء مدينة هرمز , وهذه الثورة الاقتصادية تمت بفضل أن المدن الرئيسية في الخليج العربي كانت منطقة ترانزيت للتجارة العالمية و أن التجارة هي كانت المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي وليس الغزو كما يشاع لكن ما الذي حدث وقطع هذه الثورة التجارية في الخليج ؟! الذي حدث هو المخطط الامبريالي الأوربي للسيطرة على التجارة العالمية , في الفصل الثاني يتطرق خلدون النقيب إلى المخطط الامبريالي و المقاومة الخليجية و قد استمرت المقاومة الخليجية للقوى الامبريالية منذ القرن السادس عشر منذ قدوم البرتغاليين حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث وقعت أغلب مدن الخليج التي على الساحل معاهدات حماية مع بريطانيا وبهذه الاتفاقيات انهارت للأبد الحالة الاقتصادية بسبب أن شركة الهند الشرقية استطاعت أن تحتكر معظم السلع الاستراتيجية وعالية الربح القادمة من الهند و انحصر دور التجار الخليجين على كونهم وكلاء أو موزعين للسلع الأوربية وهذا بطبيعة الحال أدى إلى انهيار السوق الحرفي في الخليج العربي , و نشأ في هذه الفترة استجابة للسوق الرأسمالية العالمية الناشئة نوع من التخصص السلعي فاليمن ارتكز اقتصاده على تصدير القهوة والحجاز ارتكز جل حياته الاقتصادية على تجارة الحج وفي الخليج ارتكز الاقتصاد على تجارة اللؤلؤ وهذا أدى نتائج اقتصادية وخيمة وهي انهيار الاقتصاد في حالة عدم تسويق السلعة في أحد السنوات كما حصل في اليمن عندما فقدت أهميتها بدخول البرازيل على الخط وانتاجها للقهوة وكما حدث للحجاز عندما تعطل الحج من سنة 1940 – 1942 لقيام الحرب العالمية الثانية , وفي الفصل الخامس يذكر خلدون النقيب أن قدوم النفط أعطى الحكومة قوة هائلة و أدى إلى صعود نجم العائلات المالكة والبوتقة التي حولها ومع هذا الصعود السريع والهائل وجدت بعض القوى التقليدية مثل القبائل البدوية والطوائف الدينية تخسر مواقعها التقليدية في الدولة الريعية , وكما قلنا النفط أعطى مؤسسة السلطة قدرة هائلة لذلك يقول استطاعت كما يقول خلدون النقيب أن تستولي تماما على كل المجالات الحيوية في الدولة فيقول تمد الدولة اخطبوط تسلطها إلى النظام الاقتصادي فتحتكر ملكية وسائل الانتاج وإلى النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم وإلى النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته.

في محاولته لتحليل لبنية العلاقة التجارية للمدن في الخليج العربي يستدعي خلدون النقيب مصطلح “الحالة الطبيعية” وهو يستخدمه في سياق فكري مختلف عن الاستخدام الشهير في فلسفة العقد الاجتماعي كما سيوضح خلدون النقيب نفسه دفعا للالتباس, ثم يقول خلدون النقيب معرفا بالمصطلح الذي يستخدمه بإنه يقصد باستخدامه إياه المحصلة الدينامية للبنى الاجتماعية – الاقتصادية ولعمل القوى السياسية والخصائص المميزة للعلاقات الاجتماعية السائدة في مجتمع الخليج والجزيرة في فترة محددة من الزمن وهي مطلع القرن السادس عشر مثلا , إنها الطريقة التي تصاغ بها النشاطات والعلاقات الاجتماعية في تقسيم عمل على المستوى المجتمعي يتناسب مع درجة تطور ونضج أو تخلف قوى الانتاج في هذه الفترة . ويتحدث خلدون النقيب بالطريقة نفسها التي يتكلم بها فرناند بروديل عن “العالم – الاقتصادي ” والتي تقوم نظريته في تحليل البنى الاجتماعية اقتصاديا على جعل اقتصاد منطقة جغرافية معينة يدور حول المركز والذي يمثل القطاع الدينامي المحرك للاقتصاد والمجتمع ككل وتحيط به أطراف أقل تقدما أي قطاعات ونشاطات اقتصادية انتقائية وهامشية , ومن هذه الفكرة ينطلق خلدون النقيب ويعتبر أن للجزيرة العربية بعد سقوط بغداد عالمين اقتصاديين فمركز الأول ( الخليج وشرق الجزيرة ) تناوبت عليه البصرة وسيراف وهرمز ومسقط فهذه المدن هي مدن المركز كما يقول خلدون النقيب , بينما تناوبت عدن وجدة وعيذاب على مركز العالم الثاني (جنوب الجزيرة والبحر الأحمر ) وهي مدن المركز وستنشأ على أطراف هذه المدن الكبرى وهذا يعني أنه إلى جانب المركز التجاري المتقدم كانت هنالك دائما أطراف تمثل مناطق أو قطاعات اقتصادية أقل تقدما فإلى جانب قطاع التجارة الذي يصل محور النشاط في المركز المتقدم كانت هنالك قطاعات زراعية مبنية على الإنتاج المنزلي والاقتصاد الرعوي في البادية واقتصاد حد الكفاف في المناطق الداخلية والقرى الساحلية كصيد الأسماك . لكن خلدون النقيب يستدرك أن منطقة الجزيرة العربية مختلفة عن العالم الرأسمالي الذي كان يتحدث عنه بروديل بأن الجزيرة كان مدنها المركزية تحت رحمة الأرستقراطية القبلية بشكل دائم وفي ظل الشبح الرهيب للهيمنة الأبوية التي تفرضها الإمبروطويات المحيطة بها الممالك ثم العثمانيون في المركز الثاني “جنوب الجزيرة والبحر الأحمر ” و الفرس ثم العثمانيون في المركز الأول “شرق الجزيرة والخليج ” وكما يقول خلدون النقيب فالمحصلة الدينامية للقوى المولدة للحالة الطبيعية لهذا العالم الإقتصادي في مجتمع الخليج والجزيرة العربية تكشف لنا عن حقيقية مغايرة ومخالفة لكل الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الكتابات المتداولة عنه حيث يشيع بأن الغزو كان المصدر الأساسي للرزق لسكان الجزيرة , لكن النتيجة التي يثبتها خلدون النقيب هي أن التجارة أهم أسباب توليد الفائض الاجتماعي وأن التجارة تمثل شبكة هائلة عريقة من العلاقات والنشاطات شبكة متبادلة النمو والنضج تسير في اتجاهين إلى الخارج فتؤدي إلى نمو المدن التجارية الساحلية وإلى الداخل فتولد التحالفات القبلية الرئيسية حول مدن وقرى الداخل الاستراتيجية . الشبكات ليست وليدة نشاطات اقتصادية بحتة فقط وإنما هي نتيجة ضغوط سكانية ونشاطات سياسية واسعة النطاق ومستمرة على المدى الطويل بحيث أننا نجد حتى النشاطات الاقتصادية (التجارية ) الخالصة منغرسة أو أسطورية في المؤسسات والبنى الاجتماعية – الاقتصادية المحيطة بها وليست مستقلة عنها ولا تفهم بدونها , وكما يقول خلدون النقيب إن هذه الحقيقة التاريخية الحاسمة التي تقول بأسبقية التجارة تقلل كثيرا من أهمية الادعاءات المبالغ فيها والقائمة على افتراض أن اقتصاد الرعي والغزو لمجتمع الجزيرة العربية القبلي يمكن أن يكون مكتفيا بذاته وقابلا للحياة كل هذه القرون , ويمكن الاستدلال على هذه الحقيقية التاريخية من الدور الكبير الذي لعبته المدن التجارية الساحلية وكون المدن والقرى الاستراتيجية القبلية قد نشأت حول طرق المواصلات التجارية البرية .فيرى خلدون النقيب أن الكويت وسيراف وهرمز كان مراكز لتجارة المرور “الترانزيت ” وأنهم لا يملكون مقومات المدن الاعتيادية كمصدر للغذاء والماء بلا أن يكونوا مركزا لتجارة المرور , فالنتيجة التي يصل إليها خلدون النقيب أن اقتصاد الجزيرة العربية كان بعد انهيار بغداد وقبل القرن التاسع عشر اقتصاد الحالة الطبيعية و أن هنالك مدن مركز تقوم على نشاطات اقتصادية هامة وهنالك مدن أطراف يقوم فيها نشاط اقتصادي هامشي وانتقائي لكن لا يجب أن نغفل أهمية العلاقة بين هذين الصنفين من المدن واعتبار أن المدينة المركز بمثابة سوق تستفيد منه مدن الأطراف , ويؤكد خلدون النقيب أن الغزو والرعي لم يكن المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي بل كانت التجارة هي المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي .
وهنالك شبكة هائلة من النشاطات والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية نشأت بسبب كون مدن المركز في الخليج العربي كانت مدنا في طريق التجارة وكثير منها مدن استيراد وتصدير ويتوقف عندها التجار فلذلك لا يمكن تفسيرها في حدود مجتمع الخليج العربي لوحده بل الخليج كان حلقة واحدة في داخل شبكة أوسع تربط عوالم اقتصادية عدة مبنية على تقسم عمل دولي قبل رأسمالي , وتشمل هذه الشبكة سواحل الهند الغربي وفارس وسواحل افريقيا الشرقية وغيرها . فالخليج إذا كما يقول خلدون النقيب مجرد حلقة من سلسلة طويلة ولا يمكن ومن الصعوبة أن نتصور أن التجارة ما قبل الرأسمالية أن تتواصل بدونه .
يتحدث خلدون النقيب عن نمط التجارة السائد في الخليج فيقول إنه نمط “المضاربة” وهو نوع من التجارة معروف عند العرب منذ القديم وهو بأن يأتي أحد التجار فيعطي رأس المال لشخص آخر وهو “المضارب” بأن يذهب ليتجر به فيكون الغرم على التاجر وحده بسبب أنه ينقص من رأس ماله و يكون الغنم لهما أي للتاجر والمضارب وجرت العادة في الخليج كما يقول خلدون النقيب أن يكون ثلث الربح للمضارب والثلثين لصاحب المال , وبطبيعة الحال المضارب تاجر متنقل يتعامل بأنواع من السلع تدر أرباحا كبيرة تبرر سفره لمسافات طويلة فالمضاربة من ملامح تجارة المسافات البعيدة ولقد استمرت تجارة المضاربة طوال القرن السادس عشر حتى بعد مجيء الشركات الانترابونورية إلى المنطقة ممثلة بشركة الهند الشرقية ثم بالمصالح الإمبريالية الغربية المنظمة ولكن هذه الشركات قضت في النهاية على استقلال تاجر المضاربة بعد أن نجحت في تحقيق احتكارها لتداول السلع الاستراتيجية وفرضت تقسيم عمل دولي مما أدى إلى تغيير العلاقات التجارية السائدة في المنطقة ككل .
ومن خصائص تجارة المضاربة السائدة كما يقول خلدون النقيب في الخليج والجزيرة ارتفاع كلفة الاتاوات التي يدفعها التجار لحماية تجارتهم في البر والبحر بشكل يفوق أحيانا سعر كلفة النقل ورسومه وبطبيعة الحال تدخل كلفة الأتاوات مباشرة في تكوين الأسعار النهائية للسلعة . وكانت أتاوات الحماية التي تفرضها القبائل على قوافل التجارة وقوافل الحج تمثل أحد مصادر الدخل الرئيسة عندهم , ومن الطبيعي ألا يكون توفير الحماية أو الغزو هو الصلة الوحيدة التي تربط القبائل الرعوية بالمدن التجارية فهنالك المسابلة أي تسوق البدو من المدن وإسهامهم بذلك في النشاطات التجارية , فبمقابل السلع البدوية التقليدية كالخيول والمواشي والجلود والأصواف يشتري البدو السلع المعاشية الضرروية كالحبوب والأواني والمنسوجات و تتبع القبائل البدوية في حال عدم وجود ممثل لها كسكنى أحد مشايخها في المدينة أسلوبا من الإئتمان يتمثل بإيداع المبالغ التي تحصل عليها من بيع سلعها وديعة لدى أحد التجار الرئيسين لتقوم بالسحب منها على فترات لشراء ما تحتاجه من هذا التاجر الذي يتولى فتح حساب جار لها

ويقول خلدون النقيب كما لعب البنادقة دورا متميزا في البحر المتوسط كذلك برع الحضارمة واليمنيون والعمانيون في تجارة المحيط الهندي وتدلنا بعض الشواهد التاريخية على أن تراكم رأس المال والثروة على المستوى الفرد والعام في بعض المدن التجارية كان يصل إلى معدلات عالية في بعض الأحيان وتطنب المصادر التاريخية في غنى هرمز وجدة في هذه الفترة وتذكر لنا هذه المصادر عن البذخ الخرافي للتجار العرب واليابانيين في الكجارات , لكن يجب التنبه إلى عيبين رئيسين في تجارة المضاربة في الجزيرة العربية والخليج الأول هو أنه كان يصطدم بتدخلات ومصادرات الأمراء والسلاطين وتاليا الصراع المتصل بين التجار والحكام _ويبدو أن هذا قد يحدث طوال طريق سير البضاعة _ وثانيا بمحدودية السوق في الجزيرة العربية والخليج فزيادة عدة أحمال من الفلفل التي يجلبها التجار أو تأخرها وفي أحيان عدم وصولها كان كافيا لخلق أزمة اقتصادية لذلك كانت المضاربة تعتمد على البيع والشراء بكميات محددة لمدة منتظمة ومحكومة بوقع موسمي بحيث يكون العرض متأخرا أو يقصر قليلا عن الطلب .
إن أحد أهم المواسم التجارية في الخليج العربي كان بلا شك موسم الحج الذي كانت تدور حوله نشاطات تجارية واسعة , وكانت جميع الفئات المساهمة في النشاطات التجارية تدخله في حساباتها الموسمية : كبار التجار في المدن التي يمر فيها الحجاج وبخاصة مدن الحجاز طبعا والتجار المضاربون من كل الجنسيات والباعة المتجولون والحجاج المثقلون بالبضائع التي يأملون ببيعها وتحقيق بعض الربح أو تغطية بعض نفقات حجهم وأخيرا القبائل البدوية التي تقع مناطقها على طرق قوافل الحج التي تستوفي أتاوات الحماية التي توفرها لها . وحتى نستطيع أن نكون فكرة عن أهمية موسم الحج الإقتصادية نذكر بأن الحكام منذ أيام المماليك كانوا يفرضون رسوما مختلفة على الحجاج الذاهبين إلى الحج والعائدين منه , وقد بقيت رسوم الحج كعائدات مصدر الدخل الرئيسي للدولة الحجازية , وحتى تدفق النفط كان المصدر الأول للدخل في الدولة السعودية وقد قامت بريطانيا حسب رواية جون مارلو بدفع ميزانية السعودية لسنتين متتاليتين عام 1941 و 1942 بسبب العجز المالي الذي حصل بسبب انقطاع _أو قلة _ الحجاح في هذين العامين .
ينتقل خلدون النقيب إلى نقطة أخرى ويخبرنا بحسب رؤيته ما الذي تغير في الخليج العربي وكيف دخلت قوى الاستعمار ضمن اللعبة وانهت الثورة التجارية التي كانت تعيشها المنطقة فيقول : لقد شهد الخليج والجزيرة العربية ثورة تجارية في الفترة من القرن الثالث عشر حتى القرن التاسع عشر واعتمدت تلك الثورة التجارية على معدلات الطلب الأوربية للسلع الشرقية أي على التعامل التجاري بين الشرق والغرب ومن ثم احتكار السيطرة على طريق التجارة البحرية بين المحيط الهندي والسيطرة على أسواق ساحلي سوريا ومصر وإن العامل الحاسم الذي هيأ “للميركنتالية العربية – الإسلامية ” إحكام احتكارها للتجارة العالمية بين الشرق والغرب هو تحول المحيط الهندي منذ القرن الثالث عشر إلى بحيرة عربية إسلامية ولعبت تجارة المضاربة دورا كبير في تطوره الإقتصادي بحيث نجحت المركنتالية العربية – الإسلامية إلى تحقيق الاحتكار الكامل الذي مارسته على التجارة العالمية قبل الرأسمالية من دون الحاجة إلى استعمال القوة في هذا الاحتكار وقد يكون لغياب الدولة المركزية قوية أحد أسباب ازدهار تلك التجارة .وعلى هذا كانت الروح الصليبية ردة فعل على احتكار المحيط الهندي ولم يكن له دوافع دينية فحسب بل كان نتائج مصالح اقتصادية تجارية واضحة , مصالح دفعت أوربا إلى المحاولات المتكررة لكسر هذا الاحتكار الذي مارسته الماركنتالية العربية – الإسلامية . ومع أن بدالية الخطة الإمبريالية العظمى للسيطرة على التجارة العالمية في المحيط الهندي بدأت مع البرتغاليين ووضعت تفاصيلها في معركة ديو عام 1509 لكن السيطرة البرتغالية وما تبعها من صراع أوربي امبريالي لم تؤدي إلى إنهيار اقتصاد الحالة الطبيعية دفعة واحدة فقد استمرت أوضاع الحالة الطبيعية إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث : استعمل البرتغاليون الأساليب التجارية نفسها السائدة في المنطقة لتحقيق احتكارهم التجاري بخاصة الاستيلاء على أرباح “أتاوات” الحماية في شكل ضرائب , وحتى مع مجيئ شركات الهند الشرقية لم يؤد هذا إلى انهيار اقتصاد الحالة الطبيعية فقد استمر بشكل أو بآخر بسبب الصراع الإمبريالي الثلاثي الانكليزي – الهولندي – الفرنسي , لكن هذه الحالة انتهت عندما حسم الصراع لصالح بريطانيا , فقد نجحت بريطانيا في الهيمنة على المناطق التجارية التقليدية في المحيط الهندي وسيطرت على المضائق الاستراتيجية فأخضعت تجارة المضاربة لسلطة الوكالات التجارية بالكامل وأخضعت الأسر الحاكمة لمعاهدات الحماية وأبطلت مفعول الوقع الموسمي لتجارة الحالة الطبيعية وقضت في النهاية على الأساطيل المحلية للتجارة بعيدة المدى .
بدأت بريطانيا بإحكام سيطرتها على الخليج والجزيرة العربية بإضعاف قدراتها التجارية والاقتصادية واخضاعها نهائيا للإدارة الاستعمارية التي اتخذت من الهند مركزا لها , ولتحقيق أغراضها لجأت بريطانيا إلى طرق عدة وأعذار تتستر بها على أهدافها الحقيقية يذكر منها خلدون النقيب :التذرع بمحاولة القضاء على أعمال القرصنة في المحيط الهندي والخليج العربي بعد معاهدة 1798 مع مسقط . والتذرع بمحاولة القضاء على تجارة الرقيق بعد قرارها وقف التعامل مع هذه التجارة . والتذرع بمحاولة منع الإتجار بالأسلحة .
و وقعت كل الإمارات العربية على ساحل الخليج العربية معاهدات صلح أبدي مع بريطانيا وكانت تمثل فعليا نهاية المقاومة الخليجية لقوى الاستعمار والتي كانت أكثر بنودها إذلالا تلك التي تجبر الأطراف الموقعة عليها على عدم رد أي اعتداء يمكن أن يقع عليها في البحر والاكتفاء بتقديم شكوى إلى السلطات البريطانية . وأدى دخول الإمارات العربية تحت السيطرة البريطانية إلى أمور منها انهيار التجارة الطبيعية المتمثلة بالمضاربة وذلك بعد أن احتكرت الشركات البريطانية استيراد السلع الاستراتيجية ونقلها للأسواق العالمية وثانيا أدى إلى تحول مركز الثقل السياسي في المنطقة من الموانئ التجارية إلى الداخل القبلي وهذا أسهم في ظهور التركيبة الاجتماعية القبلية – الطائفية التي صاحبت ظهور الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى .
يتحدث خلدون النقيب عن الوعي السياسي الذي حصل في الخليج في القرن العشرين فيقول قامت الحركة الإصلاحية الأولى في الجزيرة العربية بشكلها الجنيني ففي الكويت قامت أول حركة تطالب بأن يشارك الأعيان من الأهالي الأمير في حكم البلد وذلك في عام 1921 وكانت المطالب لهذه الحركة اتباع مبدأ الشورى في اختيار الأمير من أفراد الأسرة الحاكمة ثم تطور هذا المطلب إلى انتخاب عدد من أسرة آل صباح وعدد من الأعيان لإدارة البلاد على ” أساس العدل والإنصاف ” وفي البحرين قامت حركة إصلاحية حاولت على مدار سنتي 1921 و 1923 أن تطور مكسب انتخاب المجلس البلدي وتحويله إلى مجلس تشريعي وإعطاءه صلاحيات موسعة , وفي عام 1936 بدأ يتبلور التيار القومي ويتخذ شكلا سياسيا وتحديدا خلال سنوات الإضراب الفلسطينية المريرة , وتحت تأثير قضية الفلسطينية قامت الحركات الإصلاحية في كل من البحرين ودبي والكويت عام 1938 وكانت مطالبها متشابهة وهي إقامة الحكم الدستوري وتنظيم البلاد على أسس حديثة وتوفير الخدمات الأساسية ولكن في الكويت اتسمت المطالب بقومية قوية وواضحة وهي فتح البلاد للعرب والتعاون مع العراق الذي كان ينحو منحى قوميا مع الملك غازي وكما أن المطالب كانت متشابهة فإن النتائج أيضا كانت متشابهة فأغلبها قوبل بالرفض والقمع , وتفجرت هذه الحركات مرة أخرى في الخمسينيات لكن هذه المرة تحت تأثير المد الناصري .

ثم أتى النفط ..
النفط أعطى خصائص للدولة الخليجية الجديدة فبحسب منظور خلدون النقيب إن الاقتصادي الوطني لهذه الدول لم يكن يعتمد بشكل مباشر على النفط بل يعتمد عليه بشكل غير مباشر وهو طريق مصروفات الدولة أو الإنفاق العالم الذي يتحول إلى قناة لضخ دخل النفط , وهذا يبرز الدور المركزي الذي تلعبه الدولة من حيث كونها المستلمة لدخل النفط في الحياة الإقتصادية والاجتماعية للسكان , ولكن بشكل مغاير للدول الأخرى التي تعتمد على الضرائب والقطاعات الانتاجية والخدمة في الاقتصاد الوطني , والدخل من النفط يجعل الدولة الريعية مستقلة نسبيا عن مصادر القوة والسلطة المتعارف عليها في الدول الأخرى ولذلك فإنها تتمتع بمرونة في العمل وحرية المناورة تفوق إلى حد كبير الأحوال الاعتيادية التي تحصل فيها الدولة على دخلها من الضرائب أو العملية الانتاجية وهذا لا يعني بطبيعة الحال تحررا كاملا .
ويصل خلدون النقيب إلى فكرة مفادها أن النفط أدى مضاعفة الانفاق الحكومي بعشرات الأضعاف عما سبق وأن هذا الانفاق كان مساحة كبرى للفساد و نهب المال العام و يقول أن الفوارق الرهيبة في الدخل التي تنشأ بين المواطنين عن سياسات الانفاق الحكومي تؤدي إلى احتكاكات سياسية بين القوى الاجتماعية و إن كان ذلك أقل في الدولة الريعية قياسا إلى الدول الأخرى ولابد أن ذلك يعود إلى أن فروق الدخل لا تنجم بشكل رئيسي عن استغلال البشر بل عن استغلال موارد الطبيعة ومن السهل على الحكومات اعطاء الانطباع بأن بإمكان الجميع الحصول على حصة أكبر بقرار حكومي , وهذا بطبيعة الحال يعطي الدولة سلاحات هائلا في المناورة والقدرة على احتواء حركات المعارضة واغواء قيادتها ولكن اذا اقترن هذا الوضع بعدم كفاية النظام السياسي وعدم كفاية الترتيبات الاقتصادية والتكنولوجية في الدولة الريعية فإنه سيؤدي إلى ركود التركيبة السياسية والاجتماعية والحضارية عامة إلى أن يبدأ دخل النفط بالانحسار وعندئذ ستبدأ قصة اخرى .
ينتقل خلدون النقيب إلى ما يسميه الدولة التسلطية :
يتحدث خلدون النقيب عن التيار القومي المعارض الذي نشأ في هذه الدول ويقسمها إلى مرحلتين المرحلة الأولى تمتد من 1948 إلى 1958 حيث كانت القوى الاجتماعية الجديدة في المنطقة في مرحلة اختمار فانصبت أغلب مطالبها على الحكم الدستوري والحريات العامة وقضايا الاصلاحات الادارية وتحسين الأوضاع المادية والإلحاح على تأييد قضية فلسطين أما في المرحلة الثانية من عام 1959 إلى عام 1967 فقد تطورت المطالب إلى طرح قضية الاستقلال التام في الدول التي لم تكن قد استقلت وإلى طرح قضية تأميم النفط بالكامل وإلى المطالبة بأن تنحو دول المنطقة منحى قوميا وحدوديا معاديا للاستعمار والامبريالية إلى أن تطورت هذه المطالب في النصف الأول من الستينيات إلى الجرأة في المطالبة –لأول مرة- بإعادة النظر في أنظمة الحكم بل تغييرها , وقد نجحت حركات المعارضة هذه نسبيا بتغلب الايدولوجيات القومية والاشتراكية الراديكالية على القوى القبلية – الطائفية وهي المصادر التي تستند عليها الأنظمة الحاكمة وإدامة الواقع والمحافظة عليه , وفي رأي خلدون النقيب كان هذا الأمر بالذات أعظم إنجاز لحركات المعارضة في تلك الفترة وستكون أكبر خسارة لها هي عودة القبلية – الطائفية بعد هزيمة حزيران 1967 .
يقول خلدون النقيب أن الدولة الخليجية إثر كونها دولة ريعية من النفط و على أثر تصاعد حركات التمرد والمعارضة وخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وبسبب الخطة الإمبريالية لرعاية مصالحه في الخليج وهذا يقتضي تمزيق مجتمع الخليج والجزيرة العربية لهذه الأسباب ظهرت الدولة التسلطية في منتصف الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين وهذا قد تم مباشرة من دون المرور في مرحلة الدولة الوطنية في ظل الكفاح من أجل الاستقلال كمرحلة انتقالية كما حصل في أغلب بلدان المشرق العربي في الفترة من 1920 – 1958 , ويقول خلدون النقيب أنه يقصد بالدولة التسلطية هي الشكل الحديث والمعاصر للدولة المستبدة وهي ككل الأشكال التاريخية للدولة المستبدة كالاقطاعية والسلطانية والبيروقراطية ..الخ تسعى إلى تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة الطبقة أو النخبة الحاكمة ولكن الدولة التسلطية خلافا لكل أشكال الدولة المستبدة تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتداد لأجهزة الدولة هذه الخاصية للدولة التسلطية , وأما الخاصية الثانية للدولة التسلطية فهي خلافا لكل أشكال الدول المستبدة الأخرى تخترق النظام الاقتصادي وتلحقه بالدولة أما عن طريق التأميم أو عن طريق توسيع القطاع العام والهيمنة البيروقراطية الكاملة للدولة على الحياة الاقتصادية , والخاصية الأخيرة للدولة التسلطية هي أن شرعية نظام الحكم فيها تقوم على استعمال العنف أو القوة السافرة والإرهاب أكثر من اعتمادها على الشرعية التقليدية ولذلك يتسم نظامها السياسي بعدم وجود حكومات تمثل مجمل مصالح السكان وعدم وجود انتخابات لها معنى وعدم وجود تنظيمات مجتمعية مستقلة عن الدولة كالأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية , ويختم خلدون النقيب فكرته عن الدولة التسلطية فيقول أن الدولة التسلطية ليست نظام حكم فحسب بل هي التعبير السياسي عن نظام اجتماعي – اقتصادي أو نمط اسميه برأسمالية الدولة التابعة تمد الدولة فيه اخطبوط تسلطها إلى النظام الاقتصادي فتحتكر ملكية وسائل الإنتاج وإلى النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم وإلى النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته وتستبدل الايدولوجيات المنافسة بايدولوجية التسلط والإرهاب _وفي نظري أنها تستبدلها بايدولوجيات تصب في مصلحة نظام الحكم وليس بالضرورة الإرهاب أو العنف _

٢٠١٣٠١٢٣-٢٠٠١٣٠.jpg

قراءة في كتاب السنة بين أهل الحديث وأهل الفقه – محمد الغزالي

أضف تعليق

اسم الكتاب : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

اسم المؤلف : محمد الغزالي

عدد الصفحات : 196

يطرح محمد الغزالي في هذا الكتاب مقاربة تحاول أن تقاوم تيار أهل الحديث _السلفيين_ الذين استولوا على كثير من المنابر في القرن العشرين وروجوا لفهم للإسلام يراه الغزالي أنه خاطئ ويجني على الإسلام من خلال أحاديث آحاد , الغزالي مهموم في هذا الكتاب بإرجاع المفاهيم الإنسانية الكبرى للإسلام وتبيين أنه لا تعارض بينهما بينما كان السلفيين يقولون ولازالوا يتهمون من يطالب بها , وأيضا الغزالي يحاول أن يقدم فهما عقلانيا لبعض المسائل الشرعية والتأكيد أن حديث الآحاد إن خالف العقل لا يقبل وهو بهذا عكس القرآن , في نظري لا يمكن فهم الكتاب خارج سياق المعركة القديمة بين أهل الحديث الذي كانوا يسمون في كتب الفرق الأخرى بالحشوية و بين الفرق الإسلامية التي كانت لا ترى أحاديث الآحاد تثبت به العقائد وأن العقل هو الحاكم على حديث الآحاد لا العكس وهي فرقة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة , لحظة تأليف الكتاب كانت تعبر عن غضب ودفاع الفرقة العقلية للدفاع عن ذاتها أمام الموجة السلفية _موجة أهل الحديث_ التي كانت تقتحم العالم الإسلامي طبعا كان أهم منابر هذا التيار هم علماء السعودية و الشيخ الألباني ولذلك نجد بين ثنايا الكتاب استماتة الشيخ الغزالي ليبين أن ما يقوله هو ما قاله العلماء المعتبرين _السلف_ وأن أهل الحديث حينما ينسبون نفسهم للسلف فهم مغترين ويتضح من خلال الكتاب خشية الغزالي على سريان هذا الفهم الذي يرى أنه لاعقلاني وخاطئ ومسيء للإسلام إلى مسلمي أوربا وبالنسبة لي يعتبر الكتاب التفاتة من ما يسمى بالعلماء الإصلاحيين إلى الرد على تيار أهل الحديث لأن العلماء الإصلاحيين كانوا منذ أساتذتهم محمد عبده ورشيد رضا و حتى حسن البنا _وهو بلا شك أستاذ للغزالي _ يحاولون ألا يثيراو الخلافات القديمة وبالذات في باب الأسماء والصفات أو في المسائل الفقهية الخلافية باعتبار أنه لكل فريق أدلته وأن الإغراق في هذه المسائل وتفريعاتها كان أحد أسباب انحطاط الأمة وأن المعركة الكبرى هي المعركة مع الحضارة الغربية و الحفاظ على المجتمع الإسلامي من تغوله والدفاع عن قيم الإسلام وتبيين توافقها مع القيم الخيرة للحضارة الغربية بينما كان تيار أهل الحديث يحقق له انتشار قويا في بلدان العالم الإسلامي ..ففي هذه اللحظة قرر العلماء الإصلاحيين أن يردوا على هجوم خصومهم من أهل الحديث وهذا الكتاب هو أهم الكتب التي ضم المسائل الكبرى التي كانت تدور حولها رحى المعركة .

 

يبدأ محمد الغزالي كتابه بالتذكير بأن توثيق الأخبار اهتم به المسلمون كما لم يهتم به غيرهم من الأمم لاسيما إذا اتصل الأمر بسيرة نبيهم وما ينسب إليه من قول أو عمل , وذكر بعدها الشروط الخمسة التي وضعها علماء المصطلح لتصحيح الحديث أو تضعيفه , فهذه الشروط ثلاثة منها في السند واثنان منها في المتن فأما الشروط المتعلقة بالسند فهي :

1-     فلا بد في السند من راو يضبط ما يسمع ويحكيه بعدئذ طبق الأصل

2-     ومع هذا الوعي الذكي لا بد من خلق متين وضمير يتقى الله ويرفض أي تحريف

3-     وهاتان الصفتان يجب أن يطردا في سلسلة الرواة , فإن اختلتا في راوٍ أو اضطربت إحداهما فإن الحديث يسقط عن درجة الصحة .

وحتى إن صح السند فهذا ليس كافيا للحكم بصحة الحديث , فننظر بعد صحة السند إلى نص الحديث نفسه فلا بد من تحقق شرطان فيه

4-     ألا يكون شاذا

5-     ألا تكون به علة قادحة .

والشذوذ هو أن يخالف الراوي الثقة من هو أوثق منه , والعلة القادحة عيب يبصره المحققون في الحديث فيردونه به . ولذلك يقول المؤلف أن الحكم بسلامة المتن يتطلب علما بالقرآن الكريم وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة وعلما آخر بشتى المرويات المنقولة لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر .

ويذكر الشيخ بعد هذا الكلام نماذج لأحاديث صححها بعض العلماء لصحة سندها ولم يلتفتوا إلى فساد متنها وتعارضه مع القرآن فهو يقول أن الشيخ الألباني صحح حديث “لحم البقر داء” ويرد المؤلف ليقول أن كل متدبر للقرآن يعلم أن هذا الحديث لا قيمة له مهما كان سنده , إذ أن الله تعالى أباح في موضعين من كتابه لحم البقر وامتن به على الناس فكيف يكون داءا ؟! ثم يقول الشيخ أن الكشف عن العلة القادحة لا ينبغي أن يكون مقتصرا على علماء الأحاديث بل يشتغل بكشفها علماء التفسير وعلماء الكلام والمشتغلون بالثقافة الإسلامية عموما لأنهم يحتاجون أن يستعينوا بعلمهم الأصلي ليكتشفوا العلة القادحة ولذلك يقول المؤلف ما قيمة حديث صحيح السند عليل المتن ؟!

ثم يقول المؤلف لقد ظهر في زماننا هذا فتية سوء يتطاولون على الأئمة باسم الدفاع عن الحديث النبوي وهؤلاء الأئمة لم يتركوا الحديث إلا لأنهم وجدوا فيه علة قادحة وهم _أي الأئمة_ يهتدون بهدي الصحابة الكرام فإن عائشة رضي الله عنها عندما سمعت حديث “إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ” أنكرته وحلفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله وقالت بيانا لرفضها إياه أين منكم قول الله سبحانه “لا تزر وازرة وزر أخرى ” ورغم أن الحديث صحيح السند قطعا فقد سمعته عائشة من صحابي آخر والصحابة كلهم عدول ومع ذلك ردت الحديث لأنه خالف ظاهر القرآن , وأيضا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقبل برواية فاطمة بنت قيس أنه حينما طُلقت ثلاثا لم يفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لها على زوجها نفقة وسكنى وقال عمر مبينا لماذا لم يقبل رأيها “لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت ” ولا عبرة لكونها امرأة هنا بل العبرة بأنها واحدة , وعلى هذا المنهج سار أبوحنيفة رحمه الله فقال أن المسلم إن قتل كافرا ذميا أو معاهدا فإن المسلم يقتل به وأما حديث “لا يقتل مسلم بكافر ” وهو حديث صحيح فرده أبوحنيفة لأنه تعارض مع ظاهر القرآن بقوله “والنفس بالنفس”  وقال أن الحديث معلول بمخالفته النص القرآني , ويذكر المؤلف قصة متعلقة بهذه القضية فقد قتل بدوي في إحدى دول الخليج مهندسا أمريكيا فقال أهل الحديث لا يقتص منه لاختلاف الدين ثم تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية !

ولنعلم أن الأحناف يقدمون ظاهر القرآن على حديث الآحاد والمالكيون يقدمون عمل أهل المدينة على ظاهر حديث الآحاد باعتبار أن عمل أهل المدينة أدل على السنة النبوية من حديث راو واحد , ولذلك أمضى مالكا القصاص على الأب إن قتل ولده ولم يأخذ بظاهر الحديث الوارد في ذلك الشأن لأنه خالف عمل أهل المدينة , ومن الأحاديث التي ردها الأئمة لمخالفتها قواعد الشريعة وما تقرر منها حديث أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركى يتبر فيها فقال علي : اخرج , فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فكف علي عنه ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنه مجبوب لا ذكر له . فيعلق المؤلف رحمه الله على هذا الحديث أنه يستحيل أن يحكم على رجل بالقتل في تهمة لم تتحقق ولم يواجه بها المتهم ولم يسمع له دفاعا عنها بل كشفت الأيام عن كذبها ! فهذا الحديث لم يرده أئمة الحديث بل رووه في مسنداتهم لكن أئمة الفقه هم من رده لأن في متنه علة قادحة وهي كافية لسلب الصحة عنه .

ينتقل المؤلف ليتحدث عن حقوق المرأة المسلمة وواجباتها و أن الخلل كان في ظلم المسلمين للمرأة وليس الإسلام و المبالغة في الأخذ بالرأي الفقهي الواحد وتجاهل بقية الأراء الفقهية وفي حالات كثيرة يتم ذلك بـ “تعبيد العادة” بأن تكون عادة العرب في زمن من الأزمان عبادة لغيرهم سواء في الزمان أو المكان , ويتحدث في البداية عن مسألة تغطية الوجه التي روجت لها الصحوة الإسلامية بأنه هو الحجاب الصحيح ويذكر الغزالي رحمه الله تغطية الوجه ليست واجبة فيقول :

لقد وجدت كتيبا في إحدى دول الخليج يقول فيه مؤلفه : إن الإسلام حرم الزنا وإن كشف الوجه ذريعة إليه فهو حرام لما ينشأ عنه من العصيان .

انظر إلى هذا الاستدلال العبقري ! يعلق الغزالي رحمه الله فيقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى وجوه النساء سافرة في المواسم والمساجد والأسواق فما روي عنه قط أنه أمر بتغطيتها فهل أنتم أغير على الدين والشرف من الله ورسوله ؟! ويذكر الغزالي رحمه الله أحد عشرة دليلا ليبرهن على صحة قوله .

ويذكر المؤلف رحمه الله أنه سمع أحد الدعاة المشاهير يقول : إن المرأة تخرج من بيتها للزوج أو للقبر ثم يذكر حديث أن امرأة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مرض أبوها فاستأذنت زوجها لتعوده فأبى زوجها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أطيعي زوجك ثم توفى زوجها فاستأذنت زوجها أن تصلِ عليه فأبى زوجها فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطيعي زوجك فأطاعته , فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : قد غفر الله لأبيك بطواعيتك لزوجك ” ويعلق الغزالي رحمه الله أن هذا الحديث لم يرويه أحد أصحاب الصحاح وهو فضلا عن ذلك مخالف لظاهر القرآن الذي يأمر ببر الوالدين والأحاديث التي تأمر بصلة الرحم , ثم يعلق الشيخ : أكذلك يُعرض ديننا ؟ سجنا للمرأة تقطع فيه ما أمر الله به أن يوصل ؟ إن الشاغبين على حقوق المرأة يظاهرون رأيا مرجوحا ويتصرفون في قضايا المرأة كلها على نحو يهز الكيان الروحي والثقافي والاجتماعي لأمة أكلها الجهل والاعوجاج لما حكمت على المرأة بالموت الأدبي والعلمي .

ينتقل المؤلف ليتحدث عن “عمل المرأة” وبعد كلام طويل ينتقل إلى المجال العام الذي قد تعمل فيه المرأة وحكم توليها للمناصب السياسية ويقارن بين نساء الغرب اللاتي تولين مناصب سياسية كبرى وقدن دولهن أفضل قيادة وحققن لهم الكثير من الرقي والمكاسب وبين الرجال الذين قادوا الدول العربية فأولئك لم يفشلوا لأنهم قادتهم امرأة والدول العربية لم تنجح لأنهم قادهم رجل ويقول معلقا قبل الخوض في هذه المسألة فقهيا : ونحن لسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للحكومات ! إننا نعشق شيئا واحدا أن يرأس الدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة بغض النظر أكان رجلا أو امرأة , ثم يقول : وقد تأملت في حديث “خاب قوم ولوا أمرهم إلى امرأة ”  فوجدت أن معناه أنه متعلق في سياقه الذي ورد فيه فإن الحديث أتى ليصف مملكة فارس التي كانت تتهاوى بسبب الملكية المستبدة والوثنية و الأسرة المالكة التي سرى فيها الاغتيالات وقد كان من الحكمة في تلك الوقت بعد هزيمة الفرس من الرومان أن يتولى قائد عسكري زمام الأمور لكن الوراثة جعلت الحكم يكون لفتاة لا تعرف شيئا من أمور الحرب ولا السياسة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته تلك , ويحملنا على هذا التأويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على أصحابه سورة النمل وقص عليهم قصة الملكة بلقيس التي قادت أمتها إلى الإيمان والفلاح ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل سبأ أخطأوا حينما اختاروا بلقيسا حاكمة عليهم ومن المعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ويستحيل أن تخالف السنة النبوية القرآن الكريم . ثم إن الحديث يقول “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ” فهذا الفهم الذي تداوله الفقهاء للحديث يناقض القرآن الكريم و يناقض بعض الآثار بل ويناقض الواقع التاريخي أيضا فقوم بلقيس أفلحوا حينما كانت بلقيس حاكمة عليهم و بريطانيا وصلت إلى أوج مجدها في عصر الملكة فكتوريا _وها هي ألمانيا في عصرنا الحالي تحقق تقدما اقتصاديا في عصر أنجيلا ماركيل _

ينتقل الغزالي بعد ذلك ليبين ملاحظات عامة على منهج أهل الحديث ويبين أن حديث الآحاد لا يقبل على علاته فيقول أولا عن الحديث الشهير الذي رواه البخاري : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب , وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه , وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه , ولئن استعاذني لاعيذنه ” وهذا الحديث انفرد به البخاري وفي سنده كما في متنه غرابة , فهذا الحديث تفرد في إخراجه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة وتفرد في إخراجه عن ابن كرامة عن خالد بن ابن مخلد و خالد هذا تكلم فيه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وقالوا له مناكير , وقال ابن رجب وقد روي من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال , وقال الذهبي عن خالد بن مخلد يكتب حديثه ولا يحتج به . وأما الغرابة في المتن فقد قال الشيخ رشيد رضا : إن الغرابة في هذا الحديث هو قوله تعالى : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به …الخ الذي يدل على الحلول والاتحاد و اضطر العلماء إلى تأويله حتى يستقيم معناه .

فبعد أن بين الشيخ الغزالي رحمه الله منزلة هذا الحديث الذي هو في صحيح البخاري أصح كتب الحديث يقول بعد ذلك معلقا على من يسمون أنفسهم “الأخوة أهل الحديث ” فيقول نلحظ عليهم عيوبا ثلاثة : اكتراثهم بالمرويات الواهية وبناء العلالي فوقها _سواء كانت واهية من ناحية السند أو المتن _ ثم سوء فهمهم للصحاح وتعصبهم لما يفهمون من أخطاء , والعيب الثالث هو عجزهم عن إدراك الحكمة القرآنية ووقوفهم بعيدا عن محاور القرآن وغاياته .

يتوقف الشيخ طويلا ليتحدث عن حكم الغناء ومن المعلوم أنه من المبيحين له ولا حاجة لنا لعرض رأيه .

وينتقل الشيخ ليتحدث عن المس الشيطاني فيقول : يقول المثبتون للمس الشيطاني أنه ثابت بالكتاب والسنة والواقع فأما الكتاب فبقوله : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ” وأما السنة فلقوله صلى الله عليه وسلم “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم” وقوله “ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه عليهما السلام ” وأما الواقع فمشاهد وكثير , ويرد الشيخ الغزالي رحمه الله بأن الآية إنما هي واردة في الجزاء في الآخرة وهذا تشبيه و ليس هنالك نص أن الصرع بسبب المس الشيطاني ويقول الشيخ رشيد رضا “وقد ثبت في هذا العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي تعالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الحديثة , وقد يعالج بعضها بالأوهام ” بالإضافة إلى أن هذه الآية لا تدل على تلبس الجن للإنس وإنما هي محمولة على ما كانت تعتقده العرب فالتشبيه لا يعني وجود المشبه به _ أو كما قال الإمام الرازي أنه مأخوذ من قوله تعالى ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب الملذات والشهوات والاشتغال بغير الله فهذا هو المراد من مس الشيطان _ وأما استدلالهم بالحديث فللحديث قصة وهي أنه صلى الله عليه وسلم كان يمشي مع زوجه صفية ليلا فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ! فقال لهما : على رسلكما إنها صفية بنت حيي . فقالا سبحان الله يا رسول الله ! فقال “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم , فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ” فواضح أن الحديث إنما يدل على الوسوسة التي يوسوس بها الشيطان لبني آدم وليس لإثبات أو نفي تلبس الجن بالأنس أية دلالة هنا . و أما حديث “الطاعون وخز الجن” فيقول صاحب المنار : أن المتكلمون يقولون أن الجن أجسام حية خفيفة لا ترى وقد قلنا غير مرة إن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة هي الميكروبات ويصح أن تكون نوعا من الجن وقد ثبت أنها علل أكثر الأمراض ..على أننا نحن المسلمون لسنا في حاجة إلى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل عليه في العلم لأجل تصحيح بعض الروايات الأحادية ..ونحمد الله أن القرآن أرفع من أن يعارضه العلم ”

الخلاصة : الكتاب مهم جدا ويستحق القراءة حتى توسع مدارك المسلم ويعلم أنه ليس هنالك قولا واحدا في كل مسألة .

 

قراءة في كتاب مفهوم البدعة – عبدالإله العرفج

4 تعليقات

 

اسم الكتاب : مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتوى المعاصرة

اسم المؤلف : عبدالإله العرفج

عدد الصفحات : 376

 

من أكثر المواضيع الحساسة التي يعلق عندها طلبة العلم هي موضوع “البدعة” وموضوع البدعة موضوع شائك وخطير وتترتب عليه أمور كثيرة ولا شك أن مدرسة الإمام ابن تيمية من أكثر المدارس التي تضيق في البدعة وبشكل عام إن علماء المملكة العربية السعودية أبناء لهذه المدرسة لذلك إن رأى الفرد منا من يبيح الاحتفال بالمولد النبوي ظنه إما مبتدع أو جاهل , ويقول عبدالإله العرفج مؤلف الكتاب إنه مرة سمع خطيبا يخطب فيقول : إن الذي يحتفل بالمولد النبوي أعظم إثما ممن يشرب الخمر ويسرق ويزني ويقتل . _وكثير من العلماء المعتبرين في الأمة الإسلامية أباحوا هذا الاحتفال كالنووي وابن حجر والسخاوي والشيخ رشيد رضا ففساق السلفية النصية الذين لا يحتفلون بالمولد النبوي و يشربون الخمر ويزنون خير من هؤلاء العلماء عند هذا الخطيب _ ويقول عبدالإله العرفج أنه أتاه جماعة سمعوا لخطيبا يطالب بالأخذ على أيدي من يقيم اجتماعا لمدارسة السيرة النبوية في ذكر مولده _استعداء بالسلطة إذا _ وأيضا قرأ بعد صلاة الجمعة قول الله ( فقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباءا منثورا ) .

يتحدث المؤلف عن أنواع المستجدات والنوازل في الدين وكيفية التعامل معها فيقول النوازل تنقسم إلى ثلاثة أقسام النازلة المستجدة فيقول حينما لا تكون الحادثة المستجدة غير منصوص عليها وليس لعلماء المسلمين فيها إجماع فيدخل فيها ثلاثة أنواع :

النوع الأول : نوازل ومستجدات لا تقع تحت ابتداع اليد البشرية كمسلمين يعيشون في أقصى المناطق الشمالية والجنوبية من الكرة الأرضية ويمتد النهار أو الليل لساعات طويلة بل لعدة أيام مع ما يستلزمه ذلك من تحديد أوقات الصلاة والصيام وغيرها . النوع الثاني : مستجدات ابتدعها وأحدثها غير المسلمين كالتبرع بالأعضاء وتغير جنس الإنسان وعلميات أطفال الأنابيب وتحديد جنس الجنين وبنوك الحيوانات المنوية والشركات والنظام الديمقراطي وغيرها . النوع الثالث: مستجدات دينية ابتدعها وأحدثها بعض المسلمين مستحسنين لها ومن أمثلة ذلك : تحري الاثنين والخميس لإقامة صلاة الاستسقاء وتخصيص العشر الأواخر من رمضان بتقسم التراويح إلى صلاتين ودعاء ختم القرآن وتكرار العمرة في شهر رمضان وافتتاح المحافل الخطابية بقراءة آيات من القرآن الكريم إنشاء المنظمات والهيئات التي تعنى بالدعوة و الإغاثة وشؤون المسلمين و تحري بداية السنة الهجرية للحديث عن الهجرة النبوية في المحاضرات والندوات والخطب (والعجيب كما يذكر المؤلف أن كثير من الخطباء يتحدثون عند بداية السنة الهجرية بالهجرة وفي رمضان عن غزوة  بدر لأنها حدثت فيه ولكنهم لا يتحدثون في شهر ربيع الأول عن مولد النبي صلى الله عليه ولا يتحدثون في رجب عن الإسراء والمعراج .. ) ويقول المؤلف أن على المسلمين في هذه الحالة _مع كل أنواع النوازل _ الاجتهاد وبذل الوسع في استنباط حكمها من نصوص الشريعة الدالة عليها أو ردها إلى أمثالها و أشباها في كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق القياس .

اختلاف العلماء في النوازل

وقد اختلف العلماء في النوازل والمستجدات إلى فريقين : الفريق الأول يرى أن كل محدثة في الدين لها حكم يناسبها ومن أوضح أدلتهم استقراء طريقته صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في التعامل مع المحدثات المستجدات فقد كان صلى الله عليه وسلم يقبل بعض محدثات أصحابه رضي الله عنهم ويقرهم عليها وينكر عليهم بعض محدثاتهم ويردها وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسيرون على هذا النهج . والفريق الثاني يرى أن كل محدثة في الدين ضلالة ومن أبرز أدلتهم على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ” وقوله صلى الله عليه وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” وسيسمي المؤلف الفريق الأول “الموسعين لمعنى البدعة” لأن حكم البدعة عندهم تشمله الأحكام الخمسة و سيسمي الفريق الثاني بـ “المضيقين لمعنى البدعة” لأن حكم البدعة عندهم الحرمة فقط . وهذه المسألة من أكثر المسائل التي وقع فيها الاختلاف في الساحة الإسلامية المعاصرة وكثير من المسائل المختلف فيها ترد إلى هذا الأصل .

وسبب الاختلاف فيما بينهم كما يرى المؤلف إلى عدم تحرير معنى البدعة في الدين بشكل واضح لا لبس فيه ففي الوقت الذي يتريث فيه بعض العلماء قبل الحكم على المحدثة الجديدة بالبدعة يسارع بعضهم الآخر فيحسم الأمر فيها دون حاجة إلى البحث والنظر , إذ قد استقر عندهم أن كل محدثة بدعة .

معنى البدعة في اللغة والشرع : البدعة في اللغة تطلق على كل ما أُحدِث واختُرع أولا على غير مثال سابق سواء منها ما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا فيقول الله سبحانه (بديع السموات والأرض ) قال القرطبي رحمه الله أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال وكل من أنشأ ما لم يسبق له قبل قيل له مبدع .ولم يختلف العلماء أن البدعة بمعناها اللغوي هذا قد تكون ممدوحة أو مذمومة وتشملها الأحكام الخمسة , وأما البدعة في الشرع فهي المحدثـَة المخترَعة التي تخالف أصول الدين وتصادم نصوصه وتختص بالأمور الدينية . وعلى هذا فكل محدثة بهذا المعنى الشرعي بدعة ضلالة ولم يقع خلاف بين العلماء في ذلك ويقول ابن تيمية (فإن ما خالف النصوص بدعة باتفاق المسلمين وما لم يُعلم أنه خالفها فقد يسمى بدعة )) ويدل كلامه على أن ما لم يعلم من المحدثات أنه خالف النصوص قد لا يسمى بدعة , ومن التعاريف الجيدة للبدعة تعريف العز بن عبدالسلام فقال هي “فِعْل ُ ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ”

تحرير محل النزاع : لقد تعددت تعريفات البدعة واختلف في صياغة تعريف جامع مانع لها ويرجع ذلك لاختلافهم في تنزيل بدعة الضلالة على كل محدثة ذات صبغة دينية لم تعهد في الصدر الأول غير أنها لا تخالف نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها فهل هي بدعة ضلالة أم لا ؟ اختلفت مناهج العلماء على ثلاث مذاهب :المذهب الأول يرى أن المحدثة وإن كانت في الدين قد تكون ممدوحة وقد تكون مذمومة والمقياس في ذلك الاجتهاد والبحث في دلالات نصوص الشريعة والقياس وهؤلاء هم الموسعون لمعنى البدعة لأنهم يعتقدون أنها تدور بين الأحكام الخمسة وهم يأخذونها بالمعنى اللغوي .والمذهب الثاني : يرى أن كل محدثة في الدين غير معهودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته محدثة مذمومة وبدعة وضلالة وهؤلاء هم المضيقون لمعنى البدعة لأن حكمها عندهم هي التحريم . والمذهب الثالث : يرى أن المحدثة في الدين وإن كانت مما يندرج تحت أصول الشرع وتدل عليه النصوص بالإشارة والتلميح والإجمال فإنها لا تسمى بدعة وإنما يطلق عليها الحم الشرعي الذي يناسبها فقد يكون الحكم واجبا أو مستحبا أو جائزا والخلاف بين المذهب الثالث والأول خلاف لفظي لا حقيقي إذ أن خلافهم في التسمية فقط فالفريق الأول يسميها بدعة والفريق الثالث لا يسميها كذلك وأما الخلاف بين المذهب الثاني والمذهب الأول والثالث فهو بلا شك خلاف حقيقي وترتبت عليه أمور كثيرة .

أدلة الموسعين لمعنى البدعة : الدليل الأول فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما رأى جمعا من الصحابة يصلون التراويح في رمضان فقال : نعم البدعة هي . ثم جمعهم للصلاة على إمام واحد وأقام لها الجماعة وهو فعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع المصلين على إمام واحد ولم يدع الناس إليها ولذلك قال عمر رضي الله عنه “نعمت البدعة هذه” لأن جمعهم لصلاة التراويح في رمضان بدعة ولم يـُسبق لها ومع ذلك هي بدعة ممدوحة . والدليل الآخر أن الصحابة رضوان الله عليهم ابتدأوا عددا من الأمور في حياته صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لهم حكمها وقد كان بينهم صلى الله عليه وسلم ويمكنهم سؤاله عن ما فعلوه من المحدثات ويعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها لكنهم فعلوها وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على اجتهادهم حينما وافق أصول الشرع ونهاهم عندما خالفوه فمن هذه الأمور : التزام بلال بن رباح رضي الله عنه للطهارة بعد كل حدث وصلاة ركعتين بعد كل طهارة وبعد كل أذان فهذا الفعل اجتهد فيه بلال من تلقاء نفسه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث المشهور يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بلالا بم سبقتني إلى الجنة ؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي فقال بلال : يا رسول الله ما أذنَّت قط إلا صليت ركعتين …الخ “والأمر الآخر صلاة خبيب بن عدي ركعتين قبل قتله فصار فعله سنة لكل مسلم وكان أول من سن الركعتين هو خبيب ولم يسبقه أحد إلى فعلها والثالث أن أحد الأنصار كان يقرأ في كل صلاة سور الإخلاص مع سورة أخرى في كل ركعة وكان يؤم الصحابة في مسجد قباء فهذا خصص أن يتقرب لله بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وهو لم يفعل من قبل النبي صلى الله عليه لكن حينما أخبر الجماعة الذين يصلون معه النبي صلى الله عليه وسلم سأله : ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال : إني أحبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حبك إياها أدخلك الجنة . وهنالك محدثات غيرها فعلها الصحابة ولم يسألوا رسول الله صلى الله وسلم عن حكمها لا قبل الفعل ولا بعده ولكنهم اعتمدوا على اجتهادهم في تقدير حكم هذه المحدثات فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم حينما وافقوا مقصد الشرع ونهاهم حينما خالفوه كقصة أبي إسرائيل رضي الله عنه نذره أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم “مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ” وإنكاره على الثلاثة الذين قال أحدهم أصوم الليل أبدا وقال الآخر أنا أصوم الدهر كله وقال آخر أنا اعتزل النساء فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال :من رغب عن سنتي فليس مني . وهكذا استمر هدي الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد زاد عثمان الأذان الأول للجمعة و كان ابن عمر يجهر التكبير في أيام عشر ذي الحجة وزاد بعض الصحابة في ألفاظ التلبية المشهورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يوم الخميس للوعظ . وأما الأحاديث التي أتت لتحريم البدعة كقوله صلى الله عليه وسلم ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) و قوله ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ) فهم يقيدون الحديث الأول بالحديث الثاني بـ جعل البدعة المذمومة ما كانت ليست من الإسلام “ما ليس منه ” وتنافي مقاصده والكل في الحديث الأول تحمل على الغالب , ومن قال بهذا القول من العلماء كثير من بينهم العز بن عبدالسلام والقرافي والنووي وابن حجر والقرطبي _ذكر العلماء مني وليس من المؤلف _

وأما المضيقين لمعنى البدعة فحجتهم الحديثان المتقدمان وهم لا يرون تقسيم البدع إلى غير المحرمة بل الصنعاني رحمه الله كان يرد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول : وأما قوله _أي عمر _ “نعم البدعة” فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة , وهم يفهمون حديث “كل بدعة ضلالة ” أنها كل محدثة لم يرد في مشروعيتها نص صريح صحيح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما القيد في حديث عائشة “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ” فالمقصود من “منه” هنا هو وصف ضروري في كل محدثة ولا ينفك عنها بحال أي كل محدثة فإنها ليست من الدين وليس معنى الحديث أن من المحدثات ما هو من الدين , وعند المضيقين لمعنى البدعة قاعدة شهيرة تلخص مذهبهم _ وهي ليست دليلا عليه وإن كانوا يستدلون بها دائما ..فمن المعلوم أن القواعد الشرعية يستدل عليها ولا يستدل بها مالم يسلم بها مخالفك _ وهذه القاعدة هي : أن كل أمر قام مقتضاه وانتفت موانعه في عصر السلف ولم يفعلوه ففعله محرم لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه .

فمثلا الرد على المعتزلة لم يقم مقتضاه في عصر الصحابة فلذلك ليس بدعة مع أنهم لم يفعلوه و أيضا استخدام الشريط الإسلامي في الدعوة كان مانعه موجودا وهو عدم معرفة التكنولوجيا في عصر السلف ولذلك لم يفعلوه فهو إذا ليس بدعة وأما الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه فقد قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فدل ذلك على أنه بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه .

ثم ينتقل المؤلف ليذكر 36 مسألة اختلف العلماء فيها وقد أطلق بعضهم عليها أنها بدعة وقد قال بها بعض العلماء ولو أخذنا بهذا القول لم يسلم عالم من علماء الأمة من وصمه بالابتداع .

المسائل المعاصرة التي اختلف فيها العلماء الضميقون لمعنى البدعة

وفي أهم فصول الكتاب يعرض المؤلف عشرين مسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء المضيقون لمعنى البدعة أنفسهم ولم يسلم عالم منهم بوصم الفعل بأنه بدعة وقد قال بجوازه عالم آخر يرى التضييق في معنى البدعة أيضا فمن أهم هذه المسائل هي مسألة عشاء الوالدين وهي باختصار أن الميت إذا مات ومضى على موته شهر أو شهران تقريبا قام أحد الأبناء بصنع طعام يدعو إليه بعض الأقارب والجيران وربما بعض الفقراء ويسمون هذا الطعام طعام الوالدين وقد يذبحون ذبيحة ويوزعونها على الفقراء وينون أجرها لوالديه وقد يقول: هذا عشاء والدي أو والدتي , وقد أباح هذا الفعل الشيخ ابن باز و الشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان إذ أنه من التصدق على الميت لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حرمه وكان منسجما مع القاعدة التي يتبعها وهي أن كل فعل _متعلق بالدين_ قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فهو محرم إذ لو كان خيرا لسبقونا إليه ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معلقا على عشاء الوالدين ( فإذا كان هؤلاء _الأبناء الذين يذبحون_ يتقربون إلى الله بالذبح بخصوصه كانوا بلا شك مبتدعة لأن الذبح لا يتقرب به إلى الله إلا في مواطنه كالذبح في أيام النحر في عيد الأضحى والعقيقة والهدي وسوى ذلك …) ولذلك يقول المؤلف المفترض على قاعدة المضيقين ألا يحل هذا الفعل لأن الصحابة لم يفعلوه فلا ابن عمر فعله لأبيه ولا ولا الحسن فعله لأبيه ابن عباس فعله لأبيه وأباءانا ليسوا أفضل من عمر ولا من علي ولا من العباس ولسنا نحن أبر بـ آبائنا منهم .

المسألة الثانية هي تكرار العمرة في رمضان فأجاز الشيخ ابن باز والشيخ صالح الفوزان واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بجواز أن يذهب المعتمر فيعتمر ثم يحل من إحرامه ثم يذهب إلى التنعيم فيحرم مرة أخرى ويعود ويعتمر ثانية و أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فكان يراها من البدع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته لم يفعلوه مع قيام مقتضاه وانتفاء موانعه فلو كان خيرا لسبقونا إليه .

المسألة الثالثة : دعاء ختم القرآن وهذه من أكثر المسائل غرابة أن نرى العلماء المضيقون لمعنى البدعة يبيحونها ليس لأنها فقط تخالف القاعدة التي يتبعونها بل لأنها أكثر من ذلك تغيير في هيئة الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي . فلا يجوز أن تغير هيئة الصلاة إلا بنص من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأتِ دليل لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته بدعاء ختم القرآن في صلاة القيام بهذه الكيفية المتبعة هذا اليوم وثانيا أن محل دعاء في الصلاة هو في السجود أو التشهد الأخير أو القنوت وأما هذا الدعاء الطويل بعد القراءة قبل الركوع فدعاء في غير محله وثالثا أنه ليس من هدي الصحابة رضوان الله عليهم والذي نعلمه أن الإمام أحمد بن حنبل قال أنه أدرك أهل مكة يفعلونه وكان سفيان بن عينة معهم ورابعا أنه لم يكن يعرف عن السلف تحري ليلة الاسبع أو التاسع والعشرين لختم القرآن ولذلك نجد أنه حتى الشيخ عبدالإله العرفج مؤلف الكتاب لا يؤيد دعاء ختم القرآن بهذه الكيفية , فأما العلماء الذين أباحوا دعاء ختم القرآن فهم ابن باز والشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان وقال الشيخ ابن باز مستدلا لمشروعيته ” لم يزل السلف يختمون القرآن ويقرؤون دعاء الختمة في صلاة رمضان ولا نعلم نزاعا بينهم _طبعا الإمام مالك كان يخالف في ذلك كما يقول المؤلف _ ويواصل الشيخ ابن باز :وهكذا كان مشائخنا مع تحريهم للسنة وعنايتهم بها يفعلون ذلك تلقاه آخرهم عن أولهم ولا يخفى على أئمة الدعوى ممن يتحرى السنة ويحرص عليها ” والعلماء المحرمين لها هم الشيخ بكر أبوزيد والشيخ الألباني بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يفعلونها ولو كان خيرا لسبقونا إليه وهي تغيير في هيئة الصلاة وليس عليه دليل و أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فكان رأيه غير مفهوم لا لي ولا للمؤلف فهو يقر بأن دعاء الختم ليس له أصل عن النبي صلى الله عليه ولا صحابته ويقر بأن الصلاة لا يشرع فيها إحداث دعاء في محل لم ترد به السنة , لكن الشيخ لا يطلق عليها اسم بدعة ؟ لماذا ؟ لأن علماء السنة اختلفوا فيها ! _طبعا مسألة المولد النبوي ومسألة ليلة النصف من شعبان ومسألة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها مسائل اختلف فيها لكن الشيخ يطلق عليها البدعة حتى في المسائل السابقة أقصد عشاء الوالدين وتكرار العمرة فهي مختلف فيها _

ويقارن المؤلف بين دعاء ختم القرآن وفضل ليلة النصف من شعبان ففضل ليلة النصف من شعبان مشهور عن تابعي الشام رحمهم الله وقد استندوا على أحاديث كثيرة في فضلها لا يخلو كل منها من مقال إلا أن بعضها يقوي بعض فقال الألباني رحمه الله  عن حديث فضل ليلة النصف من شعبان “وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطريق صحيح بلا ريب ” ففضل ليلة النصف من شعبان شابهت دعاء ختم القرآن بأنها من فعل تابعي الشام وزادت عليها بوجود حديث وأما دعاء ختم القرآن فهو من فعل أهل مكة وليس فيها أية حديث حتى ولو كان ضعيفا , لكن مع ذلك حرم العلماء المضيقون لمعنى البدعة صيام أو قيام ليلة النصف من شعبان فحرمها ابن باز وابن عثيمين و الشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان وكما يقول المؤلف :ومهما بحث عن فرق بين أحكام دعاء ختم القرآن في رمضان و التكبير بعد سورة الضحى _وهي مسألة ذكرها_ وفضلة ليلة النصف من شعبان فلن تجد سببا للتفريق في أحكامها غير الإلف والعادة .

المسألة الخامسة : بدء المحافل الخطابية بقراءة القرآن الكريم , فقد جرت العادة في هذه الأزمنة أن تبدأ كثير من الاجتماعات الرسمية بقراءة آيات من كتاب الله العزيز وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته إذ أنهم كانوا إذا اجتمعوا لأمر ما أو جاءتهم الوفود فكان إما أن يدعوهم للإسلام صلى الله عليه وسلم وكانت الوفود تقول شعرها وخطبها وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن شماس وشاعره حسان بن ثابت يردون عليهم . فهذه مسألة محدثة قام مقتضاها وانتفت موانعها في عصر السلف ولم يفعلوها فدل على أنها بدعة إذ لو كانت خيرا لسبقونا إليه . وبذلك أفتى الشيخ بكر أبوزيد والشيخ عبدالرزاق عفيفي وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقد توسط فرأى أنها ليست سنة والأفضل ألا تفعل ولكن يجوز فعله من حين إلى آخر ومن العلماء المجيزين لها الشيخ صالح الفوزان والشيخ الألباني .

المسألة السادسة تقبيل المصحف الشريف : فقد حكم ببدعية تقبيل المصحف الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله بحجة أنه لم يرد عن الصحابة , وأفتت اللجنة الدائمة بأنه ليس محرما ولكنه لا يحث عليه وأما الشيخ صالح الفوزان قال أن تقبيل المصحف لا أصل ولكن من فعله من باب الاحترام والتعظيم فهو مأجور على نيته والشيخ ابن باز ففضل عدم تقبيله لكنه يفتي بجوازه , وفي المسألة رواية عن عكرمة بن أبي جهل وكان الإمام أحمد يحتج بها في جواز تقبيل المصحف .

المسألة السابعة والثامنة: اتخاذ محاريب للمساجد و رسم خطوط على سجاد المساجد لتنظيم الصفوف : فقد رأى الكثيرين من المضيقين لمعنى البدعة بإباحة هذا الفعل وحكم الشيخ الألباني رحمه الله ببدعيتهما لأنهما لم تردان عن السلف مع قيام مقتضاهما وانتفاء موانعهما فلو كان خيرا لسبقونا إليه .

مسألة المولد النبوي : ما الفرق بين تحري يوم 12 من ربيع الأول للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم و بين تحري أسبوع معين يقام فيه التعريف بالشيخ محمد عبدالوهاب ؟ وقد أباح ابن عثيمين الثانية وحرم الله رحمه الله , ويقول المؤلف في الحقيقة أن إقامة مولد النبي صلى الله عليه وسلم عبادة وهي عبادة لا أصل لها كما هي عبادة دعاء ختم القرآن وعبادة افتتاح المحافل بقراءة آيات من القرآن الكريم وكذلك عبادة احتفالات تكريم حفظة القرآن الكريم وكذلك محدثة إقامة مسابقات لحفظ كتاب الله وسنة رسول الله ومحدثة عشاء الوالدين ومحدثة تخصيص خطب الجمعة للحديث عن الحوادث الماضية فهذه كلها لا أصل لها واختلف فيها العلماء المضيقون لمعنى البدعة , وكما يقول المؤلف إن الذبح في عشاء الوالدين_و صلاة القيام في رمضان_التي لا أصل لها عن الصحابة فإن عمر رضي الله عنه كان يجمع الناس على صلاة واحدة ولا يقسمها إلى قسمين لذلك حرمها الشيخ الألباني بصورتها الموجودة عندنا الآن التي تحدث في رمضان  _ فيقول المؤلف أن الذبح و الصلاة عبادتان توقيفيتان و أما الاجتماع ليلة المولد النبوي في مجرد اجتماع لتدارس السيرة النبوية والحث على اتباع صاحبها صلى الله عليه وسلم والأصل في الاجتماعات الإباحة و الأصل في العبادات الحرمة فأيهم أقرب للتحريم عشاء الوالدين والقيام أم المولد النبوي ؟! وبعض من يحرم المولد النبوي يقول أنه من تخصيص الزمان بعبادة معينة وفي الحقيقة ليس فيه تخصيص فإن تدارس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها الناس طوال السنة في اجتماعات متفرقة وفي محاضرات مختلفة ومن بين هذه المواضع ليلة الثاني عشر من ربيع الأول .

الخلاصة :

الكتاب عظيم و أعتقد أن على كل فرد سعودي _بالذات _ أن يقرأه لأنه يقدم معلومات جديدة ومناقشات جديدة كانت مخفية عن الكثيرين منا , المقصود من الكتاب عموما ليس مناقشة الأقوال وأيهم الصحيح والخاطئ فالمؤلف لا يطمح إلى ذلك ولكن كان يطمح إلى تعريف الناس بأنكم كما تساهلتهم فيمن أفتى بإباحة دعاء ختم القرآن و عشاء الوالدين وتقبيل المصحف وابتداء المحافل بقراءة القرآن مع وجود علماء آخرين يفتون بتبديع هذه الأفعال فلماذا إذا لا تتسامحون مع يفتي بجواز المولد النبوي ويرى فضل ليلة النصف من شعبان وقد قال بها علماء أجلاء لهم فضلهم وقدرهم ؟! والكتاب يؤكد على شيء آخر أن قاعدة كل أمر قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فهو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه قاعدة لا يمكن ضبطها حتى أن أصحابها اختلفوا فيها كثيرا فقد يبيح أحدهم الفعل لأنه موافق للقاعدة ويحرمه الآخر لأنه مخالف لها هذا فضلا على أنه ليس لها دليل يعضدها , ومن الأشياء التي استفدتها من الكتاب معرفتي أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله كان يرى أن غسل السكين التي يذبح بها واللحم المذبوح بدعة لأنه لم يأت عن السلف ..فانظروا إلى أين قد توصلنا هذه القاعدة .

 

قراءة في كتاب الجنس والشباب الذكي – كولن ولسون

تعليق واحد

اسم الكتاب : الجنس والشباب الذكي

اسم المؤلف : كولن ولسون

اسم المترجم : أحمد عمر شاهين

عدد الصفحات : 101

يحاول الكاتب كولن ولسون أن يحث الشباب على أن يفكروا بالجنس بأسلوب ذكي ولا  يسقطوا بالسطحية أو الغباء أو الأكاذيب التي يقول أنها لم تُحاط بموضوع مثل ما أحيطت بموضوع الجنس , ويستعين الكاتب بقراءته الأدبية الواسعة بلا شك وخبرته الفلسفية لتقديم هذه النظرة , والكتاب بطبيعة الحال ليس أكثر من مئة صفحة فلا يجب أن نتوقع منه نظرية جديدة عميقة متعلقة بالجنس بل هي بالمعنى الأصح نصائح موجهة للشباب ليتعاملوا مع الجنس بذكاء كما يدعي أن كولن ولسون يقدم ذلك في كتابه , يقول كولن ولسون أولا أن الشباب في الوقت الحاضر _خمسينيات وستينيات_ القرن الماضي في انجلترا بوجهتي نظر متضادتين حول الجنس الأولى هي النظرية التي تقدمها كتب وأفلام المغامرة كجيمس بوند وميكي سيلين ومن سبقهم أو من يقلدهم ومن هذه الكتب والأفلام حصل الشباب على انطباع بأن الجنس هو رياضة طبيعية خالصة كعلميات الصيد الجماعية ويُظهر الجيل الجديد تعلمه الدرس جيدا من هذه الوسائل حين تُغتصب فتاة على يد بعض الشبان في إحدى الحدائق , والنظرية الثانية هي أن الشباب نفسه يبدو ميالا إلى أكثر أنواع العاطفة مرضا فالأغاني تقول له “ابكِ ” وهم يغنون عن تعاسة وبؤس الحب وهجران الحيبة , ويقول كولن ولسون إنه كما يبدو لا أحد عنده الاستعداد لقول الحقيقة عن الجنس وكتابه هذا سيحاول أن يفعل ذلك بقدر ما توصلت إليه معلومات كاتبه .

يتحدث كولن ولسون أولا عن تاريخ العلاقات الجنسية ويقول كان في الحضارات البدائية الذكر القوي وهو أكبر الصيادين نجاحا يحتكر أجمل بنات القبيلة كما كان يسمح بأن يختار أفضل قطع اللحم , وافترض الإنسان الأول أن الأطفال إنما يأتون عن طريق السحر أو بفضل الآلهة ومازال سكان أستراليا الأصليين لا يروون حتى الآن علاقة بين العلاقة الجنسية وإنجاب الأطفال , وتعتبر الغيرة الجنسية فضيلة تسلم بها كل المجتمعات البشرية المتحضرة ومن الصعب أن نفهم كيف استطاع الإنسان البدائي التحرر منها , ومع ذلك لازال “الإسكيمو” يمارسون عادة إعارة زوجاتهم إلى الضيوف ويعتبرون من كمال كرم الضيافة , وبعض قبائل من سكان أستراليا الأصليين يمارسون عادة تبادل الزوجات فيما بينهم , فيرى كولن ولسون أن الغيرة إنما هي قضية اجتماعية يهدف من خلالها إبراز المكانة الاجتماعية للشخص ولذلك يقول أن الإسكيمو لانشغالهم الدائم بقضايا الطبيعة كانوا أقل اهتماما بهذه القضايا الاجتماعية وعندهم لعبة يسمونها لعبة إطفاء النور حيث يجتمع الرجال والنساء في مكان واحد ويقومون بإطفاء الشموع بشكل تدريجي ثم يختار الرجال والنساء بشكل عفوي شريكه أو شريكته في تلك الليلة وطبعا عملية إطفاء النور بشكل تدريجي إنما يهدف إلى الإثارة الجنسية .

وأما اليونان فأب الزوجة كان في العادة هو من يدفع المهر وكان مكان الزوجة هو بيت زوجها وكان من حق الرجل أن يتخذ عشيقات مختلفات بشرط ألا يكن زوجات رجال آخرين و أما اللواط فكان قضية عادية بالنسبة لهم وإن كان الرجل الذي يصاحب الغلام ذو منصب سياسي فإن أبا الغلام يفتخر بأن ابنه عشيق لذلك السياسي , و أما روما فأصبح الحب لا يعني شيئا  سوى الرغبة الجنسية وكانت دور الدعارة منتشرة جدا واللواط كان موجودا لكن بدرجة أقل من اليونان والحاكم المجنون “نيرون” كان قد تزوج بالفعل غلاما ألبسوه كفتاة _ويقال أنه خصاه وهذه لم يذكرها الكاتب _ , وعند الفرس والهنود كان موجودا وفي رباعيات الخيام نجد أن المحبوب يصور عادة كغلام جميل على شكل فتاة كما يقول كولن ولسون , ويقول كولن ولسون أن الجنس قبل الديانة المسيحية كان منتشرا ومسموحا به في كل الحضارات واعتبر فعل بيولوجي بشري يقصد منه المتعة أو الإنجاب حتى أتت المسيحية  لتقول إن البشر ليسوا حيوانات بشكل كامل وهم يحاولون دائما أن يتخلصوا من الجانب الحيواني في أنفسهم ومن تلك الطبيعة التي تعاملهم كأنهم حيوانات, وهنا تأتي أهمية الدين المسيحي بحسب كولن ولسون حيث أنها أول ديانة قالت للناس :أنتم لستم حيوانات ..أنتم أرواح خالدة , لقد كان القديس بولس هو من أعطى المسيحية مفهوما ضد الجنس موضحا أن التزوج أصلح من التحرق لكن المسيحي الجيد يجب أن يكون قادرا على الحياة بدون الجنس ولنلاحظ أن القديس بولس كان يؤمن بأن نهاية العالم ستحدث في حياته ولذا فإن مسألة استمرار الجنس البشري لم تكن مهمة بالنسبة له. وطبعا هذه المحافظة الجنسية ستنهار كما رأى كولن بولسون مع الثورة الجنسية التي حدثت في القرن العشرين ويقول أنه لا فرق بين روما وبين عصره في القرن العشرين حيث تمارس الانحرافات الجنسية وتعتبر أمرا عاديا , ومع ذلك يستدرك كولن ولسون ويقول صحيح أن هنالك تزايد في العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء والرجال والرجال والنساء والنساء لكن ذلك لا يثبت أن الحضارة الغربية تموت فالجنس وحده لا يميت الحضارات , ويقارن كولن ولسون بين الحضارة الغربية وبعض الحضارات الشرقية التي تعامل فيه المرأة كأملاك خاصة أو عبيد ومع ذلك لم يكن ليجرؤ طبيب في انجلترا على أن يكتب كتاب مثل الكوماسوترا الهندية _كتاب يعرض ما يقارب 1250 وضعية لممارسة الجنس _

ورغم أن هنالك حضارات كثيرة كانت المرأة تعتبر فيها محتشمة جدا لم تتقدم ولم تتطور بل انهارت ويصل كولن ولسون بالتالي إلى نتيجة مفادها أن احتشام المرأة _فقد يكون احتشاما مفروضا من المجتمع فرضا على المرأة ويعني بالتالي تنقيص لها وغالبا هذه القيود لا تفرض على الرجل ..هذه مني وليست من الكاتب _ ليس علامة على حضارة متطورة وأن الحرية الجنسية بدرجة ما ليست دلالة على الانحلال .

يلخص كولن ولسون تاريخ سلوك الإنسان الجنسي بهذه العبارة التي أراها دقيقة تماما فلقد كان الإنسان البدائي ليس لديه وقت ليفكر في أي شيء سوى الطعام والمأوى _الإسكيمو_ ثم جاء الإنسان المتحضر ومعه وقت الفراغ فاستخدم قوته الإضافية لشن الحروب على جيرانه _الروماني_ ثم جاء الإنسان الذي تتعطش روحه إلى عمل أكثر من الحرب وحرث الأرض فوضع أمام هدفا أن يترك وراءه طبيعته الحيوانية ويسمو إلى الروحانية _الديني المسيحي_ ثم جاء الإنسان في عصر العلم وهو العصر الحاضر وحطم عناصر الخرافة والتعنت التي تريد ألا يكون الإنسان إنسانا _الثورة الجنسية في القرن العشرين_ وهذا التغيير كان هائلا حتى أن الإنسان مازال يتعافى من الصدمة برأي كولن ولسون .

وفي فصل آخر يتحدث كولن ولسون عن رواية تتحدث عن رجل يسكن في فندق ويكتشف في غرفته ثقبا يطل من خلاله على الغرفة المجاورة له فيتلصص من خلاله على من يأتي إلى هذه الغرفة , الفكرة التي يستعين كولن ولسون بالرواية ليتحدث عنها هي أن البصر هو العامل الأهم في الجذب الجنسي لدى الإنسان على عكس الحيوانات التي تعتبر الشم هي العامل الأهم فمعظم الحيوانات تفرز إناثها مادة تجذب الذكر أما الإنسان فليس له ذلك فالرجل لا يشتهي المرأة من خلال حاسة الشم بل من خلال حاسة البصر ويقول كولن ولسون في الواقع أن الإثارة التي تحدثها حاسة البصر تكون من القوة بحيث أن الفعل الجنسي نفسه يصعب أن يجاريها مما يؤدي ألا يحقق الفعل الجنسي درجة الرغبة التي لدى الذكر , خاصة حين يكون الرجل مع المرأة على السرير والضوء مطفأ مما يجعل حاسة البصر تتوقف عن الإثارة وقد ينتج عن هذا نوع من الشذوذ لإشباع الرغبات .

ويقول كولن ولسون أنه من العبثي أن تبحث عن جنس طبيعي و آخر  غير طبيعي فالجنس بنظره في جوهره كله قائم على غير الطبيعية وغير العادية والسبب في ذلك أن العقل نائم و منوم والرغبة دائما أعمق من الإشباع ولن يوجد الجنس الطبيعي حتى يستيقظ العقل _حدد كولن ولسون عقل الرجل وفي نظري أن نظريته المفترض أن تنطبق على الرجل والمرأة كما سيؤكد لاحقا في الكتاب _

ويذكر كولن ولسون قصة لتأكيد نظريته وهي قصة شاب أمريكي حكم عليه بالإعدام لاغتصابه خمسين فتاة و قتله واحدة وهذا الشاب وكان يدعى جيرالد تومبسون وكان شابا أنيقا يعمل في وظيفة جيدة وخطيبته فتاة جميلة وكان في الليالي التي لا يرى فيها خطيبته يسير بعربته في الطرقات حتى يصادف امرأة بمفردها فيوقف العربة ويسحبها داخلها بالقوة ويغتصبها ثم يلتقط لها عدة صورا ويهدد بفضحها إذا ابلغت عنه المرأة وقد قام بهذه العملية مع خمسين امرأة دون أن تبلغ عنه واحدة منهن وكان يمكن أن يستمر في عمله هذا لسنوات دون أن يفتضح أمره لولا أنه بالمصادفة قتل أحد ضحاياه وطلبت الشرطة ممن يملكون دليلا على القاتل أن يتقدم به مع الوعد بالمحافظة على السرية المطلقة وحينها تقدمت واحدة من الضحايا للشرطة واستطاعوا أن يقبضوا عليه .ويرى كولن ولسون أن هذه الشخصية هي تحقيق لمقولة الروائي باربوس في رواية الجحيم “ليست امرأة واحدة التي أريدها بل كل النساء ” لقد أدرك أن الرغبة تسير أعمق من الاستجابة وحاول أن يعالج ذلك بطريقة منطقية تماما ومن الخطأ أن نطلق عليه طبيعي أو شاذ لقد كان شخصا غير مكبوت فقط !

استدراكا للفكرة السابقة يرى كولن ولسون أن الذكر الذي يملأ حياته بالنساء سيضجر منهن في النهاية ويضرب مثالا على ذلك بكازانوفا _وهو شخصية حقيقية _ الذي أغرى العديد من النساء وعند ولسون لم يكن يفعل ذلك إلا كي يثبت لذاته أنه شخص عظيم ويعوض عن فشله في تحقيق حلمه بأن يكون أديبا كبيرا مثل فولتير _الذي كان معاصرا له _

ينتقل كولن ولسون إلى فكرة أخرى مفادها أن الجنس أحيانا يستخدم لرفع الثقة بالنفس لدى الشباب فالشاب الذي يريد الحصول على الفتيات مثل كازنوفا يبحث بالدرجة الأولى عن رغبته لتحقيق ذاته وإعطاءه معنى لهذه الحياة ويرى كولن ولسون أن هنالك نوعان من البشر النوع الأول وهو يشكل 95% راضون بالواقع الذي هم عليه بشكل أو بآخر و 5% يشعرون بإحساس غامض بأن عليهم أن يكافحوا ليرتقوا بوضعهم ومثل هؤلاء قد يستعين بالجنس ويعتبره مغامرة وتعبيرا لرفضه عن مكانته الحالية .

وأما الخيال الجنسي فيقول كولن ولسون يميل في العادة خيال الرجل إلى السيطرة والإيجابية بينما حلم المرأة يميل إلى الخضوع والسلبية ويحكي قصة جان وإدا وكانا شابان في الخامسة عشر من العمر و أحبا بعضهما وكان جان يحب أن يلعب لعبة الهنود الحمر وإد تشاركه اللعب في دور سجينة على واشك أن يسلخ رأسها وتحرق , وكان جان يوثقها ويعلم بالصلبان على الأماكن التي يريد أن يغرس فيها الدبابي وكانت إد مفتونة بهذه الخيالات وتجد متعة مساوية لمتعة جان لتخيلها أنها سجينة في يد هذه السجان القاسي وكانت قد كتبت بمذكراتها : أحبك جان ولو قتلتني فلن أعترض ..الحب شيء لا يمكن فهمه ” وفي أحد المرات فقد جان السيطرة على نفسه وانجر في اللعبة أكثر من اللازم وقتل إد بعد أن عذبها وقاومته ثم بعد أن قتلها قطع رقبتها وسلم نفسه للشرطة واعترف بكل شيء , يقول ولسون معلقا على الحادثة المؤلمة أن الحب بين الشابين كان ببساطة تداخلا بين خيالين وعالمين حلم جان بفتاة رقيقة مستسلمة وسلبية وحلم إد بالاستسلام لقوة شرسة إيجابية كان كلاهما يتحدثان بلغة مختلفة لكن كلاهما ناسب تماما عالم الحلم للآخر .

ينتقل كولن ولسون في فصل آخر ويتحدث عن ثورة التحرر الجنسي في الأدب فيقول إنه في نهايات القرن التاسع عشر حين صور برنارد شو النساء بعقل مستقل ويردن الرجل ويسعين للفوز به , وأتى د هـ لورنس الذي نشر أولى رواياته سنة 1910 وجد نفسه وسط المتاعب بتهمته صراحته الشديدة حول الجنس وكل مشكلة لورنس أنه كان شاعرا جريئا وتحدث بصراحة حول الجنس إن كيتس و شيللي وورد ذروث قد يعتقدون بأهمية الجنس لكن لا لم يكن بامكانهم أن يكونوا صرحاء حوله وكان عليهم أن يقتصروا بتصوير نشوتهم على جمال الطبيعة , كان لورنس في ثورة التحرر الجنسي شخصا فريدا فإنه كان لم يقدم الجنس بشكل مبتذل بل أراد أن يفتح عيون الناس على أحد الأشياء المهمة في الحياة لقد كان يعتقد بأن الحياة الحديثة تزداد ضحالة وتفاهة وعدم إقناع لذلك كانت قصة الحب في عشيق الليدي تشارلي تدور في كوخ في الغابة بعيدا عن أضواء المدينة و تعقدياتها , يتحدث كولن ولسون عن بقية الأدباء الذين أشعلوا الثورة الجنسية فيلاحظ أنهم كلهم كانوا مهتمين بالتدمير وبالتخلص من المحرمات القديمة للفيكتوريين والسخرية من العاطفة القديمة عكس لورنس , فرواية عوليس لجيمس جويس كانت بذيئة وكان جيمس جويس يريد أن يسجل في روايته تلك العبارات التي لا يراها الناس إلا على جدران المراحيض , و رواية عوليس هي أكثر من شجع على كتابة الأدب الجنسي الذي مازال يكتب حتى اليوم فالنقاد قابلوا الرواية بكثير من الترحاب , وجويس يختلف عن بقية الروائيين الذين سبقوه بأنه تحدث عن الجنس ليس بسبب أنه واقعي كما كان يدافع مثلا إميلا زولا وتوماس هاردي ويتحججون بأنه لا يتجاوز عدة صفحات من جملة مئات الصفحات لكن جيمس جويس لم يفعل ذلك لأنه أراد أن يكون واقعيا بل لأنه أراد أن يصدم القارئ ويرتفع بمستوى روايته ويعترف كولن ولسون بأنه بدون الجنس ستكون رواية عوليس مملة غير قابل للقراءة , ثم انتشر بعد ذلك الأدب التجاري الذي يتحدث عن الجنس من قبيل ما كتبه إيان فليمنج في سلسلة جيمس بوند الذي كانت دوما مكافأته لمكافحة الشر ضد وحوش البشر _الذين كانوا روسا في الغالب_ في علاقة حميمية مع فتيات باهرات الجمال , يتوصل كولن ولسون إلى رأي مفاده _وقد كان صادما بالنسبة لي _ أن الحديث عن حرية الإبداع لاستخدام الجنس عذر باهت لكن لأننا لا يمكننا التمييز بين الأدب الجنسي الجيد مثل رواية عوليس وبين الأدب الجنسي الرخيص مثل رواية جيمس بوند فولسون يقترح تشريع ضرائب عالية كما هي موجودة على الخمور فيجب تشريع ضرائب عالية على الأدب الجنسي ويكون طباعة كتاب يحتوي على الكثير من الجنس مكلفا على دار النشر أكثر من الكتاب العادي تماما مثلما أن فتح بار مكلف أكثر من فتح محل بيع أزهار _هذه المثال مني لكن الفكرة لكولن ولسون_ .

الخلاصة :

الكتاب كان رحلة ممتعة تفاجأت من أراء كولن ولسون عن الأدب لم أكن أعتقد أن كاتب “اللامنتمي” محافظ , وتفاجأت أيضا بنظرة الأوربيين إلى الجنس في الخمسينات حيث أن هنالك مقالة لأحد الفتيات تصدم المجتمع بأن 30% من الفتيات لسن عذارى ويقر دكتور ألبرت أليس أنه في نهاية القرن العشرين سيعتبر كل من لم يمارس الأوضاع الجنسية المختلفة مع النساء قبل الزواج إما عصابيا أو منحرفا ونحن نعلم الآن أنه محق , لقد تغيرت نظرة الغرب للجنس كثيرا خلال الخمسين السنة الفائتة , الكتاب يحتوي معلومات ممتعة وكولن ولسون قارئ نهم وشخص واسط الاطلاع بخاصة في الروايات وحديثه عن الأدب شيق ودائم يستعين به ليؤكد نظرياته .

 

Older Entries