209378726314

اسم الكتاب: نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط.

اسم المؤلف: جورج قرم.

اسم المترجم: سلام دياب.

الدار الطابعة: دار الفارابي.

التعريف بالمؤلف والكتاب

الدكتور جورج قرم مولود سنة 1940, من أكثر المؤلفين العرب غزارة بالتأليف ونشاطا. وهو الوزير السابق في الحكومة اللبنانية. كتاب جورج قرم الذي بين أيدينا جزء من مشروعه الذي يتألف من “شرق غرب الشرخ الأسطوري” و “المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين” وهذا المشروع يهدف بشكل أساسي إلى إعادة فهم الاختلاف بين الغرب والشرق وأنه ليس سببه ثقافي أو ديني كما يدعي صمويل هنتغتون والتأكيد على السياق السياسي و دور الهيمنة الغربية على الدول العربية وحلفائها في خلق ظاهرة الإرهاب وإعادة دور الدين بشكل مكثف في الحياة العامة. جورج قرم ينتمي بشكل واضح إلى مدرسة تؤمن بقيم الحداثة و التنوير بطموحها الإنساني وموقفه من الدين ينتمي إلى هذه المدرسة ويرفض بشكل صارم مقولات ما بعد الحداثة والنسبوية والتعددية الثقافية. أيضا جورج قرم يكتب أساسا باللغة الفرنسية وبالتالي سيلاحظ القارئ أنه يتوجه بالكلام في أجزاء من الكتاب بشكل مباشر إلى المثقف الفرنسي وماذا يجب أن يكون دوره في الفترة القادمة

الكتاب مترجم والترجمة كانت ممتازة لكن واجه المترجم مشكلة في التفريق بين مصطلحي

sécularisation

 الذي يتم ترجمته بالعادة في العالم العربي إلى علمانية. ومصطلح

laïcité

الذي يجري في العادة تعريبه في العالم العربي بـ “اللائكية” أو توصف اللائكية بأنها “العلمانية الصارمة”. المترجم ترجم

sécularisation

إلى الدنيوية و ترجم

laïcité

إلى العلمانية وهذا الاختيار قد يشوش على القارئ نوعا ما لكن يبدو أن هذا التفريق أتى من جورج قرم نفسه و من المعروف أن سكالرزيوم تترجم إلى العلمانية أو الدنيوية.

مقدمة للمقاربة الدنيوية في تحليل الصراعات

إن الصراعات التي نسميها بالصراعات الجيوسياسية أي تلك التي توضع وجها لوجه بلدا ضد بلد أو عدة بلدان تتطلب دوما التبرير لجعل العنف والموت والدمار الذي تزرع بذوره مقبولا. بل يمكننا القول إن الصراع لا يندلع إلا عندما يعتبر هذا الطرف أو ذاك أنه أقنع بما فيه الكفاية رأيه العام بضرورة إعلان الحرب. تجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من الصراعات المحلية داخل بلد ما سرعان ما تكسب بعدا إقليميا أو حتى دوليا قد يفضي إلى صراعات أكبر أو قد يكون بمثابة فضاء رمزي ومحدد لصراع أكبر.

ومن المفارقات كما يقول جورج قرم أن الخطاب الجديد لتبرير الحرب رغم أننا في عالم العولمة ويتميز عالمنا على نحو متزايد بإمكانية استخدام أدوات البحث والتنقيب فإن الخطاب الجديد لتبرير الصراعات تميز باستخدام مكثف لـ البروباغاندا والايدولوجيا  وللدعاية والتضليل والتذرع بـ “قيم” ذات طبيعة استعلائية يجب حمايتها أو نشرها. وأكثر من ذلك اتخذ هذا الخطاب الجديد خلال السنوات الأخيرة لغة جواهرانية تركز على شرح أسباب النزاع باعتبارات ذات طبيعة انثروبولوجية أو دينية أو عرقية أو ثقافية. تبرز الصراعات هنا كضرورة لا مفر منها للحفاظ على “كينونة” شبه منزهة أو ثابتة تتجسد من خلال قيم ما, أو على العكس لتدمير كينونة تعتبر مؤذية ولا يمكن التساهل معها للحفاظ على السلام.

يؤكد جورج قرم أن التحليل الدنيوي لأسباب الصراعات يميل الآن إلى التواري حقل المعارف الأكاديمية التي يزداد تركيزها على عوامل يشار إليها بشكل خاطئ بعودة الدين أو العرق عوامل تقدم بمثابة التفسير الرئيس للصراعات والحروب. وهكذا يقول جورج قرم أن التحليل الدنيوي ذلك الذي ينفي مقاربة الصراعات من المنظور الأنثروبولوجي الديني أو العرقي أو بأحد أشكال المزاعم الجواهرانية لأسباب الصراعات أو بتحديد عامل واحد أو مذنب واحد أو مسؤول عن الصراعات. تسعى هذه المقاربة الدينوية إلى استعادة معرفة الأسباب الحقيقية للصراعات التي تجد جذورها في تاريخ مختلف المجتمعات تاريخ معقد دوما لا يحتمل أي تبسيط.

يؤكد جورج قرم على أن الذي يريد تغطية الصراع إعلاميا أو أكاديميا اتخاذ عدة احتياطات منهجية.

الاحتياط الأول تجنب الرؤية الثنائية للعالم ومبدأ السببية الأحادي الجانب.

الاحتياط الثاني: الانتباه لانزلاق القانون الدولي أو ما يسمى بالشرعية الدولية للإشارة إلى قرارات مجلس الأمن, فخلف هذا المصطلح تختبئ قوة وإرادة أمريكا وحلفائها. وكما يقول جورج قرم إن الجمعية العامة التي تضم كل الدول هي الجهة الوحيدة التي بالإمكان اعتبارها الممثل عن دول العالم كافة وليس عن مجتمع دولي لا وجود له أساسا.

الاحتياط الثالث: العودة إلى تقنيات التحليلات السياسية الدنيوية والمتعددة العوامل التفسيرية للصراعات: يتطلب النهج الدنيوي في التحليل بحسب رأي جورج قرم مراجعة كل العوامل التي أدت إلى نشوء الصراع. وهذا ما يمكن تسميته بالتحليل متعدد العوامل إذ يستعرض الأسباب الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والعقائدية التي أسست لبنية الصراع.

يذكر جورج قرم أن من أسباب الصراعات هو انبعاث الأفكار الأرستقراطية والسلطوية. يقول جورج قرم شهدنا عودة ظهور الأفكار الأرستقراطية المصحوبة بعودة ظهور أفكار حول عدم المساواة بين الأجناس والأعراق والحضارات. وهو جدل قيم أدمى أوربا طوال تاريخها الحديث من حروبها الدينية التي نالت من جبروت الكنية الكاثوليكية الرومانية إلى الثورة الفرنسية التي هاجمت امتيازات الطبقية الأرستقراطية الإقطاعية المنشأ, إلى الحركات القومية الأوربية الكبرى التي اعتبرت نفسها الشعب المختار والمتفوق فألهبت المشاعر والأهواء وأثارت حروب القرن العشرين بما فيها الكثير من الحروب الاستعمارية وكذلك الحرب العالمية الأولى. هو جدل بين قدامى ومحدثين أو بين أنصار نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي هرمي قائم على المنشأ العائلي والثروة أو الطبقة الاجتماعية. نظام ثابت لا يتبدل في التاريخ وبين أولئك الذين يدعون إلى المساواة بين الرجل والمرأة والشعوب بغض النظر عن الزاوية التي نرى فيها هذا الجدل فهو مسؤول إلى حد كبير عن أعمال العنف المتكررة في الواقع عن حرب أهلية دائمة تقريبا داخل حتى العالم الغربي ذاته. وهو كذلك المسؤول عن فظائع الحرب العالمية الثانية أو حرب جلاء الاستعمار التي يجب أن نؤكد فيها على الدور الهام الذي أدَّاه فيها قسم من الدول الأوروبية علما أنها تعتبر نفسها من أنصار المساواة والقيم الإنسانوية.

وكما يرى جورج قرم أن التراث الثور الفرنسي الذي وضع قيد التنفيذ مبادئ الفلاسفة الإنكليز ومبادئ فلسفة الأنوار قد أعطى للعالم الأدوات السياسية والقانونية لتحرير الشعوب والطبقات الاجتماعية في حين تعزز النيوليبرالية اليوم عودة الفروق والطبقات الاجتماعية وصناعة الامتيازات التي غالبا لا تبررها أية جدارة حقيقية.

يذكر المؤلف كأحد أسباب الصراع أن دولا ذات مكونات ناقصة نشأت في حالات صراع لايزال قائما. فهناك دول نشأت في ظروف نزاع وهي غير قادرة على البقاء إلا في ظل استمرار آليات التنازع تلك هي حالة دولة إسرائيل ودولة الباكستان اللتين نشأتا انطلاقا من رفض قبولهما التعايش الديني التعددي إذ إن كلتيهما تزعمان تجسيد جوهر الدين ونقائه. إن أقدم نزاعين في الوقت الحالي هما الصراع الفلسطيني والصراع الكشميري وهما راجعان إلى إدعاء هاتين الدولتين تجسيد شرعية دينية. أيضا يمكن أن نذكر في هذا الإطار الدول التي تشكلت لكي تكون “دولا عازلة” لطموحات قوى إقليمية ودولية مختلفة كما هي حال لبنان وأفغانستان. فضلا عن ذلك فإن بعض هذه الدول محاطة من جميع الجهات وبدون موارد وبالتالي فهي تعتمد على حسن نية جيرانها الأكثر نفوذا والبعض الآخر ذات طبيعة جمهورية الموز _ وهي الدول التي يكون اقتصادها يعتمد على عدد قليل من المنتجات كزراعة الموز تحكمها مجموعة صغيرة وفاسدة وتكون غير مستقرة_ لا يزال يعيش في زمن الاستعمار الجديد. وسواء كانت هذه الدول مكونة بالشكل الصحيح أو ضعيفة هيكليا ورهينة التأثيرات الخارجية على نحو غير متناسب فإنها تؤدي إلى توتر مستمر وغالبا ما تكون نقطة بداية لصراعات أوسع نطاقا. إن عب الاستعمار وعبء حروب إزالته ولكن في كثير من الأحيان تركة الحروب الباردة كل هذه العوامل لا تزال تؤثر في الديناميكية المزعزعة للمجتمعات والمؤججة للأوضاع النزاعية المتمحور حولها وذلك على حساب السكان ضحايا هذه الصراعات التي تتجاوزهم بكثير.

يختتم الفصل جورج قرم بذكره لفائدة المقاربات الدنيوية للصراعات: فهو كما يقول إن هذه المقاربات هي الوسيلة الوحيدة القادرة على أن تعارض تطور انتشار المفردات والتركيبات الأسطورية التي تمنح شرعية كاذبة وسهلة للحروب والصراعات. وفي كثير من الأحيان لا يتقيد المثقفون والباحثون بهذه الاحتياطات بل يتماهون مع شعارات وسياسات القوى التي هي مصدر إنفجار الصراعات. إن إمكانية النفاذ إلى وسائل الإعلام والتأثير في الأمراء الحكام أقوى من الرغبة في فهم وتفسير رهانات الصراع في كل تعقيداتها. هكذا نشهد في الأبحاث الأكاديمية جملة من القيم الضمنية يتم التعبير عنها من خلال المسبقات البديهية والأحكام الفجة وكذلك من خلال استخدام مفردات انثربولوجية جوهرانية تحون دون كل تحليل دقيق لصراعٍ ما. ويواصل جورج قرم أن هذه المواقف تتعارض مع الرغبة في السلام والعدالة التي تتوق إليها المجتمعات في العادة. فالبشر العاديون لا يطلبون الحرب بل هم دعاة سلام لا يطمحون إلا إلى العيش الآمن وإنما هي النخبة السياسية المتعطشة إلى مزيد من السلطة والمكاسب المادية. فالحرب والعنف قبل أن يطالا الجسد ويجلبا الموت هما في البداية حرب كلامية واستحداث معان تحمل العداء للآخر والانتفاص منه وتهميجه.

في الفصل الثاني يتحدث جورج قرم عن الصراعات الجديدة ووظيفة “عودة الدين”

يؤكد جورج قرم أن هذه العبارة اكتسبت رواج كبيرا دون أن يتساءل الباحث عن معناها ووظيفتها. ففي البداية إن الحديث عن عودة يفترض أنه كان هنالك غياب, غير أن ما من شيء قابل للجدال والمناقشة مثل هذا القول وذلك لسببين الأول أن الدين على اختلاف أشكاله قديم قدم الكون فالحاجة إلى التسامي وإلى تفسير هشاشة الوجود البشري أمام ديمومة الكون وحتمية الموت يستدعي الإيمان بجملة من المعتقدات من شأنها أن تهديء من قلق الإنسان وروعه. وهذا الشيء لم يختف وفي أمريكا حيث كان التدين التقليدي هو السمة الأساسية للمجتمع الأمريكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي حتى وفي أوربا ظل الدين موجودا وحاضرا وإن اكتسب طابعا علمانيا بشكل تدريجي. و السبب الثاني الذي يجب أن يبعث الشك في وجود ظاهرة “عودة الدين” فيعود إلى غياب الإحياء اللاهوتي في الديانات التوحيدية الكبرى. فكلي كي يكون هنالك عودة للدين يجب أن يكون هنالك تجديد عميق للاهوت في تلك الأديان وهذا ما لم يحدث بنظر جورج قرم.

ويتحدث المؤلف على أنه بعيدا عن عودة الدين فإننا نشهد وإلى حد بعيد أزمة حادة تصيب هذا البعد الأساسي من المجتمعات البشرية في جميع أنحاء العالم. تضافرت هذه الأزمة مع أزمات متعددة الجوانب تتصل بالشرعية السياسية وتصيب مجتمعات عديدة. تتلاعب أزمة الشرعية السياسية بالأزمة الدينية نفسها وقد تتلاعب الأزمة الدينية بأزمة الشرعية السياسية. هذا ما يخلق في المجتمعات المتأزمة خصوصا المجتمعات التوحيدية هذا الخانق من حرب الحضارات والأديان. فالأزمة تستشري داخل المجتمعات التوحيدية وكذلك بين بعضها البعض هي أزمة سياسية بامتياز تتصف ليس بـ “عودة الدين” و إنما بـ “اللجوء إلى الدين”.

يتحدث المؤلف كيف أن العلمانية كانت هي الايديولوجية السائدة في القرن العشرين و أن القاموس العلماني هو كان القاموس المستخدم في تفسير الصراعات ولم تكن تستدعى القيم الدينية في لتبرير الرغبات السياسية.

 لكن يقول المؤلف أنه من المفيد أن ندرك كيف انقلب العالم في بضعة عقود من جيوسياسية غاب عنها استحضار القيم الدينية والحضارات والثقافات إلى عالم لا يكف فيه قادته وأصحاب القرارات السياسية للقوى العظمى أو الصغرى عن استحضار علاقتهم بالله وتمسكهم بقيم دينية وحضارات عابرة للأوطان خيالية أكثر منها واقعية. كانت هنالك خمس أحداث سياسية كبرى قادت إلى هذا التحول ويذكرها المؤلف بالترتيب الزمني.

 الحدث الأول: انتصار الوهابية في العالم الإسلامي. الحدث الثاني انفصال مسلمي الهند وتأسيس دولة باكستان. فبعدما أرادت النخبة المسلمة في الهند الانفصال عن الاتحاد الهندي لتشكيل دولة منفصلة قائمة على الهوية الدينية. حدث للأسف حمام الدم 1947 ونشأت دولة باكستان وفي عام 1970 انفصل البنغلادشيون في حرب هي الأخرى دامية وهذا يؤكد أن الرابط الديني وحده لا يكفي لتشكيل أمة متماسكة. الحدث الثالث هو الصهيونية وقيام دولة إسرائيل. الحدث الرابع هو تأسيس منظمة مؤتمر الإسلامي. الحدث الخامس هو الثورة الدينية الإيرانية. وفي نفس الفترة حدث الإحياء الكاثوليكي الذي انطلق من بولندا و برز الانجيليون الجدد في الولايات المتحدة وأخيرا انهار الاتحاد السوفيتي.

images

العلمانية كحل لمسألة الدين.

يؤكد المؤلف على الفروق بين ما يسميه _بالإدخال في الدنيوية_ و” العلمانية” ويقصد بنظام الإدخال في الدنيوية هو المفهوم الانجلوسكسوني والألماني للعلمانية المستوحى من قيم الكنائس البروتستانتية المختلفة. والعلمانية التي سيتحدث عنها ما تسمى بـ “اللائكية” المستوحاة من التقليد الفرنسي. و يقول أن هنالك ثلاث مزايا للنظام العلماني على الأقل وليست متواجدة في الدينيوية.

المزية الأولى هو التأكيد على الإنسانوية كمبدأ ينظم المجتمعات ومصدر للأخلاقيات والسلوكيات. وبموجب هذا المبدأ تُحرم كل رؤية تراتبية للحضارات والأعراق والثقافات والأديان. المزية الثانية: هي إنشاء فضاء عام مستقل عن الفضاء الخاص يسمح بنشر المواطنة. إن الفصل بين الفضاءين ضروري لازدهار المواطنة ففي الفضاء الخاص يستطيع المواطن ممارسة كل الخصوصيات التي يرغب فيها سواء في اعتقاداته الدينية أو في لباسه بل حتى في اللغة التي يود استخدامها. لكن في الفضاء العام يجب على المواطن أن يضع معتقداته وتقاليده الخاصة حيث إنه مواطن ذو سلوكية تنشأ عن تربية مدنية اكتسبها من أخلاقية المصلحة العامة في المجتمع وعلاقاته بالمحيط الخارجي. وأيضا من الفضاء العام الإعلام باختلاف أشكاله و إذا كان الإعلام يستخدم لنشر قيما ذات طبيعة خاصة دينية أو عرقية فهذا يعني أنه يستخدم الفضاء العام كوسيلة لتوثيق الروابط الدينية العرقية أو الدينية أو لترويج هذه الروابط ونكون بهذا في تناقض صارخ مع جوهر القيم الجمهورية في ذاتها.

المزية الثالثة للنظام العلماني هي السعي الدؤوب وراء المصلحة العامة داخل المجتمعات وبين المجتمعات ففي الفضاء العام تناقش شؤون المجتمع وتعد فيه قواعد الأخلاق العامة التي تستقى منها القوانين والأنظمة المتوجب تطبيقها وكذلك السياسات التي يتوجب تنفيذها للتوصل إلى ما يعرف بالمصلحة العامة.

ويؤكد المؤلف أنه من خلال هذه المبادئ الثلاثة نرى الفرق الفاصل بين نظام إدخال الدين في الدنيوية وبين نظام علماني. ففي نظام الإدخال في الدنيوية تكون الهوية والقيم الدينية في قلب الحياة العامة حيث يمكن توظيف الدين والأصول العرقية مباشرة في المجادلات أو المنافسات السياسية. أما في النظام العلماني فالدين والأصول العرقية تبقى قيد الفضاء الخاص. في الحالة الأولى تُشجع الطائفية بجميع أنواعها وتشجع كذلك جماعات الضغط الخاصة بها للإدلاء بآرائها في الفضاء العام. في الحالة الثانية فهي تشكل عقبة خطيرة أمام تنمية الشعور بالمواطنة والفكر الجمهوري.

في الفصل الثامن يتناول المؤلف الطائفية والتعددية الثقافية كمصدر للصراعات.

يقول جورج قرم إنه يمكن اعتبار مفهوم المواطنة الحديث أعظم إنجاز للمجتمعات البشرية إذ خلافا للمفهوم الإغريقي الذي كان يقتصر على فئة معينة من سكان المدينة يشمل المفهوم الحديث جميع الفئات الاجتماعية. في نهاية المطاف وتحت تأثير الفلسفة الليبرالية الانكليزية وعصر الأنوار الأوربية ومبادئ الثورة الفرنسية الكبرى تم إدماج كل أفراد المجتمع في جسد سياسي واحد دون أي إقصاء على أساس عنصري أو ديني أو جنسي أو متعلق بالانماء العرقي أو العائلي.

إن هذا المفهوم يعاني اليوم من تراجع ملحوظ وأصبح موضع مجادلات بشكل متزايد تحت وطأة الظواهر الإيديولوجية والسياسية المختلفة التي تميز مرحلة ما بعد الحداثة. وأيضا هواجس المجتمع الناجمة عن العولمة الاقتصادية وتراجع الثقة بمزايا نظام الدولة – الأمة سليل القرن التاسع عشر الأوربي نظامٌ استطاع نموذجه أن يجوب الكرة الأرضية.

يتحدث المؤلف عن السياقات والأصول التاريخية لهواجس الهوية.

فيقول جورج قرم دعونا نذكر سريعا بالسياق العالمي الذي حفز صعود الايديولوجيات والذاكرات الخاصة بالهوية. فالقضية اليوم هي رؤية العالم الذي ينغلق في الوقت الراهن داخل تقسيم ثنائي بين “نحن” و “هم” بين عالم منطو على طائفة دينية أو عرقية أو مجموعة من المجتمعات تعرف نفسها من خلال حضارة وقيم مشتركة من جهة وبين عالم خارجي “عدائي” يتوعد “بوحشيته” بل بنزعته الاضطهادية أو الظالمة. هكذا حل محل الرجاء في أخوة عالمية نظرة تشاؤمية تحفز المطالبة بالضمانات والحمايات والحصص والمؤسسات المنفصلة والرسمية لكي يشعر أعضاء الطائفة بتمثيلهم في الفضاء العام.

قد يكون هذا التصعيد في قضايا الهوية ناجما عن اجتماع أسباب مختلفة. فالسبب الاول غني عن التعريف: وهو الانهيار التدريجي للإيديولوجيات العالمية والعلمانية منذ ابتدأت المرحلة الأولى للحرب الباردة, وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية للحركات الدينية الأصولية وغير الأصولية من أجل زعزعة قبضة الأحزاب الشيوعية أو نفوذها, خصوصا في أوربا الوسطى والعالم الإسلامي.

إضافة إلى ذلك فإن تجانس أنماط الحياة في جميع أنحاء العالم تحت تأثير مجتمع الاستهلاك والعولمة الافتصادية لم يخل من تأجيج مختلف أشكال المقاومة الثقافية, خصوصا لدى أولئك المستبعدين من الأنماط الجديدة في النمو الاقتصادي وتداول الثروة. وغالبا جاءت عبارة هذه المقاومة الثقافية عن طريق التقوقع على الهوية الذي حفزته الحركات السياسية الراديكالية القديمة منها والحديثة كحركات اليمين المتطرف في أوربا وبعض الحركات الأصولية الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

يتحدث جورج قرم عن نظرية التعددية الثقافية فيقول: في هذا السياق المختلف الأشكال ومع الارتفاع الهائل لعدد المهاجرين الوافدين من قارات أخرى, في هذا السياق اعتبر العديد من الأدباء أن تراث عصر الأنوار والثورة الفرنسية قد عفى عليه الزمن حيث إن عصر ما بعد الحداثة يتطلب في نظرهم بعض التعديلات للمفاهيم الصارمة والمتجانسة للأخلاقية الجمهورية التي تفصل بحزم الفضاء الخاص عن الفضاء العام حيث لا يجوز التعبير عن الخصوصيات العرقية والدينية. من هذا المنظور يتوجب على الديمقراطية أن تتأقلم مع هذه الأشكال الجديدة للطائفية أليس من الأفضل احتواؤها وإضفاء الطالبع المؤسساتي عليها وقبولها والاعتراف بالتعددية بكل أبعادها في الفضاء العام بدلا من التمسك بالانقسامات السياسية والايديولوجية التقليدية البحتة بين يمين ووسط ويسار انقسامات كانت ستفقد في جميع الأحوال كل قيمة معنوية لها؟

يذكر جورج قرم أن مصطلح مجتمع أصلا يفيد في حد ذاتها معاني مفهوم التعددية كافة فالمجتمع في طبيعته تعددي وعندما يختل هذا الشرط نصبح أمام أنواع أخرى من توصيف المجموعة البشرية التي قد تكون قبلية أو طائفية أو عرقية أو لغوية أو دينية بشكل وثيق أو ريفية وإقليمية حصرا. لكن هذه المجموعات المغلقة قل تواجدها بفعل التمدين المتزايد للعالم منذ قرنين وتكاثر ظواهر الهجرة والانتشار التدريجي للتعليم.  لكن تنوي التعددية الثقافية أن كل هذا التعدد سواء كان شعب و عرق و دين وحضارة واختلاف الأجناس وجماعات مضطهدة تاريخيا بمختلف أشكال الاستعمار أو ببقايا منظمات اجتماعية ذات تسلسلات هرمية حادة وقاسية كنظام الطبقات الهندي, فالتعددية الثقافية تنوي تنظيم كل ذلك وأن تجعل من إدارة “الاختلاف” نقطة التركيز في الشؤون العامة. وأيضا تم اكتساب مصطلح “اندماج” أو “التماثل” صبغة سلبية في مفاهيم ديمقراطية ما بعد الحداثة.

ما هي الإشكالات في نظرية التعددية الثقافية؟ يجيب جورج قرم أن هنالك إشكاليتان رئيستان للتعددية الثقافية. الإشكالية الأولى بتحقيق التوازن بين الحق في الاختلاف والحق في المساواة وكذلك بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد. لنلاحظ أولا أن مفهوم التعددية في ذاته ملتو في المقاربة الخاصة التي تنادي بإقامة مجتمعات متعددة الثقافة ذلك أن الأمر لم يعد تعددية الآراء السياسية والاجتماعية والاقتصادية أي المناهج المختلفة لتحقيق “المصلحة العامة” للمجتمع وإنما قد أصبح مجرد إقامة نظام التأكيد على اختلاف الانتماءات الهويتية ذات الطبيعة العرقية أو الدينية أو الثقافية. وهذا ما يؤدي إلى حدوث إنقلاب في فلسفة الديمقراطية الحديثة بكل أبعادها خصوصا في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. والجدير بالملاحظة هنا هو أن صعود الاختلافات العرقية والدينية في مجتمع ديمقراطي ما يعود إجمالا فقدان تكافؤ الفرص الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولذلك يصبح التقوقع على الهوية وسيلة فعالة للتعبير عن السخط الاجتماعي-السياسي.

يتحدث المؤلف عن مفهوم حق الاختلاف الذي ترفعه التعددية الثقافية ويقول أن المفارقة تكمن في أن مفهوم الحق في عرف القانون يحتاج إلى تكملته الطبيعية ألا هي والمساواة. فالحق لتحقيق رسالته الأولى يجب أن يكون عاما وينطبق على كل المواطنين كافة بطريقة متساوية. وهذا بالتحديد ما ينقصه حق الاختلاف الذي يعني أن بعض بنود القانون لن تطبق على بعض فئات المواطنين أو أن يتم اعتمدا التمييز الايجابي لمصلحة تلك الفئات لتأمين ذات الخصوصية الهويتية تكافؤ فرص اقتصادية واجتماعية أفضل كنظام الحصص أو الألأولوية في التوظيف أو تبسيط الامتحانات والاختبارات للحصول على شهادات أو على وظائف.

الإشكالية الثانية للتعددية الثقافية في إشكالية المخاطر التي تجرها الأنظمة السياسية ذات القاعدة الطائفية كالنظام اللبناني في مجال احترام الحقوق الفردية وشخصية كل مواطن. ومن مآسي حقوق الطوائف سحق الفرد عن طريق أسره في اتباعه طائفية خانقة. أولئك الذين يستفيدون من الحقوق الطائفية هم من يستخدم ويفرط في استخدام لغة الهوية ومطلقية الفروق. يواصل جورج قرم فيقول إن المجتمع الطائفي أو المتعدد الثقافات حسب العبارة الجديدة غالبا ما يؤدي إلى تكوين غيتوهات متجاورة فما من نجاح يذكر حقا في هذا المجال. سويسرا هي النموذج الأكثر نجاحا ولكن ليس هذا هو الحال في بقية الدول.

يقول جورج قرم أنه يجب العودة إلى إعادة قيم الحرية الفردية ومفهوم الفكر الجمهوري. فيقول أن الجمع بين نظام سياسي يضمن الحريات الفردية إلى أعلى درجاتها ويكفل في الوقت نفسه التوزيع العادل لثمار النمو الاقتصادي وبين التقدم التقني لكل فئات المجتمع ولكل مناطق البلد هو بلا شك أفضل حماية للمجموعات المهددة أو المهمشة في مظهر من مظاهر هويتها المعقدة. ويقول ماذا يمكن أن يضمن بشكل أفضل بقاء مجموعة بشرية تعاني تناقصا ديموغرافيا أو حالة التهميش والإقصاء الاجتماعي – الاقتصادي خير من التطبيق الصارم للحرية الدينية وحرية التعليم وحرية التنظيم الثقافي والفني؟ وإذا اقترنت بآليات عادلة لتوزيع المداخيل ومن أجل إزالة الإقصاء وتوفير عمل لائق للجميع يمكننا حينئذ أن نظن أنها خير وصفة للحفاظ على المجتمع المتعدد وأشكال التعددية الخاصة بكل مجتمع.

رأي القارئ في الكتاب

بشكل مجمل الكتاب ممتاز ويحاول أن يعيد الاعتبار للمفاهيم الكلاسيكية في تفسير الصراعات الجيوسياسية في العالم و أيضا للمفاهيم الكلاسيكية في الطريقة المثلى للتعامل مع ظاهرة الدين في المجال العام والخاص. جورج قرم ينجح نجاحا كبيرا في جانب تفسير الصراع في الشرق الأوسط وتأكيده على المسألة الاقتصادية بأنها من خلالها وحدها تستطيع فهم مجمل الصراع في المنطقة. فدول الخليج لأنها تملك فائضا كبيرا من المال بسبب النفط والغاز تملك تأثيرا كبيرا على بقية الدول العربية ولأنها تنتمي إلى محور محافظ قريب من أمريكا بالتالي تسعى غالبا لدعم جماعات إسلامية أو علمانية لا تهدد مصالح أمريكا, وتسعى أيضا لنشر تعاليم السلفية لأن هذا يشكل قوة ناعمة لهذه الدول. وأيضا هذا العامل هو ما يفسر اهتمام قوى الاستعمار المختلفة من بريطانيا و ورثيتها أمريكا بهذه المنطقة لأنها تشكل الخزان الأكبر لمصدر الطاقة في العالم ويجب ألا يسقط هذا الخزان بأيدي أطراف قد تهدد وصول مصادر الطاقة إلى بقية العالم.

أيضا مناقشة جورج قرم لمفهوم التعددية الثقافية كان موفقا من ناحية أخطار التعددية الثقافية, لكن يبقى الاعتراض الأساسي قائم وهو أن الدول العلمانية مثل فرنسا وأمريكا وكما يقول باتريك سافيدان صاحب كتاب الدولة والتعددية الثقافية ” نلاحظ مثلا في فرنسا أن جدول العطل يتضمن أياما ترتبط بالديانة الكاثوليكية ويقتضي مبدأ الحياد في هذه الحالة تعويض هذه الأيام بأيام محايدة أو أن نمنح الفرد أيام عطل لا ترتبط بحدث خاص بحيث يتصرف فيها كيف شاء أن يتصرف. وفي الحقيقة أن الدولة يستحيل عليها إخفاء آثار الهيمنة الرمزية للأغلبية بسبب التداخل الذي لا يمكن تحاشيه للثقافي والسياسي, ويدفع بنا هذا الاعتراف أن الدولة من أجل أن تحقق الأهداف التي تأسست من أجلها فلا يمكن لها ان تمتنع عن التصرف كفاعل ثقافي.” وفي الحقيقة أن  هذا الاعتراض قوي ويؤكد على الجذور الدينية للدولة لكن الدولة تحرص بشكل مستمر على أن تظهر بالمظهر العلماني حتى القيم الدينية الموجودة فيها تتبناها بشكل رمزي حيث أنه اعتقاد الأسلاف مؤسسي الدولة وبالتالي تتبناها الدولة احتراما لهم, و ليس بسبب “دينيتها” لكن بسبب “اعتناق الأسلاف لها” فمثلا توضع اقتباسات من كلام  مؤسسي الدولة وفيها نبرة دينية في الكتب المدرسية أو في الأماكن العامة, وهذا لا يناقض قيم الدولة الجمهورية والعلمانية.  و أما موضوع العطل الرسمية لاشك أن أحد الحلول هو وضع اجازات في المناسبات الدينية المختلفة وهذا ما أقرته مدينة نيويورك مؤخرا بأن جعلت عيد الفطر وعيد الأضحى عطلة رسمية لطلاب المدارس العامة. وبلا شك أن قيم مؤسسي الدولة سنراها واضحة في مختلف نواحي الدولة لكن يجب أن يتم علمنة هذه القيم ويجب أن تكون مفتوحة وشاملة بأن يكون لأي أحد اعتناقها ولا يجبر أحد عليها و أن تشمل أكثر عدد ممكن ومؤثــِّر من مواطني الدولة وألا تأخذ بعدا عرقيا أو طائفيا ينتقص من بقية مواطني الدولة.

أيضا حديث جورج قرم عن الفصل بين المجال الخاص والعام وأن الدين ومظاهره يكون محلها هو المجال الخاص لم يكن موفقا. وحجتي ليست أن الدين ملاصق للإنسان لايمكنه التخلي عنه كما يقول الإسلاميون في العادة. لكن الحجة الأساسية هي أن الدين بحد ذاته عبء ثقيل على الشخص المتدين فهو يتعلق بالمصير الأخروي وأن هنالك أناس سيذهبون إلى الجنة وأن هنالك من سيذهب إلى النار, وبالتالي لديه هم “دعوي” لنشر الدين, و هو واجب ديني في المسيحية والإسلام وهذا الشخص يريد أن يحاول أن يدعو بقية مواطني الدولة لدينه لكي لا يذهبوا إلى النار, وبالتالي مجال الدعوة ومجال السجالات الدينية بين الأديان والمذاهب سيكون حتما المجال العام. وأيضا حتى “الإنكار” على الإقدام على فعل محرم هو ليس محمي فقط بحرية ممارسة الدين بل بحرية التعبير فكيف لنا أن نقمع شخص يريد أن يرفع لافتة بجانب عيادة للاجهاض مكتوب فيها عبارة دينية تحرم هذا الفعل. وأيضا لو أن مجموعة متدينين يريدون مساعدة الفقراء وإقامة جمعيات تطوعية عملا بنص ديني وهم يُعرِّفون أنفسهم في المجال العام أنهم يساعدون الفقراء والمساكين عملا بوصايا الأنبياء هل من الحكمة منع هؤلاء لأنه مارسوا واجبا دينيا في المجال العام ؟

إن الدولة التي تمنع الدين من المجال العام هي ليست تقصي فقط جزءا أصيلا من المجتمع بل تجعل من طائفة المتدينين كلهم أعداءا لها لأن الدولة تكون عدوة لدينهم. بالمقابل ليس المطلوب هو فتح المجال العام لمختلف أنواع الخطابات الدينية فالخطابات التي تدعو للعنف أو تهدد بقية السكان يجب أن تُجرم لأنها تهدد السلم الأهلي. وأيضا يجب تشجيع نوعية الخطابات الدينية المتنورة التي تناقش ظواهر التدين الرجعية والتي فيها إهانة للإنسان و المرأة أو ظواهر التدين تلك التي  تقف أمام تقدم الدولة أو يهددها.  وشخصيا أميل إلى رأي مارسيل غوشيه الذي يرى أن الحل لظاهرة الدين في الدولة هو الفصل بين المجال السياسي والمجال العام وتوسيع المجال العام وهذا يتاح للمتدينين العمل فيه دون أن تحاصرهم اللعبة السياسية. ورغم أن مارسيل غوشيه نفسه رأى أنه يجب أن الدولة تساوي بين كل الأديان والمذاهب والآراء فهذا في نظري ليس موفقا دائما بل من الأفضل للدولة مع سماحها بحرية التدين وحرية الخطابات الدينية المختلفة, لكن عليها أن تخدم خطابا دينيا أكثر تفتحا ومتسقا مع القيم الجمهورية التي تتبناها الدولة نفسها. فكما أن الدولة ليست حيادية في المجال الثقافي وتدعم مشاريع ثقافية مختلفة للمواطنين مثل تمويل مسرحيات وطنية أو مسرحيات لها قيم ثقافية وإنسانية بهدف صنع مواطن صالح فإن لها حق أيضا أن تدعم أنشطة دينية مختلفة تؤكد على هذه المعاني.

Advertisements