شاهدت حلقة “إلا المجاهرة” من برنامج خواطر, والحلقة كانت مكونة من جزئين وهي الحلقة الوحيدة حتى الآن ببرنامج خواطر التي يتم تقسيمها إلى جزئين ربما لأن الموضوع كان مهما جدا بنظر أحمد الشقيري. لكن رغم ذلك لم يكن الشقيري سوى متبنٍ لخطاب صحوي تقليدي يردده دعاة الصحوة منذ الثمانينات, فموضوع العفاف والفضيلة هو من المواضيع المفضلة لدى الوعاظ. والحلقة كانت تهدف بشكل أساسي إلى تحذير العرب من انتشار الجنس الحاصل بأمريكا و التمسك بقيم الفضيلة والعفاف.

ودعني أبين هنا في هذه النقطة أن نقدي للحلقة لن يكون منطلقا من الخطاب الليبرالي الذي يدعي أن الحرية _أي حرية لا تعارض القانون_ هي إيجابية وجيدة لأنها حرية. فالفكر الليبرالي يرى في الحياة الجنسية الأمريكية أنها جيدة بحكم أنها نابعة من اختيار حر من أطراف بالغة راشدة. لكن الرد على هذه الحجة أن الحرية بحد ذاتها ليست بالضرورة تــُنــتج شيئا جيدا ويستحق المديح, فلو أن أحدا كتب كتابا من بدايته إلى نهايته لا توجد فيه سوى كلمة “حرية” لن يكون شيئا جيدا ولا يستحق أن يُحترم رغم أنه كتب الكتاب بحرية تامة. طبعا لننتبه إلى نقطة هنا وهي أن المحاججة ليست لمنع الكاتب أن يكتب الكتاب لكن للقول أنه كتاب سيء رغم أنه صدر بفعل حر, وكذلك بإمكاننا استخدام هذه الحجة ضد طبيعة الحياة الأمريكية الجنسية بأنها حياة سيئة رغم أنها صدرت بفعل حر. الذي يهمني هنا تأكيده هو أن الفعل له شكل وله مضمون فالشكل هل نبع من إرادة حرة أو لا, و المضمون هو طبيعة الفعل نفسه. فالفعل قبل أن يكون إيجابيا لابد أن يكون نابعا من إرادة حرة و طبيعته جيدة بحسب المعايير والقيم التي تتبناها الجماعات ويتم التنازع عليها.

نقدي للحلقة سيكون للأساطير التي بثتها الحلقة وهي أساطير تردد من كل واعظ يعالج موضوع الفضيلة في العادة. الأسطورة الأولى و هي الأكثر خطورة أن التحلل بالمجتمعات يبدأ بالتدرج فنوعية الثياب تقصر مع السنوات والعقود ثم ينتشر العري والفساد لذلك يجب أن نقف مع اللبس الذي يستر أكثر ولا نتخلى عنه. ففي أحد المشاهد يستعرض الشقيري نوعية ملابس الأمريكيات وكيف أنها تغيرت مع مرور السنوات وأن هذا كان متزامنا مع درجة الانحلال الأخلاقي في المجتمع. أولا دعني أقول هنا أن القول أن الملابس كلما كانت ساترة أكثر كان العفاف موجود بشكل اكبر, والربط بين الفضيلة والثياب الساترة فكرة ساذجة إلى أبعد حد. فالشقيري يعرض كيف كانت ملابس الأمريكيات محتشمة في القرن التاسع عشر ولا يدري أن تلك الفترة هي الفترة الذهبية للدعارة في أمريكا, وأصبحت الدعارة تجارة من أكثر التجارات التي تدر الأرباح, بل تفوقت على تجارة التصدير وصنع البيرة مجتمعة. هذه الفترة الذهبية للدعارة هي نفس تلك الفترة التي يرثي لها الشقيري لأن ملابس النساء فيها كانت أكثر احتشاما.  الأمر الآخر الذي استشهد به إلى أن نوعية الثياب المحتشمة ليست دلالة على أن المجتمع تنتشر فيه الفضيلة والعفاف هو أنه في مصر و أفغانستان لباس المرأة أكثر احتشاما منه في أمريكا لكن قضايا التحرش الجنسي و الاغتصاب هي أكثر منها بمراحل من أمريكا.

وأما الأسطورة الأخرى المتعلقة باللباس التي ذكرها الشقيري , أن ملابس النساء تكون أقل سترا مع مرور السنوات إذا بدأت بكشف يسير عن الجسد. هذا الكلام ليس صحيحا وهو تقليد وعظي يأتي للتحذير من التساهل في الكشف عن الأمور البسيطة من باب سد الذرائع. فأولا في مصر في الخمسينات والستينات كان من الطبيعي جدا أن ترتدي المرأة المصرية فستانا في الشارع يكشف عن سيقانها وتذهب بهذا الفستان إلى الجامعة أو العمل, لكن اليوم لبس المرأة المصرية وربما في العالم العربي كله أكثر سترا من ذلك. وهنا نذكر نقطة أنه رغم أن ملابس المصريات كان بهذه الطريقة في تلك الفترة لكن التحرش وجرائم الاغتصاب وحتى الزواج العرفي هو أقل مما هو عليه الآن فهذا تأكيد على أن قصر الملابس وطولها ليست دليلة على الحشمة. وأيضا ما يبطل كلام الشقيري وغيره من الوعاظ أنه بأمريكا نفسها التي يستشهد بها كان لباس المرأة في العشرينيات أقل سترا منه في الثلاثينات. فالمجتمع اتجه للمحافظة في ذلك العقد و أما في عقد العشرينات فقد كان متجها إلى الانفتاح. فقصدي كله من إسقاط هذه الأسطورة هو أن العفاف ليس مرتبطا بالمدى الذي تستره المرأة من جسدها, و الأمر الآخر أنه ليس بالضرورة أن لباس المرأة يكون أقل سترا مع الزمن وأننا يجب أن نقف بحزم رافضين تغيير كشف الأمور الصغيرة بحجة سد الذرائع وبحجة أنها ستكون بوابة لأشياء أكبر, وأن الملابس التي تستر أكثر هي أفضل. و في الحقيقة حتى مصطلح “ساتر” أو “محتشم” هو مصطلح نسبي يحدده المجتمع و الزمان والناس فربما في وقت من الأوقات كانت عباءة الكتف تُعتبر في السعودية غير ساترة لكنها الآن ساترة و كان كشف الوجه أمرا خطيرا لكنه الآن أمر مقبول أكثر. فالقصد أن مفهوم الحشمة و الستر هو نسبي يتغير بتغير الزمان وما يحدده المجتمع ومرجعيته وأيضا التدافع والنقاش في المجال العام بين أفراده.

الأسطورة الثالثة التي ذكرها الشقيري هو استخدامه الخاطئ لسؤال زينت بنت الجحش للنبي صلى الله عليه وسلم “أنهلك وفينا الصالحون؟” فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “نعم إذا كثر فيكم الخبث” وهو حديث شهير بالبخاري وإن كان في صحته كلام, لكن على فرضية صحته  فالشقيري استخدم الحديث ليدلل على هلاك بومباي بالبركان و أن أعلى نسبة انتحار في سان فرانسيكيو هو بسبب كونها مدينة يكثر فيها الشواذ. وهذا كلام في منتهى التهافت. فالشقيري نفسه يرفض أن يقول أن تسونامي أو حتى حادثة غرق جدة هي عقوبة إلهية ويقول أنه لا يكون بإمكاننا أن نعرف أن ما حصل لبومباي بأنه عقوبة إلهية إلا بنص لكنه طوال الحلقة يصور للمشاهد أن ما حدث لها عقاب إلهي. ولا يجب أن ننسى أن الجنس والشذوذ الجنسي كان شائعا في أثينا وروما و بلاد فارس وكلها لم تهلك بكارثة طبيعية. و أيضا من الغريب استدلاله على أن سان فرانسيسكو هي أكثر مدينة فيها انتحار وربط ذلك بالشذوذ الجنسي, وينسى أن الانتحار قد يكون من علة نفسية سببها تعاطي المجتمع الأمريكي مع الشذوذ الجنسي ومدى تقبلهم له _الذي بالمناسبة هو ليس كبيرا عكس ما يُصور بالإعلام الأمريكي_, أو ربما لأسباب اقتصادية ونفسية وليس بالضرورة وجود علاقة سببية بين الشذوذ في سان فرانسيكو ونسبة الانتحار فيها. على  أية حال اليابان التي صور فيها الشقيري أحد أجزاء برنامجه وطلب منا تقليدها هي من أكثر الدول انتحارا في العالم وهناك 90 حالة انتحار يوميا فيها فلو أن واعظا جاءه وقال أن نسبة الانتحار بسبب أنهم بوذيون أو لأنهم دولة صناعية فهل سيقبل ذلك ويقول هي عقوبة إلهية كما فعل مع سان فرانسيسكو؟ و حتى قوله صلى الله عليه وسلم “نعم..إذا كثر فيكم الخبث” فالخبث هنا لا نفهمه فقط بأنه الزنا بل منه السرقة و شيوع النفاق و السكوت عن الظالم وتطبيق القانون على الضعيف و تجاهله عندما يتجاوزه الشريف, هذه الأسباب التي تؤدي إلى هلاك الأمم وهكذا جرت سنن الله سبحانه في نهوض الأمم وسقوطها.

الأسطورة الأخيرة التي ذكرها الشقيري في حلقته هي تعرضه لمرض الإيدز وأنه نشأ في أمريكا, ورغم أن هذا الكلام صحيح لكن إثبات أن الإيدز عقوبة إلهية كلام لا معنى له. لأنه أولا ينتشر في الأماكن التي يكثر فيها الفقر والجهل وعدم التوعية الجنسية فـ 68% من المرضى متواجدون في أفريقيا, فهل لأن الحياة الجنسية بأفريقيا أكثر انحلالا منها في أمريكا أم لأنهم فقط سيئي الحظ ينتشر عندهم الجهل والفقر. بالإضافة إلى أن الادعاء أنه عقوبة إلهية سيكون خطيرا لأن كثيرا من المصابين بالمرض هم أطفال ولم يكن لهم ذنب سوى أن أمهم حاملة للمرض فهل هؤلاء أيضا معاقبين؟ هذا يناقض العدل الإلهي وقوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى”

في ختام هذه التدوينة أقول أن تفسير الحوادث والعقوبات الالهية بالانحلال الجنسي كلام فارغ بإمكاننا تطبيقه بأي مكان وأي مدينة ولن يعوزنا العثور على  ذنب آخر بدل الانحلال الجنسي, فإذا لم يكن بأيدنا نص إلهي يخبرنا بأن ما حدث عقوبة إلهية فلا طائل من التألي على الله سبحانه. الأمر الآخر هو أنه ليس بالضرورة أن المجتمع يسير في اتجاه واحد في قضية الستر في الملابس وأنه يكون أكثر سترا مع مرور السنوات وهذا ليس في اللباس فقط فحتى على صعيد السينما, فمثلا كانت السينما المصرية والإيرانية لديهم حرية أكبر في عرض جسد المرأة والعلاقات الحميمية منها في الوقت الحالي. وهذا أمر طبيعي يدل على تغيير مزاج المجتمع وتوجهه للمحافظة أكثر. وليس صحيحا أبدا أن الستر في الثياب يدل على العفاف, بل وليس صحيحا أن المرأة كلما سترت من جسدها أكثر كان ذلك أفضل, فالحجاب الذي يــُـفرض من الدولة فرضا لا قيمة له أبدا وفيه استبداد وتغول للدولة. وموضوع اللباس اللائق والمحتشم يحدده المجتمع نفسه عن طريق التدافع بين أفراده وليس مقبولا أن تفرضه الدولة أو أن يحكم عليه احد من خارجه, فكما أنه ليس مقبولا أن يأتي أمريكي ليقول لنا لبساكم فيه ظلم للمرأة ليس من حقنا أن نقول للأمريكيين لباسكم فيه امتهان للمرأة. وفي النهاية إن الوعيد الذي في حديث “أنهلك وفينا الصالحون؟” فقال صلى الله عليه وسلم “نعم.. إذا كثر فيكم الخبث” متعلق بإقامة العدل و رفع الظلم و محاربة الفساد وليس فقط بانتشار مظاهر التعري والزنا.

Advertisements