اسم الكتاب: الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية
اسم المؤلف: بارينتجون مور
اسم المترجم: أحمد محمود
عدد الصفحات: ٦٠٠

رحلة شيقة مليئة بالمعارف التي يشرع لنا سماواتها بارينتجون مور ونحن نسير بين صفحات الكتاب, لا يمكن لأية مهتم بالثورات الكبرى التي غيرت شكل الدول للأبد ألا يقرأ هذا الكتاب, إن الفرق الجوهري بين الثورة والانقلاب ليس هو أن تكون مسلحة أو بشرت بالعدالة أم لا, إن الفرق الجوهري كما نرى أنه الثورة ابنة شرعية للحالة الاجتماعية حيث حينما نتأملها لا يمكن لنا فصلها عن سياقها الاجتماعي عكس الانقلاب الذي قد يكون انقاذا للنظام السائذ وتكريسا لحالة اجتماعية سائدة, الثورة ليست بالضرورة يقوم بها مجموعة كبيرة من الشعب, فالثورة قد يقوم بها مجموعة مسلحين لكنهم فعلوها استجابة لنداء التاريخ المؤكد ضرورة التغيير, بارينتجون مور يتحدث في كتابه هذا عن سبع ثورات كبرى واخترت أن أتحدث عن ثلاث فقط في هذه التدوينة, نلاحظ في منهج بارنتجون مور هو التركيز على دور النظام الاقتصادي الذي أدى إلى الثورة فبتغيير النظام الاقتصادي تقوى طبقات جديدة في المجتمع وتضعف طبقات أخرى, وأيضا ففي حالة انجلترا نلاحظ أن عدم وجود الفلاحين وعدم وجود الغوغاء وكونها الثورة الانجليزية ثورة قامت بها الطبقة البرجوازية الصاعدة والأرستقراطية المعادية للملك هو ما أدى إلى نجاحها في تحولها نحو الديمقراطية والحرية في انجلترا عكس ما حدث في فرنسا حيث كان الغوغاء هم المحرك الأساسي للثورة, وأيضا كان أهم نتائج الثورة الانجليزية هو وجود برلمان قوي ويتمتع بقدر كافي من المرونة ليكون هو حلبة صراع طبقات المجتمع وبذلك ترسخت العملية الديمقراطية في انجلترا وأن البرلمان هو المكان الطبيعي للتحقيق المطالب والرؤى والأفكار السياسية, وعند حديث بارنتجون مور عن الحرب الأهلية الأمريكية باعتبارها ثورة لأنه تم فيها هزيمة الشكل الاقتصادي الأرستقراطي المتخم بالرجعية وإن كان ظل قائما ثقافيا حتى بعد الحرب الأهلية لكنه لم يعد موجودا اقتصاديا, فقد كان بارنتجون مور يرى أن اقتصاد الجنوب مقارب لاقتصاد روسيا قبل الثورة البلشفية, وأما القول أن نهاية الرق كانت نتيجة حتمية ولم تكن الحرب ضرورية فمور يرى أن هذا كلام فارغ إذ أنه حتى في أثناء الحرب واجه ابراهام لينكلون معارضة شديدة حتى من حزبه لتمرير التعديل الثالث عشر القاضي بتحرير العبيد ولم يستطيعوا تمرير هذا التعديل على الولايات الجنوبية التي تعمل بنظام الرق لكنها لم تنفصل عن دولة الولايات المتحدة الأمريكية, وفي حالة اليابان نشاهد أن النظام الاجتماعي القديم تفكك بسبب أعمال الطبقة الحاكمة الذين فعلوا أمرين مهمين الأول هو محاولة ترسية السلم وبسبب ذلك فقد “الساموراي” أهميته في الدولة وتوجه العديد منهم إلى كونهم قطاعين طرق وجاهزين للثورة في أية وقت ولا شك أن النظام الاجتماعي في اليابان بترسيته للسلم تخلى عن أحد الطبقات الحامية للنظام الاجتماعي, والأمر الآخر الذي فعلته الطبقة الحاكمة في اليابان وساهم في الثورة هو فرض “حياة الترف” على طبقة الدايمو الذين لم يكن لهم خيار إلا الاستعانة بطبقة التجار البرجوازية الصاعدة في ذلك الوقت ومع الوقت قوت هذه الطبقة وكانت حليفة ميجي والمحرك الأقوى لعصر الاصلاحات في اليابان حيث كان القضاء على النظام القديم سهلا بعد تفككه.
يبدأ بارينتجون مور كتابه بطرح قضية التحول الديمقراطي في انجلترا ويعرض السؤال الأسرع تبادرا إلى الذهن حين تناول مسألة التحول الديمقراطي في انجلترا : لماذا بلغت عملية التحول الصناعي في انجلترا أوجها عند إقامة مجتمع حر نسبيا ؟! يتم في العادة عند تناول هذا الموضوع الحديث عن دور التسامح الديني والحرية السياسية ودور المكون الأرستقراطي لكن يتم تجاهل الدور الخاص وشديد الأهمية الذي أدته الطبقات في الريف في التحول إلى التصنيع , هذا الانفتاح كان نتيجة الثورة الانجليزية على الملك تشارلز في القرن السابع عشر وهذه الثورة كانت لها إرهاصات كثيرة من بينها هي تلاشي فكرة العصور الوسطى العصور الماقبل رأسمالية التي كانت تحكم على الأفعال الاقتصادية بناء على إسهامها في سلامة النظام الاجتماعي وأصبحت الفكرة التي يتبناها الناس هي الحكم على الفعل الاقتصادي من حيث هو دوره في مراكمة رأس المال, ولأن انجلترا كانت مجتمعا زراعيا فكان محل النقاش هو الأرض والفلاح , لقد كان الإقطاع الملكي يحمل معه ليس الأرض وحدها فالإقطاع كان على الدوام محملا ومقيدا بمجموعة كبيرة من الالتزامات نحو الآخرين, وفي انجلترا حتى قبل أن يولد آدم سميث بدأت جماعات متناثرة من الإنجليز تقيم في الريف قبول المصلحة الذاتية والحرية الاقتصادية على أنهما الأساس الطبيعي للمجتمع الإنساني, نتج عن هذا المبدأ عصر “السياج ” _الذي كان يوضع حول الأرض.. مثل “الشبك” _ فقد كان الفلاحون في انجلترا يرعون أغنامهم في الحقول المفتوحة ويحتطبون منها وكان هذا هو التعامل العرفي في انجلترا حيث أن سكان “الضيعة” يرعون في الأراضي ويعتبرونها ملكا مشاعا, لكن لم يستمر الوضع على هذا النحو فقد وجد السيد الإقطاعي والملاك الصغار للأراضي مخرجا قانونيا لتسييج أراضيهم وتأجيرها لمن يبيع الصوف, ولذلك وانتعش سوق الأراضي بين سنة 1580 واستمر لنصف عقد ليكون ثمن سعر استئجار الأرض لسنة هو ثلث الثمن بيعها قبل عقود قليلة من عام 1580والسياجات كانت شكلا من أشكال الاستيلاء على الأرضي البور والأراضي المشاعة وفي كثير من الأحيان على أراضي الجيران الذين لم يكونوا يملكون مراقبين أشداء للدفاع عن حقوقهم, خرج هؤلاء الذين شجعوا موجة الرأسمالية الصناعية منتصرون في الصراع ضد النظام القديم وخرج الفلاحون العاديون كما هي العادة الضحايا الرئيسون للتغيير. فقد كان الفلاح البسيط مضطرا لمقاومة السيل الرأسمالي الغازي وتبنيه للتقليد الانجليزي القائم على التنظيم التعاوني والحاجة إلى الأرض المشاع والخشب, وتم طرد الكثير من الفلاحيين وحولت الأراضي الزراعية والمشاع إلى مراع للأغنام حيث كان الصوف مصدرا مدرا للمال لمالك الأرض الانجليزي, وعلى ذلك فقد كان الناقل الرئيسي لما بات في النهاية مجتمعا حديثا وعلمانيا هو رجل التجارة في كل من الريف والمدن, وعلى عكس ما حدث في فرنسا انطلق هؤلاء التجار قدما بشكل أساسي اعتمادا على أنفسهم وليس تحت مظلة الرعاية الملكية, وكانت القوة الطبقة الارستقراطية بالإضافة إلى البرجوازية الصاعدة ضد تدخل التاج الملكي الذي كان يعوزه الكثير من الكفاءة الادارية في التخفيف من أثر “السياجات” على الفلاحيين والطبقات الفقيرة في المدن التي أصبحت بمرور الوقت تهديدا حقيقيا للنظام .

إذا ً كانت الثورة الانجليزية مواجهة بين العناصر ذات العقلية التجارية بين طبقات ملاك الأراضي العليا وبقدر أقل بين صغار الملاك والمحاولات الملكية للحفاظ على النظام القديم, وبطبيعة الحال هذا ليس السبب الوحيد لنشوب الحرب الأهلية لكنه السبب الرئيسي برأي بارينتجون مور, وبعد انتصار الثورة تم قتل الملك تشارز الأول بتوقيع 59 من أعضاء البرلمان في مقابل 49 الذين كانوا ضد إعدام تشارلز الأول, وتم إعدام الملك في مشهد مأساوي حيث وقف كروموبل _قائد المعارضة ورئيس المجلس الجمهوري لبريطانيا وهي المدة القصيرة التي أصبحت فيها بريطانيا جمهورية قبل أن تعود العائلة المالكة بقليل من الصلاحيات والكثير من الخوف_ خلف الملك في أثناء قتله وأخذ يلطخ يديه بدمه بعد قتله ويرفعها للحشود قائلا “انظروا إن دمه أحمر مثلنا .. مثل كل الناس .. وليس دمه أزرقا كما كان يعتقد الناس .
لم يكن الكثير من الأثرياء مرتاحين مع التغيير الكبير الذي أحدثته الثورة فقد سقطت في وقت واحد اثنتين من دعائم النظام الاجتماعي هما التاج و الكنيسة ولذلك رحب الكثير من الأثرياء بعودة الملكية في شكل جديد يتناسب مع متطلباتهم, وبالنسبة للملوك فقد كان مشهد قتل الملك تشارلز الأول مرعبا ولم يحاول أي ملك انجليزي أخذ الحكم المطلق مأخذ الجد, ويلاحظ في الثورة الانجليزية أنه لم يظهر الفلاحون وغوغاء المدن على السطح كما كانوا هم المحرك الرئيسي في الثورة الفرنسية وذلك ساعد على عدم إقامة ديكتاتورية حيث ظل النظام القديم في الثورة الانجليزية باقيا, وكانت سياسة قادة التمرد رأسمالية واضحة فقد كانوا يرفضون تدخل التاج الملكي في حقوق الملكية الخاصة بملاك الأراضي _حيث كان الملك في السابق ضد السياجات_ وكانوا أيضا ضد تدخل الراديكاليين من الطبقات الأدنى وتم التصدي لهذه المحاولات بحزم ومهارة.

لقد كان القرن التاسع عشر هو قرن التحول الديمقراطي في انجلترا بطريق سلمي بامتياز فما كان دور القرن الثامن عشرو القرن السابع في الاسهام في ذلك التحول ؟! لقد كان الميراث الذي ورثته انجلترا من القرن السابع عشر والثامن عشر هو تقوية البرلمان على حساب الملك ويعني كون البرلمان موجودا أنه كانت هناك مؤسسة مرنة تمثل الحلبة التي كان يمكن أن تُسحب إلى داخلها العناصر الاجتماعية الجديدة عند ظهور مطالبها وآلية مؤسسة لتسوية صراعات المصالح بين تلك الجماعات بطريقة سلمية, والميراث الثاني الذي ورثته انجلترا من القرن السابع والثامن عشر هو القضاء على طبقة الفلاحين وبالرغم مما تبدو عليه تلك النتيجة من قسوة فهناك أسس قوية للاعتقاد بأنه ربما كانت أهمية هذا الاسهام في التحول الديمقراطي بقدر أهمية تقوية البرلمان, فقد كان ذلك يعني أن التحديث يمكن أن يمضي في انجلترا بدون مخزون ضخم من القوى المحافظة والرجعية التي كانت موجودة في فترات معينة في ألمانيا واليابان والهند , وهو يعني أيضا أن احتمال حدوث ثورات الفلاحين بالطريقة الروسي والصينية مستبعد جدا. بالإضافة إلى المصلحة التجارية والصناعية بقاعدتها الاقتصادية القوية المدعومة من خلال الطبقة البرجوازية والطبقة الأرستقراطية الذين كانا كليهما يؤمنون بالمبادئ الرأسمالية وهذه الطبقة كانت تتميز بقدر من المرونة لتقديم تنازلات شعبية عندما تكون ضرورية.

كون أمريكا دولة ولدت متأخرة أعطاها من المميزات ما لم يكن لدول أوربا أو آسيا فأولا أمريكا في طريقها إلى الرأسمالية لم تواجه طبقة من الفلاحيين مثلما كان في أوربا وآسيا ولم تواجه مشكلة تفكيك المجتمع الزراعي المعقد والراسخ الخاص بأي من الشكلين الإقطاعي والبيروقراطي فالزراعة في أمريكا كانت منذ البداية زراعة تجارية, لكن كان هنالك معركتان مسلحتان كبيرتان في التاريخ الأمريكي ساهمت في تحول الولايات المتحدة إلى الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية المعركة الأولى هي الثورة الأمريكية ضد بريطانيا المعركة الثانية هي الحرب الأهلية الأمريكية ومن الشائع في التاريخ اعتبار الحرب الأهلية بمثابة نقطة فاصلة بين الحقبتين الزراعية والصناعية في التاريخ الأمريكي وأن نصر الشمال هو نصر للاقتصاد والفكر الصناعي على الاقتصاد والفكر الزراعي. وأيضا تعتبر الحرب الأهلية بمثابة الجرح في سجل الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت بعد الثورة الأمريكية بعبقرية سياسية باتخاذ الحلول الوسط بالمصالحة بين الولايات الجنوبية والشمالية وبين الولايات الصغيرة والولايات الكبيرة حين كتابة الدستور لكن لماذا لم تحضر هذه العبقرية أثناء الحرب الأهلية وهل كانت الحرب حتمية ولم يكن لدى أي الجانبين حل الخلاف بدون حرب؟!

يقول بارنتجون مور: بحلول عام 1860 أي قبل حدوث الحرب الأهلية بــ”!!!” كانت قد تشكلت في الولايات المتحدة ثلاثة أشكال مختلفة إلى حد كبير من المجتمع في أجزاء من البلاد: الجنوب الذي يزرع القطن والغرب أرض المزارعين الأحرار والشمال الذي يتحول بسرعة نحو التصنيع, لم يكن القطن مهما للاقتصاد الجنوبي فحسب بل كان مهما للاقتصاد الأمريكي ككل ولم تكن تلك المزارع التي يديرها العبيد زائدة غير متوافقة زمنيا مع الرأسمالية الصناعية في الشمال الشرقي بل كانت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام وجزءا من محركاته الأساسية في العالم بصفة عامة وكانت انجلترا تستورد معظم قطنها من الجنوب.

لقد كان ملاك العبيد في مناطق الجنوب لا يتجاوز 350 ألف مواطن من أصل 6 ملايين في المناطق التي تسمح بالاسترقاق, لكن مع ذلك يقول بارنتجون مور لم يكن الرق في أمريكا في طريقه للزوال بلا قوة عسكرية, و أن اعتبار أن الحرب الأهلية لم تفعل إلا أن حققت نتيجة كانت حتمية كلام فيه سخف ويدل عليه أنه حتى في أثناء الحرب الأهلية واجه التحرير السلمي للعبيد صعوبات لا يكاد يمكن التغلب عليها, ففي الولايات الجنوبية التي كانت تسمح بالاستعباد ولم تستقل عن الولايات المتحدة وقفت بشدة ضد قانون لينكلون لتحرير العبيد وفي الحقيقة أن التعديل الثالث عشر الشهير الذي حرر العبيد كان قد استثنى تلك الولايات التي كانت تأخذ بنظام الرق وبقت في الاتحاد وتلك المناطق من الجنوب الواقعة داخل خطوط الاتحاد. وفي وصف دقيق قال إيرل راسل “لم يسري التعديل الثالث عشر إلا حيثما لا يمكن لسلطات الولايات المتحدة ممارسة نفوذها” وفي الحقيقة أن بقاء العبيد في المقام الأول كما يرى مور أنه كان مفيد اقتصاديا للجنوب, لقد كانت ولايات الغرب المفتوحة حديثا هي الشرارة التي أشعلت الحرب بين الشمال والجنوب, فقد كان الشمال يخاف أنه إن انتشرت العبودية قد تنقلب الموازيين بين ولايات العبيد وولايات الأحرار الأمر الذي له أهميته بالطبع إذا كان للفروق بين مجتمع فيه عبودية ومجتمع يخلو منها أهمية وبحلول عام 1820 كانت المشكلة قد احتدمت ورغم أنه كان هنالك مجموعة من التسويات إلا أن المسألة لم تسوى للأبد ولذلك كانت المشكلة تنفجر على نحو متقطع بين فينة وأخرى, وبحلول 1857 حدث انهيار اقتصادي وهبطت أسعار القطن بشكل حاد وارتفعت معها أسعار العبيد بسبب كثرة الطلب عليهم وقلتهم فلم يكن بالإمكان استيراد العبيد بشكل قانوني كما في السابق وهذا سبب امتعاض الجنوب. لا يمكن أيضا فهم سبب الخلاف بين الجنوب والشمال بدون أن نفهم أن الجنوب كان بلا طبقة برجوازية حقيقية فرغم أن مالك المزرعة في الجنوب رأسمالي إلا أنه كان مختلفا عن الرأسمالي في الشمال فلم تكن الحضارة التي نشأت في الجنوب حضارة برجوزاية ومن المؤكد أنها لم تقم على حياة المدينة بل أنه على عكس ما حصل في أوربا من تحدي فكرة مكانة الفرد القائمة على “أصله” ومن أي عائلة أتى وهذا ما فعلته الطبقة البرجوازية في أوربا حينما تحدت الطبقة الأرستقراطية ظلت مناطق الجنوب في الولايات المتحدة تدافع عن هذه الفكرة وظلت ترى أن أفكار الثورة الأمريكية و الفرنسية أفكار هدامة , إذا ً نحن أمام حضارتين مختلفتين تنتميان إلى دولة واحدة وكما يقول بارنجتون مور أنه لا يجد في ذهنه حالة غريبة كهذه فمن الصعب العثور على حالة في التاريخ أنشأت فيها منطقتان مختلفتان أنظمة اقتصادية تقوم على مبادئ متناقضة تناقضا كبيرا ومع ذلك تظل قائمة في ظل حكومة مركزية تتمتع بسلطة حقيقية في كلتا المنطقتين.

النتيجة التي يتوصل إلليها بارنجتون مور أن الحرب الأهلية لم تكن بسبب المنافسة بين الاقتصاد الشمالي والجنوبي إذ أنهما كانا متكاملين في أحسن الأحوال وفي أسوئها لم يرتبطا ببعضهما البعض , وفي الحقيقة لم يكن يشكل المجتمع الجنوبي بنظامه الاقتصادي القائم على العبودية أي خطر على النمو الرأسمالي في الشمال لكن من الواضح أن المجتمع الجنوبي كان يشكل عقبة ضخمة في سبيل الديمقراطية, فعلى الأقل كل تصورٍ للديمقراطية يشمل أهداف المساواة بين البشر ولو حتى ذلك الشكل المحدود من مساواة الفرص وحرية الإنسان, وعلى ذلك كان المجتمع الجنوبي عائقا للمجتمع الشمالي الذي كان يرى نفسه وريثا للثورة الانجليزية في القرن السابع عشر ووريثا للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر بل وأيضا وريثا للثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر, ويبدو أن انتصار الشمال في الحرب الأهلية بالرغم من كل نتائجه الغامضة انتصارا سياسيا للحرية إذا قارنه بما كان يمكن أن يحدث لو انتصر الجنوب في الحرب, فمن الواضع أنه لو انتصر الجنوب أن نظام الرق سيرسخ نفسه في الولايات الغربية المفتوحة حديثا و التي أحاطت بالشمال الشرقي , حينذاك ستكون الولايات المتحدة مثل روسيا قبل الثورة البلشفية أي اقتصاد الأملاك الشاسعة والأرستقراطية المناهضة للديمقراطية وطبقة تجارية وصناعية ضعيفة وتابعة وعاجزة وغير قادرة على الاندفاع نحو الديمقراطية السياسية وغير راغبة في ذلك. إذا كان القضاء على العبودية خطوة حاسمة وكان يشبه في أهميته القضاء على الحكم الملكي المطلق في الحرب الاهلية الانجليزية وتلك أولوية لابد منها لأي تقدم في سبيل الحرية والديمقراطية.

ينتقل بارنتجون مور إلى الحديث عن اليابان وطريقة تحولها إلى الرأسمالية وهي التحول من الأعلى للأسفل, لقد كان وضع اليابان والصين ورسيا متشابها فكل من هذه الدول خلال القرن السابع عشر وصلت إلى سلطة هذه البلدان حكومات قوية أنهت تاريخا طويلا من الاقتتال والحروب الداخلية لكن نزوع اليابان إلى التحديث كان مختلفا عن الدولتين الآخريين, وتشكلت كقوة صناعية كبرى في بدايات القرن العشرين ولم تشهد ثورة فلاحية كما في الصين وروسيا, بعد أن انتصر توكوجاوا إياسو نصرا حاسما في معركة سيكيجهارا التي وقعت عام 1600 انهى بذلك الانتصار عصر الباونات المتحاربين وأعلن بداية فترة السلم الداخلي وعُرف هذا النظام من الحكم بجوانبه السياسية والرسمية باسم شوجن توكوجاوا واستمر حتى عودة الامبرطور في عام 1868, وكانت الفكرة الأساسية للشوجن فكرة ثابتة وهي الحفاظ على النظام والسلم, فقد كان المجتمع مقسما تقسيما حادا إلى حكام ومحكومين وكان المحكومون في المقام الأول من الفلاحين الذين كانت طبقات المحاربين الحاكمة تعتبرهم في الأساس أداة لفلاحة الأرض وإنتاج الضرائب لمنفعتها, وفي المقابل وحين كان النظام يعمل بشكل جيد كان الفلاحون يحصلون على فوائد القدر اليسير من الأمن الاقتصادي والعدل السياسي على أقل تقدير, كان الحكام يحاولون قمع أي تأثيرات يمكن أن تقضي على النظام السائد و إجهاض أية محاولة لولادة طبقة جديدة تقلق طبقة الحكام لكنهم في النهاية سيفشلون عندما يظهر التجار ويقلقون النظام السائد, كانت هنالك فروق ودرجات مهمة داخل الطبقة الحاكمة فقد كان الإمبرطور ليس أكثر من اسم رمزي يتذرع به الشوجن ليفرض سطوته وسيطرته وظل الامبرطور ليس بيده سلطة فعلية حتى القرن التاسع عشر, وبالمقابل كانت أسرة توكوجاوا التي منها الشوجن يملكون ما بين ربع او خمس الأراضي البلاد, ثم كانت تلي هذه الطبقة في المرتبة جماعة صغيرة هم السادة العظام ويسمون بالدايمبو ولم يكن هنالك سوى 194 منهم في عام 1614 وكانت لهم مزارع شاسعة تنتج الأرز غالبا وكانت تلي هذه الطبقة منزلة ً جماعة الساموراي الرئيسية أو المحاربون الذين كانت بينهم تفاوتات كبيرة في السلطة والثروة ويقدر هؤلاء حوالي مليوني شخص أو تقريبا بين كل ستة عشر من السكان, وكان الساموراي من الناحية الرسمية أتباع عسكريين للدايمبو وكان يتلقون منهم راتبا سنويا من الأرز, وفي الحقيقة أن الشوجن توكوجاوا بجعل الساموراي متلقين للراتب السنوي كان قد عزلهم عن قواعد السلطة المستقلة في الريف وقضى بضربة واحدة على المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار السياسي في الفترة السابقة , وفي الوقت نفسه ومن خلال فرض السلم والنظام حرم الشوجن الساموراي من أية وظيفة حقيقية في المجتمع الياباني وأسهم في خلق جماعة الساموراي الذين أصابهم الفقر والذين سيكونون في النهاية سببا رئيسا في الإطاحة بالشوجن.

يقول بارنتجون مور عانى نظام توكوجاوا ولم يستطع المحافظة على شكل الطبقات القديم ومع ظهور سفن الكومودوا بيري في عام 1854 كان نظام توكوجاوا قد عانى من انهيار كبير وكان انهيار النظام القديم بالإضافة إلى محاولات الحفاظ على امتيازات النخبة الزراعي قد أدى إلى ظهر بعض القوى الاجتماعية التي بلغت ذروتها في النظام الذي ألقى قنابله المميتة على بيرل هاربر في عام 1941 .

لقد كان هنالك عاملين تسببا في موت النظام القديم و كانا القابلة التي أشرفت على ولادة النظام الجديد, ومن المفارقات أن يكون هذان العاملان هما ما حرص على ترسيته الشوجن توكوجاوا وهما الترف والسلم, فقد كان الترف الذي فُرض على طبقة الدايمبو من خلال إجبارهم على الإقامة في العاصمة في فترات محددة من السنة وبذلك ازدادت نفقاتهم حيث كان عليهم الاحتفاظ بمقرين في الموطن الاصلي وفي العاصمة وما يستتبع ذلك من سفر مع الحاشية وإظهار أشكالا من البذخ وهي ضرورية لتأكيد المكانة الاجتماعية وصرف تكاليف إقامتهم في العاصمة, فهذه الزيادة في الإنفاق أضعفت الدايمبو وأعطى في نفس الوقت حافزا للطبقات التجارية في المدن, فقد اضطر الدايمبور إلى شحن منتجات مزارعهم المحلية إلى السوق مستعينين بخدمات التجار وبذلك أصبح الدايمبو معتمدا على التاجر في تسويق سلعته في المدن ومن جهة أخرى اعتمد التاجر على الدايمبور ليوفر له الحماية السياسية. ومن ناحية أخرى كانت المصارف الكبيرة التي اضطر أن يدفعها الدايمبو ومع شيوع السلم والنظام سببا رئيسيا لتخفيض رواتب الساموراي التابعين لهم, ولاشك أن مكانة المحارب القديم في اليابان كان قد شارفت على الغروب وكانت مكانة المكانة القائمة على الثروة قاربت على الشروق, يقول أحد الأدباء اليابانيين واصفا تلك الحقبة أن “الساموراي أصبح يكره سيده أكثر مما يكره ألد أعدائه المحاربين” ورغم أن في هذا الوصف مبالغة لكن نشأ في تلك الفترة, ولا ننسى أن الساموراي كان ممنوع عليه ممارسة أية نشاط تجاري وبالرغم أن كثيرا منهم لم يكونوا أوفياء لهذا القانون لكن لم يحققوا أرباحا تشعرهم بالأمان كساموراي , ولأجل ذلك أصبح كثير من الساموراي “رونين” أي لا سيد لهم, ولأن هؤلاء موهبتهم الكبيرة هي القتال لم يتوانى عن الانخراط في أية نشاط عنيف, وهذا أسهم بشكل كبير في اضطراب الجزء الأخير من عصر توكوجاوا, وانخرط عدد منهم في قضية التخلص من الغربيين وعارض كثير منهم فتح موانئ جديد لأنه يعني حينئذ أن طرد الغربيين مجرد حلم, ومن جانب أخر اشتدت قوة طبقة التجار “تشونين” حتى أنها تفوقت على قوة الأرستقراطية اليابانية “الدايمبو” أو “الساموراي” فقد كان هؤلاء يعتمدون على التجار في تحويل محاصيلهم الزراعية إلى نقد وتمويلهم بالكثير من الأشياء الضرورية ومعظم الطيبات اللازمة لأسلوب الحياة الارستقراطي, ومن الملاحظ أن التجار لم يطالبوا بالتخلص من القيود الاقطاعية, وأكثر من ذلك أصبحت عائلات الساموراي الفقيرة تبيع مرتبتها السياسية إلى التجار وبذلك نشأت طبقة تجار محاربين وبالمقابل نشأت طبقة دايمبو وساموراي تجار فانهار الفصل الطبقي الذي كان يقوم عليه نظام الشوجن.

نظام الشوجن كان يوشك على الانهيار ومع استغلال موضوع الاقطاع من قبل أنصار الإمبرطور “ميجي” تم تحريض الفلاحيين للقيام بتمردات متفرقة, ولم تكن سوى مسألة وقت حتى يعود الإمبرطور ليكون هو السلطة المركزية ويبدأ عصر “الميجي – الإصلاح” و قصة اليابان الرأسمالية .

٢٠١٣٠٤٠٨-١٣٢١٢٦.jpg

Advertisements