وطن ضيق على اتساعه

لازالت تلك الصورة عالقة في الذاكرة حينما انتصب مدرس الجغرافيا ليخبرنا عن اتساع رقعة الوطن على الخريطة، كنت فخورا جدا بتلك المساحة.. وكنت ساذجا جدا..

وكلما كبرت تيقنت أكثر أن الوطن صغيرٌ رغم اتساعه..

الوطن الكبير ليس هو الذي يشغل مساحة كبيرة من الكرة الأرضية.. الوطن الكبير هو الذي تشغله مساحات كبيرة من الأحلام والأفكار و الفرص ..والآمال.

الوطن الصغير هو الذي لا يتسع إلا لايدولوجيا واحدة و مذهب واحد وتصور واحد عن الحقيقة، وكل ما تحتاجه ليدرج اسمك في سجلات الخونة هو مخالفة هذه الايديولوجيا والمذهب والتصور..

الوطن الكبير لا يخاف من التغيير بل يسعى للتغيير لأن الأجيال تتغيير والعقول تتغير والاحتياجات تتغير ويؤمن أنه إن لم يتغير لن يبقى وطنا لمن يَقدمُ من الأجيال

الوطن الصغير يخاف من التغيير..وإن لزم الأمر يسعى هو إلى تغيير نفوس أبنائه وتشويهها قبل أن يشتد ساعدهم ليغيروه وفق أحلامهم..

يا سادة الوطن الكبير يتسع للكل ..سويسرا التي تبلغ مساحتها ٤١ الف كيلو متر مربع فقط وهي بذلك أصغر من أصغر منطقة في المملكة استطاعت أن تضم أربع لغات و كثير من العرقيات والأديان ومع ذلك _أو ربما بسبب ذلك _ استطاعت أن تنال تصنيف كونها أفضل دولة ليولد فيه المرء لعام ٢٠١٣

الوطن الصغير هو الذي شعبه ينتمي إلى دين واحد وعرق واحد وثقافة واحدة و تجمعه وحدة المصير إلا أنه يرفض أن يشعر بذلك بقلبه وإن صدقه بعقله.

يا سادة إن الوطن الصغير هو الذي ينتمي إليه الشعب و يشعرون أنهم نبعوا من أرضه.. لكن الوطن الكبير هو الوطن الذي ينتمي لشعبه ويشعر أنه هو نبع منهم.

الوطن الصغير هو الذي يصرف المليارات ليقيم مركزا ليتحاور أتباع الأديان والأفكار في مشرق الأرض ومغربها .. وسجونُهُ تنوح لأنه مُلقى بين قضبانها من لم يحملوا سوى فكرهم.

الوطن الكبير حيث الناس يقلقون من أزمة قد يأتي بها المستقبل ..
الوطن الصغير حيث الناس يقلقون من استمرار أزمة إلى المستقبل.

،،،

Advertisements