المفكر الكويتي الراحل خلدون النقيب يعتبر واحدا من أهم علماء الإجتماع في الفكر العربي المعاصر ويتسم منطقه وتحليله بالوضوح و الجرأة والتمسك بقيم العروبة طبعا هذا غير العمق الفكري الذي تتميز به كتاباته , وفي هذا الكتاب يحاول أن يدرس مجتمع الخليج العربي منذ القرن السادس عشر حتى العقد الثامن من القرن العشرين وهو وقت صدور الكتاب ومع أن الكتاب له أكثر من خمسة وعشرين سنة إلا أنه يعتبر من أهم الكتب من الناحية التحليلية التي تحدثت عن الخليج العربي وحاولت أن تسبر غور هذه البقعة المعقدة , يبدأ الكاتب كتابه محاولا استنطاق روح البقعة التي يسكنها أهل الجزيرة العربية فيقول :إذا كان لأي منطقة حضارية على وجه الأرض روح ناطقة فهي منطقة الجزيرة العربية وامتدادها الطبيعي من وادي حضرموت إلى وادي الفرات ويقصد المؤلف بالروح الناطقة الكل الحضاري أو النظرة الكلية الإجمالية للأشياء التي تتراكم عبر العصور مهيمنة بشكل خفي وظاهر على مسلكيات ونزعات السكان , إنها هذه السمات المشتركة والتركيبة الذهنية الكلية التي تجمع شتات هذا المهرجان المغرق في القدم من التحضر والتعبد والتمرد ومن الجماعات الغازية العابرة ومن قوافل التجارة والحج ومن صخب الأسواق وسكون الصحراء من اختلاط البداوة بالجهاد والجهاد بالتجارة والتجارة بالزراعة في تفاعل وذوبان متواصل , فعند خلدون النقيب كل هذه الأمور لها تأثيراتها الواسعة والعميقة في البنية الثقافية للجزيرة العربية , في الفصل الأول يطرح خلدون النقيب فكرته الأولى عن الخليج العربي ما بين القرن الثالث عشر والقرن التاسع عشر وهذه الفكرة تهز الصورة النمطية لدول الخليج العربي بأن اقتصادها كان قائم على الغزو والرعي بل يقول أنه كان هنالك ثورة تجارية استمرت منذ القرن الثالث عشر منذ سقوط الدولة العباسية حتى القرن التاسع عشر في الخليج العربي وشهد الخليج في تلك الفترة نموا اقتصاديا هائلا ونقرأ في بعض المراجع التاريخية حديثا عن مدى الثراء الخرافي للتجار العرب في الكاجارات وعن مدى ثراء مدينة هرمز , وهذه الثورة الاقتصادية تمت بفضل أن المدن الرئيسية في الخليج العربي كانت منطقة ترانزيت للتجارة العالمية و أن التجارة هي كانت المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي وليس الغزو كما يشاع لكن ما الذي حدث وقطع هذه الثورة التجارية في الخليج ؟! الذي حدث هو المخطط الامبريالي الأوربي للسيطرة على التجارة العالمية , في الفصل الثاني يتطرق خلدون النقيب إلى المخطط الامبريالي و المقاومة الخليجية و قد استمرت المقاومة الخليجية للقوى الامبريالية منذ القرن السادس عشر منذ قدوم البرتغاليين حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث وقعت أغلب مدن الخليج التي على الساحل معاهدات حماية مع بريطانيا وبهذه الاتفاقيات انهارت للأبد الحالة الاقتصادية بسبب أن شركة الهند الشرقية استطاعت أن تحتكر معظم السلع الاستراتيجية وعالية الربح القادمة من الهند و انحصر دور التجار الخليجين على كونهم وكلاء أو موزعين للسلع الأوربية وهذا بطبيعة الحال أدى إلى انهيار السوق الحرفي في الخليج العربي , و نشأ في هذه الفترة استجابة للسوق الرأسمالية العالمية الناشئة نوع من التخصص السلعي فاليمن ارتكز اقتصاده على تصدير القهوة والحجاز ارتكز جل حياته الاقتصادية على تجارة الحج وفي الخليج ارتكز الاقتصاد على تجارة اللؤلؤ وهذا أدى نتائج اقتصادية وخيمة وهي انهيار الاقتصاد في حالة عدم تسويق السلعة في أحد السنوات كما حصل في اليمن عندما فقدت أهميتها بدخول البرازيل على الخط وانتاجها للقهوة وكما حدث للحجاز عندما تعطل الحج من سنة 1940 – 1942 لقيام الحرب العالمية الثانية , وفي الفصل الخامس يذكر خلدون النقيب أن قدوم النفط أعطى الحكومة قوة هائلة و أدى إلى صعود نجم العائلات المالكة والبوتقة التي حولها ومع هذا الصعود السريع والهائل وجدت بعض القوى التقليدية مثل القبائل البدوية والطوائف الدينية تخسر مواقعها التقليدية في الدولة الريعية , وكما قلنا النفط أعطى مؤسسة السلطة قدرة هائلة لذلك يقول استطاعت كما يقول خلدون النقيب أن تستولي تماما على كل المجالات الحيوية في الدولة فيقول تمد الدولة اخطبوط تسلطها إلى النظام الاقتصادي فتحتكر ملكية وسائل الانتاج وإلى النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم وإلى النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته.

في محاولته لتحليل لبنية العلاقة التجارية للمدن في الخليج العربي يستدعي خلدون النقيب مصطلح “الحالة الطبيعية” وهو يستخدمه في سياق فكري مختلف عن الاستخدام الشهير في فلسفة العقد الاجتماعي كما سيوضح خلدون النقيب نفسه دفعا للالتباس, ثم يقول خلدون النقيب معرفا بالمصطلح الذي يستخدمه بإنه يقصد باستخدامه إياه المحصلة الدينامية للبنى الاجتماعية – الاقتصادية ولعمل القوى السياسية والخصائص المميزة للعلاقات الاجتماعية السائدة في مجتمع الخليج والجزيرة في فترة محددة من الزمن وهي مطلع القرن السادس عشر مثلا , إنها الطريقة التي تصاغ بها النشاطات والعلاقات الاجتماعية في تقسيم عمل على المستوى المجتمعي يتناسب مع درجة تطور ونضج أو تخلف قوى الانتاج في هذه الفترة . ويتحدث خلدون النقيب بالطريقة نفسها التي يتكلم بها فرناند بروديل عن “العالم – الاقتصادي ” والتي تقوم نظريته في تحليل البنى الاجتماعية اقتصاديا على جعل اقتصاد منطقة جغرافية معينة يدور حول المركز والذي يمثل القطاع الدينامي المحرك للاقتصاد والمجتمع ككل وتحيط به أطراف أقل تقدما أي قطاعات ونشاطات اقتصادية انتقائية وهامشية , ومن هذه الفكرة ينطلق خلدون النقيب ويعتبر أن للجزيرة العربية بعد سقوط بغداد عالمين اقتصاديين فمركز الأول ( الخليج وشرق الجزيرة ) تناوبت عليه البصرة وسيراف وهرمز ومسقط فهذه المدن هي مدن المركز كما يقول خلدون النقيب , بينما تناوبت عدن وجدة وعيذاب على مركز العالم الثاني (جنوب الجزيرة والبحر الأحمر ) وهي مدن المركز وستنشأ على أطراف هذه المدن الكبرى وهذا يعني أنه إلى جانب المركز التجاري المتقدم كانت هنالك دائما أطراف تمثل مناطق أو قطاعات اقتصادية أقل تقدما فإلى جانب قطاع التجارة الذي يصل محور النشاط في المركز المتقدم كانت هنالك قطاعات زراعية مبنية على الإنتاج المنزلي والاقتصاد الرعوي في البادية واقتصاد حد الكفاف في المناطق الداخلية والقرى الساحلية كصيد الأسماك . لكن خلدون النقيب يستدرك أن منطقة الجزيرة العربية مختلفة عن العالم الرأسمالي الذي كان يتحدث عنه بروديل بأن الجزيرة كان مدنها المركزية تحت رحمة الأرستقراطية القبلية بشكل دائم وفي ظل الشبح الرهيب للهيمنة الأبوية التي تفرضها الإمبروطويات المحيطة بها الممالك ثم العثمانيون في المركز الثاني “جنوب الجزيرة والبحر الأحمر ” و الفرس ثم العثمانيون في المركز الأول “شرق الجزيرة والخليج ” وكما يقول خلدون النقيب فالمحصلة الدينامية للقوى المولدة للحالة الطبيعية لهذا العالم الإقتصادي في مجتمع الخليج والجزيرة العربية تكشف لنا عن حقيقية مغايرة ومخالفة لكل الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من الكتابات المتداولة عنه حيث يشيع بأن الغزو كان المصدر الأساسي للرزق لسكان الجزيرة , لكن النتيجة التي يثبتها خلدون النقيب هي أن التجارة أهم أسباب توليد الفائض الاجتماعي وأن التجارة تمثل شبكة هائلة عريقة من العلاقات والنشاطات شبكة متبادلة النمو والنضج تسير في اتجاهين إلى الخارج فتؤدي إلى نمو المدن التجارية الساحلية وإلى الداخل فتولد التحالفات القبلية الرئيسية حول مدن وقرى الداخل الاستراتيجية . الشبكات ليست وليدة نشاطات اقتصادية بحتة فقط وإنما هي نتيجة ضغوط سكانية ونشاطات سياسية واسعة النطاق ومستمرة على المدى الطويل بحيث أننا نجد حتى النشاطات الاقتصادية (التجارية ) الخالصة منغرسة أو أسطورية في المؤسسات والبنى الاجتماعية – الاقتصادية المحيطة بها وليست مستقلة عنها ولا تفهم بدونها , وكما يقول خلدون النقيب إن هذه الحقيقة التاريخية الحاسمة التي تقول بأسبقية التجارة تقلل كثيرا من أهمية الادعاءات المبالغ فيها والقائمة على افتراض أن اقتصاد الرعي والغزو لمجتمع الجزيرة العربية القبلي يمكن أن يكون مكتفيا بذاته وقابلا للحياة كل هذه القرون , ويمكن الاستدلال على هذه الحقيقية التاريخية من الدور الكبير الذي لعبته المدن التجارية الساحلية وكون المدن والقرى الاستراتيجية القبلية قد نشأت حول طرق المواصلات التجارية البرية .فيرى خلدون النقيب أن الكويت وسيراف وهرمز كان مراكز لتجارة المرور “الترانزيت ” وأنهم لا يملكون مقومات المدن الاعتيادية كمصدر للغذاء والماء بلا أن يكونوا مركزا لتجارة المرور , فالنتيجة التي يصل إليها خلدون النقيب أن اقتصاد الجزيرة العربية كان بعد انهيار بغداد وقبل القرن التاسع عشر اقتصاد الحالة الطبيعية و أن هنالك مدن مركز تقوم على نشاطات اقتصادية هامة وهنالك مدن أطراف يقوم فيها نشاط اقتصادي هامشي وانتقائي لكن لا يجب أن نغفل أهمية العلاقة بين هذين الصنفين من المدن واعتبار أن المدينة المركز بمثابة سوق تستفيد منه مدن الأطراف , ويؤكد خلدون النقيب أن الغزو والرعي لم يكن المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي بل كانت التجارة هي المصدر الرئيسي لتوليد الفائض الاجتماعي .
وهنالك شبكة هائلة من النشاطات والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية نشأت بسبب كون مدن المركز في الخليج العربي كانت مدنا في طريق التجارة وكثير منها مدن استيراد وتصدير ويتوقف عندها التجار فلذلك لا يمكن تفسيرها في حدود مجتمع الخليج العربي لوحده بل الخليج كان حلقة واحدة في داخل شبكة أوسع تربط عوالم اقتصادية عدة مبنية على تقسم عمل دولي قبل رأسمالي , وتشمل هذه الشبكة سواحل الهند الغربي وفارس وسواحل افريقيا الشرقية وغيرها . فالخليج إذا كما يقول خلدون النقيب مجرد حلقة من سلسلة طويلة ولا يمكن ومن الصعوبة أن نتصور أن التجارة ما قبل الرأسمالية أن تتواصل بدونه .
يتحدث خلدون النقيب عن نمط التجارة السائد في الخليج فيقول إنه نمط “المضاربة” وهو نوع من التجارة معروف عند العرب منذ القديم وهو بأن يأتي أحد التجار فيعطي رأس المال لشخص آخر وهو “المضارب” بأن يذهب ليتجر به فيكون الغرم على التاجر وحده بسبب أنه ينقص من رأس ماله و يكون الغنم لهما أي للتاجر والمضارب وجرت العادة في الخليج كما يقول خلدون النقيب أن يكون ثلث الربح للمضارب والثلثين لصاحب المال , وبطبيعة الحال المضارب تاجر متنقل يتعامل بأنواع من السلع تدر أرباحا كبيرة تبرر سفره لمسافات طويلة فالمضاربة من ملامح تجارة المسافات البعيدة ولقد استمرت تجارة المضاربة طوال القرن السادس عشر حتى بعد مجيء الشركات الانترابونورية إلى المنطقة ممثلة بشركة الهند الشرقية ثم بالمصالح الإمبريالية الغربية المنظمة ولكن هذه الشركات قضت في النهاية على استقلال تاجر المضاربة بعد أن نجحت في تحقيق احتكارها لتداول السلع الاستراتيجية وفرضت تقسيم عمل دولي مما أدى إلى تغيير العلاقات التجارية السائدة في المنطقة ككل .
ومن خصائص تجارة المضاربة السائدة كما يقول خلدون النقيب في الخليج والجزيرة ارتفاع كلفة الاتاوات التي يدفعها التجار لحماية تجارتهم في البر والبحر بشكل يفوق أحيانا سعر كلفة النقل ورسومه وبطبيعة الحال تدخل كلفة الأتاوات مباشرة في تكوين الأسعار النهائية للسلعة . وكانت أتاوات الحماية التي تفرضها القبائل على قوافل التجارة وقوافل الحج تمثل أحد مصادر الدخل الرئيسة عندهم , ومن الطبيعي ألا يكون توفير الحماية أو الغزو هو الصلة الوحيدة التي تربط القبائل الرعوية بالمدن التجارية فهنالك المسابلة أي تسوق البدو من المدن وإسهامهم بذلك في النشاطات التجارية , فبمقابل السلع البدوية التقليدية كالخيول والمواشي والجلود والأصواف يشتري البدو السلع المعاشية الضرروية كالحبوب والأواني والمنسوجات و تتبع القبائل البدوية في حال عدم وجود ممثل لها كسكنى أحد مشايخها في المدينة أسلوبا من الإئتمان يتمثل بإيداع المبالغ التي تحصل عليها من بيع سلعها وديعة لدى أحد التجار الرئيسين لتقوم بالسحب منها على فترات لشراء ما تحتاجه من هذا التاجر الذي يتولى فتح حساب جار لها

ويقول خلدون النقيب كما لعب البنادقة دورا متميزا في البحر المتوسط كذلك برع الحضارمة واليمنيون والعمانيون في تجارة المحيط الهندي وتدلنا بعض الشواهد التاريخية على أن تراكم رأس المال والثروة على المستوى الفرد والعام في بعض المدن التجارية كان يصل إلى معدلات عالية في بعض الأحيان وتطنب المصادر التاريخية في غنى هرمز وجدة في هذه الفترة وتذكر لنا هذه المصادر عن البذخ الخرافي للتجار العرب واليابانيين في الكجارات , لكن يجب التنبه إلى عيبين رئيسين في تجارة المضاربة في الجزيرة العربية والخليج الأول هو أنه كان يصطدم بتدخلات ومصادرات الأمراء والسلاطين وتاليا الصراع المتصل بين التجار والحكام _ويبدو أن هذا قد يحدث طوال طريق سير البضاعة _ وثانيا بمحدودية السوق في الجزيرة العربية والخليج فزيادة عدة أحمال من الفلفل التي يجلبها التجار أو تأخرها وفي أحيان عدم وصولها كان كافيا لخلق أزمة اقتصادية لذلك كانت المضاربة تعتمد على البيع والشراء بكميات محددة لمدة منتظمة ومحكومة بوقع موسمي بحيث يكون العرض متأخرا أو يقصر قليلا عن الطلب .
إن أحد أهم المواسم التجارية في الخليج العربي كان بلا شك موسم الحج الذي كانت تدور حوله نشاطات تجارية واسعة , وكانت جميع الفئات المساهمة في النشاطات التجارية تدخله في حساباتها الموسمية : كبار التجار في المدن التي يمر فيها الحجاج وبخاصة مدن الحجاز طبعا والتجار المضاربون من كل الجنسيات والباعة المتجولون والحجاج المثقلون بالبضائع التي يأملون ببيعها وتحقيق بعض الربح أو تغطية بعض نفقات حجهم وأخيرا القبائل البدوية التي تقع مناطقها على طرق قوافل الحج التي تستوفي أتاوات الحماية التي توفرها لها . وحتى نستطيع أن نكون فكرة عن أهمية موسم الحج الإقتصادية نذكر بأن الحكام منذ أيام المماليك كانوا يفرضون رسوما مختلفة على الحجاج الذاهبين إلى الحج والعائدين منه , وقد بقيت رسوم الحج كعائدات مصدر الدخل الرئيسي للدولة الحجازية , وحتى تدفق النفط كان المصدر الأول للدخل في الدولة السعودية وقد قامت بريطانيا حسب رواية جون مارلو بدفع ميزانية السعودية لسنتين متتاليتين عام 1941 و 1942 بسبب العجز المالي الذي حصل بسبب انقطاع _أو قلة _ الحجاح في هذين العامين .
ينتقل خلدون النقيب إلى نقطة أخرى ويخبرنا بحسب رؤيته ما الذي تغير في الخليج العربي وكيف دخلت قوى الاستعمار ضمن اللعبة وانهت الثورة التجارية التي كانت تعيشها المنطقة فيقول : لقد شهد الخليج والجزيرة العربية ثورة تجارية في الفترة من القرن الثالث عشر حتى القرن التاسع عشر واعتمدت تلك الثورة التجارية على معدلات الطلب الأوربية للسلع الشرقية أي على التعامل التجاري بين الشرق والغرب ومن ثم احتكار السيطرة على طريق التجارة البحرية بين المحيط الهندي والسيطرة على أسواق ساحلي سوريا ومصر وإن العامل الحاسم الذي هيأ “للميركنتالية العربية – الإسلامية ” إحكام احتكارها للتجارة العالمية بين الشرق والغرب هو تحول المحيط الهندي منذ القرن الثالث عشر إلى بحيرة عربية إسلامية ولعبت تجارة المضاربة دورا كبير في تطوره الإقتصادي بحيث نجحت المركنتالية العربية – الإسلامية إلى تحقيق الاحتكار الكامل الذي مارسته على التجارة العالمية قبل الرأسمالية من دون الحاجة إلى استعمال القوة في هذا الاحتكار وقد يكون لغياب الدولة المركزية قوية أحد أسباب ازدهار تلك التجارة .وعلى هذا كانت الروح الصليبية ردة فعل على احتكار المحيط الهندي ولم يكن له دوافع دينية فحسب بل كان نتائج مصالح اقتصادية تجارية واضحة , مصالح دفعت أوربا إلى المحاولات المتكررة لكسر هذا الاحتكار الذي مارسته الماركنتالية العربية – الإسلامية . ومع أن بدالية الخطة الإمبريالية العظمى للسيطرة على التجارة العالمية في المحيط الهندي بدأت مع البرتغاليين ووضعت تفاصيلها في معركة ديو عام 1509 لكن السيطرة البرتغالية وما تبعها من صراع أوربي امبريالي لم تؤدي إلى إنهيار اقتصاد الحالة الطبيعية دفعة واحدة فقد استمرت أوضاع الحالة الطبيعية إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث : استعمل البرتغاليون الأساليب التجارية نفسها السائدة في المنطقة لتحقيق احتكارهم التجاري بخاصة الاستيلاء على أرباح “أتاوات” الحماية في شكل ضرائب , وحتى مع مجيئ شركات الهند الشرقية لم يؤد هذا إلى انهيار اقتصاد الحالة الطبيعية فقد استمر بشكل أو بآخر بسبب الصراع الإمبريالي الثلاثي الانكليزي – الهولندي – الفرنسي , لكن هذه الحالة انتهت عندما حسم الصراع لصالح بريطانيا , فقد نجحت بريطانيا في الهيمنة على المناطق التجارية التقليدية في المحيط الهندي وسيطرت على المضائق الاستراتيجية فأخضعت تجارة المضاربة لسلطة الوكالات التجارية بالكامل وأخضعت الأسر الحاكمة لمعاهدات الحماية وأبطلت مفعول الوقع الموسمي لتجارة الحالة الطبيعية وقضت في النهاية على الأساطيل المحلية للتجارة بعيدة المدى .
بدأت بريطانيا بإحكام سيطرتها على الخليج والجزيرة العربية بإضعاف قدراتها التجارية والاقتصادية واخضاعها نهائيا للإدارة الاستعمارية التي اتخذت من الهند مركزا لها , ولتحقيق أغراضها لجأت بريطانيا إلى طرق عدة وأعذار تتستر بها على أهدافها الحقيقية يذكر منها خلدون النقيب :التذرع بمحاولة القضاء على أعمال القرصنة في المحيط الهندي والخليج العربي بعد معاهدة 1798 مع مسقط . والتذرع بمحاولة القضاء على تجارة الرقيق بعد قرارها وقف التعامل مع هذه التجارة . والتذرع بمحاولة منع الإتجار بالأسلحة .
و وقعت كل الإمارات العربية على ساحل الخليج العربية معاهدات صلح أبدي مع بريطانيا وكانت تمثل فعليا نهاية المقاومة الخليجية لقوى الاستعمار والتي كانت أكثر بنودها إذلالا تلك التي تجبر الأطراف الموقعة عليها على عدم رد أي اعتداء يمكن أن يقع عليها في البحر والاكتفاء بتقديم شكوى إلى السلطات البريطانية . وأدى دخول الإمارات العربية تحت السيطرة البريطانية إلى أمور منها انهيار التجارة الطبيعية المتمثلة بالمضاربة وذلك بعد أن احتكرت الشركات البريطانية استيراد السلع الاستراتيجية ونقلها للأسواق العالمية وثانيا أدى إلى تحول مركز الثقل السياسي في المنطقة من الموانئ التجارية إلى الداخل القبلي وهذا أسهم في ظهور التركيبة الاجتماعية القبلية – الطائفية التي صاحبت ظهور الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى .
يتحدث خلدون النقيب عن الوعي السياسي الذي حصل في الخليج في القرن العشرين فيقول قامت الحركة الإصلاحية الأولى في الجزيرة العربية بشكلها الجنيني ففي الكويت قامت أول حركة تطالب بأن يشارك الأعيان من الأهالي الأمير في حكم البلد وذلك في عام 1921 وكانت المطالب لهذه الحركة اتباع مبدأ الشورى في اختيار الأمير من أفراد الأسرة الحاكمة ثم تطور هذا المطلب إلى انتخاب عدد من أسرة آل صباح وعدد من الأعيان لإدارة البلاد على ” أساس العدل والإنصاف ” وفي البحرين قامت حركة إصلاحية حاولت على مدار سنتي 1921 و 1923 أن تطور مكسب انتخاب المجلس البلدي وتحويله إلى مجلس تشريعي وإعطاءه صلاحيات موسعة , وفي عام 1936 بدأ يتبلور التيار القومي ويتخذ شكلا سياسيا وتحديدا خلال سنوات الإضراب الفلسطينية المريرة , وتحت تأثير قضية الفلسطينية قامت الحركات الإصلاحية في كل من البحرين ودبي والكويت عام 1938 وكانت مطالبها متشابهة وهي إقامة الحكم الدستوري وتنظيم البلاد على أسس حديثة وتوفير الخدمات الأساسية ولكن في الكويت اتسمت المطالب بقومية قوية وواضحة وهي فتح البلاد للعرب والتعاون مع العراق الذي كان ينحو منحى قوميا مع الملك غازي وكما أن المطالب كانت متشابهة فإن النتائج أيضا كانت متشابهة فأغلبها قوبل بالرفض والقمع , وتفجرت هذه الحركات مرة أخرى في الخمسينيات لكن هذه المرة تحت تأثير المد الناصري .

ثم أتى النفط ..
النفط أعطى خصائص للدولة الخليجية الجديدة فبحسب منظور خلدون النقيب إن الاقتصادي الوطني لهذه الدول لم يكن يعتمد بشكل مباشر على النفط بل يعتمد عليه بشكل غير مباشر وهو طريق مصروفات الدولة أو الإنفاق العالم الذي يتحول إلى قناة لضخ دخل النفط , وهذا يبرز الدور المركزي الذي تلعبه الدولة من حيث كونها المستلمة لدخل النفط في الحياة الإقتصادية والاجتماعية للسكان , ولكن بشكل مغاير للدول الأخرى التي تعتمد على الضرائب والقطاعات الانتاجية والخدمة في الاقتصاد الوطني , والدخل من النفط يجعل الدولة الريعية مستقلة نسبيا عن مصادر القوة والسلطة المتعارف عليها في الدول الأخرى ولذلك فإنها تتمتع بمرونة في العمل وحرية المناورة تفوق إلى حد كبير الأحوال الاعتيادية التي تحصل فيها الدولة على دخلها من الضرائب أو العملية الانتاجية وهذا لا يعني بطبيعة الحال تحررا كاملا .
ويصل خلدون النقيب إلى فكرة مفادها أن النفط أدى مضاعفة الانفاق الحكومي بعشرات الأضعاف عما سبق وأن هذا الانفاق كان مساحة كبرى للفساد و نهب المال العام و يقول أن الفوارق الرهيبة في الدخل التي تنشأ بين المواطنين عن سياسات الانفاق الحكومي تؤدي إلى احتكاكات سياسية بين القوى الاجتماعية و إن كان ذلك أقل في الدولة الريعية قياسا إلى الدول الأخرى ولابد أن ذلك يعود إلى أن فروق الدخل لا تنجم بشكل رئيسي عن استغلال البشر بل عن استغلال موارد الطبيعة ومن السهل على الحكومات اعطاء الانطباع بأن بإمكان الجميع الحصول على حصة أكبر بقرار حكومي , وهذا بطبيعة الحال يعطي الدولة سلاحات هائلا في المناورة والقدرة على احتواء حركات المعارضة واغواء قيادتها ولكن اذا اقترن هذا الوضع بعدم كفاية النظام السياسي وعدم كفاية الترتيبات الاقتصادية والتكنولوجية في الدولة الريعية فإنه سيؤدي إلى ركود التركيبة السياسية والاجتماعية والحضارية عامة إلى أن يبدأ دخل النفط بالانحسار وعندئذ ستبدأ قصة اخرى .
ينتقل خلدون النقيب إلى ما يسميه الدولة التسلطية :
يتحدث خلدون النقيب عن التيار القومي المعارض الذي نشأ في هذه الدول ويقسمها إلى مرحلتين المرحلة الأولى تمتد من 1948 إلى 1958 حيث كانت القوى الاجتماعية الجديدة في المنطقة في مرحلة اختمار فانصبت أغلب مطالبها على الحكم الدستوري والحريات العامة وقضايا الاصلاحات الادارية وتحسين الأوضاع المادية والإلحاح على تأييد قضية فلسطين أما في المرحلة الثانية من عام 1959 إلى عام 1967 فقد تطورت المطالب إلى طرح قضية الاستقلال التام في الدول التي لم تكن قد استقلت وإلى طرح قضية تأميم النفط بالكامل وإلى المطالبة بأن تنحو دول المنطقة منحى قوميا وحدوديا معاديا للاستعمار والامبريالية إلى أن تطورت هذه المطالب في النصف الأول من الستينيات إلى الجرأة في المطالبة –لأول مرة- بإعادة النظر في أنظمة الحكم بل تغييرها , وقد نجحت حركات المعارضة هذه نسبيا بتغلب الايدولوجيات القومية والاشتراكية الراديكالية على القوى القبلية – الطائفية وهي المصادر التي تستند عليها الأنظمة الحاكمة وإدامة الواقع والمحافظة عليه , وفي رأي خلدون النقيب كان هذا الأمر بالذات أعظم إنجاز لحركات المعارضة في تلك الفترة وستكون أكبر خسارة لها هي عودة القبلية – الطائفية بعد هزيمة حزيران 1967 .
يقول خلدون النقيب أن الدولة الخليجية إثر كونها دولة ريعية من النفط و على أثر تصاعد حركات التمرد والمعارضة وخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وبسبب الخطة الإمبريالية لرعاية مصالحه في الخليج وهذا يقتضي تمزيق مجتمع الخليج والجزيرة العربية لهذه الأسباب ظهرت الدولة التسلطية في منتصف الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين وهذا قد تم مباشرة من دون المرور في مرحلة الدولة الوطنية في ظل الكفاح من أجل الاستقلال كمرحلة انتقالية كما حصل في أغلب بلدان المشرق العربي في الفترة من 1920 – 1958 , ويقول خلدون النقيب أنه يقصد بالدولة التسلطية هي الشكل الحديث والمعاصر للدولة المستبدة وهي ككل الأشكال التاريخية للدولة المستبدة كالاقطاعية والسلطانية والبيروقراطية ..الخ تسعى إلى تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة الطبقة أو النخبة الحاكمة ولكن الدولة التسلطية خلافا لكل أشكال الدولة المستبدة تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتداد لأجهزة الدولة هذه الخاصية للدولة التسلطية , وأما الخاصية الثانية للدولة التسلطية فهي خلافا لكل أشكال الدول المستبدة الأخرى تخترق النظام الاقتصادي وتلحقه بالدولة أما عن طريق التأميم أو عن طريق توسيع القطاع العام والهيمنة البيروقراطية الكاملة للدولة على الحياة الاقتصادية , والخاصية الأخيرة للدولة التسلطية هي أن شرعية نظام الحكم فيها تقوم على استعمال العنف أو القوة السافرة والإرهاب أكثر من اعتمادها على الشرعية التقليدية ولذلك يتسم نظامها السياسي بعدم وجود حكومات تمثل مجمل مصالح السكان وعدم وجود انتخابات لها معنى وعدم وجود تنظيمات مجتمعية مستقلة عن الدولة كالأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية , ويختم خلدون النقيب فكرته عن الدولة التسلطية فيقول أن الدولة التسلطية ليست نظام حكم فحسب بل هي التعبير السياسي عن نظام اجتماعي – اقتصادي أو نمط اسميه برأسمالية الدولة التابعة تمد الدولة فيه اخطبوط تسلطها إلى النظام الاقتصادي فتحتكر ملكية وسائل الإنتاج وإلى النظام السياسي فتحتكر وسائل التنظيم وإلى النظام الاجتماعي فتقدم نفسها بديلا عن مؤسساته وتستبدل الايدولوجيات المنافسة بايدولوجية التسلط والإرهاب _وفي نظري أنها تستبدلها بايدولوجيات تصب في مصلحة نظام الحكم وليس بالضرورة الإرهاب أو العنف _

٢٠١٣٠١٢٣-٢٠٠١٣٠.jpg

Advertisements