اسم الكتاب : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

اسم المؤلف : محمد الغزالي

عدد الصفحات : 196

يطرح محمد الغزالي في هذا الكتاب مقاربة تحاول أن تقاوم تيار أهل الحديث _السلفيين_ الذين استولوا على كثير من المنابر في القرن العشرين وروجوا لفهم للإسلام يراه الغزالي أنه خاطئ ويجني على الإسلام من خلال أحاديث آحاد , الغزالي مهموم في هذا الكتاب بإرجاع المفاهيم الإنسانية الكبرى للإسلام وتبيين أنه لا تعارض بينهما بينما كان السلفيين يقولون ولازالوا يتهمون من يطالب بها , وأيضا الغزالي يحاول أن يقدم فهما عقلانيا لبعض المسائل الشرعية والتأكيد أن حديث الآحاد إن خالف العقل لا يقبل وهو بهذا عكس القرآن , في نظري لا يمكن فهم الكتاب خارج سياق المعركة القديمة بين أهل الحديث الذي كانوا يسمون في كتب الفرق الأخرى بالحشوية و بين الفرق الإسلامية التي كانت لا ترى أحاديث الآحاد تثبت به العقائد وأن العقل هو الحاكم على حديث الآحاد لا العكس وهي فرقة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة , لحظة تأليف الكتاب كانت تعبر عن غضب ودفاع الفرقة العقلية للدفاع عن ذاتها أمام الموجة السلفية _موجة أهل الحديث_ التي كانت تقتحم العالم الإسلامي طبعا كان أهم منابر هذا التيار هم علماء السعودية و الشيخ الألباني ولذلك نجد بين ثنايا الكتاب استماتة الشيخ الغزالي ليبين أن ما يقوله هو ما قاله العلماء المعتبرين _السلف_ وأن أهل الحديث حينما ينسبون نفسهم للسلف فهم مغترين ويتضح من خلال الكتاب خشية الغزالي على سريان هذا الفهم الذي يرى أنه لاعقلاني وخاطئ ومسيء للإسلام إلى مسلمي أوربا وبالنسبة لي يعتبر الكتاب التفاتة من ما يسمى بالعلماء الإصلاحيين إلى الرد على تيار أهل الحديث لأن العلماء الإصلاحيين كانوا منذ أساتذتهم محمد عبده ورشيد رضا و حتى حسن البنا _وهو بلا شك أستاذ للغزالي _ يحاولون ألا يثيراو الخلافات القديمة وبالذات في باب الأسماء والصفات أو في المسائل الفقهية الخلافية باعتبار أنه لكل فريق أدلته وأن الإغراق في هذه المسائل وتفريعاتها كان أحد أسباب انحطاط الأمة وأن المعركة الكبرى هي المعركة مع الحضارة الغربية و الحفاظ على المجتمع الإسلامي من تغوله والدفاع عن قيم الإسلام وتبيين توافقها مع القيم الخيرة للحضارة الغربية بينما كان تيار أهل الحديث يحقق له انتشار قويا في بلدان العالم الإسلامي ..ففي هذه اللحظة قرر العلماء الإصلاحيين أن يردوا على هجوم خصومهم من أهل الحديث وهذا الكتاب هو أهم الكتب التي ضم المسائل الكبرى التي كانت تدور حولها رحى المعركة .

 

يبدأ محمد الغزالي كتابه بالتذكير بأن توثيق الأخبار اهتم به المسلمون كما لم يهتم به غيرهم من الأمم لاسيما إذا اتصل الأمر بسيرة نبيهم وما ينسب إليه من قول أو عمل , وذكر بعدها الشروط الخمسة التي وضعها علماء المصطلح لتصحيح الحديث أو تضعيفه , فهذه الشروط ثلاثة منها في السند واثنان منها في المتن فأما الشروط المتعلقة بالسند فهي :

1-     فلا بد في السند من راو يضبط ما يسمع ويحكيه بعدئذ طبق الأصل

2-     ومع هذا الوعي الذكي لا بد من خلق متين وضمير يتقى الله ويرفض أي تحريف

3-     وهاتان الصفتان يجب أن يطردا في سلسلة الرواة , فإن اختلتا في راوٍ أو اضطربت إحداهما فإن الحديث يسقط عن درجة الصحة .

وحتى إن صح السند فهذا ليس كافيا للحكم بصحة الحديث , فننظر بعد صحة السند إلى نص الحديث نفسه فلا بد من تحقق شرطان فيه

4-     ألا يكون شاذا

5-     ألا تكون به علة قادحة .

والشذوذ هو أن يخالف الراوي الثقة من هو أوثق منه , والعلة القادحة عيب يبصره المحققون في الحديث فيردونه به . ولذلك يقول المؤلف أن الحكم بسلامة المتن يتطلب علما بالقرآن الكريم وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة وعلما آخر بشتى المرويات المنقولة لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر .

ويذكر الشيخ بعد هذا الكلام نماذج لأحاديث صححها بعض العلماء لصحة سندها ولم يلتفتوا إلى فساد متنها وتعارضه مع القرآن فهو يقول أن الشيخ الألباني صحح حديث “لحم البقر داء” ويرد المؤلف ليقول أن كل متدبر للقرآن يعلم أن هذا الحديث لا قيمة له مهما كان سنده , إذ أن الله تعالى أباح في موضعين من كتابه لحم البقر وامتن به على الناس فكيف يكون داءا ؟! ثم يقول الشيخ أن الكشف عن العلة القادحة لا ينبغي أن يكون مقتصرا على علماء الأحاديث بل يشتغل بكشفها علماء التفسير وعلماء الكلام والمشتغلون بالثقافة الإسلامية عموما لأنهم يحتاجون أن يستعينوا بعلمهم الأصلي ليكتشفوا العلة القادحة ولذلك يقول المؤلف ما قيمة حديث صحيح السند عليل المتن ؟!

ثم يقول المؤلف لقد ظهر في زماننا هذا فتية سوء يتطاولون على الأئمة باسم الدفاع عن الحديث النبوي وهؤلاء الأئمة لم يتركوا الحديث إلا لأنهم وجدوا فيه علة قادحة وهم _أي الأئمة_ يهتدون بهدي الصحابة الكرام فإن عائشة رضي الله عنها عندما سمعت حديث “إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ” أنكرته وحلفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله وقالت بيانا لرفضها إياه أين منكم قول الله سبحانه “لا تزر وازرة وزر أخرى ” ورغم أن الحديث صحيح السند قطعا فقد سمعته عائشة من صحابي آخر والصحابة كلهم عدول ومع ذلك ردت الحديث لأنه خالف ظاهر القرآن , وأيضا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقبل برواية فاطمة بنت قيس أنه حينما طُلقت ثلاثا لم يفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لها على زوجها نفقة وسكنى وقال عمر مبينا لماذا لم يقبل رأيها “لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت ” ولا عبرة لكونها امرأة هنا بل العبرة بأنها واحدة , وعلى هذا المنهج سار أبوحنيفة رحمه الله فقال أن المسلم إن قتل كافرا ذميا أو معاهدا فإن المسلم يقتل به وأما حديث “لا يقتل مسلم بكافر ” وهو حديث صحيح فرده أبوحنيفة لأنه تعارض مع ظاهر القرآن بقوله “والنفس بالنفس”  وقال أن الحديث معلول بمخالفته النص القرآني , ويذكر المؤلف قصة متعلقة بهذه القضية فقد قتل بدوي في إحدى دول الخليج مهندسا أمريكيا فقال أهل الحديث لا يقتص منه لاختلاف الدين ثم تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية !

ولنعلم أن الأحناف يقدمون ظاهر القرآن على حديث الآحاد والمالكيون يقدمون عمل أهل المدينة على ظاهر حديث الآحاد باعتبار أن عمل أهل المدينة أدل على السنة النبوية من حديث راو واحد , ولذلك أمضى مالكا القصاص على الأب إن قتل ولده ولم يأخذ بظاهر الحديث الوارد في ذلك الشأن لأنه خالف عمل أهل المدينة , ومن الأحاديث التي ردها الأئمة لمخالفتها قواعد الشريعة وما تقرر منها حديث أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركى يتبر فيها فقال علي : اخرج , فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فكف علي عنه ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنه مجبوب لا ذكر له . فيعلق المؤلف رحمه الله على هذا الحديث أنه يستحيل أن يحكم على رجل بالقتل في تهمة لم تتحقق ولم يواجه بها المتهم ولم يسمع له دفاعا عنها بل كشفت الأيام عن كذبها ! فهذا الحديث لم يرده أئمة الحديث بل رووه في مسنداتهم لكن أئمة الفقه هم من رده لأن في متنه علة قادحة وهي كافية لسلب الصحة عنه .

ينتقل المؤلف ليتحدث عن حقوق المرأة المسلمة وواجباتها و أن الخلل كان في ظلم المسلمين للمرأة وليس الإسلام و المبالغة في الأخذ بالرأي الفقهي الواحد وتجاهل بقية الأراء الفقهية وفي حالات كثيرة يتم ذلك بـ “تعبيد العادة” بأن تكون عادة العرب في زمن من الأزمان عبادة لغيرهم سواء في الزمان أو المكان , ويتحدث في البداية عن مسألة تغطية الوجه التي روجت لها الصحوة الإسلامية بأنه هو الحجاب الصحيح ويذكر الغزالي رحمه الله تغطية الوجه ليست واجبة فيقول :

لقد وجدت كتيبا في إحدى دول الخليج يقول فيه مؤلفه : إن الإسلام حرم الزنا وإن كشف الوجه ذريعة إليه فهو حرام لما ينشأ عنه من العصيان .

انظر إلى هذا الاستدلال العبقري ! يعلق الغزالي رحمه الله فيقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى وجوه النساء سافرة في المواسم والمساجد والأسواق فما روي عنه قط أنه أمر بتغطيتها فهل أنتم أغير على الدين والشرف من الله ورسوله ؟! ويذكر الغزالي رحمه الله أحد عشرة دليلا ليبرهن على صحة قوله .

ويذكر المؤلف رحمه الله أنه سمع أحد الدعاة المشاهير يقول : إن المرأة تخرج من بيتها للزوج أو للقبر ثم يذكر حديث أن امرأة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مرض أبوها فاستأذنت زوجها لتعوده فأبى زوجها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أطيعي زوجك ثم توفى زوجها فاستأذنت زوجها أن تصلِ عليه فأبى زوجها فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطيعي زوجك فأطاعته , فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : قد غفر الله لأبيك بطواعيتك لزوجك ” ويعلق الغزالي رحمه الله أن هذا الحديث لم يرويه أحد أصحاب الصحاح وهو فضلا عن ذلك مخالف لظاهر القرآن الذي يأمر ببر الوالدين والأحاديث التي تأمر بصلة الرحم , ثم يعلق الشيخ : أكذلك يُعرض ديننا ؟ سجنا للمرأة تقطع فيه ما أمر الله به أن يوصل ؟ إن الشاغبين على حقوق المرأة يظاهرون رأيا مرجوحا ويتصرفون في قضايا المرأة كلها على نحو يهز الكيان الروحي والثقافي والاجتماعي لأمة أكلها الجهل والاعوجاج لما حكمت على المرأة بالموت الأدبي والعلمي .

ينتقل المؤلف ليتحدث عن “عمل المرأة” وبعد كلام طويل ينتقل إلى المجال العام الذي قد تعمل فيه المرأة وحكم توليها للمناصب السياسية ويقارن بين نساء الغرب اللاتي تولين مناصب سياسية كبرى وقدن دولهن أفضل قيادة وحققن لهم الكثير من الرقي والمكاسب وبين الرجال الذين قادوا الدول العربية فأولئك لم يفشلوا لأنهم قادتهم امرأة والدول العربية لم تنجح لأنهم قادهم رجل ويقول معلقا قبل الخوض في هذه المسألة فقهيا : ونحن لسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للحكومات ! إننا نعشق شيئا واحدا أن يرأس الدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة بغض النظر أكان رجلا أو امرأة , ثم يقول : وقد تأملت في حديث “خاب قوم ولوا أمرهم إلى امرأة ”  فوجدت أن معناه أنه متعلق في سياقه الذي ورد فيه فإن الحديث أتى ليصف مملكة فارس التي كانت تتهاوى بسبب الملكية المستبدة والوثنية و الأسرة المالكة التي سرى فيها الاغتيالات وقد كان من الحكمة في تلك الوقت بعد هزيمة الفرس من الرومان أن يتولى قائد عسكري زمام الأمور لكن الوراثة جعلت الحكم يكون لفتاة لا تعرف شيئا من أمور الحرب ولا السياسة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته تلك , ويحملنا على هذا التأويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على أصحابه سورة النمل وقص عليهم قصة الملكة بلقيس التي قادت أمتها إلى الإيمان والفلاح ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل سبأ أخطأوا حينما اختاروا بلقيسا حاكمة عليهم ومن المعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ويستحيل أن تخالف السنة النبوية القرآن الكريم . ثم إن الحديث يقول “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ” فهذا الفهم الذي تداوله الفقهاء للحديث يناقض القرآن الكريم و يناقض بعض الآثار بل ويناقض الواقع التاريخي أيضا فقوم بلقيس أفلحوا حينما كانت بلقيس حاكمة عليهم و بريطانيا وصلت إلى أوج مجدها في عصر الملكة فكتوريا _وها هي ألمانيا في عصرنا الحالي تحقق تقدما اقتصاديا في عصر أنجيلا ماركيل _

ينتقل الغزالي بعد ذلك ليبين ملاحظات عامة على منهج أهل الحديث ويبين أن حديث الآحاد لا يقبل على علاته فيقول أولا عن الحديث الشهير الذي رواه البخاري : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب , وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه , وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه , ولئن استعاذني لاعيذنه ” وهذا الحديث انفرد به البخاري وفي سنده كما في متنه غرابة , فهذا الحديث تفرد في إخراجه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة وتفرد في إخراجه عن ابن كرامة عن خالد بن ابن مخلد و خالد هذا تكلم فيه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وقالوا له مناكير , وقال ابن رجب وقد روي من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال , وقال الذهبي عن خالد بن مخلد يكتب حديثه ولا يحتج به . وأما الغرابة في المتن فقد قال الشيخ رشيد رضا : إن الغرابة في هذا الحديث هو قوله تعالى : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به …الخ الذي يدل على الحلول والاتحاد و اضطر العلماء إلى تأويله حتى يستقيم معناه .

فبعد أن بين الشيخ الغزالي رحمه الله منزلة هذا الحديث الذي هو في صحيح البخاري أصح كتب الحديث يقول بعد ذلك معلقا على من يسمون أنفسهم “الأخوة أهل الحديث ” فيقول نلحظ عليهم عيوبا ثلاثة : اكتراثهم بالمرويات الواهية وبناء العلالي فوقها _سواء كانت واهية من ناحية السند أو المتن _ ثم سوء فهمهم للصحاح وتعصبهم لما يفهمون من أخطاء , والعيب الثالث هو عجزهم عن إدراك الحكمة القرآنية ووقوفهم بعيدا عن محاور القرآن وغاياته .

يتوقف الشيخ طويلا ليتحدث عن حكم الغناء ومن المعلوم أنه من المبيحين له ولا حاجة لنا لعرض رأيه .

وينتقل الشيخ ليتحدث عن المس الشيطاني فيقول : يقول المثبتون للمس الشيطاني أنه ثابت بالكتاب والسنة والواقع فأما الكتاب فبقوله : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ” وأما السنة فلقوله صلى الله عليه وسلم “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم” وقوله “ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه عليهما السلام ” وأما الواقع فمشاهد وكثير , ويرد الشيخ الغزالي رحمه الله بأن الآية إنما هي واردة في الجزاء في الآخرة وهذا تشبيه و ليس هنالك نص أن الصرع بسبب المس الشيطاني ويقول الشيخ رشيد رضا “وقد ثبت في هذا العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التي تعالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الحديثة , وقد يعالج بعضها بالأوهام ” بالإضافة إلى أن هذه الآية لا تدل على تلبس الجن للإنس وإنما هي محمولة على ما كانت تعتقده العرب فالتشبيه لا يعني وجود المشبه به _ أو كما قال الإمام الرازي أنه مأخوذ من قوله تعالى ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب الملذات والشهوات والاشتغال بغير الله فهذا هو المراد من مس الشيطان _ وأما استدلالهم بالحديث فللحديث قصة وهي أنه صلى الله عليه وسلم كان يمشي مع زوجه صفية ليلا فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ! فقال لهما : على رسلكما إنها صفية بنت حيي . فقالا سبحان الله يا رسول الله ! فقال “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم , فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ” فواضح أن الحديث إنما يدل على الوسوسة التي يوسوس بها الشيطان لبني آدم وليس لإثبات أو نفي تلبس الجن بالأنس أية دلالة هنا . و أما حديث “الطاعون وخز الجن” فيقول صاحب المنار : أن المتكلمون يقولون أن الجن أجسام حية خفيفة لا ترى وقد قلنا غير مرة إن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة هي الميكروبات ويصح أن تكون نوعا من الجن وقد ثبت أنها علل أكثر الأمراض ..على أننا نحن المسلمون لسنا في حاجة إلى النزاع فيما أثبته العلم وقرره الأطباء أو إضافة شيء إليه مما لا دليل عليه في العلم لأجل تصحيح بعض الروايات الأحادية ..ونحمد الله أن القرآن أرفع من أن يعارضه العلم ”

الخلاصة : الكتاب مهم جدا ويستحق القراءة حتى توسع مدارك المسلم ويعلم أنه ليس هنالك قولا واحدا في كل مسألة .

 

Advertisements