اسم الكتاب : مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتوى المعاصرة

اسم المؤلف : عبدالإله العرفج

عدد الصفحات : 376

 

من أكثر المواضيع الحساسة التي يعلق عندها طلبة العلم هي موضوع “البدعة” وموضوع البدعة موضوع شائك وخطير وتترتب عليه أمور كثيرة ولا شك أن مدرسة الإمام ابن تيمية من أكثر المدارس التي تضيق في البدعة وبشكل عام إن علماء المملكة العربية السعودية أبناء لهذه المدرسة لذلك إن رأى الفرد منا من يبيح الاحتفال بالمولد النبوي ظنه إما مبتدع أو جاهل , ويقول عبدالإله العرفج مؤلف الكتاب إنه مرة سمع خطيبا يخطب فيقول : إن الذي يحتفل بالمولد النبوي أعظم إثما ممن يشرب الخمر ويسرق ويزني ويقتل . _وكثير من العلماء المعتبرين في الأمة الإسلامية أباحوا هذا الاحتفال كالنووي وابن حجر والسخاوي والشيخ رشيد رضا ففساق السلفية النصية الذين لا يحتفلون بالمولد النبوي و يشربون الخمر ويزنون خير من هؤلاء العلماء عند هذا الخطيب _ ويقول عبدالإله العرفج أنه أتاه جماعة سمعوا لخطيبا يطالب بالأخذ على أيدي من يقيم اجتماعا لمدارسة السيرة النبوية في ذكر مولده _استعداء بالسلطة إذا _ وأيضا قرأ بعد صلاة الجمعة قول الله ( فقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباءا منثورا ) .

يتحدث المؤلف عن أنواع المستجدات والنوازل في الدين وكيفية التعامل معها فيقول النوازل تنقسم إلى ثلاثة أقسام النازلة المستجدة فيقول حينما لا تكون الحادثة المستجدة غير منصوص عليها وليس لعلماء المسلمين فيها إجماع فيدخل فيها ثلاثة أنواع :

النوع الأول : نوازل ومستجدات لا تقع تحت ابتداع اليد البشرية كمسلمين يعيشون في أقصى المناطق الشمالية والجنوبية من الكرة الأرضية ويمتد النهار أو الليل لساعات طويلة بل لعدة أيام مع ما يستلزمه ذلك من تحديد أوقات الصلاة والصيام وغيرها . النوع الثاني : مستجدات ابتدعها وأحدثها غير المسلمين كالتبرع بالأعضاء وتغير جنس الإنسان وعلميات أطفال الأنابيب وتحديد جنس الجنين وبنوك الحيوانات المنوية والشركات والنظام الديمقراطي وغيرها . النوع الثالث: مستجدات دينية ابتدعها وأحدثها بعض المسلمين مستحسنين لها ومن أمثلة ذلك : تحري الاثنين والخميس لإقامة صلاة الاستسقاء وتخصيص العشر الأواخر من رمضان بتقسم التراويح إلى صلاتين ودعاء ختم القرآن وتكرار العمرة في شهر رمضان وافتتاح المحافل الخطابية بقراءة آيات من القرآن الكريم إنشاء المنظمات والهيئات التي تعنى بالدعوة و الإغاثة وشؤون المسلمين و تحري بداية السنة الهجرية للحديث عن الهجرة النبوية في المحاضرات والندوات والخطب (والعجيب كما يذكر المؤلف أن كثير من الخطباء يتحدثون عند بداية السنة الهجرية بالهجرة وفي رمضان عن غزوة  بدر لأنها حدثت فيه ولكنهم لا يتحدثون في شهر ربيع الأول عن مولد النبي صلى الله عليه ولا يتحدثون في رجب عن الإسراء والمعراج .. ) ويقول المؤلف أن على المسلمين في هذه الحالة _مع كل أنواع النوازل _ الاجتهاد وبذل الوسع في استنباط حكمها من نصوص الشريعة الدالة عليها أو ردها إلى أمثالها و أشباها في كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق القياس .

اختلاف العلماء في النوازل

وقد اختلف العلماء في النوازل والمستجدات إلى فريقين : الفريق الأول يرى أن كل محدثة في الدين لها حكم يناسبها ومن أوضح أدلتهم استقراء طريقته صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في التعامل مع المحدثات المستجدات فقد كان صلى الله عليه وسلم يقبل بعض محدثات أصحابه رضي الله عنهم ويقرهم عليها وينكر عليهم بعض محدثاتهم ويردها وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسيرون على هذا النهج . والفريق الثاني يرى أن كل محدثة في الدين ضلالة ومن أبرز أدلتهم على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ” وقوله صلى الله عليه وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” وسيسمي المؤلف الفريق الأول “الموسعين لمعنى البدعة” لأن حكم البدعة عندهم تشمله الأحكام الخمسة و سيسمي الفريق الثاني بـ “المضيقين لمعنى البدعة” لأن حكم البدعة عندهم الحرمة فقط . وهذه المسألة من أكثر المسائل التي وقع فيها الاختلاف في الساحة الإسلامية المعاصرة وكثير من المسائل المختلف فيها ترد إلى هذا الأصل .

وسبب الاختلاف فيما بينهم كما يرى المؤلف إلى عدم تحرير معنى البدعة في الدين بشكل واضح لا لبس فيه ففي الوقت الذي يتريث فيه بعض العلماء قبل الحكم على المحدثة الجديدة بالبدعة يسارع بعضهم الآخر فيحسم الأمر فيها دون حاجة إلى البحث والنظر , إذ قد استقر عندهم أن كل محدثة بدعة .

معنى البدعة في اللغة والشرع : البدعة في اللغة تطلق على كل ما أُحدِث واختُرع أولا على غير مثال سابق سواء منها ما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا فيقول الله سبحانه (بديع السموات والأرض ) قال القرطبي رحمه الله أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال وكل من أنشأ ما لم يسبق له قبل قيل له مبدع .ولم يختلف العلماء أن البدعة بمعناها اللغوي هذا قد تكون ممدوحة أو مذمومة وتشملها الأحكام الخمسة , وأما البدعة في الشرع فهي المحدثـَة المخترَعة التي تخالف أصول الدين وتصادم نصوصه وتختص بالأمور الدينية . وعلى هذا فكل محدثة بهذا المعنى الشرعي بدعة ضلالة ولم يقع خلاف بين العلماء في ذلك ويقول ابن تيمية (فإن ما خالف النصوص بدعة باتفاق المسلمين وما لم يُعلم أنه خالفها فقد يسمى بدعة )) ويدل كلامه على أن ما لم يعلم من المحدثات أنه خالف النصوص قد لا يسمى بدعة , ومن التعاريف الجيدة للبدعة تعريف العز بن عبدالسلام فقال هي “فِعْل ُ ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ”

تحرير محل النزاع : لقد تعددت تعريفات البدعة واختلف في صياغة تعريف جامع مانع لها ويرجع ذلك لاختلافهم في تنزيل بدعة الضلالة على كل محدثة ذات صبغة دينية لم تعهد في الصدر الأول غير أنها لا تخالف نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها فهل هي بدعة ضلالة أم لا ؟ اختلفت مناهج العلماء على ثلاث مذاهب :المذهب الأول يرى أن المحدثة وإن كانت في الدين قد تكون ممدوحة وقد تكون مذمومة والمقياس في ذلك الاجتهاد والبحث في دلالات نصوص الشريعة والقياس وهؤلاء هم الموسعون لمعنى البدعة لأنهم يعتقدون أنها تدور بين الأحكام الخمسة وهم يأخذونها بالمعنى اللغوي .والمذهب الثاني : يرى أن كل محدثة في الدين غير معهودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته محدثة مذمومة وبدعة وضلالة وهؤلاء هم المضيقون لمعنى البدعة لأن حكمها عندهم هي التحريم . والمذهب الثالث : يرى أن المحدثة في الدين وإن كانت مما يندرج تحت أصول الشرع وتدل عليه النصوص بالإشارة والتلميح والإجمال فإنها لا تسمى بدعة وإنما يطلق عليها الحم الشرعي الذي يناسبها فقد يكون الحكم واجبا أو مستحبا أو جائزا والخلاف بين المذهب الثالث والأول خلاف لفظي لا حقيقي إذ أن خلافهم في التسمية فقط فالفريق الأول يسميها بدعة والفريق الثالث لا يسميها كذلك وأما الخلاف بين المذهب الثاني والمذهب الأول والثالث فهو بلا شك خلاف حقيقي وترتبت عليه أمور كثيرة .

أدلة الموسعين لمعنى البدعة : الدليل الأول فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما رأى جمعا من الصحابة يصلون التراويح في رمضان فقال : نعم البدعة هي . ثم جمعهم للصلاة على إمام واحد وأقام لها الجماعة وهو فعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع المصلين على إمام واحد ولم يدع الناس إليها ولذلك قال عمر رضي الله عنه “نعمت البدعة هذه” لأن جمعهم لصلاة التراويح في رمضان بدعة ولم يـُسبق لها ومع ذلك هي بدعة ممدوحة . والدليل الآخر أن الصحابة رضوان الله عليهم ابتدأوا عددا من الأمور في حياته صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لهم حكمها وقد كان بينهم صلى الله عليه وسلم ويمكنهم سؤاله عن ما فعلوه من المحدثات ويعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها لكنهم فعلوها وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على اجتهادهم حينما وافق أصول الشرع ونهاهم عندما خالفوه فمن هذه الأمور : التزام بلال بن رباح رضي الله عنه للطهارة بعد كل حدث وصلاة ركعتين بعد كل طهارة وبعد كل أذان فهذا الفعل اجتهد فيه بلال من تلقاء نفسه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث المشهور يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بلالا بم سبقتني إلى الجنة ؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي فقال بلال : يا رسول الله ما أذنَّت قط إلا صليت ركعتين …الخ “والأمر الآخر صلاة خبيب بن عدي ركعتين قبل قتله فصار فعله سنة لكل مسلم وكان أول من سن الركعتين هو خبيب ولم يسبقه أحد إلى فعلها والثالث أن أحد الأنصار كان يقرأ في كل صلاة سور الإخلاص مع سورة أخرى في كل ركعة وكان يؤم الصحابة في مسجد قباء فهذا خصص أن يتقرب لله بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وهو لم يفعل من قبل النبي صلى الله عليه لكن حينما أخبر الجماعة الذين يصلون معه النبي صلى الله عليه وسلم سأله : ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال : إني أحبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حبك إياها أدخلك الجنة . وهنالك محدثات غيرها فعلها الصحابة ولم يسألوا رسول الله صلى الله وسلم عن حكمها لا قبل الفعل ولا بعده ولكنهم اعتمدوا على اجتهادهم في تقدير حكم هذه المحدثات فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم حينما وافقوا مقصد الشرع ونهاهم حينما خالفوه كقصة أبي إسرائيل رضي الله عنه نذره أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم “مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ” وإنكاره على الثلاثة الذين قال أحدهم أصوم الليل أبدا وقال الآخر أنا أصوم الدهر كله وقال آخر أنا اعتزل النساء فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال :من رغب عن سنتي فليس مني . وهكذا استمر هدي الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد زاد عثمان الأذان الأول للجمعة و كان ابن عمر يجهر التكبير في أيام عشر ذي الحجة وزاد بعض الصحابة في ألفاظ التلبية المشهورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يوم الخميس للوعظ . وأما الأحاديث التي أتت لتحريم البدعة كقوله صلى الله عليه وسلم ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) و قوله ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ) فهم يقيدون الحديث الأول بالحديث الثاني بـ جعل البدعة المذمومة ما كانت ليست من الإسلام “ما ليس منه ” وتنافي مقاصده والكل في الحديث الأول تحمل على الغالب , ومن قال بهذا القول من العلماء كثير من بينهم العز بن عبدالسلام والقرافي والنووي وابن حجر والقرطبي _ذكر العلماء مني وليس من المؤلف _

وأما المضيقين لمعنى البدعة فحجتهم الحديثان المتقدمان وهم لا يرون تقسيم البدع إلى غير المحرمة بل الصنعاني رحمه الله كان يرد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول : وأما قوله _أي عمر _ “نعم البدعة” فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة , وهم يفهمون حديث “كل بدعة ضلالة ” أنها كل محدثة لم يرد في مشروعيتها نص صريح صحيح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما القيد في حديث عائشة “من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ” فالمقصود من “منه” هنا هو وصف ضروري في كل محدثة ولا ينفك عنها بحال أي كل محدثة فإنها ليست من الدين وليس معنى الحديث أن من المحدثات ما هو من الدين , وعند المضيقين لمعنى البدعة قاعدة شهيرة تلخص مذهبهم _ وهي ليست دليلا عليه وإن كانوا يستدلون بها دائما ..فمن المعلوم أن القواعد الشرعية يستدل عليها ولا يستدل بها مالم يسلم بها مخالفك _ وهذه القاعدة هي : أن كل أمر قام مقتضاه وانتفت موانعه في عصر السلف ولم يفعلوه ففعله محرم لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه .

فمثلا الرد على المعتزلة لم يقم مقتضاه في عصر الصحابة فلذلك ليس بدعة مع أنهم لم يفعلوه و أيضا استخدام الشريط الإسلامي في الدعوة كان مانعه موجودا وهو عدم معرفة التكنولوجيا في عصر السلف ولذلك لم يفعلوه فهو إذا ليس بدعة وأما الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه فقد قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فدل ذلك على أنه بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه .

ثم ينتقل المؤلف ليذكر 36 مسألة اختلف العلماء فيها وقد أطلق بعضهم عليها أنها بدعة وقد قال بها بعض العلماء ولو أخذنا بهذا القول لم يسلم عالم من علماء الأمة من وصمه بالابتداع .

المسائل المعاصرة التي اختلف فيها العلماء الضميقون لمعنى البدعة

وفي أهم فصول الكتاب يعرض المؤلف عشرين مسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء المضيقون لمعنى البدعة أنفسهم ولم يسلم عالم منهم بوصم الفعل بأنه بدعة وقد قال بجوازه عالم آخر يرى التضييق في معنى البدعة أيضا فمن أهم هذه المسائل هي مسألة عشاء الوالدين وهي باختصار أن الميت إذا مات ومضى على موته شهر أو شهران تقريبا قام أحد الأبناء بصنع طعام يدعو إليه بعض الأقارب والجيران وربما بعض الفقراء ويسمون هذا الطعام طعام الوالدين وقد يذبحون ذبيحة ويوزعونها على الفقراء وينون أجرها لوالديه وقد يقول: هذا عشاء والدي أو والدتي , وقد أباح هذا الفعل الشيخ ابن باز و الشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان إذ أنه من التصدق على الميت لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حرمه وكان منسجما مع القاعدة التي يتبعها وهي أن كل فعل _متعلق بالدين_ قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فهو محرم إذ لو كان خيرا لسبقونا إليه ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معلقا على عشاء الوالدين ( فإذا كان هؤلاء _الأبناء الذين يذبحون_ يتقربون إلى الله بالذبح بخصوصه كانوا بلا شك مبتدعة لأن الذبح لا يتقرب به إلى الله إلا في مواطنه كالذبح في أيام النحر في عيد الأضحى والعقيقة والهدي وسوى ذلك …) ولذلك يقول المؤلف المفترض على قاعدة المضيقين ألا يحل هذا الفعل لأن الصحابة لم يفعلوه فلا ابن عمر فعله لأبيه ولا ولا الحسن فعله لأبيه ابن عباس فعله لأبيه وأباءانا ليسوا أفضل من عمر ولا من علي ولا من العباس ولسنا نحن أبر بـ آبائنا منهم .

المسألة الثانية هي تكرار العمرة في رمضان فأجاز الشيخ ابن باز والشيخ صالح الفوزان واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بجواز أن يذهب المعتمر فيعتمر ثم يحل من إحرامه ثم يذهب إلى التنعيم فيحرم مرة أخرى ويعود ويعتمر ثانية و أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فكان يراها من البدع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته لم يفعلوه مع قيام مقتضاه وانتفاء موانعه فلو كان خيرا لسبقونا إليه .

المسألة الثالثة : دعاء ختم القرآن وهذه من أكثر المسائل غرابة أن نرى العلماء المضيقون لمعنى البدعة يبيحونها ليس لأنها فقط تخالف القاعدة التي يتبعونها بل لأنها أكثر من ذلك تغيير في هيئة الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي . فلا يجوز أن تغير هيئة الصلاة إلا بنص من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأتِ دليل لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته بدعاء ختم القرآن في صلاة القيام بهذه الكيفية المتبعة هذا اليوم وثانيا أن محل دعاء في الصلاة هو في السجود أو التشهد الأخير أو القنوت وأما هذا الدعاء الطويل بعد القراءة قبل الركوع فدعاء في غير محله وثالثا أنه ليس من هدي الصحابة رضوان الله عليهم والذي نعلمه أن الإمام أحمد بن حنبل قال أنه أدرك أهل مكة يفعلونه وكان سفيان بن عينة معهم ورابعا أنه لم يكن يعرف عن السلف تحري ليلة الاسبع أو التاسع والعشرين لختم القرآن ولذلك نجد أنه حتى الشيخ عبدالإله العرفج مؤلف الكتاب لا يؤيد دعاء ختم القرآن بهذه الكيفية , فأما العلماء الذين أباحوا دعاء ختم القرآن فهم ابن باز والشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان وقال الشيخ ابن باز مستدلا لمشروعيته ” لم يزل السلف يختمون القرآن ويقرؤون دعاء الختمة في صلاة رمضان ولا نعلم نزاعا بينهم _طبعا الإمام مالك كان يخالف في ذلك كما يقول المؤلف _ ويواصل الشيخ ابن باز :وهكذا كان مشائخنا مع تحريهم للسنة وعنايتهم بها يفعلون ذلك تلقاه آخرهم عن أولهم ولا يخفى على أئمة الدعوى ممن يتحرى السنة ويحرص عليها ” والعلماء المحرمين لها هم الشيخ بكر أبوزيد والشيخ الألباني بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يفعلونها ولو كان خيرا لسبقونا إليه وهي تغيير في هيئة الصلاة وليس عليه دليل و أما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فكان رأيه غير مفهوم لا لي ولا للمؤلف فهو يقر بأن دعاء الختم ليس له أصل عن النبي صلى الله عليه ولا صحابته ويقر بأن الصلاة لا يشرع فيها إحداث دعاء في محل لم ترد به السنة , لكن الشيخ لا يطلق عليها اسم بدعة ؟ لماذا ؟ لأن علماء السنة اختلفوا فيها ! _طبعا مسألة المولد النبوي ومسألة ليلة النصف من شعبان ومسألة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها مسائل اختلف فيها لكن الشيخ يطلق عليها البدعة حتى في المسائل السابقة أقصد عشاء الوالدين وتكرار العمرة فهي مختلف فيها _

ويقارن المؤلف بين دعاء ختم القرآن وفضل ليلة النصف من شعبان ففضل ليلة النصف من شعبان مشهور عن تابعي الشام رحمهم الله وقد استندوا على أحاديث كثيرة في فضلها لا يخلو كل منها من مقال إلا أن بعضها يقوي بعض فقال الألباني رحمه الله  عن حديث فضل ليلة النصف من شعبان “وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطريق صحيح بلا ريب ” ففضل ليلة النصف من شعبان شابهت دعاء ختم القرآن بأنها من فعل تابعي الشام وزادت عليها بوجود حديث وأما دعاء ختم القرآن فهو من فعل أهل مكة وليس فيها أية حديث حتى ولو كان ضعيفا , لكن مع ذلك حرم العلماء المضيقون لمعنى البدعة صيام أو قيام ليلة النصف من شعبان فحرمها ابن باز وابن عثيمين و الشيخ عبدالله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان وكما يقول المؤلف :ومهما بحث عن فرق بين أحكام دعاء ختم القرآن في رمضان و التكبير بعد سورة الضحى _وهي مسألة ذكرها_ وفضلة ليلة النصف من شعبان فلن تجد سببا للتفريق في أحكامها غير الإلف والعادة .

المسألة الخامسة : بدء المحافل الخطابية بقراءة القرآن الكريم , فقد جرت العادة في هذه الأزمنة أن تبدأ كثير من الاجتماعات الرسمية بقراءة آيات من كتاب الله العزيز وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته إذ أنهم كانوا إذا اجتمعوا لأمر ما أو جاءتهم الوفود فكان إما أن يدعوهم للإسلام صلى الله عليه وسلم وكانت الوفود تقول شعرها وخطبها وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن شماس وشاعره حسان بن ثابت يردون عليهم . فهذه مسألة محدثة قام مقتضاها وانتفت موانعها في عصر السلف ولم يفعلوها فدل على أنها بدعة إذ لو كانت خيرا لسبقونا إليه . وبذلك أفتى الشيخ بكر أبوزيد والشيخ عبدالرزاق عفيفي وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقد توسط فرأى أنها ليست سنة والأفضل ألا تفعل ولكن يجوز فعله من حين إلى آخر ومن العلماء المجيزين لها الشيخ صالح الفوزان والشيخ الألباني .

المسألة السادسة تقبيل المصحف الشريف : فقد حكم ببدعية تقبيل المصحف الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله بحجة أنه لم يرد عن الصحابة , وأفتت اللجنة الدائمة بأنه ليس محرما ولكنه لا يحث عليه وأما الشيخ صالح الفوزان قال أن تقبيل المصحف لا أصل ولكن من فعله من باب الاحترام والتعظيم فهو مأجور على نيته والشيخ ابن باز ففضل عدم تقبيله لكنه يفتي بجوازه , وفي المسألة رواية عن عكرمة بن أبي جهل وكان الإمام أحمد يحتج بها في جواز تقبيل المصحف .

المسألة السابعة والثامنة: اتخاذ محاريب للمساجد و رسم خطوط على سجاد المساجد لتنظيم الصفوف : فقد رأى الكثيرين من المضيقين لمعنى البدعة بإباحة هذا الفعل وحكم الشيخ الألباني رحمه الله ببدعيتهما لأنهما لم تردان عن السلف مع قيام مقتضاهما وانتفاء موانعهما فلو كان خيرا لسبقونا إليه .

مسألة المولد النبوي : ما الفرق بين تحري يوم 12 من ربيع الأول للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم و بين تحري أسبوع معين يقام فيه التعريف بالشيخ محمد عبدالوهاب ؟ وقد أباح ابن عثيمين الثانية وحرم الله رحمه الله , ويقول المؤلف في الحقيقة أن إقامة مولد النبي صلى الله عليه وسلم عبادة وهي عبادة لا أصل لها كما هي عبادة دعاء ختم القرآن وعبادة افتتاح المحافل بقراءة آيات من القرآن الكريم وكذلك عبادة احتفالات تكريم حفظة القرآن الكريم وكذلك محدثة إقامة مسابقات لحفظ كتاب الله وسنة رسول الله ومحدثة عشاء الوالدين ومحدثة تخصيص خطب الجمعة للحديث عن الحوادث الماضية فهذه كلها لا أصل لها واختلف فيها العلماء المضيقون لمعنى البدعة , وكما يقول المؤلف إن الذبح في عشاء الوالدين_و صلاة القيام في رمضان_التي لا أصل لها عن الصحابة فإن عمر رضي الله عنه كان يجمع الناس على صلاة واحدة ولا يقسمها إلى قسمين لذلك حرمها الشيخ الألباني بصورتها الموجودة عندنا الآن التي تحدث في رمضان  _ فيقول المؤلف أن الذبح و الصلاة عبادتان توقيفيتان و أما الاجتماع ليلة المولد النبوي في مجرد اجتماع لتدارس السيرة النبوية والحث على اتباع صاحبها صلى الله عليه وسلم والأصل في الاجتماعات الإباحة و الأصل في العبادات الحرمة فأيهم أقرب للتحريم عشاء الوالدين والقيام أم المولد النبوي ؟! وبعض من يحرم المولد النبوي يقول أنه من تخصيص الزمان بعبادة معينة وفي الحقيقة ليس فيه تخصيص فإن تدارس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها الناس طوال السنة في اجتماعات متفرقة وفي محاضرات مختلفة ومن بين هذه المواضع ليلة الثاني عشر من ربيع الأول .

الخلاصة :

الكتاب عظيم و أعتقد أن على كل فرد سعودي _بالذات _ أن يقرأه لأنه يقدم معلومات جديدة ومناقشات جديدة كانت مخفية عن الكثيرين منا , المقصود من الكتاب عموما ليس مناقشة الأقوال وأيهم الصحيح والخاطئ فالمؤلف لا يطمح إلى ذلك ولكن كان يطمح إلى تعريف الناس بأنكم كما تساهلتهم فيمن أفتى بإباحة دعاء ختم القرآن و عشاء الوالدين وتقبيل المصحف وابتداء المحافل بقراءة القرآن مع وجود علماء آخرين يفتون بتبديع هذه الأفعال فلماذا إذا لا تتسامحون مع يفتي بجواز المولد النبوي ويرى فضل ليلة النصف من شعبان وقد قال بها علماء أجلاء لهم فضلهم وقدرهم ؟! والكتاب يؤكد على شيء آخر أن قاعدة كل أمر قام مقتضاه وانتفت موانعه ولم يفعله السلف فهو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه قاعدة لا يمكن ضبطها حتى أن أصحابها اختلفوا فيها كثيرا فقد يبيح أحدهم الفعل لأنه موافق للقاعدة ويحرمه الآخر لأنه مخالف لها هذا فضلا على أنه ليس لها دليل يعضدها , ومن الأشياء التي استفدتها من الكتاب معرفتي أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله كان يرى أن غسل السكين التي يذبح بها واللحم المذبوح بدعة لأنه لم يأت عن السلف ..فانظروا إلى أين قد توصلنا هذه القاعدة .

 

Advertisements