اسم الكتاب :موت الإنسان

اسم الكاتب :عبدالرزاق الدواي

اسم الدار الطابعة : دار الطليعة

عدد الصفحات : 200 صفحة .

 

مقدمة

لا أحد يشك أننا نعيش في زمن ترتفع فيه أصوات الفلاسفات السوداوية والتشاؤمية في ساحة العقل على بقية الفلسفات , وأن زمن الحداثة الذي كان يشرأب عنقه إلى النظر إلى المستقبل الذي سيحقق النعيم يواجه أزمة حقيقية وكما كما تقول حنة أرندت واصفة القرن العشرين: لم تعد المسألة التي تشغلنا ماذا سيكون المستقبل ..بل صارت المسألة :هل سيكون هناك حقا مستقبل ؟! ” وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا سيقدم الكاتب عبدالرزاق الداوي دراسة عن فلسفة “موت الإنسان” في الفلسفة الغربية المعاصرة ويعرض بشكل مفصل إلى ثلاثة فلاسفة ممن دعوا إلى “موت الإنسان” أو بالأصح موت النزعة الإنسانية , والكاتب عبدالرزاق الدواي لم يعرف لنا النزعة الإنسانية إلا في آخر الكتاب وكان حقها أن تكون في المقدمة حتى يعلم القارئ عما يتحدث الكاتب والفلاسفة الذين يناقشهم , ولذلك سنذكر تعريف النزعة الإنسانية في بداية القراءة ونقول أن النزعة الإنسانية لم تظهر بهذا المصطلح في أوربا إلا في بداية القرن التاسع عشر وكان هدف من استخدمها وقد كان عالما للتربية الدلالة على نظام تعليمي تربوي جديد يقترحه ويهدف إلى تكوين الناشئة عن طريق الثقافة والآداب القديمة وبالأخص الإغريقية واليونانية وذلك لغاية تلقين الناشئة مثلا أعلى في السلوك والمعرفة من شأنه أن يعلي من قيمة الإنسان ومكانته .

وبشكل عام فإن كلمة النزعة الإنسانية اكتسبت في أواخر القرن التاسع عشر وتحديدا في من سنة 1887 معنى تاريخيا أكثر تحديدا بحيث صارت تدل على ذلك التيار الفكري والثقافي العامل والشامل الذي شمل ميادين الفنون والآداب والفلسفة والذي انطلق في البداية من إيطاليا في عصر النهضة ليعم بعد ذلك كثيرا من البلاد الأوربية خلال القرن الخامس عشر والسادس عشر . ونعلم أن ذلك التيار قد تحول إلى نوع من الثورة الثقافية تميزت أساسا بالاهتمام الكبير بدراسة اللغات والآداب القديمة وإحياء التراث الأدبي والفني الإغريقي والروماني وفي هذا الحقل الدلالي الجديد أضحت عبارة المفكر الإنساني تدل على ذلك الباحث الولع والشغوف بتحقيق التراث القديم وإحيائه وذلك الفنان الذي تحفزه في عمله رغبة البحث عن نموذج الكمال للإنسان والمصلح والداعية الذي ينشد الشيء نفسه على المستوى الأخلاقي والسياسي .

يقول عبدالرزاق الدواي فالنزعة الإنسانية بهذا المعنى هي أول نسق إيدولوجي يكون محوره الإنسان عبرت من خلاله الطبقة البرجوازية الصاعدة عن استعدادها للثورة على تقاليد العصور الوسطى التي كانت تعطي الأهمية الأساسية للحق الإلهي ومحاكم التفتيش وتظلم من خلاله الإنسان , إن إعلان الإستقلال في الثورة الأمريكية _هذه مني وليست من الكاتب _ وإعلان حقوق الإنسان في الثورة الفرنسية إنما كان امتدادا لهذه النزعة الإنسانية و تتويجا عمليا لها بأن أصبح الإنسان هو المحور للتفكير الفلسفي و إن الرغبة في إسعاده وتحقيق الرفاهية له _كما أتى بالدستور الأمريكي _ من الحقوق الأساسية للإنسان , وأهم عناصر النزعة الإنسانية هي الاهتمام بالإنسان كفرد والاهتمام بكل ما يثبت ذاته ويعيد إليه الثقة بقدراته ويغني حياته وشخصيته وفكره , قبل النزعة الإنسانية كانت هنالك أصوات مختلفة من فلاسفة مختلفين يدعون إلى أن يتخذ من الإنسان موقف إيجابي ويكون محور البحث تحقيق السعادة له لكنها كانت كلها مواقف فردية ولم تأت على بال أولئك الفلاسفة إلا كمشروع طوباوي ولم يكن إطارا متناسقا للتعبير عن مطالب وطموحات , وباختصار إن النزعة الإنسانية هي : كل نظرية أو فلسفة تتخذ من الإنسان محورا لتفكيرها وغايتها وقيمتها العليا .

تفكيك النزعة الإنسانية

يقول عبدالرزاق الدواي بأنه ازدهرت في فرنسا في الستينيات تيارات فكرية وفلسفية تهاجم النزعة الانسانية ربما بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الفلسفة , لقد تكاثرت تلك التيارات و عملت في حقول معرفية مختلفة وأخذت أشكال وألوان متعددة وكان القاسم المشترك بينها في نظر عبدالرازق الدواي هو هيمنة روح التفكيك ,تفكيك العقل والعقلانية والمبادئ والقيم والمعنى والدلالات والأهداف والغايات والتاريخ , وبعبارة جامعة تفكيك الإنسان وعالمه الثقافي .

وممن ساهم في محاولة القتل الفلسفي للنزعة الإنسانية هي البنيوية التي كما يرى عبدالرازق الدواي انطلقت من نظرية عامة عن البنيات _البنى_ تذهب إلى أن بالإمكان تطبيقها على جميع مستويات الواقع البشري واضمحلت في تلك العلوم تدريجيا فكرة الإحالة إلى الإنسان كذات واعية وفاعلة لتحل محلها فكرة الإحالة إلى الانساق اللاشعورية وإلى لعبة الاختلافات والفروق داخل اللغة . لقد أصبح إنسان الفلسفة شبحا مزعجا بالنسبة للعلوم التي طبقت المنهج البنيوي فارتأت التخلي عنه نهائيا وفضلت عليه ذاتا أخرى نكرة ومجهولة وأصبحت توصف بأنها قاهرة ومهيمنة مثل : اللاشعور وما يرادفه و بدل الذات المتكلمة تم تفضيل اللغة كنسق مقفل ومكتف ٍ بذاته وبدل الإنسان المنتج أصبح هنالك نسق الانتاج وبدل الإنسان الواعي والفاعل والمسؤول أصبح هنالك الخطاب الغامض للاشعور وبدل الإنسان العالم والباحث أصبح هنالك المعرفة كسياق بدون ذات فنرى الاستغناء عن الانسان , لقد قيل في البنيوية إن البنى اللاشعورية هي التي تحدد بكيفية مسبقة وظيفة الفرد في المجتمع وتختفي وراء الأقنعة والشخصيات التي يتقمصها وخلف ما يعتقد _أي الفرد_ أنه من عمله أو من اكتشافه أو إبداعه .ويرى عبدالرازق الدواي أن المادية الجديدة كانت من إنتاج البنيوية التي أرجعت الإنسان إلى مجرد كائن طبيعي وقضت على كل ما يعتقد أنه يميزه وأنه من خصائصه فقد جردته من الوعي ومن التفكير ومن القدرة على الفعل والمبادرة وأرجعتها إلى “البنيات – البنى” التي تتشكل منها البنيوية .

يتوقف الكاتب _وإن كان توقفا ليس طويلا_ عند نيتشه ويعرض فكرته لنقد النزعة الإنسانية فيقول :يتأسس النقد النيتشوي على نقد النزعة الإنسانية باعتبار أنها ميتافيزيقا و أن الميتافيزيقا بدورها عبارة عن أخلاق تصطنع قيما مزيفة للواقع ومتعالية عليه أي قيم مثالية تهدف إلى إخفاء وطمس مظاهر حقيقة الوجود القاسية التي تذهل الإنسان وتفزعه , ونيتشه كان ينتقد الميتافيزيقا من مستويين مختلفتين الأول أن الميتافيزيقا تزيف ٌصارخ ومقصود للوجود فهي تصورات زائفة عن العالم وعن الحياة وعن طبيعة الواقع وتضفي على هذا الواقع أوهام الذات واستيهاماتها وترقى بقيم العقل والمنطق وبالمعايير الأخلاقية المحفزة للحياة والوجود إلى مرتبة محمولات جوهرية والغاية من ذلك كله إخفاء صيرورة الواقع والتعتيم على تناقضاته .

والمرتبة الثانية : فهو يتبع النقد الجينالوجي الذي يعني تتبع مراحل نشأة وتطور القيم والمعايير الميتافزيقية بالإحالة دائما إلى الشروط الوجودية والمصلحية المنتجة لها ..ولعل الفكرة الناظمة لهذا الضرب من النقد والتفكيك تتلخص في أن “جميع الظواهر عبارة عن تأويلات ولا توجد هناك على الإطلاق أية ظاهرة بحد ذاتها ” ومن منظور هذه الرؤية أن جميع الأشياء والحقائق والماهيات ليست لها حدود إلا تلك التي يضعها الفيلسوف نفسه , وبهذا الرؤية تصبح الحقيقة والحياة والقيم و الأخلاق تفقد جميع صفاتها ومحمولاتها العقلية والمنطقية لتصبح برمتها ليست سوى مجرد رهان داخل لعبة صراع الإرادات على الأرض ..

مارتن هايدجر :

يعتبر مارتن هايدجر من أهم فلاسفة القرن العشرين وأحد الملهمين للفلسفة الوجودية وتتميز لغته الفلسفية بالصعوبة والغموض لصعوبة و تعقيد المواضيع التي يتناولها هيدجر , يقول عبدالرازق الداوي إن فلسفة هايدجر تدعي أنها ميلاد جديد للفلسفة و تحاول إحياء التساؤل المنسي عن معنى الوجود وأنها تريد صرف النظر عن فلسفة الذات وعن الأسئلة التقليدية لتلك الإشكالية : ماذا بإمكاني أن أعرف ؟ ماذا يتوجب علي أن أفعل ؟ وفي ما أستطيع أن آمل ؟ وما هو الإنسان ؟ وذلك حتى تتفرغ وتنقطع هذه الفلسفة إلى التأمل في حقيقة الوجود , وأما موقف هايدجر من النزعة الإنسانية فهو يعرفها أولا بقوله : النزعة الإنسانية هي ذلك التأويل الفلسفي للإنسان الذي يفسر ويقيم كلية الموجود انطلاقا من الإنسان وفي اتجاه الإنسان ” ويرى هايدجر أن سبب ضعف الفلسفة هو الاهتمام بالإنسان و الميتافزيقيا وطبعا عنده هو يجعل النزعة الانسانية جزء من الميتافزيقيا , يقول هايدجر إن عمر الإنسان الحديث لا يكاد أن يتجاوز ثلاثة قرون ويقصد إن الميلاد الفلسفي للإنسان باعتباره ذاتا , يتزامن مع ذلك الحدث الفكري الذي ارتقى بالإنسان من مجرد كائن _من جملة كائنات_ إلى ذاتٍ وسط الموجودات والموضوعات وجعل منه مقياسا لكل شيء وصانعا للمعايير والقيم لقد أصبح الإنسان ذاتا مفكرة وواعية عندما صار يمنح الوجود للأشياء من خلال تفكيره فيها وتمثيله لها , وهايدجر يلوم ديكارت لأنه من وجهة نظره أن من ديكارت بدأ هذا التصور للإنسان ولأن ديكارت أقر بالذاتية كمبدأ وكأساس لكل موجود وللوعي الذاتي كحكم وحيد على الحقيقة لقد ساهمت فلسفة ديكارت في وضع الإنسان في مركز الكون وبالتالي ساهمت في تغير نظرته للأشياء وللوجود . السؤال الذي يطرحه عبدالرازق الداوي هل لفلسفة هايدجر التي تقول عن نفسها بأنها أساسية أية قيم عملية يتوجب على الإنسان الاهتداء بها في سلوكه وأفعاله ؟ هل فيها مكان لقرار حاسم يمكن للإنسان أن يلتزم به في حياته ويتحمل وفقا له على عاتقه مسؤولية وجودع في العالم مع الآخرين ؟ يجيب هايدجر بنفسه على هذا التساؤل بقوله : لا يجب علينا أن ننتظر من الفكر الذي يريد أن يكون ذاكرة للوجود أية توجيهات صالحة للاستعمال في الحياة العملية وذلك لأن هذا الفكر ليس نظريا ولا عمليا بل هو فقط فكر للوجود وفي الوجود ..و لا شيء آخر , ولا ينشد الأثر أو النتيجة ولا يمكن أن يكون له امتدادات أخلاقية ” ..يقول عبدالرازق الداوي معلقا : في عبارة مختصرة تفكيك هايدجر يعني نسف الجسور الرابطة بين الفكر والعمل فعصر فكر الوجود _الهايدجري_ يعلن بأن وظيفة إنتاج وصياغة المبادئ الأولى لقيادة وتنظيم الفعل البشري قد استنفدت طاقاتها وأضحت تدور في حلقة مفرغة وبذلك تكون فلسفة هايدجر قد وضعت حدا لكل بحث نظري عن مبادئ وعن أسس للفعل البشري وعملت على تصدع كل خطاب حول الأخلاق والسياسة والممارسات البشرية بصفة عامة لقد حرمت الفعل من كل دعم نظري ..وهايدجر يعترف بأن مجرد طرح سؤال ما العمل ؟ حتى لو طرح عليه بعد الانتهاء من تفكيك النزعة الإنسانية والميتافزيقا كاف لوحده لإثارة الاضطراب في فكر يأبى أن يكون ميتافزيقا ويرفض أن يكون لهذا السؤال أية صلة بالعلم .

إن فلسفة هايدجر كما يرى عبدالرازق الداوي فلسفة عدمية وكما عبر المفكر هابرماس عن فكرة مفادها أنه مهما بلغ مدى اختراق هاديجر للميتافزيقا فهو حتما لا يصل إلا إلى الفراغ , و يبدو أن هايدجر نفسه كان يعلم بالمصير القاسي الذي سيصل إليه الإنسان من خلال فلسفته فهو نفسه يقول “سأواصل التفكير بما هو ضروري دون أن أشغل بالي بمعرفة ما إذا كان سينجم عن ذلك ثقافة أم أن أبحاثي ستعجل بالانهيار والدمار ”

كلود ليفي شتراوس :

تكمن أهمية ليفي شتراوس أنه أول من طبق المنهج البنيوي اللساني على الأنثروبولوجيا ويقول شتراوس واصفا البنيوية :تقترح البنيوية على العلوم الانسانية نموذجا ابستلموجيا هو من التماسك والقوة بحيث لا يمكن مقارنته بالنماذج التي توفرت , إنها تكشف أن وراء الأشياء وحدة وترابطا لا يمكن أن يظهرها مجرد من وصف الوقائع المعروضة أمام أنظار المعرفة في حالة تشتت وفوضى ..إنها تأخذ بعين الاعتبار وراء الوقائع التجريبية العلاقات التي تجمعها , تسجل وتحقق كون تلك العلاقات هي أكثر بساطة , وقابلة للتعقل من الأشياء التي تربطها ذاتها , تلك الأشياء التي تظل طبيعتها النهائية مجهولة ولكن بدون أن تشكل هذه العتمة المؤقتة أو الدائمة حاجزا أمام تأويلها , ويقول عبدالرزاق الداوي تكونت لدى شتراوس نظرية مفادها أن نظام الثقافة يماثل نظام اللغة وحسب هذه الفرضية التي تؤسس الانثربولوجيا البنيوية فإن جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية يمكن أن تعتبر كلغات أي كأنساق من العلامات للتواصل , وسيكون مفهوم التواصل هو المعبر الذي سيسمح بنقل النموذج اللساني إلى العلوم الإنسانية , وبما أن التواصل سواء كان بواسطة اللغة أو من خلال الظواهر الاجتماعية والثقافية يتم بالرموز فإن التقارب المراد إثباته بين اللسانيات والانثربولوجيا البنيوية يجد مبررا قويا ذلك لأن كلا من هذين الفرعين المعرفيين يندرج في علم آخر وأشمل منهما هو السيمولوجيا الذي يهتم بوظيفة العلامات داخل الحياة الاجتماعية .أحد الإشكاليات التي أخذ شتراوس على عاتقه حلها هو العلاقة بين الطبيعة والثقافة فقد تأكد عند ليفي شتراوس كما يقول عبدالرازق الداوي اعتقاد راسخ بأن البحث حول أنساق الثقافة البشرية هي السعي إلى اكتشاف مبادئ كلية وضرورية تخص كيفية عمل العقل البشري ولا يمكن تحقيق ذلك عند شتراوس بالاقتصار فقط على تحليل الظواهر بدون مساءلة الطبيعة عنها إذ أن ما يتصف بالضرورة والشمولية لابد أن تمتد جذوره عمقا في الطبيعة ذاتها وهذا ما يؤدي بالضرورة إلى إثارة مشكلة العلاقة بين الثقافة والطبيعة , ويعرف شتراوس الطبيعة والثقافة فيقول “إن الطبيعة هي ما نتوارثه من الجانب البيولوجي ..بينما الثقافة على العكس من ذلك كل ما نكتسبه ونستمده من التقاليد الخارجية ” ويحاول أن يجيب شتراوس على سؤال كيف تحقق الانتقال من النظام الطبيعة إلى النظام الثقافة عند الإنسان ؟ في بداياته شتراوس كان يعتقد أن ظهور اللغة المنطوقة هو ذلك الحد الفاصل لكنه لم يعد موقنا من ذلك بعد أن كشفت دراسات حديثة أن التواصل عن طريق الرموز ليس محصورا على الإنسان وحده , ويقول عبدالرازق الداوي لقد أصبح من المرجح أن شتراوس قد عدل عن القول بالتعارض بين الطبيعة والثقافة وأصبح يتبنى التفسير الطبيعي للثقافة وأن الثقافة أقامت حاجزا عن نظام الطبيعية كجهاز دفاعي ولتجاهل الخيوط التي تشدها في العمق إلى باقي المظاهر الأخرى للحياة , فليست هنالك بين الطبيعة والثقافة قطيعة جذرية وبالإمكان تصور رد الثانية إلى الأولى وهذا ما تطمح إليه البنيوية . إن مطمح الانثربولوجيا البنيوية يتمثل في إرجاع مظاهر التعدد والتنوع في الثقافة البشرية إلى مجموعة محددة من الإمكانيات اللاشعورية الضرورية التي عن طريق تركيباتها وتحويلاتها تنشأ جميع الأشكال ولعله مطمح كبير بدون شك ولكن يبدو أن عند ليفي شتراوس ما يبرره ويدعمه بالتأكيد فإذا كان صحيحا أن جميع أشكال الثقافة البشرية على الرغم من تنوعها واختلافها قادرة على أن تتواصل مع بعضها فهذا لا يفسر إلا بأمر واحد وهو أن جميع الثقافات البشرية تشترك في بنية أساسية تسمح لها بذلك وهي بنية العقل البشري الذي أنتجها , إن ليفي شتراوس يسلم للعقل البشرية هوية ثابتة تلازمه في كل زمان ومكان . وشتراوس يرفض كل تفسير تكويني وتطوري للعقل البشري , فكل تفسير يتأسس صراحة أو ضمنا على فرضية أن العقل يتقدم وينمو تدريجيا عبر التاريخ ويكشف باستمرار كيفيات جديدة وأصيلة لإدراك الواقع وتمثله والتعبير عنه وينمي بالتالي قدرات كان يمتلكها منذ البداية ..إن شتراوس يؤكد على أن العقل البشري باعتباره أساسا بنية صورية وعلائقية لاشعورية لا ينمو ولا يتطور وهو يحافظ على هويته باستمرار ويفعل ويؤثر في كل العصور بالكيفية نفسها فعند شتراوس كما يقول الداوي أنهم لم يحققوا أي تقدم على مستوى العقل وقدراته فهم لا يزالون على ما كانوا عليه منذ البداية ولا يختلفون عن ذلك إلا فيما هو عرضي وسطحي وحتى هذا الاختلاف الظاهري ليس مصدره طبيعة العقل نفسه بل المضامين المختلفة التي يضعها أمام العقل تاريخ احتمالي كان بالإمكان ألا يحدث مطلقا . وكذلك التاريخ عند شتراوس ليس سوى تراكيب وتحويلات لنماذج لاشعورية ثابتة تنزع عن الممارسات والأفعال البشرية كل صفات المبادرة والإبداع والمسؤولية .

ويواصل عبدالرازق الداوي حديثه فيقول إن الانثربولوجيا البنيوية تغض الطرف عمدا عن الإنسان كذات لها كيان واقعي يملك مقومات الوعي والإرادة والقدرة النسبية على المبادرة والإبداع , فالذات كقوام لتلك الصفات ما هي إلا “طفل الفلسفة المدلل” الذي طالما حال دون القيام بأي عمل جدي لرغبته المستمرة بالاستئثار وحده بكل اهتمام على حد تعبير شتراوس , ويختم عبدالرازق الداوي تصوره عن الانثربولوجيا البنيوية بقوله أية قارئ سيفهم أن شتراوس يدين ما يسمى بالتقدم ويدعو إلى الميل من تملص المسؤوليات الراهنة ونشدان العزاء هناك ..بعيدا عن الحاضر والمستقبل ..في الماضي السحيق حيث البساطة والتواضع يسودان الحياة الاجتماعية للبشر ..ونظرة شتراوس سلبية إلى محاولة الفهم باعتبار أنها مضيعة للوقت والجهد لأن المعنى لا وجود له وننقل ما قاله شتراوس نفسه “ماذا تعلمت بالفعل من الأساتذة الذين أنصت إليهم وإلى الفلاسفة الذي قرأت لهم ومن المجتمعات التي رأيتها ومن هذا العلم ذاته الذي يستمد منه الغرب زهوه وافتخاره ؟ ماذا تعلمت غير شذرات من الدروس إذا ما ضمت إلى بعضها أعادت من جديد ما يقوله الحكيم البوذي :إن كل جهد يبذل من أجل الفهم يحطم الموضوع الأول للاهتمام ويقودنا إلى موضوع ثان يتطلب بدوره مجهودا آخر يلغيه من أجل موضوع ثالث ..وهكذا دواليك حتى ننتهي إلى ذلك الحضور الجديد الخالد حيث ينعدم التمييز بين المعنى وغياب المعنى وتلك بالذات هي نقطة انطلاقنا الأولى , لقد اكتشف البشر هذه الحقيقة منذ 2500 سنة ومنذ ذلك الحين وبعدما طرقت جميع السبل والمسالك لم نتوصل إلا إلى براهين إضافية تؤكد النتيجة نفسها التي طالما حاولنا تجاهلها ” هذه هي النهاية التي تصل إليها الأنثروبولوجيا البنيوية ..لا شيء غير الفراغ والشقاء .

الخاتمة :

الكتاب ممتاز رغم أنه مرهق إلى حد ما , تتبع فلسفة هايدجر وكلود ليفي شتراوس وفوكو في كتاب واحد يحتاج إلى إعمال ذهني كبير حتى تستوعب فلسفتهم فضلا على نقدها ورؤية ما الذي تريد أن تصل إليه , الأمر الذي يجب أن نتنبه إليه أن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا يتحدثون في التجريد بل لآرائهم صدى في مواقفهم السياسية فهايدجر وقف مع النازية _وإن كان البعض يناقش ذلك _ وأما ميشيل فوكو فقد شكى مرة إدوارد سعيد _وقد كان بينهم لقاءات_ أن فوكو لم يتخذ موقف سياسيا من القضية الفلسطينية , إن فلسفة موت الإنسان ليست مجرد حديث في عالم الأفكار بل لها تداعياتها السياسية فكل الاستحقاقات التي تطالب بها الشعوب المضطهدة إنما هي منتجات النزعة الإنسانية _حقوق الإنسان , المواثيق الدولية , حق تقرير المصير , حق الشعوب في المشاركة في الحكم ..الخ_ وفلسفة موت الإنسان تقول صراحة إلى عبثية هذه المنتجات ورغم أننا نقول أنها تستخدم بطريقة انتقائية لكن لا ننفي الأسس الصحيحة التي قامت عليها , وكما يقول عبدالرزاق الدواي إن التخلي عن النزعة الإنسانية لا تعني فقط كما يروج بطيب نية التخلي عن الإنسان ككيان ميتافزيقي وكأسطورة فلسفية لم تستطع الصمود أمام اكتشافات العلم , ذلك أن التخلي عن النزعة الإنسانية تنحرف عندما تصبح مرتعا لليأس والخواطر العدمية فتعود تعني أيضا الاستخفاف بكل شيء وبالتالي التخلي عن البشر الواقعيين الذين يوجدون اليوم في حالة حرمان من العدالة ومن الحرية مسلوبين من كل قدرة على اتخاذ قرار يهم مصيرهم .

 

 

Advertisements