اسم الكتاب : البنيوية وما بعدها

اسم المؤلف : مجموعة مؤلفين

اسم المترجم : محمد عصفور

عدد الصفحات :207

مقدمة

قبل أن نعرض للكتاب نقول إن الكتاب عبارة عن مقالات كُتبت عن خمسة من المفكرين الفرنسيين وهم كلود ليفي شتراوس و رولان بارت و ميشيل فوكو وجاك لاكان و جاك دريدا

وفي الحقيقة إن عنوان الكتاب محير إذ أن المحرر رغم أن عنوان كتابه هو “البنيوية وما بعدها” إلا أنه لم يعرض تعريفا للبنيوية وإن كان تكلم عن أصولها قبل ليفي شتراوس لدى فليسوف اللغة دي سوسير لذلك إن كان المحرر هو من اختار عنوان الكتاب فقد أخطا و إن كان المترجم من اختاره فقد حرف وارتكب جرما بتحريفه , واستعنت بالدكتور عبدالله الغذامي لأعرف البنيوية فهو يقول في كتابه الأهم الخطيئة والتكفير إن البنيوية تربط النص في رباط ممتد من العلاقات المتداخلة , ويعرفها بياجيه فيقول إن “البنية” تنشأ من خلال تداخل “وحدات” تتقمص أساسيات ثلاثة هي : الشمولية و التحول و التحكم الذاتي , فالشمولية تعني التماسك الداخلي للوحدة بحيث تصبح كاملة في ذاتها لا تشكيلا لعناصر مختلفة وإنما هي خلية تنبض بقوانينها الخاصة التي تشكل طبيعتها  وطبيعة مكوناتها الجوهرية وهذا المكونات تجتمع لتعطي في مجموعها خصائص أكثر وأشمل من مجموع ما هو في كل واحدة منها على حدة , ولذا فالبنية تختلف عن الحاصل الكلي للجميع لأن كل مكون من مكوناتها لا يحمل نفس الخصائص إلا في داخل هذه الوحدة , وهنا نصل إلى العنصر الثاني وهو “التحول” فالبنية ليست ثابتة وإنما هي دائمة التحول وتظل تولد في داخلها بنى دائمة التوثب وهذا التحول يحدث نتيجة “تحكم ذاتي” _العنصر الثالث_ من داخل البنية فهي لا تحتاج إلى سلطان خارجي لتحريكها , وهنا ننتهي من كلام عبدالله الغذامي لنعود إلى “جون ستوك” ليقول لنا إن البنيوية ليست مذهب يمكن اعتناقه بل هي منهج يتم استخدامه فالبنيوية ليست مثل الوجودية أو البراجماتية أو الشيوعية يتم بها إلباس معتنقها مبادئ معينة أو أسلوب حياة معين بل البنيوية منهج بحث يتناول بها الباحث المعطيات التي تنتمي إلى حقل معين من حقول المعرفة بطريقة “بنيوية” , ثم يتحدث جون ستووك عن سبب حديثه عن هؤلاء المفكرين الخمسة وهم بلا شك أحد أبرز المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين لكن هذا ليس كافيا فأسماء هؤلاء الخمسة ارتبطت بـ البنيوية وإن كان خمستهم يرفض أن يطلق على نفسه لقب “بنيوي” ماعدا ليفي شتراوس , وسنجد ببساطة أن هؤلاء الخمسة بينهم من أسباب الاختلاف الكثير فلم يجمعهم مشروع فكري واحد ولا حتى حقل معرفي واحد فقد كانوا متفرقين في حقول معرفية مختلفة ولكن يجمعهم عدة أمور من بينها أنهم كلهم يستخدمون مصطلح الرمز وتكثيف مفهومه كجزء أساسي في تحليلهم  وهو مفهوم طوره سوسير وكل فلاسفتنا الخمسة مدينون لسوسير بل يقول الكاتب جون ستووك إنه بدون فرضية سوسير أن “اللغة للكل وليست جوهرا” وتعني أن اللغة تتكون العلاقات القائمة بين عناصر في نظام يشترط كل منها وجود الآخر وليس بين جواهر كل منها مستقل بذاته , بدون هذه الفرضية لم يكن عمل ليفي شتراوس أو رولان بارت أو البقية أن يكون ممكنا , ومما فعله هؤلاء الخمسة هو تدعيم أهمية الدال على حساب أهمية المدلول فالدال هو ما نستطيع الثقة به لأنه مادي أما المدلول فيبقى مسألة فيها نظر .

 

كلود ليفي شتراوس :

لم يحظى عالم أنثربولوجيا بشهرة أعظم مما حظي بها شتراوس وأيضا لا يكاد أحد علماء الانثروبولوجيا اضطلع بمشروع أصعب من مشروع شتراوس وفي الحقيقة إن شهرته وصعوبة مشروعه نبعت من منابع مشتركة إلى حدٍ ما فهي تتعلق بضخامة مشروعه الفكري وميل ذلك المشروع إلى البحث في ذاته والطبيعة الشعرية التي كثيرا ما يكتنفها الغموض لفكرة وأسلوب كتابته , لقد كانت مشكلة الانثروبولوجيا القديمة هي إشكالية التفريق بين الطبيعة البشرية وبين الظاهرة الثقافية فهل عندما يذهب عالم انثروبولوجي لدراسة طقوس قوم بدائي هل هذه الطقوس طبيعة بشرية عامة لكل البشر وتطورت وأصبحت تتمظهر بأشكال مختلفة عن هذا الطقس ..أم أن هذا الطقس مجرد ظاهرة ثقافية يختص بها هذا القوم , إن مكانة ليفي شتراوس أنه لم يقم مقابلة بين الطبيعة البشرية والتنوع الثقافي بوصفيهما فكرتين متعارضتين بل حاول أن يبين أن فكرة الطبيعة البشرية تقف خلف فكرة التنوع الثقافي بوصفها بنية موحدة مجردة تتحكم بالتنويعات المجسدة الخاضعة للملاحظة وهذه الفكرة الصعبة اضطرته أن يستخدم كل الأدوات البنيوية التي ورثها عن سوسير ويطورها ليستطيع إثبات صحة هذه النظرية , ومن أهم ما قدمه شيتراوس هو دراسته للأساطير فأهمية الأسطورة تكمن أنه في غالبية الظواهر الثقافية كالتكنولوجيا أو التنظيم السياسي إلى أنواع من الضوابط الايكولوجية و الاجتماعية , وأما الأساطير فإنها لا تخضع إلى ذلك باعتبارها قصص تنتقل بالرواية الشفهية وتختارها ثقافة من الثقافات وتتداولها لذلك فإن الأساطير يجب أن تعطينا نظرة بالغة النفاذ في طليعة العمل العفوي للذهن البشري , وقد درس شتراوس ما يزيد على ثماني مية أسطورة من أساطير هنود أمريكا وكما كبيرا من آخر المعلومات الاثنغورافية ودرسها , والأسطورة كما هو واضح من هدف شتراوس من دراستها تخفي خلفها حقيقة في الطبيعة البشرية ويحاول شتراوس أن يجلوها , أحد هذه الأساطير تقول : كان هنالك صبي يتيم وهو صياد ماهر كأبيه يعيش مع جدته في طرف القرية وقد رأته ابنة زعيم القرية ووقعت في حبه وتمنت في نفسها أن يتشجع في تصرفاته معها ويقول لها شيئا أو يتودد لها وكان ما يزال يافعا بعد فلم يوجه لها كلمة واحدة وهي لم تجرؤ على الكلام وبعد وقت طويل أمضته في هذا الشوق الممض وقعت فريسة وماتت وكوموا التراب على قبرها حتى لا يتسرب منه شيء , قرر الزعيم الذي برح به الحزن مغادرة القرية مع سكان القرية كلهم إلى مكان يبعد مسيرة عدة أيام لكن الصبي اليتيم لم يرغب في الذهاب خوفا من ألا يكون الصيد بالجودة نفسها هنا فاستأذن من الزعيم ليبقى ..وفي أحد المرات يطارد صيده الجريح ومر ببيت الزعيم فرأى شبح ابنة الزعيم التي قالت له : مت بسبب تصرفاتي لكن شبحي لم يذهب بعيدا حيث يذهب الأموات أرجوك ساعدني ..هذه المرة ” وقالت إنه لابد لكي يعيدها للحياة من أن يخضع لامتحان يجب عليه أن يمضي أربع ليال في بيت الزعيم وفي كل ليلة عليه أن يقاوم النوم برواية القصص أمام نار عارمة وإذا ما شعر بالنعاس فإنه سيشعر بشيء يحس وكأن شيئا يزحف على جسده ولكن ما يزحف ليس الحشرات ويجب ألا يمد يده ليحك الجزء الذي يحكه قطعيا …ونجح اليتيم في الامتحان وتركته الأشباح التي كانت تعذبه واستطاع أن يعيد الفتاة إلى الحياة وأن يصطحبها إلى البيت ويتزوجها .

درج دارسو الأسطورة قبل ليفي شتراوس على أن يقولوا أن الأحداث يتبع بعضها بعضا دون أن تتبع الحادثة الأخرى أي أن العلاقة السببية ضعيفة فالكثير من التفاصيل يبدو أنها غير ضرورية لبناء الأسطورة , لكن شتراوس يعارض هذا الرأي بقوله إن الأسطورة تحمل من البنية أكثر مما فيها من أحداث التتابع وهناك نظام من المطابقات بين عناصر الأسطورة إضافة إلى ما فيها من تتابع زمني .

يقول شتراوس أن الأسطورة تخبرنا عن صبي يتيم وابنة زعيم فهم يقفون على طرفي نقيض من السلم الاجتماعي لكن من الناحية الأخرى الفتاة عاجزة عن التعبير عن مشاعرها وضعيفة فهي تفتقر إلى صفة الحياة الأساسية بعكس الفتى الذي هو صياد خارق أي أنه يرتبط بعلاقات متميزة مع العالم الطبيعي وعالم الحيوانات , فنظام الأسطورة إذا هو نظام تقابلي يتشكل من فردين ذكر وأنثى كل منهما متميز من حيث أن يتفوق في الجانب الذي يفتقر إليه الآخر ..ثم تموت الفتاة ميتة طبيعية ويموت الفتى موتا اجتماعيا _أهل القرية يغادرون وهو يبقى وحيدا_ وينعكس موقعهما بحيث تصبح الفتاة أدنى في قبرها والفتى أعلى في بيته , فتلك الفتاة التي لم تستطع الحياة لم تتمكن من الموت فشبحها يبقى على الأرض . فهذا التحليل الشتراوسي للأسطورة يحاول أن يتعاطى مع كل عناصر الأسطورة ولا يكتفي بذلك بل شيتراوس يصر على أن الاسطورة لا يجب أن تحلل بمفردها بل يجب أن تحلل بوصفها جزءا من مجموعة أساطير مترابطة .

 

رولان بارت :

من بين أشياء كثيرة مثيرة حول بارت أنه دائم الحركة دائب التجول بين النظريات الفكرية فكل كتاب جديد ينشره هو بشكل واضح تجاوز لأفكاره القديمة وليس تعزيزا لأفكاره القديمة ,  وبارت يبدو أنه مستعد لفعل المستحيل حتى لا يحتويه تعريف فهو يقول في كتاب سيرته الذاتية الذي كتبه بضمير الغائب”إنه لا يحتمل أن تتشكل له صورة ويتعذب لدى ذكر اسمه ..” نقد بارت يقوم على أمرين أساسين وبسببها كان ينتقد “النقد الأكاديمي” فـ أول هذه الأسس التي ينطلق منها بارت هي : أن النقد الأكاديمي نقد ساذج يؤمن بالحتمية في مفاهيمه النفسية وعمل المشتغلون به وفي أذهانهم نموذج للشخصيات الأنسانية جعلت مكتشفات التحليل النفسي نموذجا باليا ,فبارت وهنا كانت بنيويته كان ينادي بـ “موت المؤلف” ويرى أن العمل الأدبي يجب أن يُفهم في المحل الأول من حيث العلاقات التي ترتبط بها مع عناصر أخرى في ذلك العمل ويجب ألا تفسير من خلال سياق يقع على خارج الأدب تماما , وحتى إن الاعتقاد أن المشاكل النفسية التي يعاني منها الكتاب تمثلت في الرواية كلام ساذج فإن الرغبة والعاطفة الجامحة والاحباط قد تؤدي إلى تمثيلات مناقضة لها تماما فقد يعكس الدافع الحقيقي ليتخذ شكل المبرر الذي يناقضه وقد يتخذ العمل شكل الحلم الذي يعوض عن الحياة السلبية , والأس الثاني من أسس بارت النقدية أن الرمز مفتوح لعدة تفسيرات وليس محصورا لتفسير واحد ويقول إن النقد الأكاديمي وقع في “العمى الرمزي” فهو يقع في معنى واحد للرمز وذلك الرمز في العادة حرفي جدا ويعدون أية أحد يبحث عن معنى آخر هو مضيعة للوقت , أما بارت فيقول إن هنالك إمكانية لتعايش معان مختلفة ضمن مجموعة الكلمة ذاتها وأمام الرمز ذاته ويعتقد أنه كلما كثرت المعاني التي يضمها النص كان ذلك أفضل , ويقول إن المعنى هو الذي يتخلل النص وليس هو ذلك الكشف النهائي الذي لا نحصل عليه إلا إذا انهينا قراءة ذلك النص ,ويقول بارت إن مهمة الناقد ليست هي العناية بالنتائج التي يستنبطها من التعاطي مع النص بل مهمته هي العناية بالنظام الذي انتجه لا بالدلالة بل بطريقة الدلالة فالناقد يريدنا أن نفهم كيف دل النص إلى هذا المعنى .

 

ميشيل فوكو :

يبين الكاتب قبل عرضه لفكر ميشيل فوكو تلك الصعوبة التي تحيط بالنقد لعرض أراء هذا الفيسلوف فـ فوكو بعيدا عن البلاغة و الغموض التي تتسم بها فإن فوكو سيج كتابته بطبيعة شائكة من جمله التي لا تنتهي وجمله الاعتراضية وتكرارته وجمعه للمختلفات ومناوبته بين المقاطع التحليل وتلك التي تخللها الروح الغنائية ومزجه للمصطلحات العلمية والأسطورية فهذه الأمور في نظر الكاتب لم تحصل بطيب نية أو _سوء تعبير _ من فوكو بل كان فوكو لديه غرض ايدولوجي أيضا وهو حجب خطابه عن أي تناول نقدي يقوم على مبادئ ايدولوجية تختلف عن مبادئه .

أحد أهم المصطلحات التي روج لها فوكو هي مصطلح “الخطاب” ويبدو أن مشروعه الفكري كله يبحث في هذا الموضوع وأمكنة تواجده و الكشف عن خيوطه واستعين بـ هيثم سرحان _من خارج الكتاب_ لأعرف الخطاب عند فوكو فهيثم سرحان يقول: فالخطاب يرتبط مع ميشيل فوكو بسجلات المجتمعات وأنظمتها ومعارفها وشرائعها ومواقفها وبهذا المعنى فإن الخطاب ليس عنصرا شفافا أو محايدا كما يراد أن يعتقد علاوة على عدم القدرة على اختزاله إلى بنية واضحة , فكما يقول فوكو الخطاب ليس ((ما يترجم الصرعات أو أنظمة السيطرة , لكنه ما نُصارع من أجله , وما يجسد ذاتا جمعية تسعى إلى إحراز موقع في الوجود والعالم والثقافة ضمن صراع معرفي يقوم على الإبعاد المستند إلى دعامة مؤسسية مدعومة اجتماعيا ومعرفيا وايدولوجيا و لوجستيا ))

والجانب الفعال في الخطاب عند فوكو كما في كل شيء يشمل دائما الرغبة والقوة ولكن على الخطاب أن يتجاهل امتداد جذوره فيهما إذا ما كان لأهداف الرغبة والقوة أن تتحقق , والخطاب شأنه شأن الرغبة والقوة ينكشف في كل مجتمع ضمن سياق الضوابط الخارجية التي تظهر على هئية قواعد استبعادد قواعد تقرر ما يمكن أن يقال وما لا يمكن أن يقال ومن له حق الكلام خول موضوع ما وأي الأفعال يمكن اعتبارها معقولة و أيها حمقاء وماذا يمكن عده صحيحا وماذا يمكن عده خاطئا وتحدد هذه القواعد شروط وجود الخطاب بطرق مختلفة كلما اختلفت الأزمة والأمكنة , وقوة الخطاب مستمدة من قدرة الخطاب في تفاعل الكلمات الحر على الكشف عن عشوائية أية قاعدة أو معيار حتى تلك التي يقوم عليها المجتمع بكل ما فيه من قواعد للاستبعاد والترتيب الهرمي وقد أخذ فوكو على عاتقه أن يفضح الجانب الخفي من كل تشكيل خطاب يدعي إرادة الوصول إلى الحقيقة وذلك من أجل تحرير الخطاب من هذه الضوابط ولفتح مصراعيه لمشروع قول أي شيء يمكن أن يقال وبكل الطرق الممكنة قوله بها , ولذلك يدرس فوكو الجنون والحضارة ومولد العيادة وسعت كتبه هذه إلى تبيين أن التمييز بين الجنون والصحة العقلية والمرض والصحة الجسدية والحق والباطل كلها من مظاهر نمط الخطاب السائد في مراكز القوى الاجتماعية في الحقب المختلفة , وفي نظر فوكو أن ما جعل الإنسان الغربي يتقدم للتوصل إلى المعرفة لم يكن تطورا تقدميا نحو الاستنارة بقدر ما كان نتاج تفاعل لا نهاية له بين الرغبة والقوة ضمن نظام الاستبعاد الذي جعل أنواع مختلفة من المجتمع الممكنة .

 

الخلاصة :

الكتاب رائع سواء لمن كان يعرف هؤلاء الكتاب أو لا يعرفهم لأنه يعرض أفكارهم العامة والمنطلقات التي ينطلقون منها ويبعد عن الاسهاب الذي لا طائل منه أو دعم نظريات هؤلاء المفكرين بالأدلة بل قصد الكاتب بالدرجة الأولى هو أن يبين أفكارهم ويعرض جوانب القصور في نظريتهم .

Advertisements