اسم الكتاب : روح الحداثة

اسم المؤلف : طه عبدالرحمن

اسم الدار الطابعة : المركز الثقافي العربي

عدد الصفحات 275

مقدمة

من أبرز الشخصيات الفكرية الإسلامية و أكثرها رصانة في نقد الحداثة و طموحا لبناء مشروع إسلامي مستقل عن تجربة الحداثة الغربية هو الكاتب المغربي “طه عبدالرحمن” , و الرجل في الحقيقة يبذل مجهودا كبير لمحاولة تقديم مقاربة إسلامية لـ “روح الحداثة” و يحرص بشكل أساسي ألا ينساق خلف تطبيقات الحداثة الغربية , وكتاب “المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية ” هو يصب في هذا الاتجاه.

 ينطلق “طه عبدالرحمن” أولا من وصف الحالة الفكرية العربية بأنها مكدسة بـ “التقليد” و تعاني من جفاف في “الإبداع” , فهنالك نوعان من أنواع المقلدين يسميهم طه عبدالرحمن “مقلدة المتقدمين” و “مقلدة المتأخرين” فأما مقلدة المتقديمن فيتعاطون إسقاط المفاهيم الإسلامية التقليدية كـ “الشورى” و مفهوم ” الأمة” ويسقطونها على المفاهيم الغربية الحديثة كـ “الديمقراطية” و “الدولة” ويقول طه عبدالرحمن أن المشكلة التي يقع فيها هؤلاء هي أنهم بهذه الإسقاطات يتوسلون بخطاب يريدون أن تكون له صيغة عملية توجيهية ويقعون من حيث لا يشعرون في شراك الوعظ المباشر وهكذا يصيرون على التدريج إلى رد المفاهيم المنقولة “كالديمقراطية” إلى المفاهيم المأصولة  “كالشورى” فينتهون بمحو خصوصية المفاهيم المنقولة و تفقد المفاهيم المنقولة قيمتها وجدواها التي أسست لأجلها , والنوع الآخر من المقلدين الذين ينتقدهم طه عبدالرحمن هم “مقلدة المتأخرين” فهم عكس الفئة الأولى فيتعاطون إسقاط المفاهيم الغربية الحديثة على المفاهيم الإسلامية المأصولة كـ “العلمانية ” و مفهوم “القطيعة” على مفهوم ” العلم بالدنيا – أنتم أعلم بأمور دنياكم ” و مفهوم “الجب – الإسلام يجب _يقطع_ ما قبله ” ومفهوم “الحرب الدينية” على مفهوم “الفتح” ويتوسلون بهذا الخطاب أن تكون له صياغة عقلية استدلالية لكنهم يتعثرون على خلاف ما يظنون في القيام بشروطها وهكذا يصيرون على التدريج إلى رد المفاهيم المأصولة إلى المفاهيم المنقولة فينتهون بمحو خصوصية المفاهيم المأصولة كما انتهى من سبقهم إلى محو خصوية المفاهيم المنقولة .

ليست حداثة واحدة

يدعي طه عبدالرحمن أن الحداثة الغربية ليست حداثة واحدة في الحقيقة وإنما هي عدة “حداثات” مختلفة وكثيرة فهناك الاختلاف باعتبار الأقطار “حداثة فرنسية ” و “حداثة ألمانية ” و “حداثة بريطانية ” و حداثة “أمريكية” وهناك اختلاف باعتبار المجالات فهناك “حداثة سياسية ” و “حداثة اقتصادية” و “حداثة تاريخية” ونحوها , ومن هذا المبدأ يجد طه عبدالرحمن أن إيجاد “حداثة إسلامية” حق مشروع بل هو أمر مطلوب ويذهب إلى أبعد من ذلك ويقول أنه بما أن الحداثة تقدم المنافع والخيرات للإنسان فلا يمكن ألا يكون هذا الجزء النافع منها في الحقيقة الإسلامية , ويتواضع طه عبدالرحمن _في لفتة قل وجودها في العادة لدى المفكرين _فيقول أن مقاربته للحداثة الإسلامية هنا مجرد مقاربة لواحد من الأشكال الممكنة التي يجوز أن تتخذها الحداثة الإسلامية فكما أن الحداثة الغربية اتخذت أشكالا مختلفة فكذلك قد تتخذ الحداثة الإسلامية .

مبادئ الحداثة

بعد أن عرض طه عبدالرحمن عدة تعاريف للحداثة يقول أنها تحاول أن تبالغ وتهول مفهوم الحداثة إلى الحد الذي يجعل منها كائن أسطوري أو نوع من الالهة والمفارقة أن هذه التعاريف بحد ذاتها ليست “حداثية” لأن الحداثة أتت لتحارب الأساطير , ثم يقول طه عبدالرحمن لنفهم الحداثة يجب أن نفرق بين أمرين ” روح الحداثة” و “واقع الحداثة” فأما روح الحداثة فهي تتكون من ثلاثة مبادئ في نظره مبدأ الرشد ومبدأ النقد ومبدأ الشمول .

فمقتضى مبدأ الرشد أن الأصل في الحداثة ه الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد , والمراد بالقصور هنا هو كما ورد في إجابة كانط عن سؤال “ما هي الأنوار ؟  ” فقال ” إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه. قصور عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير، قصور هو نفسه مسؤول عنه” فإذا القصور باختصار هي اختيار التبعية للغير , فمبدأ الرشد يحارب التبعية مهما اختلفت أشكالها فهو يحارب التبعية الاتباعية حيث يسلم القاصر قياده طواعية لغيره و مبدأ التبعية الاستنساخية حيث يختار القاصر بمحض إرادته أن ينقل طرائق ونتائج تفكير غيره وينزلها بصورتها الأصلية على واقعه وأفقه , والتبعية الآلية حيث يسلم القاصر من لا حيث لا يشعر إلى تقليد غيره في مناهج تفكيره ونتائجه لشدة تماهيه مع هذا الغير .

فمبدأ الرشد له ركنان : الأول هو الاستقلال و الثاني هو الإبداع .

المبدأ الثاني الذي يعتبره طه عبدالرحمن من مبادئ روح الحداثة هو مبدأ “النقد” ومقتضى هذا المبدأ هو أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد والمراد بـ “الاعتقاد” هنا هو التسليم بالشيء من غير وجود دليل عليه ومقابله هو الانتقاد فيكون حده هو “المطالبة بالدليل على الشيء كي يحصل التسليم به ” ويقوم مبدأ النقد على ركنين ” العقلنة – التعقل ” والمقصود هو إخضاع ظواهر العالم ومؤسساته وسلوكات الإنسان ومورثات التاريخ كلها لمبادئ العقلانية مع العلم أن هذه الأخيرة تقوم على الحساب والتنؤ والتجريب والتقنين والتطبيق . والركن الثاني هو “التفصيل – التفريق ” والمراد بالتفصيل هنا نقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير بحيث تتحول عناصر المشابهة إلى عناصر متباينة وذلك من أجل ضبط آليات كل عنصر منها وتميزت الحداثة بهذا التفريق في مختلف المؤسسات وأشكال الحياة الجماعية والفردية كالتفصيل في ميدان المعرفة بين دوائر العلوم والقانون والأخلاق والفنون .

والمبدأ الأخير من مبادئ روح الحداثة كما يرى طه عبدالرحمن هو مبدأ الشمول والمقصود بهذا المبدأ هو الإخراج من حال التخصص إلى حال الشمول . وهذا المبدأ هو الآخر يقوم على ركنين اثنين : التوسع فلا تنحصر أفعال الحداثة على مجال أو مجالات بعينها بل إنها تنفذ في كل مجالات الحياة و مستويات السلوك فتؤثر في مجالات الفكر والعلم والدين والأخلاق والقانون والسياسة . والركن الثاني : التعميم : لا تبقى الحداثة حبيسة المجتمع الذي نشأت فيه بل إن منتجاتها تكون في عالية التقنية وقيمتها التي تدعو بقوة إلى تحرير الإنسان ترتحل إلى ما سواه من المجتمعات أيا كانت الفروق التاريخية والثقافية بين الطرفين .

 

يرى طه عبدالرحمن أن للحداثة الإسلامية شروط أهمها أنها ليست نقلا لتطبيق الغرب لروح الحداثة فكثير من الأمم الحديثة لم تطبق روح الحداثة بل طبقت “تطبيق” الغرب لروح الحداثة فهو يدعو إلى تطبيق “الأصل” وهو روح الحداثة , وطه عبدالرحمن جوهر نظريته وأساسها محاولة إثبات أن هنالك اختلاف بين روح الحداثة وتطبيقها وأن الحداثة الغربية إنما هي أجد أشكال التطبيق لروح الحداثة وبهذا الطريقة يتوصل إلى عديد من الاستنتاجات منها أن الحداثة ليست اختراع الغرب و أنها ليست التطبيق الوحيد الممكن لها بل أن التطبيق الغربي خاص بالغرب و أيضا واستواء الأمم في الانتساب إلى روح الحداثة .

آفات الحداثات ..العولمة كمثال

ينتقل طه عبدالرحمن بعدما حاول تأسيس مقاربته للتطبيق الإسلامي لروح الحداثة إلى عرض هذه المقاربة بالتفصيل ويعرض بعض التطبيقات الإسلامية الممكنة لروح الحداثة و يقارنها بالتطبيق الغربي لروح الحداثة ويتحدث عن الأخطاء التي وقع فيها التطبيق الغربي , فيتكلم أولا عن مبدأ “النقد” الذي هو المبدأ الثاني لروح الحداثة وهذا المبدأ يتكون من ركنين ركن “التعقيل” و ركن “التفصيل ” فأما التطبيق الغربي لروح الحداثة يجعل من التعقيل تعيل أداتيا أي تعقيل مضيقا في حين أن التطبيق الإسلامي يجعل منه تعقيل موسعا كما أن التطبيق الغربي للتفصيل يجعله تفصيلا جوهريا أو بنيويا _أي تفصيلا مطلقا_ في حين أن تطبيقه الإسلامي يجعل منه تفصيلا وظيفيا _أي تفصيلا موجها _ حيث تختلف الوظيفة باختلاف السياق .

يتحدث طه عبدالرحمن عن العولمة باعتبارها أحد انتاجات روح الحداثة و عن مساوئ التطبيق الغربي لروح الحداثة لأنها استخدم التعقيل المضيق و كيف يتلافها التطبيق الإسلامي باستخدام التعقيل الموسع , فيقول أولا إن العولمة هي تعقيل العالم ما يجعله يتحول إلى مجال واحد من العلاقات بين المجتمعات والأفراد عن طريق تحقيق سيطرات ثلاث : سيطرة الاقتصاد في حقل التنمية وسيطرة التقنية في حقل العلم وسيطرة الشبكة في حقل الاتصال .

فالتطبيق الغربي لروح الحداثة اقتضى أن يكون الاقتصاد هو النمو الاقتصادي والاستثمار لا يأت إلا بخير وأن تزايد عدد الأغنياء سيقلل من أعداد الفقراء و أن الاستثمار سيخلق فرص عمل جديدة و أطلقت العولمة يد الشركات الكبرى وبدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتطبيق هذه السياسة ويقول طه عبدالرحمن أن اتباع هذه السياسة في مجال التنمية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى علاقات المصلحة المادية الخالصة فإذا غدت هذه الشركات الكبرى العابرة للدول والقارات هي من يتكفل بالتنمية في هذه الأوطان فإنها لن تعمل إلا بمبدأ السوق بلا قيد والتنافس بلا شرط والربح بلا حد في سياق عالمي لا وجود لمجتمع مدني ولا لمؤسسات ذات سلطة بإمكانها أن توقف هذا التسيب الاقتصادي .فالتنمية في التطبيق الغربي إنما الزيادة المادية .

ثانيا سيطرة التقنية ي مجال العلم والإخلال بمبدأ العمل : يقول طه عبدالرحمن أن مفهوم التقنية يقابل مفهوم النظرية و معروف أن الإطار الذي ترد فيه النظريات هو الذي اختص بالعلم ووجه التقابل بين التقنية والعلم هو أن الأولى تعد معرفة مطبقة والثاني يعد معرفة مجردة ولما كانت التقنية تطبيقا للعلم لزم أن تكون تابعة لأغراضه فتكون له الأسبقية عليها لكن هذه التصور التقليدي لم يعد موجودا في سياق نظام التعقيل العولمي من جهتين :

الأولى أن العلاقة بينهما أصبحت في تداخل قوي تأخذ التقنية بزمامه فبعد أن كانت التقنية وسيلة في يد العلم صار العلم وسيلة في يدها تزوده بآفاق جديدة في البحث تستنطبها من خصائصها الاستعمالية ونتائجها التحويلية كما توجهه بحسب الحاجيات الاستهلاكية التي تحددها السوق العالمية أو بحسب المشاريع التجارية التي تضعها كبريات الشركات المتحكمة في هذا السوق .

الثانية : أن المعرفة التقنية توسعت ولم تعد تتضمن دراسات الآلات والأدوات بل تتولى دراسة السياق الصناعي والاجتماعي والثقافي الذي يتم فيه تطبيقها رابطة بين التقدم التقني وبين تطور البنيات الاجتماعية وتفاعلها مع بيئتها الطبيعية , وأدى هذا الهوس بالتقنية إلى تزايد الاكتشافات بشكل خطير كالاكتشافات في مجال الهندسة الوراثية أو الكيمياء البيولوجية .

ويقول طه عبدالرحمن أن طبيعة مفهوم التقنية صارت أن تكون طبيعة العلاقات بمجملها “تحسيب وتجريب” وإنما هي علاقة إجراءات والفعل الإجرائي إنما هو فعل آلي أي فعل نتحكم في مدخله ومخرجه دون النظر إلى فائدته أو خطره , بينما مبدأ “العمل” يأخذ بمقصد الشيء قبل أن يباشر التحكم فيه ويجمع بين مقتضى التحكم ومقتضى الحكمة وهذا فرط فيه التعقل الغربي للعولمة .

السيطرة الثالثة للتعقيل الغربي للعولمة هي سيطرة الشبكة في حقل الاتصال والإخلال بمبدأ التواصل :يدعي طه عبدالرحمن أن “الانترنت” لم يجعل العلاقة بين أهل الأرض في التقارب المتصور ولا الحميمة المطلوبة رغم انخراطهم كلهم في شبكة عالمية واحدة وتبادلهم المعلومات فإنه يقول إن الذي تنقله الشبكة ليس إلا مضمونات يتلقاها المتلقي أو يُلقي بها الملتقي في شكل إشارات ضوئية متوالية نسميها “معلومات” بحيث لا يحصل التفاعل بين هذين المصدرين الآدميين _الملقي و المتلقي _ بقدر ما يحصل مع الآلات التي تنقلها .

الثاني : أن هذه المعلومات تسبح في بحر من الإعلانات حتى اقترن اسم الإعلام بالإعلان وأصبحت المعلومات ليست أكثر من معلومات معلنة .

درء آفات العولمة : يلاحظ طه عبدالرحمن أن الأزمة الأخلاقية التي أحدثتها العولمة تلاها بالفعل وعي أخلاقي خاص وتجلى هذا الوعي في مظاهر شتى منها تقوية تدريس مواد الأخلاق وإعداد كراسي لها في المعاهد والجامعات وعقد مؤتمرات والمناظرات حول الإشكاليات الأخلاقية الناشئة عن العولمة .

لدرء هذه الآفات يطرح طه عبدالرحمن ثلاثة شروط لابد أن تحصلها هذه الأخلاق :

الأول : أن تكون الأخلاق مستمدة من خارج هذا النظام _نظام العولمة الغربي _ وإلا اقتدر على احتوائها وتحويلها لخدمة مشاريعه .

الثاني : أن يكون مصدرها أقوى من مصدر هذا النظام حتى يحصل الانقياد لها حتى تتمكن من التأثير فيه وتوجيهه .

الثالث : أن تكون أخلاقا كونية لا محلية حتى توافق مقتضى هذا النظام الذي هو إيجاد مجتمع كوني واحد .

يطرح طه عبدالرحمن تصوره لمعالجة آفات العولمة كما يقول عبر التصور الإسلامي لها فيقول إن العولمة ليست مجالا واحدا من العلاقات مع إطلاق مدلول “العلاقة ” كما يتصور أرباب العولمة وإنما هو مجال واحد من العلاقات مع تقييدها بالأخلاق أي أن العالم هو مجال علاقي أخلاقي .ويكون تعريف العولمة في إطارها الإسلامي هي أنها السعي إلى تعقيل العالم ما يجعله يتحول إلى مجال واحد من العلاقات الأخلاقية.

ويقرر طه عبدالرحمن مبادئ إسلامية لمعالجة آفات الحداثة فكما يقول في معالجة الأزمة الأخلاقية الناشئة من سيطرة الاقتصاد نضع مبدأ ابتغاء الفضل : فهو يقول يحصل الارتقاء من رتبة التنمية إلى رتبة التزكية بفضل مبدأ تعاملي أساسي يقره التعقيل الإسلامي وهو مبدأ ابتغاء الفضل ويمكن أن نصوغه في العبارة التالية : إن التنمية الصالحة لا تكون إلا بتكامل المقوم الاقتصادي مع المقومات الأخرى للتنمية مع دوام الاتصال الروحي , ومبدأ ابتغاء الفضل يحقق هذه الغاية من حيث اشتقاقه من “الفضيلة” ودلالته على الخير فإن “الفضل” ليس هو الخير المادي أو الخير الصرف بل هو الخير الذي تتحقق به الفضيلة ماديا أو معنويا .

أما درء الآفة الثانية المترتبة على سيطرة التقنية وأدت إلى الإخلال بمبدأ العمل يقول طه عبدالرحمن من أجل أن نرتقي من الإجراءات التي هي مجرد أعمال تقنية إلى رتبة “الأعمال” التي هي عبارة عن أفعال أخلاقية فنضع مبدأ الاعتبار : الذي هو لا يكون العلم نافعا إلا بالنظر في حكمة الشيء قبل سببه وفي مآله قبل حاله .

فهذا المبدأ يدعو إلى النظر في حكمة العلم و النظر في مآله وإلى أين سيوصلنا قبل تطبيقه فيقول طه عبدالرحمن هذا المبدأ يقرر ألا نندفع في تطبيقات العلوم إلا بالقدر الذي يعود بالنفع على الناس على خلاف ما نراه في حاضر الاجراءات التقنية حتى أضحى راسخا في العقول أن الخير كله في العلم والتقنية .

وأما الآفة الثالثة التي هي آفة الإخلال بمبدأ التواصل التي اقترنت بسيطرة الشبكة في مجال الاتصال فنعالجها بوضع مبدأ “التعارف” فيحصل الارتقاء من رتبة المعلومات إلى رتبة المعروفات بمبدأ تواصل جوهري ينبني عليه التعقيل الإسلامي وهو مبدأ التعارف ونصوغه في العبارة التالية :أن التواصل السليم لا يكون إلا بكلام طيب من متكلمين بعضهم أكرم من بعض .

فهذا المبدأ يقرر أنه لا تعارف بغير معروف والمعروف هو الخير فلا بد للمعلومة المنقولة أن يكون فيها معروفا أي خيرا للمتلقي , وأنه لا تعارف بغير اعتراف فلا بد للمتلقي حينما يحصل له معروف من قبل الملقي اقتضى أن يبادله بمعروف مثله .

خاتمة : قدرة طه عبدالرحمن ممتازة في التنظير لكنه حينما أراد أن يطبق مقاربته للحداثة الإسلامية قلت هذه القدرة بشكل ملحوظ و تبدى عوارها فمثلا معالجة مشاكل العولمة بصنع المبادئ الثلاث هذه تكاد تكون مستحيلة بدون سلطة للدولة وحينها ستكون الدول شمولية وهي من يحدد ما هو نافع من المعلومات وما هو ضار و كيف تكون التجارة ابتغاء للفضل أو التبحر في المجالات العلمية بما يناسب هواها وطاقتها وسياستها ففي النهاية أهم الاكتشافات التقنية العلمية لم تُكتشف تحت إدارة الدولة بل اكتشفت من خلال أشخاص مستقلين كبيتل قيتس وستيفن جوبز , , والنقطة الأخرى أن طه عبدالرحمن وكثير من المفكرين العرب الذين يسعون إلى “الإبداع” مصابين بفوبيا تقليد الغرب في منتجاته الفكرية ويجب أن نتساءل هل المشكلات وبالذات المشكلات المتعلقة بالسلطة والحكم هل هي مقاربة لمشكلاتنا أم لا ؟ فإن كانت مثل مشكلاتنا وابتكر لها الغرب حلولا وهي الديمقراطية لماذا لا نأخذ بها ؟ ففي النهاية المشكلة واحدة وهي كالمرض وعلاجه يكون واحدا فليس لأن فلان ينتمي إلى ثقافة مختلفة لا يُعالج بهذا العلاج , والنقطة الأخرى ما الذي يجعل هؤلاء المفكرين يعتقدون أن تقاربنا الثقافي إلى ماضينا أكبر من تقاربنا إلى مجتمعات أخرى تعيش في زماننا ؟ وهذا كله يتحدد من نوعية المشكلة التي تواجه المجتمع العربي إن كانت مشابهة لمشكلة واجهت الغرب زمنا فالأصل في أمور الإنسان أنها مثل الجسد البشري ما صلح هناك يصلح هنا ,لا يمكننا نكران طموح المشروع الذي يحاول طرحه طه عبدالرحمن لكن ربما كان طموحا اكثر من أن يتحقق في هذه الحياة الدنيا

 

Advertisements