اسم لكتاب : المثقف والسلطة

اسم الكاتب : إداورد سعيد

اسم المترجم :محمد عناني

اسم دار النشر :رؤية

عدد الصفحات :208

من هو المثقف ؟

ترى من هو المثقف ؟ و ما هو دوره الذي يجب أن يضطلع به في الحياة ؟ وما هي علاقة المثقف بالسلطة وهل هو امتداد لها أم مضاد لها ؟ وأهم من ذلك ما هي طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون بين المثقف والمجتمع ؟ هل يمكن أن يتخلص المثقف أدوات التفكير التي تبنتها ثقافته وهل لغته التي يتحدث بها تستحمل أن يكون “كونيا” أم أنه مهما كان مشهورا فلن يغادر محدودية لغته التي يتحدث بها ؟ المثقف كلمة تستحث الكثير من الأسئلة وتشعل الكثير من الدراسات و من المثير أن “المثقف” لا يمكن أن يتحدث عنه إلا “مثقف” مثله , وهذا النوع من النقد الداخلي مهم ولكنه في النهاية سيكون محصورا في نظرة “مثقف” معين عن شخصية “المثقف” فهو سيدور بباله أشخاص معينين يريد إسقاطهم و يريد إبراز مبادئ “ثقافية” هو يتبناها فهذه أكبر سلبية ستواجهها في أية دراسة تتناول “المثقف” , لكن كما قلت لا يوجد أحد يستطيع تشريح “المثقف” إلا المثقف ذاته لأنه هو من اعتاد على تشريح الظواهر الاجتماعية و إعادة تفسير الحالات الفكرية في الحياة ..ولم يعلم “المثقف” نفسه أنه سيأتي يوما ما وسيكون هو بذاته “ظاهرة اجتماعية” تستحق الدراسة ككل الظواهر التي ما فتئ يدرسها ويحللها ويحاول أن يفهمها ..هنا إدوارد سعيد يتحدث عبر إذاعة “بي بي سي” وفي سلسلتها الشهيرة “محاضرات ريث” و من الجميل قراءة ما يذكره إداورد سعيد حينما تم اختياره لإلقاء المحاضرات ما واجهها من ارتفاع عدد من الأصوات المتشنجة والعنصرية التي كانت ترفض أن يقدم هذا الشخص الذي يدافع عن “الارهابيين” و يطالب بحقوق الفلسطينيين ويهاجم إسرائيل بأن يكون له منبر ليتحدث به .

 

من هو المثقف :

هل المثقفون أو المفكرون فئة بالغة الكثرة أم فئة بالغة الضآلة ولا تضم إلا عددا محدودا من النخبة و المنتقين بعناية شديدة ؟ في الحقيقة أن هنالك تعريفان متضادان للمثقف و هل من أهم التعريفات في القرن العشرين , التعريف الأول لـ المناضل الإيطالي والفيلسوف السياسي الذي ألقاه موسوليني في السجن أنطونيو جرامشي يقول في تعريفه للمثقف ((إن جميع الناس مفكرون , ومن نستطيع أن نقول ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس ..)) وهذا التعريف مقارب لرأي عبدالوهاب المسيري الذي يرى أن الكل مثقف ومفكر و أن الإنسان بطبعه كائن مفكر , لكن لنكمل ونرى ما هي وظيفة المفكر التي يقصدها غرامشي ؟ غرامشي كان يقسم هذه الوظيفة التي يقوم بها المثقف في المجتمع إلى نوعين : الأولى يضم المثقفين التقليدين مثل المعلمين والكهنة والإداريين وهم الذين يستمرون في أداء ذلك العمل نفسه جيلا بعد جيل , والثاني يسميهم المثقفين المنسقين وكان جرامشي يرى أنهم مرتبطون مباشرة بالطبقات أو المشروعات التي تستخدم المثقفين في تنظيم مصالحها و اكتساب المزيد من السلطة والمزيد من الرقابة , ويقول جرامشي عن المثقف المنسق :وهكذا فإن “منظم العمل” الرأسمالي يأتي إلى جانبه بالفني الصناعي وبالمتخصص في الاقتصاد السياسي وبمن يتولون تنظيم ثقافة جديدة ووضع نظام قانوني جديد . ووفقا لما يقوله غرامشي يصبح خبير الإعلانات أو خبير العلاقات العامة في أيامنا هذه _أي من يتولى ابتكار السبل الفنية الكفيلة بترويج أحد المنظفات أو الترويج لمبيعات إحدى شركات الطيران _ من المثقفين المنسقين فهو في المجتمع الديمقراطي يحاول الفوز بالرضا من جانب من يمكن أن يصبحوا زبائن ويحاول الحصول على الموافقة وحشد الرأي العام لدى المستهلكين أو الناخبين , وكان جرامشي يعتقد أن المثقفين المنسقين يشاركون مشاركة إيجابية في النشاط الاجتماعي بمعنى أنهم يناضلون دائما في سبيل تغيير الأفكار والأراء وتوسيع الأسواق وهكذا فعلى العكس من المعلمين والكهنة الذي يظلون فيما يبدو دائما في مكانهم ويقومون بالعمل نفسه عاما بعد عام , فيتميز المثقفون المنسقون بالحركة الدائمة والانتاج الدائب الذي لا يتوقف .

وفي الجانب الآخر نجد تعريف جوليان بندا فهو يعرف المثقفين باعتبارهم عصبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة ذوي المواهب النادرة والفائقة و الأخلاق الرفيعة الذين يشكلون ضمير البشرية , وإذا كان صحيحا أن الدراسة التي كتبها بندا بعنوان “خيانة المثقفين” قد تناقلتها الأجيال باعتبارها هجوما لاذعا على المثقفين الذين يتخلون عن رسالتهم ويفرطون في مبادئهم أكثر من كونها تحليلا علميا للحياة الثقافية , فإن بندا يذكر في الواقع عددا محدودا من الأسماء والخصائص الرئيسية للذين يعتبرهم مثقفين حقيقين , فتتردد الإشارة كثيرا إلى سقراط والمسيح عليه السلام كما تتردد الإشارة إلى الأمثلة الأقرب عهدا مثل فولتير و سبينوزا , وهو يقول إن المثقفين الحقيقين يشكلون طبقة العلماء أو المتعلمين بالغي الندرة حقا لأن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق و العدل , وهو يقول إن المثقفين الحقيقين هم الذين ((لا يتمثل جوهر نشاطهم في محاولة تحقيق أهداف عملية أي جميع الذين ينشدون المتعة في ممارسة أحد الفنون أو العلوم أو التأملات الميتافيزيقية وبإختصار في الظفر بمزايا غير مادية ومن ثم يستطيع كل منهم أن يقول :إن مملكتي لا تنتمي لهذه الدنيا )) وبندا في أمثلته التي يطرحها توضح رفضه بوضوح وجلاء لصورة المفكرين غير “الملتزمين” على الإطلاق , أي من ينصب اهتمامهم على العالم الآخر أو من يعيشون في أبراج عاجية , فالمفكر بالنسبة إليه هو من يفضح الفساد ويحارب الظلم ويقف في وجهة السلطة الغاشمة ويكون صادقا مع نفسه ويذكرنا بموقف فلينون وماسيون الذين عارضوا حروب لويس الرابع عشر و فلوتير الذي أدان بشدة تدمير الحكومة القائمة في مقاطعة الراين البلاطينية , ورينان الذي أدان ما قام به نابليون من أعمال عنف ونيتشه الذي شجب الأعمال الوحشية التي ارتكبتها ألمانيا ضد فرنسا , إذا في الحقيقة أن هجوم “بندا” على المثقفين كان لتصوره بـ رفعة “المثقف” وسمو مكانته فهو لم يهاجم المثقفين المعاصرين له إلا باعتبارهم تخلوا عن الدور المنوط بهم .

بندا يقدم لنا المثقف باعتباره شخصا متفردا قادرا قادرا على أن يقول كلمة الحق في مواجهة السلطة وهو سريع الغضب فصيح اللسان شجاع إلى درجة لا تعقل وثائر لا يرى أن ثمة سلطة دنيوية أكبر وأقوى من ينتقدها ويوجه اللوم إليها .

وأما التحليل الاجتماعي الذي يقدمه جرامشي للمثقف باعتباره شخصا يؤدي مجموعة من الوظائف المحددة في المجتمع فهو أقرب للواقع من أي شيء يقدمه لنا “بندا” خصوصا في هذا الزمان حيث نشهد أن الثقافة لم تعد محصورة على طبقة معينة نخبوية فالإعلاميين برمتهم يستطيعون خلق رأي عام وكذلك الرياضيين والمحاميين وخبراء السياسات وكما ينص إدورارد سعيد “كل من يعمل اليوم أي مجال يتصل بإنتاج المعرفة أو نشرها هو مثقف بالمعنى الذي حدده غرامشي” إذا حتى الذين يشاركون في مواقع التواصل الاجتماعي هم مثقفين لأنهم يساهمون في إنتاج المعرفة أو نشرها فالثقافة تشيع في أرجاء المجتمع وبالتالي أصبح المثقف قادر على مخاطبة الجمهور بشكل متيسر ويستطيع أن يؤثر على الآخرين ويكون منخرطا بالمجتمع , ولذلك المثقف هو من أهم الظواهر الاجتماعية التي تستحق الدراسة والتأمل لأنه لم تقم ثورة كبرى في التاريخ الحديث دون مثقفين فلكل ثورة مثقفيها ومنظريها الخاصين ولكن المفارقة أيضا أن لم تنشب حركة مناهضة كبرى للثورة دون مثقفين فلكل مناهضة مثقفيها أيضا , وكذلك السلطة فليست هنالك سلطة سواء كانت عادلة أو غاشمة ليس لديها مثقفين خاصين بها ينظرون لأفعالها .

وأما إدوارد سعيد فهو يضيف خاصية أخرى للمثقف فيقول إن المثقف ينهض بدور محدد في الحياة العامة في مجتمعه و يعتقد أن الحقيقة الأساسية هي أن المثقف فرد يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة ما , أو تمثيل وجهة نظر ما أو موقف ما أو فلسفة ما أو رأي ما , وتجسيد ذلك والإفصاح عنه إلى مجتمع ما وتمثيل ذلك باسم هذا المجتمع , وهذا الدور له حد قاطع أي فعال ومؤثر ولا يمكن للمثقف اداؤه إلا إذا أحس بأنه شخص عليه أن يقوم علنا بطرح أسئلة محرجة و أن يكون فردا يصعب على الحكومات والشركات أن ترشيه و أن يكون مبرر وجودة نفسه هو تمثيل الأشخاص والقضايا التي عادة ما يكون مصيرها النسيان أو التجاهل والاخفاء , ويقوم المثقف بهذا الدور على أساس المبادئ العامة العالمية وهي أن جميع أفراد البشر من حقهم أن يتوقعوا معايير ومستويات سلوك لائقة مناسبة من حيث تحقيق الحرية والعادلة من السلطات الدنيوية والأمم و أن أي انتهاك لهذه المستويات والمعايير السلوكية عن عمد أو دون قصد لا يمكن السكوت عليه بل لابد من إشهاره ومحاربته بشجاعة , فالمثقف لا يمثل فقط حركة اجتماعية سواء كانت هائلة أو خفيفة بل يمثل أيضا أسلوب حياة خاص وهو أسلوب منفر ومزعج كما يقوم بدور اجتماعي يتفرد به صاحبه تماما عن سواه .

لا شك أن على المثقف حمل كبير حينما ينتمي إلى بلد وعصر حدثت فيه المآسي فيتطلع إليه المواطنون من أبناء جلدته بكونه صوتا لجرحهم و ممثلا لمأساتهم و شاهدا للتاريخ على ما حدث لهم , فالمثقف كما يقول أوسكار وايلد يمثلون وعي الجماهير العريضة معاني الانجاز والشهر وذيوع الصيت وهي قيم تستطيع الجماهير تعبئتها لصالح الكفاح الدائر أو لصالح مجتمع تحاصر الصعاب والتحديات , فالمثقف لا وجود له خارج “الجماهير” وهم الموضع الذي يريد التحدث إليه و الموضوع الذي يريد التحدث عنه في آن , طبعا هذا لا يعني أنه يتماهى بهم بل على العكس عليه أن يحاول أن يتواصل معهم حتى وإن رُفض , وعلى المثقف أن يتحمل معاناة رميه بألقاب أو نسبه إلى أفعال لم يفعله فغالبية الفلاسفة الكبار والمثقفين الطليعيين رموا بأقذع الألقاب ووصموا بأشنعها ليس لشيء إلا لأنهم تحدوا المعايير الموجودة في المجتمع ووقفوا ضد ما اعتبره المجتمع شيئا طبيعيا , و أهم رسالة قد يحملها المثقف هي حينما يريد تمثيل المأساة الجماعية لأبناء قومه والشهادة على ما كابدوه و التأكيد على وجودهم وصمودهم رغم كل ما فُعل بهم وما يفعل بهم , هي أن يجدوا الصيغة العالمية لطابع الأزمة أي أن يضفي المزيد من الأبعاد الإنسانية على ما عانه جنس معين ولا يكون محصورا على جنسه أو ما عانته أمة معينة ومن ثم يربط بين تلك الخبرة الخاصة وبين معاناة الآخرين , فلا يصح أن يكتفي المثقف بتأكيد أن شعبا ما قد سُلبت أملاكه أو تعرض لظلم أو للمذابح بل عليه أن يفعل مثلما فعل “فانون” أثناء الحرب الجزائرية أي أن يربط بين تلك الفظائع وبين ألوان المعاناة المماثلة لغيره من البشر ولا يعني هذا أطلاقا أي انتقاص لخصوصية المعاناة التاريخية , لكنه يحمي الناس بهذه الطريقة من أن يرفضوا الظلم في مكان ثم يمارسوه في مكان آخر .

وهذا المعنى تمثل لدى محمود درويش الذي قال في قصيدته “حالة حصار”

إلى قاتل: لو تأملت وجه الضحية

وفكرت , كنت تذكرت أمك في غرفة

الغاز ..كنت تحررت من حكمة البندقية

ما هكذا تستعاد الهوية

 فهو لم يكتفي بأن كان شاهدا على حالة المعاناة التي مر بها شعبه ولا أن أثبت الجريمة التي حصلت لـ “أم” هذه القاتل من قبل النازيين , بل و أكد على “إنسانيته” و حاول أن يذكره بهذه الذكرى و أن ما فُعله بكم هتلر في ألمانيا على أهاليكم ها أنتم  تعيدون تكراره لكن على قوم غيركم ..

وفي جنوب إفريقيا كان “البوبريون” المستوطنون المنحدرون من أصول هولندية يرون أنهم ضحايا الإمبريالية البريطانية المستغلة , وبعد أن تخلصوا من الامبريالية البريطانية و حصلوا على حريتهم مارسوا على السود _السكان الأصليين للبلد_ شيئا أقسى مما كان يمارسه البريطانيون ضد”البوبريون” أنفسهم من خلال تقنينهم لنظام “الفصل العنصري – الأبارتهايد”  لذلك هنا يبرز دور المثقف الذي يدافع عن الظلم أينما حل سواء كان يحصل لقومه أو لقوم آخرين أو _وهنا المحك الحقيقي_ حينما يحصل لقوم آخرين من خلال ممارسة “قومه” .

المثقف والشأن العام :

ما الذي يجعل المثقف مهتما بالشؤون العامة ؟ إدوارد سعيد المتخصص في دراسة الأدب ما هي علاقته بالقضايا السياسية و الحديث عن قضية فلسطين تحديدا ؟ هل ما يحفزه هل الانتماء العرقي فقط ؟ أو الولاء لدينه ؟ أم أن هنالك مجموعة من المبادئ والقيم ذات الطابع العالمي ؟ في الحقيقة أن الأخيرة هي المفترض التي تحرك المثقف إذ أنه يجب أن يطلق من مبادئ عامة وهذه المبادئ عالمية وهي رفض الظلم أن يقع على أية إنسان المهم أن تكون المبادئ التي ينطلق منها عالمية أيا كانت لأن المثقف الذي يريد بالذات إعطاء طابع عالمي لقضيته التي يدافع عنها عليه أن ألا يحصرها في عرق معين أو دين معين فالاحتلال : احتلال ظالم سواء واقع على عربي مسلم أو وقع على بولندي يهودي أو شخص من الهنود الأحمر , يرى إدوارد سعيد أن أهم ما يملكه المثقف هو حرية الرأي والتعبير ولا ينبغي له المهادنة له في حرية الرأي ويقول أنها الحصن الرئيسي للمفكر العلماني و أن التخلي عن الدفاع عنها أو السماح بأي عبث بأي من الأسس التي بُنى عليها يعني في الواقع خيانة للمفكر ورسالته , ويجب ألا نستهين بهذه القضية التي يطرحها إدوارد سعيد فبعد الربيع العربي أصبح هنالك تقزيم لقضية “حرية التعبير” في مقابل تضخيم “الرأي الشعبي” فالرأي الشعبي حتى وإن كان رافضا للرأي المعبر عنه لا يعني البتة حق منعه ومصادرته ومعاقبة قائله ما لم يكن ذلك القول فيه دعوة إلى عنف أو حتى “تسبب” في إشعال فتنة من أية نوع , ثم يقول إدوارد سعيد ما هي الحقيقة وما هي المبادئ التي ينبغي على المثقف الدفاع عنها ..يطرح إدوارد سعيد مشكلة الموضوعية باعتباره حقيقة لكن يقول أن الموضوعية أصبحت ما هي إلا تعبير آخر عن ” ما نراه نحن حقيقة” ويقول أن الحقيقة الموضوعية لم تكن سوى ورقة التوت التي تستر العورة لكنها سقطت مؤخرا , فيقول لقد قامت الموضوعية “بالخدمة” في وقت الحرب فتحولت الحقيقة إلى “ما نراه نحن” مقابل ما يقوله الألمان النازيون إنه الحقيقة وتحولت وقت السلم إلى “الحقيقة الموضوعية” للجماعات المتنافسة كل منها على حدة أي كما تراها المرأة وكما يراها الأمريكيون الأفريقيون وكما يراها الأمريكيون الآسيويون وكما يراها أصحاب البشرة البيضاء وكما تراها كل من المدرسة الماركسية و البنيوية والتفكيكة , ويتساءل المفكر “توفيك” عما يمكن أن نصل إليه من اتفاق في الرأي بعد هذه “المعارف” المتصارعة إلى حد الهراء والهذر .

ولا ننسى أن الحقيقة الموضوعية هي ما تتبناها العادة السلطة وتحاول الترويج لها ففي القرن التاسع عشر تبنت السلطات الأوربية أسطورة تفوق الرجل الأبيض وعدته “حقيقة موضوعية” واعتبرت ذلك مسوغا لاستعمار مناطق في إفريقيا و آسيا و أن الشعوب في تلك المنطقة “حاربت” تلك الحقيقة ووقفت ضدها , ويرى إدوارد سعيد بين تعدد الآراء المتعلقة بالحقيقة و ادعاءها “الموضوعية ” في ملامستها أن هنالك غياب تام لـ “القيم العالمية “و لكن في الغالب يصبح “العالمي” هي القيم التي نؤمن بها “نحن ” ومن أبشع الحيل الفكرية أن يتكلم المرء كلام العليم عن كل شيء عن المثالب الموجودة في مجتمع آخر ثم يلتمس العذر لها حين تقع في مجتمعه هو , ولا تستغربوا حينما ترون فلاسفة كبار يقعون في هذا الخطأ الشنيع فمفكر بحجم  الفرنسي ألكسيس دي توكفيل الذي انتقد معاملة الأمريكيين للهنود الحمر والعبيد السود تحول في مرحلة لاحقة إلى السياسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر أواخر الثلاثينات في القرن التاسع عشر حين كان جيش الاحتلال الفرنسي يشن حملة إبادة بشعة ضد الجزائر المسلمين , فهو لم يدينها بل قدم لها تبريرات عرجاء منها أن المسلمين ينتمون إلى دين أدنى منزلة ولابد من تأديبهم والفرنسيون لم يفعلوا ذلك إلا بدافع الكبرياء القومي و الكرامة لفرنسا .وهكذا نرى إنكار الطابع العالمي الظاهر في اللغة التي يتحدث بها عن أمريكا ونرى تعمد رفض تطبيق ما يقوله على بلده , وقريب من هذه الفكرة ما فعله جون ستيوارت ميل حينما نادى بقيم الحريات الديمقراطية في بلده انجلترا لكنه في نفس الوقت رفض أن تُحقق للهنود بحجة أنهم أقل تعلما وحضارة من البريطانيين .

 

Advertisements