اسم الكتاب : المحنة ..بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام

اسم المؤلف :فهمي جدعان

عدد الصفحات :447

قراءة في كتاب جدلية المحنة – فهمي جدعان

من أبرز اللحظات الفارقة في التاريخ العربي هي تلك المدة التي أعلن فيها الخليفة المأمون تبني الرأي القائل بأن القرآن مخلوق ولم يكتفي بهذا ففي كل القرون كان الخلفاء يعتقدون باعتقادات معينة ويقربون من يوافقونهم في المذهب أو على أبعد حد لا يعطون “العلماء” العطاء _أي لا يصرفون لهم راتب_ إلا إذا طبقوا مذهبهم كما فعل بعض خلفاء بني أمية حينما كانوا يشترطون شتم علي رضي الله عنه لكي يعطونهم من العطاء كما يقول الأوزاعي , لكن الذي حدث مع المأمون مختلف جدا إذ أنه أمر بامتحان “بعض” المسلمين لكي يقروا بأن القرآن مخلوق وهذا يعني أن يجبرهم ويعرضهم للعقاب إن هم رفضوا ..وأقول “بعض ” المسلمين وليس العلماء فقط فليس كل العلماء امتحنوا و لا كل من ليس عالما سلم من الامتحان بل طبقة معينة من الشعب هم من تعرض للامتحان , حينها سيتم تصوير الامتحان بأنه إرادة الخليفة لتحقيق التوحيد من مؤيدي الخليفة و أنه الحافظ لجناب التوحيد والمطهر له من البدع و سيتم تصوير القضية عند المخالفين بأن المأمون أصبح ألعوبة لدى “المعتزلة” وتحديدا ابن دواد و أنه خدعه وأغراه و سيتحمل المعتزلة كل إثم الخطيئة وسيحاول إبعاد الخلفاء عن هذه الخطيئة و ستكون النظرة التاريخية أنها “محنة” ثبت فيها الإمام أحمد بن حنبل آمام البدعة وتصدى للخطيئة و جـُلد فيها لقوله الحق ورفضه الخضوع للباطل و ستستمر قضية تصوير أن “المعتزلة” هم رأس الفتنة وهم من أغرى المأمون والمستعصم و الواثق لامتحان المسلمين و تمحيص عقيدتهم , كل هذه الصورة التي ثبتت في عقلك وتعودت على سماعها ستتهاوى أمام التحليل الرائع لـ فهمي جدعان للحادثة و إعادته تصوير ما حدث بأسلوب شيق و علمي رصين يتابع الأحداث و يحللها وفق منطق العقل لا الهوى و يدرس الأبعاد السياسية و تداخل الملك والخلافة و بحث المأمون عن أسطورة “العقيدة الواحدة” كما فعل قسطنطين من قبله و ألزمت سكان الدولة بها ..إلى أية درجة تداخل السياسي في “المحنة” وما هي حقيقة دور “المعتزلة” في المحنة وهل كانوا فعلا هم من أغروا المأمون للقيام بالمحنة ؟ وقبل ذلك كله هل “المأمون” أصلا كان معتزليا وهل كان من امتحن أحمد من المعتزلة ؟ وما هي طبيعة أولئك الأشخاص الذين تعرضوا للامتحان ؟ وما كان دورهم في المجتمع ولماذا هم بالتحديد من امتحن ؟! كل هذه الأسئلة سيحاول فهمي جدعان الإجابة عليها و أعتقد أنه وفق في إيجاد الأجوبة الصحيحة على معظم هذه الأسئلة .

–          حقيقة دور المعتزلة في دولة بني العباس

الصورة النمطية للمحنة أن المعتزلة هم من مثل الواجهة العقدية للدولة العباسية و أن المعتزلة أغروا المأمون ليقتنع بمذهبهم وبعد اقتناعه و تمسكه بمبادئ المعتزلة قرر امتحان المسلمين وبإيعاز طبعا من “البطانة” التي تشكلهم المعتزلة أن يمتحن الناس في مسألة خلق القرآن ففعل المأمون ذلك واستمر الوضع هكذا بعد قدوم أخوه المعتصم وابن هذا الأخير الواثق حتى أتى ابن الواثق “المتوكل” ناصر السنة ورافع المحنة و أعاد المكانة للعلماء ونكل بالمعتزلة و أعاد للإمام أحمد مكانته المعتبرة ..وسنحاول أن نسائل هذه الصورة النمطية ونكتشف ما هو الصحيح منها وما هو الملفق ..فأما مسألة أن المعتزلة رجال للدعوة العباسية فهذا بعيد و ليس أبعد منه إلا أن يقال أن خلفاء بني العباس كان من رجال الاعتزال المخلصين , فواصل بن عطاء مؤسس المذهب لم يتصل بالعباسيين و كان قد مات قبل قيام دولتهم و عمرو بن عبيد فرغم أن أبا جعفر كان يحترمه ويوقره إلا أنه كان على حذر دائم منه وكان يظن أنه ذو ميول “علوية” وحين سأله أبو جعفر أن يولي أصحابه شرط عمرو أن يقوم الخليفة بعملية تطهير شاملة على بطانته فلم يستجب الخليفة وعلم أنه لو فعل ذلك ستخرج السلطة من بين يديه و سيكون نفوذ كبير لعمرو بن عبيد وأصحابه , والنقطة الأساسية أن أصل _مبدأ_ “العدل” الذي هو أحد أصول المعتزلة الخمسة وأحد مقتضياته كون الإنسان خالق لفعله لم يكن ليؤمن به أبوجعفر الذي كان جبريا في القضاء والقدر فنحن نذكر خطبته الشهيرة التي يقول فيها ((أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه فقد جعلني الله عليه قفلا إن شاء أن يفتحنى فتحنى لإعطائكم وقسم أرزاقكم فإن شاء أن يقفلنى عليها أقفلنى )) ثم إن المعتزلة طبيعة مذهبهم تقتضي الراديكالية مثل الزيدية وهم مما يكثر خروجهم على الخلافة والخلفاء فهم طائفة غير محببة لأية سلطان , فمن المعلوم أن المعتزلة يرون جواز الخروج على الإمام الظالم و أيضا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و هو خامس أصولهم وفي خلافة المنصور نفسه خرج بشير الرحال ومطر الوراق وجماعة من المعتزلة بالسيف مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن . وعمرو بن عبيد يرى أن الخلافة أمرها مردود إلى جماعة المسلمين لا تؤخذ بالسيف ولا بالقوة و أنها بالاختيار لا بالإجبار لذلك يقول ((الإمامة ..اختيار من الأمة في سائر الاعصار )) و أما المعتزلة الذين كانت علاقتهم ودية مع السلطان لم يكونوا أكثر من مجرد رجال “دولة” تحركهم المصالح أو كانوا “واقعيين” مثل النظام والجاحظ فهؤلاء بحثوا عن مصالحهم الذاتية أو مثل أحمد بن أبي داود الذي يشاع أنه رأس الفتنة فهو في الحقيقة لم يكن إلا اداة في يد الخلفاء لا العكس ..فهو كان قاضي القضاة ويفعل أفعاله من الامتحان بأمر الخليفة وكان يفعل فعلته بحكم منصبه الإداري _الذي لا يمثله إلا هو وحده وليس كل المعتزلة _ والذي يؤكد لنا هذا الأمر أن أحمد بن داود على علو مكانته وشهرته ليس له أراء في الاعتزال ولم ينسبه أحد للاعتزال بل حتى أحمد بن حنبل كان يقول أنه “جهمي” وكان يقول _أي أحمد بن حنبل_ إن ابن داود ليس في الكلام بشيء ولكنه كان يعول على أصحاب الكلام من أهل البصرة برغوث وأصحابه , وحتى هؤلاء الذي كان لهم دور في الامتحان والمناظرة لم يكونوا من المعتزلة في الحقيقة فابن تيمية نفسه يقول ((فإن ابن أبي دؤاد كان قد جمع للإمام أحمد من أمكنه من متكلمي البصرة وبغداد وغيرهم ممن يقول : إن القرآن مخلوق، وهذا القول لم يكن مختصًا بالمعتزلة كما يظنه بعض الناس، فإن كثيرًا من أولئك المتكلمين أو أكثرهم لم يكونوا معتزلة، وبشر المْرِيسي لم يكن من المعتزلة، بل فيهم نجارية، ومنهم برغوث، وفيهم ضرارية، وحفص الفرد الذي ناظر الشافعي كان من الضرارية أتباع ضرار بن عمرو، وفيهم مرجئة، ومنهم بشر المريسي، ومنهم جهمية محضة، ومنهم معتزلة، وابن أبي دُؤَاد لم يكن معتزليًا، بل كان جهميًّا ينفي الصفات، والمعتزلة تنفي الصفات، فنفاة الصفات الجهمية أعم من المعتزلة )) فإذا المناظرين لم يكونوا من المعتزلة أساسا ليتهموا بأنهم مارسوا إرهابا فكريا بل من الثابت أيضا أن أحمد بن أبي داود حاول تخفيف المحنة عن البعض بل و حاول أن ينجي أحمد الخزاعي الشهيد من قتله على يد “الواثق” و سنأتي فيما بعد ونذكر قصة أحمد الخزاعي هذا .

 

-من هو المأمون

حسنا من هو المأمون هذا ؟ الذي قرر أن يبدأ بامتحان الناس في قضية خلق القرآن ولماذا فعل ذلك ؟! علينا أن نعلم أولا منزلة المأمون وما منزلته العقلية والسياسية وهل كان ألعوبة في يد الجهمية والبطانة الذين أغروه بأن يؤمن بمذهبهم في نفي الصفات عن الله كما يقول ذلك ابن تيمية ((فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم،)) والضمير راجع في كلام ابن تيمية إلى الجهمية , يقول فهمي جدعان أطبقت جمهرة المؤرخين على أن عبدالله بن هارون بن محمد المعروف بالمأمون أنه ((أفضل رجال بني العباس علما وحزما وحلما وعلما ورأيا ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤددا وسماحة )) وأكثر من ذكر محاسنه من برغم ما أتاه من ((محنة الناس في القول بخلق القرآن )) وحياة المأمون ملحمة من الملاحم التي قل أن تجد مثلها و صراع طويل لإثبات الذات عند أبيه الذي كان يفضل الأمين لأن أمه زبيده القرشية و أما عبدالله “المأمون” فكانت أمه أمة ً من الفرس ورغم أنه أسن من أخيه إلا أن هارون أعطى ولاية العهد إلى محمد الأمين وولى عبدالله المأمون خراسان , و بعد موت أبيه هارون 193 هـ تقلد الخلافة ابنه محمد “الأمين” حتى سنة 195 هـ وفيها أعلن المأمون من خراسان خلعه لأخيه محمد الأمين و أنه هو الخليفة الشرعي للدولة ونشأت معارك بينهما حتى سنة 198 حيث قتل الأمين وجز رأسه وأ ُتي به إلى المأمون , ولم يستقر له الملك بعد قتل أخيه الأمين فثارت عليه الأقطار فخرج في الكوفة محمد بن إبراهيم ووثب بالمدينة محمد بن سليمان وبالبصرة علي بن محمد بن جعفر وزيد بن موسى بن جعفر وظهر باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر وظهر بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد وهؤلاء كلهم نسبهم يرجع إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي السنة نفسها “199” قوي أمر نصر بن شبث العقيلي بالجزيرة وحارب بني العباس محاماة عن العرب لأن بني العباس يقدمون عليهم الأعاجم , وكان المأمون إبان هذه الثورات جميعها مقيما في خراسان يرسل قواده وجيوشه لحرب هذا الثائر أو إخماد تلك الفتنة , وقد أدرك هؤلاء الثوار أن الفرصة سانحة للخروج و علم المأمون أن مهمته القادمة هي تعزيز قواعد ملكه , ولم يكن المأمون كما يحلو للبعض أن يصوروا أن “الرجل النظري” بل كان المأمون رجل التدابير السياسية ذات الأثر الزماني الفاعل المباشر وكان يقول ((نحن إلى أن نوعظ بالأعمال أحوج منا أن نوعظ بالأقوال )) وفي عام 200 أقدم على فعلة لازالت مثار الأسئلة و النظريات المختلفة فقد أرسل إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا و طلب منه القدوم إليه في “خراسان – مرو ” وفي 201 أخذ له البيعة أن يكون وليا للعهد من بعده ! فكان المأمون سينقل الخلافة من بيت بني العباس إلى بيت علي بن أبي طالب وهذا التصرف الخطير لم يكن بدون ردة فعل فاجتمع طائفة من العباسيين في بغداد و أعلنوا خلع المأمون وبايعوا إبراهيم المهدي خليفة , فأتى المأمون بجيوشه أخيرا إلى عاصمة خلافته بغداد وكان يرتدي الملابس الخضراء كعادة العلويين , وقبل دخوله إلى مدينة السلام يموت علي الرضا _ويُقال أنه مات مسموما_ وما إن يقترب المأمون من بغداد يختفي إبراهيم المهدي وبعد ثمانية أيام من دخوله بغداد يترك المأمون لبس “الخضر” ويعود إلى لبس “السواد” , و أما عن سبب تولية المأمون لعلي الرضا فقد رجح فهمي جدعان أنه فعل ذلك ليخفف من ثورات العلويين التي اشتعلت في كل أرجاء مملكته ويبدو أنه نجح في ذلك إذ أن رسالة الرضا نفسه بعد توليه ولاية العهد تلمح إلى أن أنصار العلويين يجب أن يتوقفوا عن الثورات لأن حقهم في “الخلافة” قد رُد , ونــُسب المأمون إلى عقيدتين الأولى هل التشيع لأنه أمر أن يسب معاوية على المنابر و كتب رسالة بتفضيل علي على أبوبكر وعمر رضي الله عنهم جميعا , وقيل هو من المعتزلة بسبب موقفه من خلق القرآن وكما قدمنا أن القول بأن القرآن مخلوق ليس قولا مختصا بالمعتزلة فنسبته إليهم لأنه قال بخلق القرآن كنسبة الأشاعرة إلى المعتزلة لأنهم أولوا صفة نزول الله , بالإضافة أن المأمون لم يكن يأخذ بالقدر لذلك كان يقول برغوث “المأمون عامي  لأنه لم يأخذ بالقدر” ولم يكن ليؤمن بالمنزلة بين المنزلتين _بين الجنة والنار_ التي كان يقول بها المعتزلة , و المأمون يغلب على الظن ميله للإرجاء _الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية _ فهو القائل “الإرجاء دين الملوك” و مما قاله عن محبته للعفو (( أنا والله ألذ العفو حتى أخاف ألا أؤجر عليه , ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقرب إلي الناس بالذنوب )) ولا شك أن محبته للعفو أورثته تصور أن الله سبحانه بما أنه عفو يحب العفو سيعفو عن الآثمين , والأغلب أن المأمون لم يكن ينتمي إلى أية مذهب من العقائد السائدة فهو كان رجل دولة وينتمي للعقيدة التي ستوطد ملكه وأيضا بما تقوده إليه تجربته العملية و اطلاعه على كتب السياسة المدنية .

السبب الحقيقي للمحنة :

حتى نعرف لماذا المأمون سبب امتحان المسلمين في عقيدة معينة علينا أن نبحث عن شروط هذا الامتحان التاريخية والاجتماعية , علينا أولا أن نجيب على سؤال من هم الأشخاص الذين استهدفوا بالامتحان ؟! لقد كان الجواب دوما على هذا السؤال هم الفقهاء من أصحاب الحديث والسنة والمقصود بأصحاب الحديث هو ذلك التيار الذي يبدأ لا على وجه التحديد بسفيان الثورة و سفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك ويمر بالشعبي و الزهري وعطاء و استقر في فترة المأمون لدى أحمد بن حنبل و يحيى بن معين , وهذا القول وهو أن المأمون استهدف في امتحانه أهل الحديث صحيح بإجمال فهم كانوا الأغلب لكن هنالك ممن امتحن ممن كان ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة و الرأي بل كان ممن امتحن أناس لم يكونوا من الفقهاء ولم يكونوا من المتعاطين في إنتاج العلم _بالتعبير الضيق للتعاطي مع العلم بأن يكونوا لهم حلقة ودروس _ والأمر الثاني الذي يجب التنبه إليه أن المأمون لم يمتحن أصحاب الحديث بما هم “أصحاب حديث” ولم يخطر على باله ذلك قط والحقيقة أن المأمون كان يتوجس خيفة من أصحاب الحديث لما يملكونه من نفوذ متنامي على البلاد ويخشى خطرهم على “العامة” فأصحاب الحديث كانوا يشكلون قوة موازية وكانت فاعلة لقوة الدولة فإذا أضفنا أن أصحاب الحديث بالمجمل في ذلك كانوا “أموي” أو “زيدي” الهوى علمنا سبب خوف المأمون منهم ورغبته في وضع حد لنفوذهم , ولذلك في رسالته كان يلمح إلى هؤلاء الذين ضللوا العامة الذين يزعمون أنهم أهل الحق والجماعة مظهرين السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتشقف لغير الدين , وأصحاب الحديث كان لهم ماضي في الخروج فحينما خرج محمد بن عبدالله بن الحسن وإبراهيم بن عبدالله الحسن على أبي جعفر المنصور دعمه عدد من العلماء بالسيف كيزيد بن هارون وعباد بن العوام أو دعموه بالإفتاء كأبي حنيفة ومالك و سفيان الثوري , وفي أوقات الفوضى التي حصلت في بغداد سنة 201 نشأت حركة خطيرة تسمى بـ “المطوعة” وكانت مهمتها القبض على المجرمين و حماية المدنيين فقامت بالعمل الذي كان من المفترض أن تقوم به الدولة فكانت نواة لحركة مدنية تستطيع حماية نفسها وتسيير أمورها خارج إطار السلطة فيقول صاحب تاريخ الموصل ((وكان السبب في ذلك أن فساق الحربية والشطار كانوا ببغداد والكرخ أذوا الناس أذا شديدا وأظهروا الفسق وقطعو الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق كانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع , وكانوا يأتون القرى ويأخذون ما يقدرون عليه من متاع ومال وغير ذلك لا سلطان يمنعهم )) ورغم أن قائد هذه الحركة سهل بن سلامة بائع المأمون حينما دخل بغداد لكن هذه الحركة ظلت موجودة في ذهن الكثيرين وبالذات أحمد بن نصر الخزاعي الذي كان أحد روادها , والذي ستتجلى مأساته بأن يقتله الواثق ويجز رأسه ويعلقه على جسر بغداد , المأمون كان يريد بامتحانه علماء المسلمين أن يقلص نفوذ هؤلاء العلماء ويعيد النفوذ للسلطة السياسية التي خبت بسبب حروبها الكثيرة و صراعاتها الداخلية و أن يعيد لها مكانتها الدينية ولذلك اختار المأمون وقتا دقيقا لبدء الفتنة فأولا ذهب إلى غزو الروم و هو في غزوته أرسل إلى واليه في بغداد أن يبدأ بامتحان الأئمة و كأنها رسالة للعامة بأنه يحارب أعداء الدين في الخارج وسيحاربهم أيضا بالداخل فكلهم عدو للدين بالإضافة إلى أن المأمون اختار مسألة في منتهى الدقة للامتحان وهي مسألة خلق القرآن فهو يعلم أن أئمة الحديث كانوا يكفرون من كان يقول بخلق القرآن وفي الحقيقة المأمون سيكسب في كلتي الحالتين سواء صمدوا في المحنة ورفضوا القول بخلق القرآن فإنهم سيسجنهم أو يمنعهم من تحديث العامة و إن استجابوا وقالوا القرآن مخلوق ستهتز مكانتهم لدى العامة لأنهم أقروا بشيء كانوا يحدثون الناس بأنه كفر , مخطئ من كان يظن أن صراع المأمون على مسألة عقدية ..بل كان صراعا على قلوب العامة و أفئدتهم . و أيضا ربما كان المأمون يطمح لأن قسطنطين المسلمين الذي يجمع المسلمين على عقيدة واحدة وينهي الخلاف في الإسلام كما أنهاه قسطنطين في المسيحية ويكون الشعار دولة واحدة ملك واحد عقيدة واحدة لكن على كل حال لم ينجح المأمون لأن العلماء وجدوا لهم طريقا ليحافظوا على نفوذهم مع عدم مصادمة الدولة بشكل مباشر أو بأخذ شكل من أشكال العصيان السلبي وفي نفس الوقت تعاظمت قوة الجند الأتراك في دولة الخلافة وسيطرتهم على الخلفاء بشكل مباشر مع عدم حاجتهم للركون للعامة لأن معهم قوة السلاح ..وستتجلى هذه السيطرة في قتل الخليفة المتوكل الذي حاول استرضاء العامة برفع المحنة وإعادة مكانة بعض علمائها لكن ذلك لم يكن كافيا ليمنع من عملية اغتياله وبداية دخول الدولة العباسية في مرحلة الضعف .

 

الخلاصة :

الكتاب جميل جدا وممتع وفيه فوائد كثيرة فهو يتحدث عن الفرق و الطوائف في مقدمته و أيضا يحوي تحليل سياسي جيد و إن كنت ربما أخالف في بعضه حيث أن فهمي جدعان لم يدن أفعال المأمون بل كأنه كان ينتقد حركة “المطوعة” و أيضا نفوذ العلماء المتنامي في أوساط العامة ..على أية حال أظنه أفضل كتاب عالج موضوع المحنة بعيد عن الكتب أو الصوتيات التي تختصر على دور الإمام أحمد في المحنة وتهمل الصورة الكاملة للقضية .

 

 

Advertisements