اسم الكتاب :الهوية والعنف ..وَهْهم القدر

اسم المؤلف :أمارتين سين .

اسم المترجم : حمزة المزيني 

اسم الدار الطابعة : دار جداول.

عدد الصفحات :278 .

 

التعريف بالمؤلف :

أمارتيا كومار سين ولد عام 1933 في دكا عاصمة بنغلادش و أنهى دراسته الأولى هناك ثم تنقل بين جامعات متعددة ليحصل على الدكتوراة من جامعة كامبرديج , ثم تنقل للتدريس في جامعات عالمية مرموقة منها عمله عميدا لكلية ترينيتي في جامعة اكسفورد من عام 1998 إلى 2004 وهو يعمل حاليا أستاذا للاقتصاد في جامعة هارفارد , حاز على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 1998 عن دراساته المتصلة بالاقتصاد والرفاه الاقتصادي , ورغم انه اقتصادي بالدرجة الأولى لكنه لم يحصر مؤلفاته في ذلك المجال فقد ألف في السياسة ونظرية العدالة و في علم الاجتماع .

 

هل الجماعة تختار هويتها ..أم تكتشفها ؟!

أينما يممت وجهك في هذا العالم ستجد أن هنالك حربا قامت و حربا أهلية تقوم و دول تتفكك ودول يراد لها أن تولد من العدم بحجة “الهوية”, إن سلاح الهوية في هذا الزمان قادر على المطالبة باجتثاث شعوب بأكملها و تبرير القتل والعنف والإرهاب , إذا هذه الهوية ليست بالأمر البسيط وليس الموضوع متعلق بوقتنا الحاضر فقط فأوربا خاضت حروبها المبنية على الهوية وذهب ضحيتها الملايين من البشر ولم تنتهي إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية _نتمنى أن تكون انتهت _ , لكن دول العالم الثالث بشكل عام لازالوا يخاضون تلك الحروب ويقاسون آلامها و ثقل وزرها , ولا حاجة للاستطالة في ذكر الأمور البالغة التعقيد التي تنتج عن الهوية ويكفي أن نتذكر ما حدث في لبنان والعراق و السودان و بين الهند وباكستان قبيل الانفصال , وبعد تخيل حجم أهمية “الهوية” يجب علينا أن نطرح هنا سؤال لابد منه وهو هل الهوية مكون اختياري أم هي ضروري للجماعات , درج المفكرين الجماعاتيين (الناقدين لليبرالية في المجمل) على القول أن الهوية الجماعية المسيطر على المجتمع أمر من أمور تحقيق الذات ..لا أمر من أمور الاختيار , وينصون أيضا على أن المجتمعات تكتشف هويتها لا تختارها وكما أن الإنسان يكتشف أن الجو غائم أو مشمس وهو لا يستطيع تحديد ذلك وإنما يكتشفه , وفي هذا من الخطأ البين إذ أنه وكما يقول أمارتيا سن ((يصعب الاعتقاد بأن الشخص لا يمكنه الاختيار حقيقة في ما يخص تقرير الأهمية النسبية التي يوليها للجماعات المختلفة التي ينتمي إليها , وأنه لا يملك إلا أن يكتشف هوياته فقط كما لو أنها ظاهرة طبيعية صرفة مثل تحديد ما إن كان الوقت نهارا أو ليلا , أما الواقع فهو أننا جميعا نقوم بالاختيار دائما وإن كان اختيارا ضمنيا فيما يخص الأولويات التي نسبغها على انتماءاتنا و ارتباطاتنا المختلفة , والحرية في أن نقرر ولاءاتنا و أولوياتنا بين الجماعات المختلفة التي ربما ننتمي إليها جميعا حرية مهمة فريدة نملك أسبابا تجعلنا نتعرفها ونجلها وندافع عنها )) إذا هذا هو رأي أمارتيا سن في أن الفرد يقوم باختيار هويته ضمن الجماعة وليست تــُفرض عليه فرضا ويجب على الجماعة أيضا أن تتيح للتنوع “الهوياتي” ضمنها مدام أنه ليس هنالك تعارض بين تلك الهوية التي يختارها الفرد وبين الهوية الجامعة للمجتمع وإن حصل تعارض بينهما لا يعني ذلك أن على الفرد أن يتخلص من هويته التي اختارها بل على الجماعة أن توسع الأفق و أن يتنازل الفرد عن بعض من خصائص هويته حتى يستطيع أن يجد ذاته ضمن الجماعة لا خارجها ولا ذائبا فيها , لكن طبعا أمارتيا سن ليس أحمق ويعلم أن لكل هوية تُختار هنالك حدود فلا يمكن للمرأة أن تكون “غير امرأة” ولا للأسود أن يكون “أبيضا” وكون أنها امرأة أو رجل أسود جزء من هويتهم لم يختاروها . لكن أمارتيا سن يقول في كل عملية نختارها بحياتنا توجد حدود وقيود وليس هنالك اختيار مطلق حتى إذا ذهبت إلى السوبر ماركت لا يمكنك أن تختار السلعة التي تريدها دون أن تضع في بالك “قيد الميزانية” التي من المسموح لك أن تصرفها , إذا ما هي هذه الحدود التي تقيد اختيارنا لهويتنا في رأي أمارتيا سن ؟! يقول سوف يعتمد الإمكان في حال الهويات على الخصائص الفردية والظروف التي تحدد الاحتمالات البديلة المفتوحة أمامنا , فيلاحظ  أمارتيا سن هنالك اصرار لدى الفرد على إلصاق هويته بالتاريخ وأن يشعر أن هنالك تاريخ سبقه يستند عليه و استجداء التاريخ ليكون حاضرا و يغرق في بحر من النوستولوجيا التي ليس لها قاع لذلك هو يقول إن الخلفية التاريخية ليست الطريقة الوحيدة لرؤية أنفسنا والجماعات التي ننتمي إليها فهو يتحدث عن نفسه قائلا ((بإمكاني وفي الوقت نفسه أن أكون آسيويا و مواطنا هنديا ذو جذور بنغالية ومقيما في بريطانيا و اقتصاديا وهاويا للفلسفة ومؤلفا ومتخصصا في اللغة السنسكريتية و مؤمنا قويا بالعلمانية والديمقراطية , ورجلا مؤيد لحقوق النساء وميالا إلى الجنس الآخر ومدافعا عن حقوق المثليين والسحاقيات و أمارس نمطا غير ديني من الحياة ومن خلفية هندوسية ولا أؤمن بالبراهمية وغير مؤمن بالحياة الأخروية ولا بما قبل الحياة )) فهذه كلها انتمى إليها أمارتيا سن بشكل متزامن ولم يوجد بينها تناقض وهنالك عدد ضخم من الفصائل التي يمكن أن يكون عضوا فيها وهذا كله ما يشكل هويته وهي ما تجعل منه ذاتا متميزة , فمثلا كون أنه ذو جذور هندوسية ليس له اختياره لكن بإمكانه اختيار الأشياء التي تترتب على هذا الانتماء وهو اختار ألا يمارسها ..وكذلك كون أنه شخص هندي هذا ليس باختياره وإنما ولد هنديا و لكن بإمكانه أن يختار التصرفات المبنية على هذا الانتماء فمثلا ألا يوافق على أن دولته تمارس هذا الفعل أو ذاك ..وهكذا .

ويمكن أن يكون الانتماء لأية واحدة من المجموعات التي تتطلب العضوية مهما إلى حد بعيد تبعا للسياق المعين وحين تتنافس هذه العضويات على جلب الانتباه والأولوية يلزم الشخص هنا أن يقرر بشأن الأهمية النسبية التي يوليها للهويات المعينة وهي التي ستعتمد أيضا على السياق الدقيق . وهنالك قضيتان متمايزتان بهذا الخصوص الأولى الاعتراف بأن تلك الهويات متعددة جدا وأن أهمية هوية معينة لا يلزم عنها إلغاء أهمية الهويات الأخرى وثانيا أنه يلزم الشخص الذي يقرر بشكل صريح أو ضمنيا بشأن الأهمية النسبية التي يوليها في سياق معين للولاءات المتشعبة والأولويات التي يمكن أن تتنافس على الأسبقية , وهنا تحدث المشكلة مع المحللين الاقتصاديين و الاجتماعيين الذين يريدون اختزال الإنسان في النظرية وتجاهل الهوية او ألا يتعاملوا معها بشكل مرض ويصبح هنالك اغفال لأية رغبة للإنسان للتماهي مع الآخرين فيتم اعمال قدر كبير من النظرية الاقتصادية وكأن الناس في اختيارهم لأهدافهم أو خططهم أو أولوياتهم لا يمتلكون أي حس للتماهي مع أحد عدا أنفسهم أو أنهم لا يبذلون أي انتباه لذلك , ومع أن الشاعر الانجليزي جون دون يحذرنا من ذلك حينما قال ((لا يمكن للإنسان أن يكون جزيرة بمفرده )) لكن بني الإنسان الذين تفترضهم النظرية الاقتصادية البحتة غالبا ما يُفترض أنهم يرون أنفسهم وكأنهم بمفردهم إلى حد بعيد .

 

الجماعتيون وخطر نسبية القيم 

ثم يتحدث أمارتيا سن عن حجج “الجماعاتيين” ويرد عليها فيقول إن الفلسفة الجماعاتية تدعي أن هوية الفرد تقوم على الجماعة, ولا يدعي ذلك الخط من التفكير الأولوية لأهمية الانتماء إلى مجموعة معينة بدلا من مجموعة أخرى فحسب وهي بطبيعة الحال تؤيده بقوة , بل كثيرا ما تميل الفلسفة الجماعتية إلى النظر إلى العضوية في الجماعة على أنها نوع من امتداد الفرد نفسه , ويُفترض في بعض صيغ التفكير الجماعاتي صراحة أو عن طريق الاستتباع أنه يجب أن تكون هوية الشخص مع جماعته هي هويته الرئيسية أو المهيمنة بل ربما تكون الأكثر أهمية , ويمكن أن تربط هذه النتيجة بخطين بديلين من التعليل وهما مترابطان لكنها متمايزان فيحتج أحدهما بأن الشخص لا يمتلك منفذا للتصورات الأخرى للهوية المستقلة عن الجماعة وللطرق الأخرى من التفكير عن الهوية , وذلك أن خلفيته الاجتماعية المؤسسة بشكل راسخ على الجماعة والثقافة تحدد الأنماط المحتملة للتعليل والأخلاق التي تتوفر له , ولا يربط الخط الثاني من الاحتجاج النتيجة بالقيود التصورية لكنه يربطها بالزعم بأن الهوية أمر من أمور الاكتشاف مهما كان الأمر , وأن الهوية الجماعاتية سوف تكتشف بشكل لازم على أنها مهمة للغاية لو قام أحد بأية مقارنة .

ويكمن خطر هذه النظرية أنه في أكثر صيغ الفرضية تطرفا يُقال أنه “لا يجب أن يُبحث عن المعيار للسلوك العقلاني غير تلك المعايير الموجودة في الجماعة التي ينتمي إليها الشخص المقصود ” و يتمثل ردهم العتيق بقولهم “أية عقلانية ..وعقلانية من ؟ ” ويستتبع ذلك القول بأنه لا يمكن اختبار هذه الأحكام والسلوكيات أخلاقيا إلا في إطار تلك القيم التي ينتمي إليها الفرد . ونشأ عن هذه الفرضية رفض إمكان تقويم الأحكام الخاصة بالسلوك والمؤسسات المعيارية عبر الثقافات المختلفة .

يرد أمارتيا سن على هذه الادعاءات بقوله أن الفرد مهما كان نفوذ الجماعة قويا و تأثيرها صلبا إلا أنه ليس شاملا وليس كل التعليلات التي يستنبطها الفرد مقترنة بانتمائه الثقافي وأن تفسيراتنا و تعليلاتنا الحكمية ليست مرتبطة بالتأثيرات الثقافية لوحدها و أن هنالك عدد من التأثيرات المتنوعة على تعليلاتنا كما أننا لسنا مضطرين لأن نفقد قدرتنا على النظر في طرق أخرى للتعليل بسبب أننا نتماهى على وجه التحديد مع جماعة معينة أو أننا تأثرنا بعضويتنا فيها فيختلف التأثير عن التحديد التام كما أن الاختيارات تبقى على الرغم من وجود التأثيرات الثقافية و أهميتها .

والسبب الثاني وهو مهم أننا نُخدع حينما نظن أن لكل ثقافة أن يشتمل على منظومة محددة بشكل فريد من التوجيهات والاعتقادات التي بامكانها أن تشكل تعليلنا بل إن كثيرا من هذه الثقافات تحوي تنوعات داخلية كثيرة جدا كما يمكن اعتناق كثير من التوجيهات والاعتقادات المختلفة في إطار الثقافة نفسها المحددة بشكل تقريبي , وفي الحقيقة “الجماعاتيون” سيقعون أنفسهم في ورطة حينما يدعون أن الحكم على الشيء مرتبط بالجماعة ونظرتها فماذا سيقولون عن عادة احراق الزوجات مع أزواجهن في الهند و أن هذا يعتبر من الدين و أنه من الاخلاص بل له مبرراته الدينية أيضا ؟! وماذا سيقولون عن جماعة اعتادت أن تزوج القاصرات و أنه بالنسبة “لعقولهم ” سلوك جيد ؟! ويجب ألا نغفل أن قول الجماعيتيين ينقضه أن أكثر الأشخاص نقدا للثقافة هم أبناء الثقافة نفسها وأنه في الغالب الثقافات التي تتغير إنما يأتيها التغيير من الداخل لا الخارج .

 – العولمة 

يتحدث أمارتيا سن في فصل آخر عن العولمة فيقول : إن العالم يتصف بأنه غني بشكل مذهل لكنه في نفس الوقت فقير بشكل محبط , فهنالك وفرة غير مسبوقة في نمط الحياة المعاصرة , لكن لازال أكثر من ثلثي سكان الأرض يعانون من الفقر والحرمان المرعب ولازال يموت طفل كل 5 ثواني بسبب سوء التغذية والجوع  أي 6 مليون طفل يموت سنويا , ويمكن للأطفال لمجرد أنهم ولدوا في مكان معين أن تتوفر لهم سبل الراحة وتسهيلات للحياة الكريمة أو يتعرضون لاحتمال مواجهة حياة محرومة يائسة .. وقامت ولازالت تقوم عدة مظاهرات في عدة بلدان ضد العولمة وذلك لتصور الناشطون أن العولمة لديها مصالح متضاربة مع الاهتمام ببلدان العالم الثالث وتنميتها و أن العلاقة بين الدول المستثمرة و الدول المستثمر فيها علاقة تصارعية و أن عليهم مهمة انقاذ المستضعفين في العالم مما يرونه أنه عواقب للعولمة . يجادل أمارتيا سن عن هذه الحجج بقوله : من الخطأ أن ننظر إلى مظاهر الحرمان والحيوات المقسمة وما بينها من اختلافات صاخبة و حدود واسعة أنها نتيجة من نتائج العولمة و أنها العواقب لها بدلا من عدها فشلا للترتيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتصف بأنها عارضة بشكل خالص وليست ملازمة لا يمكن الفكاك منها للانغلاق العولمي , لكن أمارتيا سن يصر على أن يستمر طرح الأسئلة و محاولة إيجاد الحلول لتنمية تلك البلدان و تقليل نسب الفقر في العالم و حماية الأطفال وما إلى ذلك لكن بنظره أن العولمة ليست هي السبب فيها بل ربما للطريقة التي تُفرض بها العولمة .

وينسى نقاد العولمة أن اهتمامهم هو في الحقيقة أحد نتائج العولمة , وأن مظاهراتهم و اعتصاماتهم و أن تنبههم واهتمامهم الجاد وتضامنهم مع الشعوب في الدول الأخرى هو تمظهر للعولمة بشكل أو بآخر , و نقطة أخرى يجب أن نذكرها ضد المناهضين للعولمة أن منهاضتهم إنما هي في الانفتاح الاقتصادي و الاستغلال البشع الذي قد تفعله بعض الدول الغربية لكن عندما يكون الحديث عن “عولمة الأفكار” و “المفاهيم” فإنهم في الغالب لا يناهضونها بل على العكس العلم سلاح للتحرر و هي أهم أحد رافعات الوعي في العالم الرابع والثالث , إذا هنالك مناهضة للعولمة الاقتصادية والاتفاقات التجارية التي تدمر الاقتصاد المحلي والبسيط الذي يتمتع به المواطنون المحليون .

 

– الخلاصة 

الكتاب ممتع جدا و أمارتيا سن يستطيع عرض أفكاره بأسلوب سلس وجذاب بعيدا عن تخصصه الأصلي في الاقتصاد , طول المؤلف في الرد على هنتجتون صاحب نظرية “تصادم الحضارات” و الذي ادعى أن الإسلام ثقافة تروج للعنف والإرهاب و قد أجاد في الرد عليه , وتحدث في الفصل الأول عن “عنف الوهم” حيث أن الطائفية قد تكون مجرد شيء خامد لقرون ثم يسعرها الأشخاص الطائفيون ويوقضون فتنة لا يعرف أحد كيف يخمدها , وتحدث في الفصل الرابع عن الانتماءات الدينية والتاريخ الإسلامي وأسهب فيه عن تاريخ المسلمين المتسامح و إسهاماتهم الحضارية و العلمية , وفي مقطع ما كتب عن “الهوية” بشكل ممتاز وقال إن الخطر يحدث حينما نتبنى النظرة عن هوية الطرف الآخر من خلال تعريف ذاتنا لهم ..فمثلا اليهود بطبيعة الحال لم يكونوا هم الموجودين في كتب النازيين ولا منشوراتهم وطبعا المسلمين الهنود لم يكونوا أولئك الموجودين في منشورات الهندوس ولا العكس , وأصلا من الغباء أن تختزل الإنسان في هوية واحدة و من الغباء الأكثر أن تصدق أن هوية الشخص الآخر هي ما يتم ترويجه لدى خصومهم ..وكما قلت الكتاب رائع ويستحق القراءة .

Advertisements