اسم الكتاب :الفلسفة السياسية في القرن التاسع والعشرين

اسم المؤلف :غيوم سيبرتان بلان

اسم الدار الطابعة :المنظمة العربية للترجمة

اسم المترجم :عزالدين الخطابي

عدد الصفحات :305

 

 – أهمية القرنين الآخرين في انتاج الفلسفة السياسية 

لا أحد يجادل أن االفلسفة السياسية نضجت و قوي عودها في القرنين التاسع عشر والعشرين و تأطرت فيها المشاريع السياسية الكبرى في هذين القرنين , و انكسرت الدائرة العتيقة للحكم الملكي و سنحت الفرصة لتطبيق نظم سياسية جديدة وإبداع أفكار ورؤى مختلفة , وهذا الكتاب الأكاديمي يدرس أبرز هذه الأفكار الفلسفية دراسة تطرح موضوعاتها وتساؤلاتها الخاصة وإبراز المشكلات التي واجتهتها فهو يقدم الفلسفة السياسية التي أنعشت القرنين التاسع عشر والعشرين على طبق من فضة بتوابل مغرية يجعل الكتاب “خفيفا” يسهل للعقل هضمه رغم كثافة المادة و أهميتها , ويبدأ الكاتب بأن يضع ثلاث احتياطات منهجية في دراسته لـ مفهوم “الدولة” فيقول أولا :إن الدولة هي ظاهرة اجتماعية وباعتبارها كذلك فهي لا تتميز بالطابع اللاتاريخي المنسوب في أغلب الأحيان إلى ظواهر الطبيعية لكنها لا تحظى مع ذلك بخاصية شمولية في تاريخ الحضارات فبعض المجتمعات تجهلها تماما وبكل بساطة دون أن تشعر بهذا الغياب كقصور أو نقص وبالتالي فهي لا تعتبر ثابتا أنثروبولوجيا أو ثقافيا , وأما بالنسبة للمجتمعات التي عرفتها وما زالت تعرفها فهي على ما يبدو لا تتقاسم فيما بينها سوى تنوع أشكال الدولة وبنياتها وأنماط ممارستها المتعددة , وهي عبارة عن مستويات متنوعة في التخصص والتمايز الوظيفي لهيئة إدارية وتوزيعات متنوعة للسلطة الحكومية وأشكال تطوير متنوعين للمؤسسات النيابية والتمثيلية وعن نمو ودرجة احتكار متنوعين للمؤسسات النيابية والتمثيلية وعن نمو ودرجة احتكار متنوعين للمؤسسات القانونية والضريبية والعسكرية والبوليسية والقضائية والعقابية وأخيرا عن مستويات متنوعة لتركيز و “مرْكزة” هذه الآليات المختلفة التي تربط كيفيات متنوعة جدا للأفعال المتبادلة بالحفل الاجتماعي الذي تندرج في إطاره .

الثاني : إذا كانت السياسة متعلقة بالفلسفة السياسية فإنه يتعين على الفلسفة السياسية التفكير في شروط خطابها الخاص ويلزمها هذا المطلب المحدد لوضعية نقدية وليست دوغمائية بألا تقصر فقط على الاهتمام بالمشاكل والاطروحات والمفاهيم المنجزة من طرف هذا المُنظِّر أو ذاك ضمن سياق مذهبي معين بل عليها الاهتمام أيضا وفي الوقت نفسه بتحولات خطاب الفلسفة السياسية ذاتها وبوضعه وعلاقاته بخطابات أو أشكال أخرى للمعارف _القانونية والأخلاقية والإقتصادية والاجتماعية و التاريخية _تهم الظواهر المرتبطة بالحياة المشتركة والمشاكل المتولدة عنها ذاتيا , سواء تعلق الأمر بالخطابات الساعية إلى التعريف بهذه الظواهر أو التي يسمح بالتدخل عمليا في هذه الأخيرة أو بإقامة قواعد ومعايير لمثل هذا التدخل .

الاحتياط المنهجي الثالث وهو مهم ودقيق : فبما إن الفلسفة السياسية نقدية يجب أن تتجلى هذه الخاصية في الإقرار بظرفيتها وأيضا في الوقت نفسه بظرفية موضوعها ولربما كنا اليوم أكثر من أي وقت مضى مستعدين لتحمل مسؤولية هذا الإقرار الصعب وذلك لأسباب تاريخية ونظرية فتجربة المشاريع السياسية الشمولية من جهة والتحولات العميقة لمؤسسات الدولة الناتجة في القرن العشرين عن تطور قوى عابرة للدول والقوميات _مثل القوى التجاربة والصناعية  وأيضا الجماعات المتطرفة _ وكل هذه الأمور ساهمت بإبراز هشاشة أشكال المأسسة والممارسة السياسية المصاغة في القرون السابقة , ولازلنا نرى تجارب سياسية جديدية ومحل اهتمام و مصاغة عبر أطر فلسفية مختلفة فمثلا دولة السويد لديها نظم رعاية صحي و تعليمي وكما أن السويد بخصخصة معاشات التقاعد _وهو أمر لم تتجرأ عليه أقصى الدول الرأسماليةٍ رأسماليةً _ ومع ذلك تعتبر دولة اشتراكية الطابع في نظامها الاقتصادي و يدفع المواطن ما يقارب 59% من دخله للضرائب , وأيضا النظام الصيني فالكثير كانوا يتحدثون عن عن الخطر الداهم الذي يحدق بالدول حينما تتجه نحو “الخصخصة” و اقتصاد السوق دون أن تملك نظام ديمقراطي متماسك وقوي ويستطيع مراقبة التجار والحكومة ويحمي الشعب من التلاعب لكن الصين استطاعت أن تتجه إلى ذلك النظام وحققت نمو عالي في اقتصادها , فالمقصود أن الفلسفة السياسية لا ينبغي أن تكون إطارا جامدا لا يسمح بدخول شيء إليه ولا خروج شيء منه بل هي عملية تلاقح مستمرة بين مختلف النظريات ومختلف المفاهيم و نجاح النظرية على أرض الواقع وقدرتها على تحقيق العدالة هو المعيار للحكم عليها .

 

إشكالية الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي :

إن الورطة التي وقع فيها فاعلوا الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر كما يرى المؤلف التي لم تجعلهم يتمون ثورتهم ولم يبنوا تفكير نظري حول شروط هذا الاتمام لا ترجع فقط إلى التعقيد الداخلي للحدث _وكان معقدا بحق _ بل هو نتيجة لأنهم لم يصنعوا توازنات بين النظريات السياسية , فالثورة الفرنسية كانت رافعتها نظرية “العقد الاجتماعي”  وهو شعار التعبئة الذي انطلق , وفي تلك الفترة وصلت هذه النظرية إلى مراحل متقدمة مع جان جاك روسو ..لكن الإشكالية الكبرى التي وقعت فيها الثورة الفرنسية هو ذلك التمفصل _بأن ارتبط نظامين ونمطين مختلفين في واقع واحد _ فنظرية العقد الاجتماعية تمفصلت مع نظرية الحقوق الطبيعية التي تقضي بأن للإنسان حق طبيعي في الحرية التي يتمتع بها الإنسان بوصفه كائنا طبيعيا ويتحدد بحدود الذات وقدرتها ومشيئتها و في الحقيقة إن فكرة العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية صادرة عن تقليدين مختلفين جدا ..والفليسوف السياسي توماس هوبز هو أول من حاول التوليف بينهما بصعوبة وذلك أن فكرة الحق الطبيعي منبثقة من تقليد لاتيني قديم ستصبح في فترة الحكم الملكي عبارة عن قناة للاحتجاج ضد بعض الحقوق الوراثية والامتيازات الكهنوتية ويتضمن مفهوم الحق الطبيعي حقوق سياسية للفرد وباعتبارها حريات طبيعية لا يمكن له التفريط فيها ولا إلغاؤها , ولكن مفهوم العقد الاجتماعي بمثابة آلة حربية ضد كل تأسيس متعال للسيادة فهو إذا يسقط “الحق الإلهي” الذي كان يتضرع به حكام أوربا لملكهم و يرجع حق الملوك في الملك إلى “العقد الاجتماعي” بين المجتمع و الملك وطبعا هذا العقد متخيل ولكن مفهوم الميثاق سواء عند هوبز أو جان جاك روسو تقضي بالتخلي عن الحقوق الطبيعية عند هوبز لـ “الملك” وعند روسو لـ “الإرادة العامة” وهنا نشأ الخلل في العدة المفهومية التي رفعتها الثورة الفرنسية ويتجلى عبر مستويين متزامنين فالفرد نفسه سينشطر إلى قسمين أي إلى كينونة اجتماعية وكينونة سياسية وبين الحقوق الفردية وسيادة الشعب وحصل هناك لاتوازن بين شمولية وإرادة الشعب ومؤسسات الحق الخصوصية وقواعده , وحصل تناقض بين العدد المؤسساتية لدولة الحق المصاغة بشكل خاص وفق النموذج الانجليزي وتقليده من خلال برلمان وفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية و التشريعية وبين المبادئ الجمهورية الراديكالية _أو الديمقراطية_ فإما أن يتم رفض الأولى باسم مبادئ الثانية وهذا ما فعلته الثورة الفرنسية في فترة من فترات حكمها أو إعادة السلطة السيادية ونظم شرعية دولة الحق بما يتوافق ويتلائم مع المبدأين وهذا ما طبقه النموذج الأمريكي بعبقرية نظام المجلسين الذي اختار أن يُمِثل فيه الكونجرس عدد سكان الولايات و أن يمثل مجلس الشيوخ عن كل ولاية نائبان بغض النظر عن عدد سكان الولاية وبذلك تخلصوا من استبداد الأغلبية _وفي حالتهم كانت الولايات الكبرى_ و أعطوا الأمان للأقليات وفي حالتهم كانت الولايات الصغرى , ويبدو لي أن نفس هذه المشكلة طافحة في الثورات العربية فمعادلة سيادة الأمة وتطبيق الشريعة أو بعبارة أخرى الجمع بين قيم الحرية و الديمقراطية الليبرالية _التي تحفظ حقوق الأقليات_ وبين تطبيق الشريعة بمفهومها العام والجزئي الذي سيقود إلى تطبيقها الكامل هو المعركة التي ستخوضها المجتمعات العربية في السنوات القادمة .

الليبرالية :

النزعة الليبرالية برزت كخطاب نقدي ضد الملكيات المطلقة في أوربا وضد مبدأ التوريث و ضد سلطة الكنيسة و امتيازات أصحاب الحرف والتقاليد المعرقة لتحرر العقل الإنساني وكانت تنادي بمادئ التسامح الديني والحرية الفكرية والفنية واعتبرت أن الفرد مصدرا للحق ومبدأ لتحديد الفعل السياسي و نادت بمحدودية دور الدولة و أن الدولة كيان يطمح لتحقيق الحرية الفردية وتضع الحرية الفردية غاية لكل تساؤول متعلق بطبيعة السلطة السياسية ووظائفها في الحياة الاجتماعية وهذه النزعة التي كانت بلا شك ناقدة للملكيات المطلقة في أوربا و دعمت الثورة الفرنسية واضطر الليبراليون إلى مواجهة اختيارين بعد انتصار الثورة الفرنسية فإما أن تعمل على صياغة مبادئها من جديد داخل المثل الديمقراطية التي نادت بها النزعة “الجمهورية الثورية” و إما أن تعيد صياغة البعد النقدي لهذه المثل الجمهورية ضد الثوار أنفسهم واختارت النزعة الليبرالية أن تتعاطى إيجابا مع الثورة الفرنسية في البداية و انخرط بعض الليبراليين في الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور لكن بعد ما يسمى بـ سنوات الارهاب بدأ واضحا لهم اتجاه الثورة إلى الاستبداد وأن مفهوم “سيادة الشعب” سيستخدم كتشريع لاضطهاد الأفراد وهذا ما عبر عنه بينامين كونستان في عبارة رمزية إذ يقول ((إن السيادة مخصوصة لعموم المواطنين , وذلك بالمعنى الذي لا يمكن فيه لأي فرد أو قسم أو جماعة جزئية التمتع بالسيادة ما لم ينتدب إلى ذلك ولا يعني هذا أن عموم المواطنين أو أولئك الذين حصلوا على السيادة بفضل هذه العمومية باستطاعتهم التحكم سياديا في وجود الأفراد , فهناك على العكس من ذلك جانب من الوجود الإنساني الذي يظل بالضرورة وبحق فرديا ومستقلا وبعيدا عن كل اختصاص اجتماعي )) وهنا برزت الاستراتيجية الليبرالية التي سيتم استخدامها في العقود التالية وهي قائمة على المحاجة أنه لا فرق بين الاستبداد باسم الملك كما كان الوضع في السابق و الاستبداد باسم “الشعب” لا فرق بين الطغيان الملكي ..وبين الطغيان الديمقراطي , فالنظرية الليبرالية خطت خطوة إلى الإمام بهذا الخطاب فلم تعد مشكلتها “المساواة” ضد التراتيبية الملكية والارستقراطية و أمام القانون ..بل أصبحت مشكلتها “المساواة” نفسها من حيث إرادة “الغالبية” استخدام سلطتهم لخلق مكونات اجتماعية مشابهة لهم و فرض طريقة من الحياة عليهم ..وأيضا الصراع من أجل الحرية تشكل في الخطاب الثوري على أنه ضد الامتيازات النظام الاجتماعي القديم وضد سلطة الكنيسة لكنه الآن في الخطاب الليبرالي بعد الثورة سيكون متوجها ضد التذرع بسيادة الأغلبية لفرض سلطة اجتماعية , وفي الحقيقة إن هذه الثنائية تبين تاريخ الليبرالية السياسية ومعاركها الطويلة التي خاضتها ورغبتها في الحد من السلطة السياسية , لانشك أن كونستان كان وهو يقول عبارته السابقة كان يرد على جان جاك روسو ويستهدف نظريته حول “الإرادة العامة” التي يؤاخذ عليها الاكتفاء بإثارة مشكلة هذا الحد بالنسبة إلى السلطات التي ينتدبها الشعب صاحب السيادة والاحتفاظ لهذا الأخير بسلطة لا محدودة ! ولذلك يقول كونستان ((فالسيادة لا توجد إلا بشكل نسبي ومحدود , ويتوقف حكم هذه السيادة عند النقطة التي تبدأ فيها الاستقلالية والوجود الفرديين , وإذا ما تجاوز المجتمع هذا الخط , فإنه سيكون مذنبا مثل المستبد , الذي تقترن صفته بالسيف المبيد , فلا يمكن للمجتمع أن يتجاوز صلاحيته دون أن يكون مغتصبا للسلطة ولا يمكن للأغلبية أن تتجاوز صلاحيتها دون أن تكون زائفة ))

وهنا سيتوسل كونستان طريقة محاجة جميلة فأولا استنجد بمبدأ الحق الطبيعي كما قدمه المفكر الإستكلندي جون لوك والتي مفادها أن ((المواطنين يمتلكون حقوقا فردية مستقلة عن كل سلطة اجتماعية أو سياسية )) لكن لم يكتفي بذلك بل أدمج نظرية الحق الطبيعي داخل إطار تاريخي سيكتسي أهمية رئيسية ..فبعد مقارنة بين المجتمعات القديمة والحديثة سيخضع كونستان مفهوم الحرية الطبيعية لمقارنة تاريخية وسيجعل منه نتاجا لعملية ثقافية تتجلى من خلالها تبعية الحرية السياسية بشكل متزايد للحرية الفردية , فقد كانت الحرية بالنسبة للفرد القديم تتمثل في التحمل الجماعي والمباشر لأعباء السيادة وفحص ممارسة القضاة والتداول جماعيا لقوانين الحرب والسلم _كما في أثينا وروما في العصور البائدة _ وكانت الحرية بالنسبة لهم مُفكر بها على هذا المنوال لكن وهذه الملاحظة المهمة ((كانوا يعتبرون خضوع الفرد التام لسلطة الجماعة متلائما مع الحرية الجماعية )) فقد كان الفرد ((المتمتع بالسيادة لتدبير الشؤون العامة ..بشكل مألوف وطبيعي يقبل بسهولة أن يكون عبدا في كل علاقاته الخاصة )) لذلك هو يقول إن الحرية ليست فقط في المشاركة في الحرية السياسية وهذا تحجيم للحرية و اختزال لها بل إنها ستعني أيضا ((الحق في التعبير عن الرأي واختيار المهارة الملائمة وممارستها و التوفر على الملكية واستغلالها و التحرك دون طلب الترخيص لذلك ودون إعطاء مبررات عن الدوافع والمساعي و أن يكون لكل فرد الحق في الاجتماع مع أفراد آخرين للتداول بشأن مصالحه أو ممارسة الشعائر التي يفضلها هو وشركاؤه أو بكل بساطة لملء ساعات أيامه ! ))

الخلاصة : الكتاب جميل جدا وممتع جدا وهو كتاب أكاديمي بالدرجة الأولى لذلك يتسم بالوضوع ويبتعد عن الإسهاب الممل و الإيجاز المخل عرض الكاتب فيه أولا للثورة كفعل مؤسس لمجمل النظريات السياسية المهاضة لها و الممجدة و رد الفعل الليبرالي على الثورة ثم انتقل ليتحدث عن الدولة القومية واعادة انتاج التاريخ عبر “العرق” بشكل سيوقع الدولة القومية في مأزق فادح و في طريقة تعاملها مع الأقليات الموجودة في كيان المجتمع منذ قرون وأولئك القادمون لها بشكل سينشئ حالة غير مسبوقة وغريبة وقابلة للتفجر في أية لحظة وهي ظاهرة “عدم إعطاء الجنسية” أو سحبها بسبب العرق عن كيانات كاملة و نزع الحقوق السياسية والمدنية عنهم و هذا كما تقول أرندت يجعل “دولة الحق” تابعة لـ “الدولة القومية” بشكل وقح وخطير , وثم ينتقل الكاتب للحديث عن علاقة الاقتصاد بالسياسة والنظرية الليبرالية والليبرالية الجديدة و الكينزية “الاتفاق الجديد – النيوديل ” الذي قام به روزفلت لإنقاذ بلاده من الكساد , ثم تحدث عن الدولة الشمولية و الحركات التوتاليتارية و أنها في النهاية دولة “انتحارية” تحتاج إلى حرب شاملة لتستمر و تحتاج إلى موارد اقتصادية كبيرة كي تستطيع الدخول في الحرب .

Advertisements