اسم الكتاب : سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة 

اسم المؤلف : عبدالله المالكي .

اسم الدار الطابعة : الشبكة العربية للأبحاث والنشر .

عدد صفحات الكتاب :208

التعريف بالمؤلف :

عبدالله المالكي باحث شرعي سعودي مشغول بقضايا الحرية و الديمقراطية والعدالة , خرج في خطه الفكري عن الاتجاه التقليدي للسلفيين يحاول أن يطور فكرا ديمقراطيا متناسبا مع الإسلام ويثبت أن مقاصد الإسلام الكبرى لا تتعارض مع الديمقراطية بل على العكس تدعوا لها , كتابه هذا في الأصل كان مقالا و أثار جدلا واسعا إبان ظهوره بين مؤيد ومعارض ولذلك أفرد الفكرة في كتاب خاص وهي تستحق أن تكون كذلك .

 

الثورات العربية لم تقم لأجل تطبيق أحكام الشريعة 

يبدأ المؤلف بذكر أو التذكير بأن الثورات العربية التي أطاحت بالأنظمة السابقة أبرزت مشروع الإسلام السياسي كبديل عن تلك الأنظمة البائدة و لأسباب عديدة قد يكون الإسلام السياسي هو المرشح الأقوى للاستواء على عرش الحكم ولذلك المؤلف يحرص على الإشارة إلى أنه يجب على الإسلام السياسي أن يكون المركبة التي تنقل الشعوب من زمن الاستبداد والطغيان إلى زمن العدالة والديمقراطية ..و يكون الإسلام السياسي هي اليد التي تمزق لوحات الخوف والقمع المعلقة في قلوب الشعوب ورسم لوحة الحرية و الحقوق بديلا لها ..وتبديل عوالم الفساد و الجهل وإقامة عوالم التنمية والتقدم العلمي والرفاه ..ولذلك الناس لم تثر لتستبدل “قمعا” باسم ايدولوجيا معينة إلى “قمع” باسم الإسلام وتحت شعاره ..الناس لا تريد استبدال جهلا بجهل , ويقول المؤلف ب/ كل وضوح الناس لم تخرج إلى الشوارع لأجل تطبيق الشريعة ولو رفع هذا الشعار أصلا لم تكن لتنجح أية ثورة , ولم تخرج لتطبيق منهج السلف , ولا إحياء منهج أهل السنة والجماعة كما يريد أن يصور البعض ولا لمنع الخمور و الملاهي الليلية ونحوها , بل خرجت لأجل العدالة والحرية و الكرامة كما في شعار الثورة المصرية :خبز , حرية , كرامة إنسانية .

وكما يقول المؤلف الشعوب خرجت لكي تسترد سيادتها على أوطانها أولا , ولكي تكون المصدر الوحيد للسلطة وللشرعية هي بذاتها , وليس الفرد المتغلب ..ولا الحزب الواحد ولا العائلة الحاكمة .

ولنكن واضحين لا يحق لأحد بعد تحقق سيادة الأمة أن يفرض شيئا على هذه الأمة دون الرجوع إلى الاحتكام إلى دستورها التي صوتت عليه حتى وإن كان مخالفا للشريعة للإسلامية لأن الإكراه و العنف والقهر فلا ينتج إيمانا بالمبادئ و إنما ينبت قناعة مزيفة ونفاق ظاهر و قيم شكلية وظاهرية لم تلامس القلوب ولم تعانق الأرواح ومثل هذا الإيمان المزيف والقيم الشكلية لا يمكن أن تنتج مجتمعا صالحا ولا مواطنين شرفاء .

 

من له حق الإلزام بالشريعة ؟

وهنا يجب أن نفرق بين مسألتين أن معيار المبادئ و الأخلاق ليس للمجتمع كما يزعم الناقمون على الديمقراطية بل المرجعية من حيث المنطلق المعرفي إلى “المرجعية التي يؤمن بها الفرد” سواء كان دينية عقدية أم فلسفية وضعية لذلك الفلاسفة كانوا غالبا يتحدثون عن الأخلاق والمبادئ بما يخالف مبادئ أقوامهم باعتبار أن هذه الأخلاق والمبادئ هي ما يؤمنون به ويريدون الوصول إليه في آن ..لكن هؤلاء الفلاسفة بل وحتى النبي صلي الله عليه وسلم عبَّروا عن مفاهيمهم للحق والباطل والخير والشر  لكن لم يفرضوها على الناس لم نرى النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بعمل تنظيم سري في مكة ويقلب نظام الحكم ويفرض على أهلها الإسلام و يفرض عليهم الواجبات و يمنع عنهم المحرمات بل كان يدعوهم ويعلمهم , و ما كان ينقم من قومه إلا أنهم يمنعونه عن الناس لذلك كان يقول : خلوا بيني وبين العرب ! وحينما ذهب إلى المدينة صلى الله عليه وسلم كتب دستور المدينة الشهير الذي يحفظ حقوق كل فئة من أهل المدينة والمهاجرين ولم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الإسلام إلا بعد أن رضت الأمة به وبأحكامه ولم يفرضها عليهم فرضا كما يطالب البعض الآن , ولنكن واضحين ليست وظيفة الشعب فلسفة وتنظيرا تحديد ما هو الحق والخير والعدالة بل حقه المقدس الذي لا ينازعه عليه إلا مستبد هو “خلع السيادة والسلطة” على تلك المبادئ والقيم والأفكار وتحويلها من مجرد قناعات أخلاقية إلى قوانين دستورية سيادية تطبيقية , وبعبارة أخرى وظيفة الاستفتاء الشعبي هو الاحتكام إلى إرادة الناس حين تتصارع القيم والإرادات فيتم حسمها بمسار سلمي وحضاري لا بمسار الحروب والاقتتال والإرهاب والقمع والإقصاء وسفك الدماء وانتهاك الحرمات , كما كانت عادة الشعوب قديما , حيث كان المنتصر والمتغلب هو من يملك في فرض قناعاته وإرادته من دون الرجوع إلى إرادة الشعوب .

 

يؤكد الكاتب وجوب التحاكم إلى الشريعة و الالتزام بمرجعيتها و أن هذا أصل من أصول الدين ومحكمة من محكمات الشريعة و أن شريعة الإسلام هي المرجعية العليا ويستدل بقوله ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )) ويستمر الكاتب في طرح فكرته ويقول أن مبدأ الإلزام بالشرع يشمل الالتزام الفردي وهو امتثال مسلم للشرع في حياته وشؤونه الخاصة والعامة وافق إرادته الذاتية , دون إكراه وإجبار خارجي , كما يشمل الالتزام الجماعي , وهو امتثال الجماعة المسلمة سواء في إطار الدولة أو في إطار الفعل المدني المستقل عن الدولة بمرجعية القيم والمبادئ الإسلامية في نظمها المختلفة : السياسة و التشريعية , والقضائية , والاقتصادية , والتعليمية و والثقافية , ونحو ذلك .

فمبدأ الإلزام بالشرع في التصور الإسلامي ليس مبدأ ذاتيا فرديا لا يخرج عن نطاق الحيز الخاص كما في التصور العلماني بل هو أيضا مبدأ جماعي تجسده الجماعة المسلمة في محيطها المادي الذي تعيش فيه بمعنى أن الإسلام ليس مجردا أحكام الدينية أخلاقية فردية , وإنما يتضمن أيضا أحكاما شرعية حقوقية ومتعلقة بالشأن العام و الاجتماع البشري .

إذا الكاتب لا يختلف مع الحركات السلفية التقليدية في هذا الكلام ويسير على نهجهم إلى جعل الإسلام دين ودنيا و أنه يتدخل في شؤون المجتمع سواء الشخصية أو الاجتماعية لكن المؤلف يختلف في مفهوم تطبيق الشريعة فهو يطالب لكوننا فهمنا فقه الشريعة يلزمنا فقه تطبيق الشريعة و أن هنالك اختزال لهذا المفهوم لدى الجماعات الإسلامية المختلفة والشعوب المسلمة أيضا حينما يرفعون هذا الشعار ولا تستحضر في وعيها إلا باب العقوبات والحدود أو لباس المرأة وفق كيفية معينة أو تقوم بتضخيم هذين الموضعين ضمن شعار “تطبيق الشريعة” على حساب المضامين الكبرى المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية  رفع الظلم الطغيان .

وبناء على هذا الاختزال المسيء في مفهوم تطبيق الشريعة وجدنا بعض الدول التي تطبق الحدود الجنائية مثل قطع يد السارق وضرب شارب الخمر و تلزم المجتمع بأشياء معينة بحجة أنه مطلوب شرعا وفي الغالب يكون فيه اختلاف شرعي لكن الدولة تحرص على استجلاب “الأمر الشرعي” ليكسبها الشرعية الضرورية ووفق هذه الرؤية المختزلة والبائسة لفهم الإسلام تصبح هذه الدولة تطبق الشريعة حتى لو كانت ظالمة وغارقة في الفساد حتى شحمة أذنيها و تنسف مفهوم الحريات نسفا و تشنق كل يوم العدالة الاجتماعية وتعتدي على حريات الأفراد وتنتهيك خصوصياتهم وتتمرغ في الفشل السياسي والمالي والتنموي وتمارس التخلف و تؤسس للجهل في التعليم والاقتصاد و الخدمات .. وبذلك تعطل المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية التي تطالب بالعدالة والحرية وحفظ الحقوق والإحساس في تدبير السياسة لكن بقدرة قادر تبقى هذه الدولة مطبقة للشريعة الإسلامية وتعتبر مثال عند بعض السلفيين في الدول الأخرى يقتدى به وترفع راياتها عندهم وما ذلك إلا لأنها تقيم الحدود وتفرض الحجاب قسرا !  

ولنقلب المثال ولنفترض أن هنالك دولة مسلمة أخرى لا تلتزم بأحكام الحدود في قانونها الجنائي ولا تلزم المرأة بالحجاب بكيفية معينة اللباس ولكنها دولة تقيم العدالة الاجتماعية وتحقق المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع من دون تمييز طبقي أو عنصري أو طائفي أو فكري ويسود فيها القانون وتحفظ الحريات العامة أو تحترم الكرامة الإنسانية كما أن الحكومة فيها منتخبة من قبل الشعب عن شورى ورضى , ويكون للشعب ممثلون ونواب يمارسون المحاسبة ومراقبة أداء الحكومة في ظل دولة ملتزمة بفرض “العمران في الأرض” وتحقيق التنمية والتطور والتعليم والصحة والاقتصاد ورفع مستوى الدخل للأفراد .

أمام هذين النموذجين أيهم الأقرب لتطبيق الشريعة ؟ وأيهما أكثر تعطيلا للشريعة ؟ هل هي هذه الدولة التي لم تطبق سوى الحدود وتفرض الحجاب وفي المقابل تمارس صنوف الظلم والفساد والتخلف والجهل التي بسببها أهدرت قيم الشريعة و انتهكت مقاصد الإسلام ؟ أم أنها تلك الدولة التي طبقت معظم أو جميع مقاصد الشريعة ولكن لم تطبق الحدود ولم تفرض الحجاب ؟

يقول ابن تيمية ((أمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق و إن تشترك في الإثم ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة و يُقال : الدنيا تقوم مع العدل والكفر فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت و إن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق , ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصحابها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ))

ويذهب تلميذه ابن القيم إلى أبعد من ذلك وجعل كل “عدل” من شرع الله فيقول (( فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل و أسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه )) إذا نجيب على السؤال عن أي النموذجين أقرب إلى تطبيق شرع الله تلك الدولة التي تطبق الأحكام وتهمل المقاصد الكبرى أم الدولة التي تطبق المقاصد وتهمل الحدود فنقول أنه النموذج الثاني .

ويؤكد المؤلف على اشتراط الرضا من الأمة لتطبيق الشريعة فيذكر قصة معاذ بن جبل حينما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له ((إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاوعك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )) فتأمل هذا الحديث فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول فإن هم أطاعوك أي إذا امتثلوا لأمرك عن إرادة وحرية واقتناع ..ولم يذهب معاد إلى اليمن لكي يؤسس تنظيما سريا ويحدث انقلابا عسكريا ويخطف السلطة ثم يكره الناس على تطبيق الشريعة ..بل ذهب داعية وبشيرا ونذيرا ..وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ دعوته بتأسيس تنظيم سري في دار ابن الأرقم من أجل القيام بانقلاب عسكري والاستيلاء على السلطة و تحطيم دار الندوة , بل أتى ليبلغ رسالة ربه و يعلم الناس أمر دينهم ولذلك قال بتعجب ممزوج بحرقة في صلح الحديبية ((ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين الناس ؟! )) و حينما ذهب إلى المدينة لم يدخلها غازيا و إنما دخلها بمبدأ التعاقد من خلال بيعة العقبة الأولى والثانية ث دستور المدينة .

 

ماهي الأحكام الملزمة في الشريعة ؟

السلطة السياسية لا تملك إلا جزءا محدودا فقط من تطبيق الشريعة وليس كل الشريعة , فالشريعة الإسلامية ليست كلها قوانين تقوم الدولة بتنفيذها أو فرض عقوبات على من تجاوزها وتمكنها من  التغول في المجال العام والخاص , الشريعة منها ما هو جانب قانوني يجب أن يكون مؤيدا بالسلطة السياسية التنفيذية ولكن هذا الجانب هو الأقل بالنسبة إلى الجانب الإيماني الأخلاقي من الشريعة الذي يمارسه الفرد بقرار شخصي من دون فرض خارجي على إرادته بعيدا عن سلطة الدولة بل يجب أن تكون الدولة فيه محايدة .

والشريعة من جهة علاقتها بالسلطة والفعل السياسي تنقسم إلى قسمين :

1-     أحكام شرعية إيمانية فردية أخلاقية

2-     و أحكام شرعية إيمانية اجتماعية حقوقية .

فالقسم الأول لا يتصف بصفة قانونية حقوقية ومن ثم لا يحق للسلطة التدخل في فرضه فأداء فريضة الحج ركن من أركان الإسلام لكنه واجب تعبدي إيماني ذو طبيعية أخلاقية ذاتية الالتزام وليس واجبا حقوقيا بحيث يلزم من إهماله وتعطيله من قبل الفرد تدخل المؤسسات السلطوية في الدولة وليس لها إجباره على فعله فمثلا لا يمكن لأحد أن يطالب بأن تضع الدولة كشف بيانات وترى من حج ومن لم يحج ثم إن بلغ الذي لم يحج إلى سن معينة يُحقق معه و يُسأل لماذا لم تحج ؟! فإن كان له عذر شرعي تُرك وإلا عوقب !

وأما القسم الثاني الذي هو أحكام شرعية إيمانية حقوقية فالدولة هنا أن تتدخل لإقامته وتتولى الدولة جهة إلزام الفرد بها ومنشأ هذا التقسيم هو أن منطق الشريعة من الوجهة السياسية السلطوية يقوم على تمييز البعد الفردي الأخلاقي عن البعد الاجتماعي الحقوقي وهذا لا يناقض أن كون الشريعة سواء في البعد الفردي والأخلاقي و في البعد الاجتماعي الحقوقي محل إلزام من الشارع ويستحق فاعلها الثواب و تاركها العقاب لكن لا يعني ذلك أن للدولة التدخل في فرضها , فالأحكام الأخلاقية الفردية أحكامها منوط بالأخرة وعقابها وثوابها عند الله والمسؤولية فيها فقط أخروية أما الأحكام الاجتماعية والحقوقية فالتزامها قانوني مؤيد بسلطة الدولة ومؤسساتها التنفيذية ومن ثم فالمسؤولية فيها دنيوية و آخروية في آن , فهنا محل اختلاف المؤلف الجوهري مع التيارات السلفية التقليدية فهو يقول أن الشريعة لا تُطبق إلا برضى غالبية الشعب و أيضا أن السلطة لا تتدخل في الحيز الخاص للإنسان حتى لو كانت بحجة تطبيق الشريعة ويذكر أمثلة كثيرة على أن الصحابة والعلماء كانوا يعلمون عن أناس يمارسون المعاصي والكبائر في بيوتهم لكنهم لم يـُدخلوا السلطة لإيقافها بل ثربوا على فعل ذلك وزجروه .

 

الخلاصة :

الكتاب الذي هو أصلا مقالة كتبها عبدالله المالكي في موقع المقال أخذ حيزا كبيرا من النقاش وردود الفعل ويعتبر من أهم التبلورات الفكرية لـ ما يسمى بالتيار التنويري , تبني مفهوم الديمقراطية لدى المؤلف ممتاز ويتجاوز مواقف كثير من الإسلاميين لكن تبقى الإشكالية التي رأيناها في هذا الكتاب وكتاب نواف القديمي أشواق الحرية وهي التأكيد دوما أن المسلمين لن يختاروا غير تطبيق الشريعة وهذا فيه نظر إذ أنه قد يقوم عدة أحزاب تنتمي إلى مرجعية إسلامية و أحدهما فقط يدعي تطبيق الشريعة و البقية لا تطلب ذلك ..مثل ما يحدث في تركيا إذ أن حزب الحرية والعدالة يقول أن مرجعيته إسلامية لكن لم يحاول أن يطرح حكم “قطع يد السارق” في البرلمان أو منع الاختلاط في الجامعات وكذلك في ماليزيا , فصحيح أن المسلمين في تركيا اختاروا حزب الحرية والعدالة ليمثلهم لكن اختاروه لأنه الأكثر إنماءا للبلاد وتطويرا لها و إلا هنالك أحزاب أخرى في تركيا إسلامية هي أكثر “يمينية” من الحرية والعدالة وبإمكاننا تصور أن تُطالب بقطع يد السارق ومنع البنوك الربوية لكن لم يرشحها الأتراك , إذ أن المسلمين وكل الشعوب في الحقيقة حينما تكون هنالك ديمقراطية ستختار الحزب الذي يحقق مصالحها لا الحزب الذي يدعي فقط تطبيق الشريعة , والإشكالية الكبرى التي تظهر في هذا الكتاب وهي نفس إشكالية كتاب أشواق الحرية هو تغييب حقوق الأقليات وإهمالها ولن نجاوز الصواب لو قلنا التصور الديمقراطي الذي نجده في الكتاب هو من نوع “طغيان الأغلبية” حتى الدستور الذي يعتبر أهم وثيقة تحفظ حقوق الأقليات في الدولة مقابل استبداد الأغلبية _كما في أمريكا حينما سُمح ببناء مسجد في موقع هجمات 11 سبتمبر رغم أنه يغلب على ظننا رفض غالبية سكان نيويورك لذلك _ هذا الدستور لا يحضر في الكتابين بهذا الشكل و إنما يحضر بشكله “حافظ للهوية الإسلامية ”  وأن الإسلام هو مصدر التشريع للبلد , ويؤكد كلا المؤلفين على أن البرلمان لا يمكنه النص على حكم يخالف أحكام الدستور الذي هو ذو مرجعية إسلامية , فمثلا لو رأى البرلمان أنه ليس من الممكن إقامة إقتصاد الدولة دون بنوك ربوية و الدولة انحط اقتصادها عندما منعت هذه البنوك ففي هذه الحالة ليس من حقه أن يسمح بوجود تعاملات بنكية ربوية لأن الدستور يمنع ذلك,  أو مثلا لو أرادت الدولة أن تأخذ قرضا من دولة أخرى ولابد من فوائد على هذا القرض وقررت الحكومة أن المصلحة تقتضي ذلك فمن حق البرلمان أن يمنع هذه العملية بحجة أنه مخالف للدستور ..طبعا الكاتب لم يقل هذا المثال لكنه من لوازم نظرته للدستور ودوره في سن القوانين في الدولة , ومع ذلك نقول أن الكتاب ممتاز جدا ومن أهم الكتب السعودية التي صدرت في هذه السنة وهو يبلور اتجاه إسلامي في السعودية يستحق الاهتمام والتقدير .

 

Advertisements