اسم الكتاب : الأخلاق السياسية في عصر العولمة

اسم المؤلف :أوتفريد هوفه

المترجم :عبدالحميد مرزوق

طبعة : المركز القومي للترجمة

عدد الصفحات :400

 

 

التعريف بالمؤلف :أوتفريد هوفه أشهر فيلسوف ألماني في الوقت الراهن في مجال علم الأخلاق وفلسفة السياسة , قام بتدريس فلسفة الأخلاق بجامعات ألمانية ويعمل أستاذا للفلسفة بجامعة توبنجن منذ عام 1992 حيث أسس بها تخصصا لدراسة الفلسفة السياسية , وعمل أستاذا زائرا بجاممعة سانت جالن لتدريس فلسفة القانون . وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من محاضراته و دراساته المنشورة في بعض المجلات والدوريات .

 

 

جرت العادة في الدراسات السياسية أن تركز دراستها بشكل خاص على مفهوم “مواطن الدولة” و تسهب في ذكر مقارباتها الفلسفية في تصورها لمواطن الدولة و دوره في إقامة بناء الدولة و دور الدولة في المقابل في تحقيق السعادة المرجوة له , لكن كما يقول المؤلف هناك إهمال واضح لذكر دور “مواطن الإقتصاد” في الدراسات السياسية و إهمال أكبر في ذكر دوار “المواطن العالمي”  , وفي الواقع المعاش يمارس المواطن الأدوار الثلاثة هذه بلا تناقض بل بتكامل فأما”مواطن الاقتصاد” فرغم ما نراه من نسب بطالة عالية إلا أن غالبية المواطنين يقتاتون معاشات حياتهم بأنفسهم سواء بالوظيفة أو ممارسة عمل خاص والذين يعالون من قبل الدولة هم نسبة قليلة , وهم كـ “مواطني دولة” يؤثرون على القواعد الإطارية السياسية للإقتصاد و أيضا “الإقتصاد و السياسة” متداخلتان منذ أمد بعيد على المستوى العالمي دون وجوب للتخلي لهذا السبب عن دورهما المستقر على المستوى الإقليمي , بل على النقيض من ذلك ..فالعولمة تحديدا بوصفها في بداياتها غالبا نظرية توحيد كونية لم تبلغ غاية توقعاتها إلا بدرجة محدودة للغاية , فضلا على أن هناك عوامل إقليمية منعت ترجمة هذه الآمال إلى واقع وهناك أسباب ثقافية و إقليمية محددة , وكذلك هنالك عوامل إقليمية ومحلية تلعب دورا في الاقتصاد ذاته و أيضا في العلــِم كما هي على أي حال في السياسة والثقافة كل ذلك يدعم نظريتنا ويقيم الدليل على قولنا بأنه رغم وجود إطار معولم للحضارة إلا أنه لم يتبلور عن ذلك الإطار حضارة متجانسة على مستوى العالم .

 

مواطن الاقتصاد :

يلاحظ أولا أوتفريد هوفه أنه رغم أن الاقتصاد يلعب دورا مهما في كثير من الحضارات والعصور _بل هو المحرك الوحيد للتاريخ بحسب الفلسفة الماركسية _ ولا أحد يفكر مرتين في أن كثير من الحروب خيضت لأجل الذهب و كثير من القرارات السياسية اتخذت لأسباب مادية و كثير من الثورات كان قادح شرارتها هو الاقتصاد لكن مع كل هذه الأهمية البالغة للاقتصاد لا نراه يلعب دورا بارزا في الفلسفة التراثية ولم يوضع له المكان الذي يليق به كأحد المفاهيم السياسية للفلسفة حتى أتى “آدم سميث” و “ماركس” و أعطوه المكانة العالية التي هي ربما فوق مكانته المفترض أن تكون , والاقتصاد مرتبط بشكل أساسي بالعمل و في التعبير اليأس في تحقيق الثروة عن طريق الفضيلة وتحقيق الذات بالعمل و النظرة المتشككة إلى أصحاب الأموال يقول جورج بوشنر في مسرحيته على لسان “ليونس ولينا” : هناك فقط ثلاثة أشكال لأن يتحصل الإنسان من خلالها على المال بأسلوب إنساني : أن يجده ..أو أن يكسبه في اليانصيب أو يرثه )) إلا أن “فاليرو” يرى بديلا عن كل هذا فيقول ((أو أن يسرقه باسم الرب ..إذا توافرت لديه القدرة في ألا يتحلى ببذرة ضمير )) لكن البديل الطبيعي و الطريق الصحيح بدل اليانصيب أو الإرث أو العثور على كنز ما أو سرقة المال غائب ..وهذا البديل هو العمل وهو البديل المنصوص على أسبابه في بنود قيام مجتمع إنساني له كرامته حيث يكون العمل لا يحقق ثروة للعامل فقط بل و أيضا يحرك عجلة الاقتصاد للبلد كلها و يشارك في إنمائها .

الحق في العمل :

لو افترضنا أن العمل لا يخدم سوى الحصول على نفقات الحياة لكان بوسع أي مجتمع واسع الثراء أن يعهد به إلى جزء من سكانه ويجعل الجزء الآخر يرتاح و ينفق عليه من عمل الجزء الأول  تحت شعار “أجر المواطنة” , لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك فبغض النظر عن التداعيات الاقتصادية والسياسية لمثل هذه العملية فإن العمل يحقق أكثر بكثير من مجرد “لقمة عيش” للفرد في الدولة فإن أحد اهتمامات الدولة في التعليم هو تنمية مهارة مواطنيها لكي يكونوا قادرين على الانخراط في سوق العمل ويتحتم على المواطن أكتساب معارف و أن تتوفر لديه قدرات ومهارات تقنية بما في ذلك قدرته على استمرارية التعلم المهني والمجتمعي وكذلك مواقفه ورؤياه تجاه العمل مثل إظهار رغبته في العمل و استعداده للتعاون مع الآخرين ولا سيمار قدرته على الإبداع وعلى الحركة ..وهذا النمط  من التعلم لا يخدم القدرة المهنية فقط ولكنه يساعد أيضا على تنمية المواهب و أن يصل بها إلى أعلى مستوى من الانجازات الباهرة , ولذلك كان الفيلسوف الألماني الكبير “عمانويل كانط” يرى أن تنمية المواهب الخاصة والعمل على تشجعيها واجب أخلاقي , ولاشك أن اعتناء الدولة أيضا بموهبة مواطنيها ومحاولة تطويرها أحد واجباتها فهؤلاء المواطنون هم عماد الدولة المستقبلي , وعلى العموم هناك خمس مراتب يلعبه العمل في حياة المجتمع على أقل تقدير من أجل علم أخلاق اجتماعي للعمل :

أولا :انطلاقا من أنه يعتبر مصدرا للدخل فهو يعين على توفير معاش للحياة ثم إنه علاوة على ذلك يساعد على إقامة حياة مقبولة مأمونة الجانب وربما كذلك التوصل إلى حياة سخية كريمة ,

وثانيا نظرا لأنه يحفز على تطوير وترقية المعارف والمهارات والقدرات , علاوة على الارتفاع بمستوى القدرات التخصص وظهور الكفاءات الاجتماعية

ثالثا يساعد على بلورة الهوية الشخصية والمجتمعية

رابعا  فهو على مستوى الكيان المجتمعي يساعد على الانماء الاقتصادي

وخامسا الجوانب أنه في كل الأحوال يعد أيضا بمثابة عامل مساعد غير مباشر على الأقل لوجود رقابة اجتماعية , أي أنه بمثابة قوة مضادة تزيد قدرة عن أنها مجرد قوة إجمالية غامضة وغير محددة تقف في وجه اللاعمل والخلود إلى الراحة بالمعنى الحرفي للكلمة , وهو أمر يعد بداية جميع المصائب والأعباء فكلنا يعلم أن الشبان والرجال الذين يقبعون بلا عمل ينشأ لديهم استعداد هائل للمضي في عالم الجريمة و أيضا يكون لديهم استعداد بتنفيذ أعمال عداونية ولديهم قابلية لأن يكونون أصوليون بما يتسمون به من أعمال عنف وبما يظهرونه من استعدادهم للموت لأنه ليس لديهم ما يفقدونه في هذه الحياة .

 

مواطن الدولة :

إذا كانت مهمة نظرية السياسة هي التعاطي فقط مع مؤسسات ونظم فإنها تلوذ بذلك إلى مجال عمل غاية في التواضع و الضيق وهو أن هنالك إطارا عقلانيا ولو كان تكتنفه جوانب أخلاقية حقوقية في حالة النظام الديمقراطي الليبرالي يسمح للمواطنين بأن يكونوا “غير عقلانين” , و أن يكرسوا أنفسهم كلية دون ثمة أخلاق ذاتية لمصالحهم الشخصية ونحن نرد في مواجهة هذا الربط بين الأخلاق المؤسساتية واللاأخلاق الفردية بالتساؤل عن الكيفية التي تمخض عنها بادئ ذي بدء خلق المؤسسة العقلانية , وكيف صارت بعد ذلك تغص بالحياة وانتهى بها المقام إلى تدعيم أركانها في هذه الحياة بصورة غير منقطعة .

والإجابة التي تحمل في طياتها عناصر أساسية مكونة لنظرية مواطن الدولة تفيد بالموافقة على قيمة النظام وقيمة المهام الانجازية المنوطة بمؤسسات إلا أنها تشكك في كفاية كل منها إزاء التعايش الجماعي على أرض الواقع و إذا استشرنا بالتخمين القائل باستحالة إمكانية نهوض كيان مجتمعي على أرض الواقع دون عناصر مساعدة أخرى كان يكون فيه بشر ليس لهم التزام عام ولا مشاركة بعموم صالح المجتمع ودون أدنى أخلاق ذاتية ولا يلتمسون في التنافس سوى مصالحهم الشخصية وتحقيق مصالحهم سيحقق صالح الدولة فإن هذه الفرضية هي التي تقوم على سواعدها النظرية الخاصة بالديمقراطية الليبرالية لكن لا يمكننا أبدا الاستغناء عن مبادئ ثلاثة بما في ذلك “مأسسة” هذه المبادئ والقيم لأنها من ناحية تفضي على رذائل الخضوع والتبعية وتمحوها , ومن ناحية أخرى نكتسب من الفضيلة الثانية والثالثة في إطار الديمقراطية مكانة ومرتبة جديدة كما أن كلا من الفضائل الثلاث بما في ذلك مكملاتها تكاد تكون مفهومة في حد ذاتها فقط من أجل تجنب رسم صورتها بشكل مختصر :

 

الوعي بالحقوق وامتلاك الشجاعة المدنية :

نظرا لاحتمالية انهيار دولة ما حينما يرتكب المواطنون فيها _سلطة ً وشعبا_ مخالفات كثيرة للغاية فإن من الضروري وجود الفضيلة التي تعد بنظرة موضوعية هي الأولى من فضائل المواطنة وهي الوعي بالحقوق والقانون لدى الغالبية العظمة من الموطنين وليس فقط وجودها في ظل نظام ديمقراطي و أن يملك المواطنون الشجاعة للمطالبة بتطبيقها و الوقوف ضد مخالفيه بصرامة مهما كانت مكانتهم حتى وإن كانوا من السلطة فالفضيلة في مفهوم المواطنة ليس فقط الوعي بالحقوق نظريا لكن المطالبة بها عمليا , وعلى أية حال هذه الفضيلة رغم أوليتها فإنها تبقى فضيلة “سالبة” بمعنى أنها لا تطلب شيء سوى عدم ارتكاب مخالفة أو تجاوز للقوانين أو وقوع ظلم , وفي ظل دولة يسودها القانون نجد أن الوعي بالحقوق أمر يسير في أغلب الأحيان لكن امتلاك الشجاعة للتصدي له هو الأمر العسير فإذا ما تجاهل الحقوق  صاحب السلطة و أهدروا العمل بالقانون فإن الأمر حينئذ يتطلب الاستعداد لدى الشعب للتصدي لهذا الظلم والدفاع عن الحقوق مع الاخذ بالاعتبار لما يمكن تحمله من العواقب الوخيمة نتيجة لذلك , وما يتطلبه الأمر من الشجاعة الاجتماعية والسياسية التي نطلق عليها أيضا الشجاعة المدنية وإقدام الموطنين , وعلى سبيل المثال حينما أقدم مأمور قسم الشرطة فيلهم كروتسفيلد على هذا الإقدام في التاسع من نوفمبر من عام 1938 حين ألقى بنفسه في الطريق في مواجهة قوات الجيش النازي بعد أعمال السلب والنهب فيما يعرف “بليلة الزجاج المكسور” حيث تم حرق معابد يهودية و إحراق متاجر بعض اليهود وقتل بعضهم الآخر , وكان الجيش النازي يزمع السطو على المعبد الرئيسي لليهود في برلين فلما وقف بوجهها حمى المأمور فيلهم كروتسفيلد المعبد اليهودي وهذا منعه من الاحتراق كبقية المعابد , وقد قال الرئيس الأمريكي “جاكسون” ذات مرة ((إن رجلا واحدا شجاعا هو كل ما يتطلبه الأمر لصناعة الأغلبية )) فأحيانا رجل واحد فقط يحرك شعوب بأكملها مثل حادثة “البوعزيزي” و وائل غنيم .

 

الجانب الثاني : الوعي بالعدالة وإصدار الحكم :

رغم أن السلطات بشكل عام تزعم أنها تتبنى سياسة تخدم الصالح العام كما تتلزم بتوخي العدالة كحد أدنى إلا أنه في الغالب تكون كاذبة و أن السلطة هي التي ترسم العدالة بما يناسب مصالحها لذلك هنا تبرز الفضيلة الثانية في المواطن وهي إدراكه العميق لمعنى العدالة الذي تنصب دلالته علاوة على ذلك على مهام وواجبات جديدة لم تتحقق حتى الآن ولم يعترف بها إلا القليل , وأيضا من الوعي بالعدالة الحرص على إيجاد قوانين عادلة _إلى حد ما _ والمنوط بهذا الشأن وفقا للشجاعة المدنية هو المكمل الثاني وهو قدرة العدالة على إصدار الحكم و المفترض أن يقوم البرلمان بهذا الدور لكن في الدول الرأسمالية الحديثة تكون المطالبة بمزيد من العدالة خطيرة على “النائب البرلماني” لأنه يريد إعادة ترشيح نفسه وبما أن المزيد من الحقوق تعني اقتطاع حق بعض الفئات فإنه بمطالبته تلك سيعرض نفسه إلى إخراجه من البرلمان في الدورة المقبلة .. لذلك نعول على أن يقوم بهذا الدور هو وسائل الإعلام و المواطنين ويشكلون جهات ضغط على البرلمان أو ربما يُنتخب واحد منهم ليحاول وضع قوانين جديدة أكثر عدالة من القوانين الحالية .

الجانب الثالث : وعي المصلحة العام

هنالك ثلاثة عوامل على أقل تقدير تفرغ الديمقراطية الحالية من معناها : العامل ألأول يرجع إلى تفاقم السياسة الحزبية والساسة المهنيين والعامل الثاني يتمثل في توغل نفوذ الدولة في مجالات المجتمع بشكل متزايد و أما العامل الثالث فيتضح من خلال تكثيف الدولة لحضورها في شكل بيروقراطية متنامية ويدخل في جزء من هذا أيضا النظام القضائي حيث إن النتيجة التي يخرج بها دائما ما تلتصق بشدة بالمواد الدستورية , ولكن مجتمع المواطنة بما يتمتع به من وعي لدى مواطنيه في درجتها الثالثة _الأولى والثانية ذكرناها آنفا _ فإن هذا الوعي العام هو وحده ما يتصدى لهذا “التأميم المجتمعي” وما يرتبط به من عبء يقع على الميزانيات العامة ونظرا لأن هذا الوعي يقوم على خدمة مهام تخص الصالح العام فمن الجائز أن نطلق عليه وعي المصلحة العامة .

والوعي العام الذي يخدم الصالح العام يتسم بطبقة أكثر جوهرية من ذلك الاستعداد في أن يتولى أحد منصبا عاما أو أن يصبح شخصية راعية أو أن يتعهد بالتزامه نحو مجتمعه ..فكما أننا نتكلم عن رأس مال اجتماعي يتحصل عليه الشخص من نضاله فهناك أيضا رأس مال ثقافي ولغوي يُشعر أي وعي عام ثقافي بضرورة المشاركة في المسئولية و أنه يتعهد بالتزامه نحو مجتمعه وثمة وعي عام يتوفر لديه الالتزام نحو أجيال المستقبل ويستحضر مسئوليته فإنه يهتم اهتماما خاصا و يبذل جهده في أن يورث على أقل تقدير هذا الرأس المال للأجيال القادمة في وفرة ونماء كما ورثه هو أيضا .

 

و في الحقيقة مجتمع المواطنة هو مفهوم يمكن تعبئته كثيرا أو قليلا فهو مفهوم تصاعدي و إذا نظرنا للأمر من حيث الشكل فإن مجتمع المواطنة يستهدف تحقيق غرضين يكمل منهما الآخر الأول : هو يعمل من أجل فض احتكار الدولة للمجال العام لكي يحمي نفسه من احتمالية استبدادها و الأمر الثاني هو أنه يجعل فكرة المساهمة الديمقراطية محل جدية من قبل المواطنين , وبشكل عام من الخطر أن يتم إبعاد المواطنين عن المجال السياسي وحصر المشاركة على السياسيين المحترفين وأن يكون دور المواطن مجرد انتخابات كل أربع أو خمس سنوات , و في الحقيقة إن عاقبة التصعيد المستمر للاحتراف الوظيفي للسياسة هو يمثل خسارة فادحة للتمثيل الديمقراطي وسيؤدي إلى تفريغ الديمقراطية من معناها الحقيقي وشد أزر مجتمع المواطنة وإثراء وعيه العام بهذا الموضوع عن طريق الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة يعيق هذه العملية إلى حد ما .

 

الخلاصة :

الكتب جيد لكنه صعب ورغم أن الكاتب كان يصر على ذكر أمثلة وتطبيقات على كلامه وهذا شيء جيد لكن يبقى أنه يتسم بنوع من الغموض وربما يكون للمترجم إسهام في ذلك .

 

Advertisements