ذاهب إليهم – قصة قصيرة  

((إن حصل تشابه بين وقائع القصة وبين وقائع حقيقية فهذا أمر نتمناه وهو مقصود ..وإن حصل تشابه بين أسماء من وردت أسمائهم في القصة وبين وقائع حقيقية فهذا أمر لا نتمناه  وهو غير مقصود البتة ))

 

 

أخيرا و بعد المحاولة السادسة والأربعين بعد المئة أنزل عقلي مرساته من الإرهاق واستقريت على الملابس التي سارتديها في هذه الليلة الخاصة , لم أكن راضيا أبدا عن اختياري ..فهذه الليلة الخاصة تحتاج أن ارتدي فيها ملابسا خاصة تليق بها لكني اخترت ملابس بسيطة وألوانها تقليدية خالية من كل إبداع ولفت للنظر .. جينز أزرق و قميص أبيض , و في تلك اللحظة تذكرت حسدي القديم للسياسيين ..لم أكن أحسدهم على النفوذ أو السلطة أو المال بل على وجود “منسق أزياء” يتواجد معهم بشكل مستمر ويقرر ما هو الشكل الذي يجب أن يخرجوا به على الجمهور ..ولازلت أحلم بوجود هذا الشخص بحياتي الذي يريحني من حمل اختيار الملابس و يتكفل هو باختيار جميع ملابسي _ماعدا الملابس الداخلية طبعا _ فمهما كان اختياري للملابس سيئا لا أريد أن يحدد لي أحد ماذا علي أن ارتدي في تلك المناطق وفي أثنا تخيلي لحلمي الجميل معجونا بقدر لا بأس به من شتم نظامنا السياسي الذي لن يسمح لي بالترشح لمنصب سياسي كنت أصفف شعري بطريقة آلية , و حينما هبطت الدرج من غرفتي التي تقبع في الدور العلوي كنت مسرعا وتعمدت أن أتجنب رؤية نفسي في المرآة ..لم أكن مستعدا أن أخوض هذه المخاطرة أردت أن أبدو واثقا ومعتدا بذاتي , و من واقع التجربة فإن رؤيتي لنفسي في المرآة يتبعها نقص حاد في منسوب الثقة في النفس .

صعدت إلى سيارتي وما أن لامس ظهري المقعد الجلدي حتى عرفت أن هنالك من استخدم السيارة قبلي وبما أن المقعد متحرك للأمام ففي الغالب أنه أخي الأصغر مني .. تبا .. وحتى المرآة الأمامية لم تسلم من تدخلاته اللعينة ..أعددت في قلبي خطابا مليئا بالشتم و السب و التهديد وقررت أن أختمه بطريقة مسرحية أقول فيها : “أني لا أمانع أن يستخدم أحد سيارتي لكني أتمنى أن يتحلى بقدر من اللياقة ليرجعها كما أخذها .. أو لا يأخذها أصلا “..خبأت الخطاب في أدراج الذاكرة وكنت أعلم سلفا أنه سيبقى هناك وأنني لن أتذكر إخراجه حينما أرى أخي , لم أسمح لهذه الحادثة الشبه يومية أن تفسد مزاجي و لا أن تقلل من حجم رغباتي التي كنت أكبتها طوال 23 سنة و اليوم سيسمح لها بالخروج إلى العلن أخيرا ..وأمام شخص حقيقي وليس من نسج خيالي أو لا أراه إلا في المنام .

وأنا ذاهب إليهم بدأت تلح علي الأفكار بالتسلل و كان الخوف موجا غاضبا يضرب مدن عقلي بشدة.. ماذا لو قدموا لنا “الخمر” والعياذ بالله كيف سأرفضها ؟ صحيح أنني رجل ارتكب من الذنوب مالله به عليم و صحيح أنني أؤمن بأن الله غفور رحيم لكن يبقى “الخمر” خط أحمر فالذنوب التي ارتكبـُها لها لذة ولا أدري ما اللذة الكامنة في شرب شراب يـُذهب العقل ..وزيادة على هذا هو “حامض” _صدقني لم أجربه لكني أراهم في الأفلام حينما يشربونه تتسلق وجوههم تعابير تشبه تعابيير من تذوق الليمون _ لذلك كنت عازما على أنهم لو قدموا لي الخمر سأرفضها ومهما أغروني بذلك حتى لو قدمته لي “روز” بنفسها فإني سأعثر على  طريقة دبلوماسية لاعتذر منها ..وهيأت في نفسي عذرا يضمر تغزلا لها من قبيل  : “أريد أن أكون بكامل وعيي و أنا معك ..صدقيني سيعاقبني عقلي شر عقاب  لو جعلته يفوت فرصة تأمل حسنك ..” رغم أنني حتى الآن لم أرى “روز” بعد  لكني متأكد أنها ستكون حسناء و تمنيت ألا ينافسني عليها بقية الشباب .. و الأسوء  ما لو كانت  مخصصة لأحد سابقا , و تمنيت بشكل أكبر أن يكون هنالك ما يكفي من النساء لنا , يا لها من لحظة تعيسة لو كنا 5 رجال و 4 فتيات ..سيكون هناك رجل زائد يشبه العضو الناتئ على سطح الجسم يجب إزالته , وسندخل في معركة داروينوية شرسة في الانتخاب “العاطفي” عند النساء طبعا بما أننا متحضرون فلن نتقاتل بأيدينا بل سنقاتل بعضنا بـ الكاريزما وجمال الحضور لكي نكسب قلب الفتاة.. لا تخشوا عليَّ فأنا قد جهزت أسلحة معركتي من الأشعار و الكلمات و الطرائف و حَدَدْت شفراتها جيدا ليلة أمس و ضامن انتصاري سلفا , و حينما فكرت بـ “روز” فكرت بمن قد يأتي من الفتيات الأخريات..ربما تأتي “بلقيس” و “عشتار” و “بين رايس” هؤلاء هن التي أطمح بحضورهن .. كلهن من متابعتي لكلامهن وجدت أنهم لديهن استعداد لأن يفعلن أية شيء ولديهن القدرة على الحديث و بناء الأفكار بطريقة ٍ مثيرة ..فلا تفهموني خطأً فرغم أني أحب أن تكون المرأة جميلة وملامحها تسر الناظرين وكذلك جسدها .. لكن أحب جمالها العقلي أيضا و أن تكون مثقفة ولديها القدرة على نسج النظريات و تمزيقها .

 

كانت المزرعة في “المزاحمية” خارج مدينة الرياض ..وهو مكان ممتاز لأن تفعل فيه أية شيء دون أن يعلم عنك أحد شيئا , لم أكن أكاد أصدق أنهم وجهوا الدعوة لي .. لم يكلفني الأمر سوى ستة أشهر من محاولة إبراز عضلاتي الفكرية و ترديد بعض الأسماء التي يعشقونها من قبيل جون ستيورات ميل و جيرمي بنثام و أحيانا فرويد ومشاركتي إياهم بعض أغاني فيروز وبعدها بفترة وجدت “عارف” يتصل على جوالي ويخبرني أن لديهم لقاء يوم الخميس في مزرعة في المزاحمية و أنه يتمنى  لو كان بإمكاني الحضور ..قلت بنفسٍ بالكاد يتماسك من اللهث في مضمار الحماس  : بالطبع أود الحضور ! ومن ذلك اليوم و أنا أفكر بهذا اللقاء و أتصفح مواقع الانترنت عن الأمراض الجنسية ..فلم أكن أريد أن أخاطر بأن تمنحني إحدى هؤلاء الملعونات مرض جنسي و متأكد أني لن أكون رجلهم الوحيد ..لذلك تصفحت الويكيبيديا وقرأت عما استطيع قراءته اكتشفت أن “الزهري” ليس مرضا خطيرا كما كان في السابق وأنه يعالج بالبنسلين ببساطة , لكن يبقى الشبح المرعب الذي يحط بجحافله في قلب كل من يريد العبث الجنسي “الإيدز ” قرأت أنه لا ينتقل عبر “القبل” وهذا شيء جيد ولا عبر اللمس وهذا شيء جيد أيضا ..وأما الشيء الآخر الذي أطمح أن أمارسه الليلة فهو ينتقل عبره , لكن الحمدلله امتلكت ما يكفي من الشجاعة أخيرا ليلة أمس و ذهبت إلى الصيدلة و ابتعت واقيا وأكاد أقسم أن “الصيدلي” علم ما أنا ناوي ٍ على فعله و اللعين حينما تقدمت إليه وقلت له بصوت خافت كي لا يسمعنا من هو بالمحل “ألديك واقيا ذكري ؟” قال بلهجته المصرية ” اييه؟ ” قلت له :كبوت ..قال بخبث لا يخفى وسفالة ليست بسيطة “اررفع صووتك يا بننني” ..والتفت علينا بعض الزبائن , كدت أن أضربه لكني  حافظت على أعصابي متماسكة , وقلت لن يفسد هذا الأسبوع هذا الصيدلي .

 رغم أني أعلم أن الموضوع قد ينتهي دون ممارسة الجنس و أن كثير من هذه اللقاءات لا يكون فيها إلا حديث فقط وأعلم عن بعض “القروبات” التي يخرج فيها الفتيات والشباب دون أن أن يتبادلوا حتى القبل , لكن كان لابد أن أخذ احتياطاتي فتخيلوا لو قالت “روز” لي أنها تريد ذلك الشيء و أضيع تلك الفرصة التاريخية التي انتظرها منذ 23 سنة بسبب أني لا أملك “كيس بلاستيكي” ! اشتريته و أنا أقول إن لم ينفع لن يضر و سأبقيه في محفظتي و أخرجه عندما احتاج إليه ..ولا تعلم متى تأتي تلك اللحظة ..

اقتربت من المزرعة و سلسلة أفكاري لازالت تتوالد والمخاوف تكبر ولأخمد نارها رفعت صوت “محمد عبده ” و أغنية “ما عاد بدري” وصرت أردد معه بصوتي الخشن الذي أكاد أقسم أن محمد عبده لو سمعني أردده معه في الاغنية لأعلن اعتزاله ..:

تقول باكر و أنت باكر تبرا .. برا الزمن واقف على مر الأوقات

بتنتهي الدنيا قبل ما تجرأ ..ولا ضاعت الفرصة ..ترا الموت حسرات

الحب كله لو جمع عشر ذرة ..و اللي بقلبي لك ملايين ذرات

احساسي لك كوكب تعدى المجرة ..فيه الفضا شيد لنفسه مجرات

 

 

هاهي المزرعة  تلوح لي ..و جسدي يفرز الادرينالين بكثرة لم يسبق لها مثيل ..دقات قلبي تتسارع ..أصابعي تنتفض و أنا اتصل على “عارف” تكاد أصابعي ألا تثبت على رقمه ..فتارة أتصل على من هو فوقه في قائمة الأسماء وتارة على من هو تحته ..تبا.. ما لك يا جسمي هكذا ! اثبت عليك اللعنة و اتزن هذا و أنت لم تقابل الفتيات بعد ! ها أنت تقف عند مزرعة تضم أعتا الأعضاء في المنتدى الليبرالي ..أخيرا وصلت إلى هذه المرحلة لا تشوه تاريخك بالخوف وترتعد أمامهم ! لا تنسى مجهودك الذي بذلته وكلماتك المنمقة السابقة ..كل ما في الموضوع أنك بدل أن تضربها على لوحة المفاتيح تقولها عبر لسانك .

وأخيرا اتصلت على عارف و بعد الكلمات الترحيبية المعتادة قلت له : أنا عند الإستراحة ..فقال : حسنا .. سأخرج لك .

لم أقابل عارف سابقا كان الذي بيننا كله اتصالات ورسائل فقط كان شابا سمينا و يرتدي نظارات و شعره طويل يرتطم بحاجز كتفيه ..كان شكله متناقضا فلم أرى سابقا شخصا سمينا وشعره طويل لا أعلم لماذا دائما يكون من هو سمين صاحب شعر قصير وفي حالات كثيرة يكون أصلعا وهل لهذا ارتباط طبي أم لا ؟  على أية حال صافحته و رحب بي وشكرته على الدعوة و تبخرت أرطال الرهبة بشمس “ظرافته” و “خفة دمه” , دخلت إلى المجلس و لعظيم دهشتي لم أرى فتاة واحدة استغربت لهذا لأنه في العادة يأتين مع أصحابهم ..لا يمكن أن يأتي بهن السائق إلى المزاحمية ! كأن أحدهما صب ماء باردا على رأسي و كدت أسأل عارف : أين الفتيات ؟ لكن فضلت الصمت ..

 لا أدري هل لاستمرار تفكيري بملامح الفتيات له دخل أم لا ..لكني فعلا وجدت وجوه الشباب الجالسين في المجلس قبيحة جدا ..

سلمت عليهم وهم واقفون وكان :عارف” يقدمني لهم فالشاب النحيل القصير “ماهر -” ويوزره بالمنتدى “الزئبق” وأما الذي قرر أن يأتينا بالثوب والشماغ والعقال فكان “زيد ” و يوزره بالمنتدى “بيلبوس ” و أما الشخص صاحب اللحية الكثة فهو “عبدالقادر” و يوزره بالمنتدى “اللعنة” و الشخص الرابع فلم يكن فيه شيء يميزه ..كان مثلي تقريبا ويرتدي جينز أزرق وقميص أبيض مثلي _ فكرت أنه ربما هو أيضا المرة الأولى التي يأتي فيها إلى هنا_ وكان هذا الشخص هو “سليمان” و يوزره بالمنتدى “حرِّيف”  جلسنا وقدم لي عارف فنجان الشاي وتحدثنا بكثير من الأحاديث المعتادة التي لا تختلف عن حديثي مع أصحابي في الاستراحة الأخرى , لم أفقد الأمل بعد فربما يأتين الفتيات بعد قليل ..وبعد مضي ربع ساعة من الكلام العادي والأحاديث الترحيبية وسرد أخبار المنتدى رن هاتف “عارف” فقال لنا بابتسامة ولهفة تلمع في عينيه: هاهم أتوا..فقال “عبدالقادر” بتنهيدة : أخيرا ! يحتاجون لشدة إذن .

ارتفعت آمالي كثيرا فربما الذين أتوا أخيرا هم الفتيات ..لم أكن أصدق أنني تصورت فعلا أن يكون لقاء هؤلاء الليبراليين خاليا من الفتيات ! هاهو عبدالقادر يقوم ويرتب الغرفة و يقوم بتحريك بعض الوسائد ويعيد تشكيل المجلس ..نعم إن القادم بالتأكيد هم الفتيات ..أسمع صوت عارف في الممر وهو يصرخ :” تأخرتم علينا الساعة تقريبا 9,30 ”

نعم عليهن اللعنة قد تأخرن علينا وكدن أن يقتلن أحلامي و أن يسقطنني في هاوية اليأس و أن الليلة ستنتهي بدون أن أقابل الفتيات  و أن كل العطور التي وضعتها و “الكريمات” التي كدست بها وجهي و رحلة اختيار الملابس المرهقة كانت كلها هباءا منثورا ! تعالين بسرعة تعالين إلى حضني فهو مشتاق..و أغمضت عيني ودعوت بأن تكون “روز” معهم لكن حينما فتحته ..

لم أرى روز معهم ولا “بين رايس” ولم يظهرأية كائن فيه شبه ولو من بعيد بأنثى ..كانا رجلين  مثلنا يغزو الشعر الكريه وجههما وصدرهما ! قام الشباب فقمت معهم أو بعدهم قليلا _كانت الخيبة تلصقني للأرض _ وعرفت أن أحد القادمين  “سالم” ويوزره بالمنتدى “لم يعد هنا ” وابن خالته “عبدالله” و يوزره بالمنتدى “سماء” كنت أعرف الأخير جيدا لأنني لفترة طويلة كنت أظنه أنثى فلذلك كنت أراقب ردوده بكثافة .

كانا يحملان معهما شيئا ما .. إنه  استريوا ضخم يحمل معه “مايك” و كانت في يد سالم الأخرى كاميرا .

وبعد لوم عبدالعظيم المطول لهما وتذكيره بأنهما أخَّـرانا كثيرا و أنه قد يأخذ الأجهزة من “سالم” الذي اعتذر بدوره بكون عبدالله هو الذي أخره الذي ألقى اللائمة بدوره على أخيه الصغير الذي كان يجب أن يضعه في بيت عمه .

 جلسنا جميعا ..وبعد خمس دقائق ثبتت الكاميرا وجلس عارف أمامها ممسكا بالمايك و بجانبه عبدالعظيم , ونحن جلسنا على الأطراف وبدأ عارف يقول : واليوم سيكون حديثنا عن مونتسكيو و أهمية نظريته في الفصل بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية والحديث سيكون لصديقنا “عبدالعظيم المقشور” ..نترككم معه مشكورا ” ثم بدأ عبدالعظيم يتحدث …..

لو كانت الخيبة لها ميزان يحصي ثقلها لبللغ وزن خيبتي 100 كيلو غرام تربض على صدري لم يحدث شيء جديد ..انتهى عبدالعظيم من محاضرته بعد 40 دقيقة كانت أثقل من درس “رياضيات” عند مدرس مصري في الدرس الأخيرة من يوم الأربعاء .. وبعد الانتهاء من المحاضرة أقفلوا الكاميرا و فصلوا سلك الاستريو الذي كان يحوي المايك .

و سألــَنا  عارف : ماذا نريد أن نتعشى ؟

اعتذر “ماهر” لأنه يجب عليه العودة للرياض ولن يتعشى معنا, ولم ندخل معركة طويلة كما ندخلها في استراحة أصدقائي عما نطلب في العشاء .

وهكذا انتهى اليوم بشكل سخيف وساذج و أنا ألعن الوقت الذي أضعته في الستة الأشهر الماضية عن قراءة كتبهم السخيفة و فلسفتهم الفارغة . ورجعت للرياض .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

بعد مضى ستة أشهر أخرى :

كنت أجلس في “شقة” في شمال الرياض مع بضعة أشخاص و أصرخ : سيد قطب رحمه الله كان نظره ثاقب ودقيق وتنبؤه كان صحيحا ..وأنتم انظروا إلى التنازلات التي اضطر أن يقدمها الإسلاميون لأنهم قبلوا باللعبة الديمقراطية ! حزب النهضة يقول بكل وقاحة :” الإسلام ليس مصدر التشريع الرئيسي للدولة” !

الغنوشي كل ما  فعله أنه قدم العلمانية بإطار إسلامي ..ويظن أنه سيخدعنا ! وأنى له ذلك !

Advertisements