اسم الكتاب: الهيمنة الذكورية .
اسم المترجم : سلمان قعفراني .
الدار الطابعة : المنظمة العربية للترجمة.
عدد الصفحات : 181
سعر الكتاب : 18 ريال _من المعرض_

– الهيمنة الذكورية :

السؤال الذي يحتل مساحات واسعة من وعيي  _أنا وليس بورديو_ منذ كنت صغيرا كيف ومتى ولماذا يكون الرجل في غالب الثقافات و في مجمل الحضارات المختلفة هو المسيطر و هو الطرف المهيمن في الحضارة و أن المرأة هي الطرف المستضعف و التي تتعرض لصنوف من الظلم والإهمال و تغييب دورها _وربما حضورها الفيزيائي _ من واقعنا , وبطبيعة الحال وجدت أجوبة كثيرة على هذا السؤال طوال رحلتي العمرية لكن كتاب “بيار بورديو” يقدم إضافة خاصة بسبب إستراتجياته المثيرة و سكه لنظريات جديدة تعطينا “تلسكوب” ذو عدسة ممتازة تقرب الصورة البعيدة وتعطينا القدرة لنراها كما هي في الحقيقة , يبدأ بورديو كتابه بتعريفه لنظرية  “مفارقة المعتقد” وهي واقعة أن نظام الكون كما هو باتجاهاته الوحيدة واتجاهاته الممنوعة _على المعنى الحقيقي أو على المعني المجازي_ وبالتزاماته وعقوباته مُحترمٌ في الإجمال , وأنه لا يكون فيه بعد انتهاكات وانقلابات وجنوحات “وحماقات” وهذا محل استغراب لكن الغريب أكثر أن يكون النظام القائم المُحترم مرتبط بعلاقات الهيمنة و إهداره حقوق الغير وامتيازاته ومظالمه يتأبد في نهاية الأمر هذا النظام بذاك القدر من اليسر , و باستثناء بعض الحوادث التاريخية الطارئة كأمر أن يكون هذا النظام متعلق بأحد ضرورات الوجود الذي لا يطاق التخلي عنها , وعندما نتأمل الهيمنة الذكورية والطريقة التي تفرض وتحتمل بها وتتجشم المثال الأكثر تعبيرا لذلك الخضوع المفارق بما هي أثرا لما يسميه بورديو العنف الرمزي ذلك العنف الناعم واللامحسوس واللامرئي من ضحاياه أنفسهم والذي يمارس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال والمعرفة أو أكثر تحديدا بـ “الجهل” والاعتراف أو بالعاطفة حدا أدنى , هذه العلاقة الغير عادية يسعى النظام الاجتماعي بشكل مستمر إلى جعلها عادية وهذه العلاقة الغير طبيعية يحاول النظام الاجتماعي بشكل متواصل أن يؤكد أنها طبيعية للمهيمن وللمهيمِن عليه , و يسعى النظام إلى جعل “الاعتباطية الثقافية” بأن تُقدم على أنها وقائع سببية و عيانية تربط بعضها بالبعض الآخر ويقدم “الاعتباطي” الوقائع على أنها حقيقية من غير سند يسديها تلك الخاصية إلا الواقعة نفسها التي هو أصلا مطالب بجلب حجة ليبررها , و لذلك يجب تبيين “مفارقة المعتقد” _المعتقد عند بورديو هو الرأي المشترك والسائد الذي يخفي حقيقة الأشياء والوقائع وهو ليس مصدرا للمعرفة العملية بقدر ما هو شرعنة لاواعية في  مستوى الرأي للممارسات السائدة ._ ولذلك يرى بورديو أن الطريق لحل إشكالية الهيمنة الذكورية هو في إرجاع “المعتقد” إلى سمته المفارقة بأن يثبت أنه ليس مبررا عمليا لأن يحدث ما حدث بل هذا المعتقد هو من صنيعة الطرف المهيمن ليبرر هيمنته و أيضا يجب أن نفكك الصيرورات التاريخية المسؤولة عن تحول التاريخ إلى “طبيعة” وتحويل الاعتباطية الثقافية بأن تكون طبيعية , وبورديو يؤكد أن العنف الرمزي أكثر ما يستخدم على الخصائص الاعتباطية والغير متوقعة والإنسان لا يكون مسؤول عنها وتكون تتعلق بالجسد كـ “لون البشرة” و “نوع الجنس” .

 

الجسد كموضع لفرض الهيمنة :

ينتقل بورديو للحديث عن الجسد باعتباره المنطقة الأبرز الذي يحدث فيها التمايز بين الأنثى والذكر ويقول بورديو إن قوة النظام الذكوري وهيمنته تتراءى فيه أمرا يستغني عن التبرير ذلك أن الرؤية مركزية الذكورة تفرضه نفسها كأنها محايدة وإنها ليست بحاجة إلى أن تُعلن عن نفسها في خطب تهدف إلى شرعنتها , والنظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية هائلة تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسس عليها إنها التقسيم الجنسي للعمل والتوزيع الصارم جدا للنشاطات الممنوحة لكل واحد من الجنسين لمكانه وزمنه وأدواته إنها في بنية الفضاء مع التعارض بين مكان التجمع أو السوق المخصص للرجال والمنزل المخصص للنساء أو التناقض داخل المنزل بين القسم المخصص الذكوري مع الموقد , والزريبة وجلب الماء والخضار مع القسم الأنثوي .

إن العالـَم الإجتماعي يبنى الجسد واقعا مجنسا ومؤتمنا على مبادئ رؤية مجنسة وينطبق هذا البرنامج الاجتماعي المستدمج للإدراك على كل الأشياء في العالم وفي المقام الأول على “الجسد نفسه” في حقيقته البيولوجية , إن البرنامج الاجتماعي نفسه هو ما يبني الاختلاف بين الجنسيين البيولوجيين وفق مبادئ رؤية أسطورية للعالم متجذرة في العلاقة الاعتباطية لهيمنة الرجال على النساء وهي ذاتها متأصلة مع تقسيم العمل في حقيقة النظام الاجتماعي .

وهكذا بإمكان الاختلاف “البيولوجي” بين الجنسيين أي بين الذكر والأنثى أن يظهر نفسه على أنه التبرير الطبيعي للاختلاف المبني اجتماعيا بين النوعين وبشكل خاص للتقسيم الجنسي للعمل فإن الجسد وحركاته باعتباراتها سجلات لمبادئ كونية تخضع لعمل بناء اجتماعي لا هي محددة بالكامل في دلالاتها الجنسية تحديدا كاملا ولا غير محددة بالكامل بحيث إن الرمزية مرتبطة بها هي في الوقت ذاته اصطلاحية و “معللة” فتدرك بالتالي كأنها شبه طبيعية , لذلك يجب النظر إلى “عمل” المرأة والرجل والفروق بينها على أنها نتاج لهذه الهيمنة وليست سببا لها .

 

النظام الاجتماعي الذكوري يريد تؤكيد هيمنته وفرضها بصور مختلفة تتسلل إلى “اللاوعي” الجمعي وتجعل هذه الهيمنة هي النتيجة الطبيعية لحالة معينة و أنها تملك من الشرعية ما يكفي , فأما الهيمنة في الفراش فمع أن هنالك فلسفات عديدة ترى في العملية الجنسية القالب الأصلي الذي تولد منه شكل الوحدة لمبدأين متناقضين “السماء – الأرض , نار – ماء , جبل – وادي ” لكن العملية الجنسية مُفكر بها بالنظر إلى مبدأ أولية الذكورة والتعارض بين الجنسين يتأصل في سلسلة من التعارضات الخرافية – الطقوسية : أعلى /  أسفل , فوق / تحت , جاف / رطب , و عن الرجل الذي يشتهي يُقال : موقده أحمر وقدره يحترق وعن النساء يُقال لديهم القدرة على “إطفاء النار” و “تعطي للشرب ” فنلاحظ أن الإيجابية والحركة والعلو والسلطة تنسب للرجل في العملية الجنسية و السلبية و الثبات والسفل والخضوع تنسب إلى المرأة في العملية الجنسية ولذلك يقول أحدهم أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة شبيهة بالعلاقة بين المكنسة و الأرض فالمكنسة تتحرك ذهابا وإيابا وهي الرجل والمرأة بمثابة المنزل , و عدد كبير من الحضارات تدين بشكل صريح الوضعية التي تكون فيها المرأة هي التي بالأعلى في العملية الجنسية _وفي كتاب “الخطاب الجنسي” نقلت نصوص تؤكد رأي الحضارة الإسلامية و إدانتها لهذه الوضعية _ , و المهبل مفكر فيه على أنه “فارغ” وليس هذا فقط بل هو الإنقلاب السلبي للقضيب , إن نية النظام الاجتماعي لتأكيد هيمنته تتضح في العملية الجنسية بدون مواربة وتؤسس على أنها نظام اجتماعي مهيمن عليه من مبدأ الذكورة , والفعل الجنسي في اللغة هو علاقة للهيمنة فاللغة تحيل الفعل الجنسي للسيطرة والتملك والهيمنة والقوة ففي الفرنسية “baiser’ و بالإنجليزية ” to fuck’

ومعناها أن يُخضع لسلطته و أيضا “خُدع” و “غلب على أمره” _لا أعلم إن كان قصد بورديو هو أن أصل اشتقاق الفعل الفرنسي والانكليزي من هذه الكلمة أصلا أو أنها أصبحت تعني مجازا إلى هذه المعاني بعد استخدامها للدلالة على الفعل الجنسي أولا فإن كان قصده المعنى الثاني فاللغة العربية لا تختلف عن اللغتين في ذلك , بل حتى في “اللغة العامية” يتم استخدام هذا الفعل للدلالة على الهيمنة و السيطرة أو التعرض للخضوع و الهزيمة _ فإذاً اللغة لم تقف محايدة بل دخلت إلى حلبة الصراع و أكدت أن العملية الجنسية في اللغة هي “هيمنة” للرجل و “إخضاع” للمرأة .

وفي أغلب المجتمعات تكون ممارسة الجنس والتمثلات الجنسين ليست متناظرة بالمرة ليس لأن الفتيات و الفتيان لديهم وجهات نظر مختلفة جدا _حتى في مجتمعات متقدمة مثل أوربا وأمريكا _ فالرجل ينظر إلى العلاقة الغرامية إلى كونها فتحا وغزوا ويكون هنالك مجال رحب للتبجح بمغامراته في تجمعات الرجال والفعل الجنسي نفسه يــَـنظر إليه الرجل على أنه شكل من أشكال الهيمنة والاستيلاء و “التملك” , و نزار قباني خير من يمثل هذه النزعة “الغزوية” لدى الرجال وأنهم امتداد للسلاطين الذين يفتحون المدن ويستولون على الغنائم فنزار يقول :

لن يقف شيء أمام طموحاتي الشعرية ..

وشبقي اللغوي

لن يقف شيء أمام نزيف كلماتي ..

وصراخ شهواتي ..

سأهبط على رمال جسدك بمظلاتي الملونة .

وأجرد حرسك من سلاحه ..

واستولي على كنوز روما ..

وأفتح أبواب القسطنطينه .

 

فنزار يشبه نفسه بـ “محمد الفاتح” و “أتيلا” و يريد أن يفتح “مدينة” و أن يكون غازيا آخر يحمل راياته لسيطر على منطقة جديدة ويضيفها إلى مملكته الواسعة , وهنا بالضبط ينبع الفارق الشاسع بين المرأة والرجل في تصورهم للعلاقة الجنسية وسوء الفهم بينهم المرتبط بالتأويلات السيئة “للإشارات” المبهمة عمدا أحيانا أو الخادعة التي تنتج عنها , فالنساء المهيئات اجتماعيا لعيش الجنسانية كونها تجربة حميمية ومحملة بشدة بالعاطفة والتي لا تتضمن بالضرورة للإيلاج بل يمكن أن تشمل عدد كبير من النشاطات مثل الكلام والمداعبة والعناق واللمس , فإن الرجال ميالون إلى “تقسيم” الجنسانية التي يتصورونها فعلا عدوانيا وجسديا بشكل خاص للفتح الموجه نحو الإيلاج ورعشة الجماع , ومن أطرف الأشياء التي تؤكد هيمنة الرجل وسلطته كما تقول الباحثة كاترين ماك كينون هي من خلال “تظاهر المرأة بالوصول إلى الذروة الجنسية” وهذا إثبات مثالي لسلطة الذكورة على جعل التفاعل بين الجنسين مطابقا لرؤية الرجال الذين ينتظرون من الرعشة الجنسية النسوية أن تكون دليلا على رجولتهم وفحولتهم.

 

– الهيمنة في المجال الاجتماعي :

إن بناء اعتباطيا للبيولوجي وبشكل خاص للجسد المذكر والمؤنث ولاستعمالاته ووظائفه لا سيما استعمالاته ووظائفه في مجال إعادة الإنتاج البيولوجي هو الذي يعطي أساسا ظاهريا لرؤية المركزية الذكورية لتفسيم العمل الجنسي وللتقسيم الجنسي للعمل , ومن ثم لكل “الكون” إن القوة الخاصة لتبرير النظام الاجتماعي الذكوري إنما تأتيه من أنه يراكم ويكثف عمليتين : أنه يشرعن علاقة هيمنة من خلال تأصيلها في طبيعة تصور بيولوجية هي نفسها بناء اجتماعي مُهيمن , فالهيمنة الذكورية مسألة معقدة ومركبة فهي أولا ترتكن إلى البناء البيولوجي الجسدي للذكر والأنثى لكن هذه النظرة “البيولوجية” للذكر والأنثى نفسها هي نتيجة للهيمنة الذكورية وجرى تطبيعها من خلال الاختلاف البيولوجي للذكر والأنثى , لا يختزل عمل البناء الرمزي على صياغة مضمون حصرية للتسمية توجه وتبني التمثلات نحو الجسد بدءا بتبني رؤية معينة للجسد _وهي ليست بهينة_ وينتهي ويكتمل بتحويل عميق ومديد للأجساد و “العقول” أي بواسطة عمل من بناء عملي فارضا تعريفا تفاضليا للاستعمالات الشرعية للجسد لاسيما الجنسية منها , إن الناموس الاعتباطي يؤسس الطبقتين في الموضوعية على اعتبارات جسدية بحتة ويخلق هابتوسات عديدة _وهو نسق الاستعدادات التي ينشأ عليها الفرد ويكتسبها وهو يعمل وفق آليات داخلة ومعقدة تكوَِن حدود النسق وتشكله في استقلالية عن محيطه وتظهر في العلن عبر ممارسات تعبر عن الهوية الاجتماعية وانتمائه ._ وهذه الهابتوسات تتجلى بحسب مبدأ التقسيم المهيمن القادر على إدراك العالم وفق هذا المبدأ وفق كونه عمل جماعي عظيم من تطبيع اجتماعي مسهب ومستمر .

و منذ زمن طويل كانت الأعمال النبيلة يختار الرجل أن يقوم بها ليس بسبب طبيعة جسدية كما يُدعى فإن “قيادة” المحراث تستطيعه المرأة لكنها لا تقوم به مدام الرجل موجودا وكذلك طقوس قطف الثمار تقوم به المرأة بمساعدة الأطفال كما هي العادة وحتى في عصرنا الحاضر لا تزال غالبية المجتمعات تنظر بنوع من الاستهجان من وجود “ممرض” رجل وخاصة إذا كان سيقوم بأعمال تــُحتقر فإن الأصل أن تقوم هذه الأعمال المرأة وفي المقابل “الجراحة” وهي المرتبة المقدسة في الطب يتولاها في الغالب الرجال , وأما في المجال الاجتماعي فإن المجتمعات الحديثة تتوقع من الأنثى تصرفات معينة بجسدها مثلا يبقى ظهرها مستقيما وبطنها يجب إضماره وساقيها يجب ألا تنفرجا ولهذه التصرفات دلالاتها فحمل بطن كبير يدل على نقص الإرادة وجعل الرجلين منفرجتين هو دلالة على الابتذال وكما تقول فريغا هوغ “وكأنه مطلوب من الأنثى أن تجعل من نفسها صغيرة” فالمقصود هو تقليص المساحة الاجتماعية التي تحتلها المرأة وحينما يتم تقليص جسدها سيتم تقليص مساحتها الفيزيائية أيضا وهذا نوع من الحبس الرمزي , ولنتذكر طريقة اللبس في أوربا في القرن التاسع عشر والثامن عشر حيث كان يـُضيق جسم الأنثى ويحاصره .

 

وفي ملاحظة مثير يقول “بورديو” إن ما نسميه “الحدس الأنثوي” باعتباره أحد المميزات الأنثوية وهو شكل آخر من أشكال الهيمنة وهو في عالمنا غير منفصل عن الخضوع الموضوعي والذاتي الذي يشجع أو يجبر على الانتباه و الحدس وتفهم الإشارات من غير الحديث وعلى المراقبة والتيقظ الدائمين الضروريين من أجل استباق الرغبات أو استشعار المضايقات , وقد أبرزت الكثير من الأبحاث نفاد البصيرة المميزة الذي تكون للمهيمن عليهم وخصوصا النساء منهم _مثل الخادمات السود _ وهن أكثر حساسية للمؤشرات غير الشفهية “النبرة مثلا” من الرجال , والنساء يعرفن على نحو أفضل رصد انفعال غير شفهي وفك رموز المضمر , وبحسب احد التقارير فإن النساء بشكل عام قادرات على الحديث عن أزواجهن بشكل خاص و بكثير من التفاصيل فيما الرجال لا يستطيعون وصف زوجاتهم إلا بأوصاف عامة و من خلال الأفكار المنمطة التي تصلح في العادة “لكل النساء” .

 

ومن صور هذه الهيمنة تتجلى في أن غالبية النساء يصرحن أنهن يتمنين أن يكون لهن شريكا أكبر سنا وكذلك على نحو متماسك للغاية أكبر منهن وذهبت ثلثا نساء فرنسا إلى حد رفض علني لرجل أقل منهن عمرا وفي الغالب الرجال أيضا يريدون نساء أصغر منهن فمالذي يعنيه هذا ؟ يعني أن الفارق العمري الذي سيعكس غالبا درجة معرفية أكبر و خبرة حياتية أعمق يتجلى في العلاقة الزوجية فالنظام الاجتماعي يريد أن يكون الزوج أكبر سنا من المرأة ولذلك أنشأ تكتيكات مختلفة لتحقيق هذا الأمر _مثلا كون الرجل يتزوج في سن أعلى من المرأة والمرأة تتزوج قبل الرجل و أيضا جعل الرجل مسئول عن الأمور المادية مما يجعله يؤخر زواجه عكس المرأة _ وفي ملاحظة مثيرة يقول ميشيال بوزون أن المرأة ترفض أن تتزوج رجلا أصغر منها في الغالب لأن هذا يعطي انطباع أنها “مهيمنة” وهذا يحط منها اجتماعيا فهي تشعر بأنها منقوصة مع رجل منقوص لأنها تهيمن عليه , 

وبإمكاننا أن نتفهم الآن لماذا المرأة التي تملك رأس مال _مادي أو اجتماعي أو سلطوي_ فتقترن برجل أصغر منها _كمادونا و ديمي مور _ لأنها تشعر مسبقا بهيمنتها و أفضليتها وتملكها أدوات القوة فالمرأة التي تتزوج رجلا أصغر سنا منها وفي حالات ليست بقليلة تكون المرأة رئيسة للرجل .

 

 

– عوامل التغيير

لاشك أن وضع الهيمنة الذكورية في تقلص ولم تعد تفرض نفسها بداهة حتى في المجتمعات المحافظة , وكثرت المطالبات بالتشكيك في الشرعية لهذه الهيمنة الذكورية وهذا راجع إلى سبب تحول الوظيفة المدرسية فأصبحت تشمل النساء وأنهن نلن شهادات جامعية وهذا تبعه تغييرات في الشكل الإقتصادي إذ أصبحت المرأة تطمح إلى مزوالة العمل بعيدا عن الأعمال التقليدية التي تجعلها تابعة للزوج أو الأب مثل الخياطة و قطف الثمار ونحوها , و أيضا تأخر سن الزواج وتبعه تأخر سن الإنجاب وقلـَّته وهذا جعلها تتحرر إلى حد ما من “البيت” وسنح لها عدد من الخيارات المختلفة , والأمر الذي ساهم في التغيير هو الحركة النسوية و الأعمال النقدية الضخمة التي وجهتها إلى الهيمنة الذكورية وجعلتها تتزلزل وتضعف , ولأننا أيضا نعيش في عصر يتعاطف مع المهيمَن عليه ويعطيه حق التمرد على المهيمن ويخبره أنه كل الهيمنات إنما هي موجودة فقط في ذهنك .

لكن مع ذلك ينبغي ألا نرتكن إلى هذه التغييرات التي قد تكون فقط تغييرات ظاهرية فإن المرأة حينما خرجت إلى “العمل” وبحكم طبيعتهن أنها ميالات إلى الجمال و الأناقة وهذا شيء إيجابي لكن في مجال العمل أصبح عملهن الأكثر إنما هو يتعلق بـتأمين نشاطات “المظاهر” و “العرض” و “التمثيل” و “الاستقبال” فيكن مضيفة طيران و مضيفة استقبال و مضيفة مؤتمر و مرافقات ويبقين مبعدات عن الأماكن المهمة والحساسة التي تتخذ فيها القرارات .

 

– الخلاصة

الكتاب رائع ومنهج بورديو في الكتابة و ملاحظاته مثيرة و تستحق التأمل تحدث في كتابه عن الجسد وكونه تعرض لـ “معتقدات اعتباطية” لتبرير هيمنة الذكورة وسطوتها على الأنوثة و دور الإقتصاد المنزلي و أنماط الإنتاج الرمزي ودورها في استمرار هذه الشرعنة و أيضا “الجنس” وكونه فعل “كوني” تجمع فيه الحضارات _تقريبا_ على هيمنة الرجل فيه , ثم انتقل إلى ذكر “الرجولة ” بإعتبارها “نبالة” ولنتذكر أن “معارك الشرف” التي كانت تقام في المجتمعات الغربية ويُقصد منها حفظ شرف الرجل لم تكن تقوم بين النساء وفي المجتمعات العربية نقول “وعد رجال” و الوفاء بالوعد يعتبر من أعلى درجات الشرف والنبل ومن يخلف وعده يـُلمز ويُعير فكأن هذا الشرف هو للرجل في الأصل , ثم ذكر الكاتب أثر هذه الهيمنة على “الرجل” نفسه و أثرها السلبي تحديدا بأن جعلته مثقلا “بالسيطرة” وأنه عليه أن يثبت هيمنته ليس أمام المرأة فقط بل أيضا أمام المجتمع ككل فكلنا يعلم أنه في جزء من المجتمعات المغربية في “ليلة الدخلة” يصف الناس بجوار غرفة العروس وينتظرون من الرجل أن يكون “رجلا” بما فيه الكفاية ليفض بكارة المرأة , وتحدث عن “نزع الوهم” ولذته و أن الطريق لمعالجة الهيمنة الذكورية هو نزع الوهم هذا من الوعي و تحدث عن “العنف الرمزي” وهو أحد أشهر مصطلحاته و أن هذا العنف له أثره في الواقع و أن مشكلته الأصلية هو في الاستعدادات لممارسة هذا العنف وفي تلقيه ويجب تفكيك هذه الاستعدادات ومعالجتها .

 

Advertisements