– استعداء السلطة

بعدما كانت مهنة رجال المباحث مهنة ٌمحط استصغار في أعين المجتمع السعودي و يُنظر إليها بكثير الريبة والحذر وقليل من الاحترام و تصـْدر عشرات “النكت” على أصحاب هذه المهنة بشكل يجعلك تتعاطف معهم بطريقة ٍ ما , أصبحت مؤخرا مهنة عدد من الدعاة والوعاظ و رغم أننا قد نلتمس العذر لرجل المباحث الذي يفعل ما يفعل مقابل مبلغ مادي _ لا بأس به في الحقيقة _ إلا أن هؤلاء الوعاظ يقومون بعمل رجل المباحث على أكمل وجه ويقدمون خدمات جليلة في معاونة السلطة على المجتمع ولا يستلمون إلا لعنات  التاريخ , نقف مشدوهين أمام هذا الاستعداء السافر و “البيانات” المكدسة بالتدليس والكذب ثم  تُقدم إلى السلطة على طبق من فضة وتطالبهم بتدخلهم لإيقاف ما يرونه انحرافا ! ومن قبل أشخاص هم أنفسهم عانوا من ظلم السلطة في فترة من حياتهم و من “تقارير” خصومهم الفكريين و ألقوا في السجون , فلماذا يريدون أن يعاني غيرهم من المصير الذي كانوا هم فيه ؟!

التفكير الساذج لهؤلاء الوعاظ أن “المختلفين” عنهم يقومون بإضلال الناس و تلويث دينهم الصافي كاللبن , ومن المفيد أن نعرف أن هذه الفكرة بعينها استخدمت في أوربا في القرون الوسطى و أصدر البابا “فتوى” بوجوب الإبلاغ على الهراطقة _وطبعا كان يكفي أن تخالف تعاليم البابا حتى تكون أكبر هرطوقي _ و أصدر البابا إينوستنس الثالث “فتوى” تقول ((لا يتعين علينا البتة أن نحفظ الوفاء تجاه من لا يحفظه أمام الله ولا يجوز الاحتفاظ بأي سر في قضية هرطقة لأن الذي يكون مخلصا تجاه هرطوقي يكون كافرا اتجاه الله )) ويقول المؤرخ هنري شارل ليا ((كان يجري تعليم المسيحيين أن واجبهم الأول لم يكن المساهمة في إبادة الهراطقة وحسب بل كان يجري دفعهم بلا تأنيب ضمير إلى كشفهم أمام السلطات خلافا لكل اعتبار إنساني أو آلهي , وكان الناس يُعلمون أن روابط الدم ليست عذرا لمن يخفي هرطوقيا , فقد كان على الابن أن يشي بأبيه وكان الزوج يعتبر مذنبا إن لم يشي بزوجته ))  (1)  وطبعا حجة هؤلاء لا تختلف عن حجة السلفيين فكلهم ينطلقون من مبدأ “الحفاظ على صفاء العقيدة” وكما أن الأوربيين عندهم الهراطقة فنحن لدينا “الزنادقة” وكل من يخالفنا فأسهل ما علينا أن نقول عنه زنديق لنسقطه وكما أن توما الأكويني سيبرر محاكم التفتيش بأنها بسبب تزييف العقيدة و أن هذا التزييف ليس أقل خطرا من تزييف النقود فكذلك هذه الحجة سيستخدمها بعض السلفيين في عصرنا .

هل ينطبق الحديث عليهم ؟ 

ومن باب الشهادة للتاريخ نقول إن  الجماعة السرورية هي التي تولت كبر “البيانات” و جيشت كل أساليبها لتشويه “ملتقى النهضة” و القائمين عليه واستعانت بالسلطة الكويتية لإيقافه و هذه الجماعة تستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا ما لك قال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم)) (2) وهؤلاء القوم يهيمون غراما على تنزيل الآيات والأحاديث على أنفسهم فليس هنالك حديث يمدح فئة و يذكرهم بخير إلا كانوا هم هؤلاء القوم و ليس هنالك آية أو حديث تقدح في فئة وتذكرهم بسوء إلا كان خصومهم امتداد لهذه الفئة ومن هذه الأحاديث التي تم استخدامها هذا الحديث الصحيح الذي ورد في البخاري , وهذا الحديث الشريف هو مثال و حتى ينطبق وصف هذا المثال على حالة معينة يجب أن تتوافر فيه ثلاثة شروط

الشرط الأول : أن يكون الفاعل مفردا وكل العقلاء _الذين في أعلى السفينة _ يخالفونه ولنلاحظ أن الحديث يتحدث عن فرد مقابل جمع فيقول الذين أنكروا خرق السفينة : ما لك ؟ أي صيغة موجهة لمفرد فيكون رده :” تأذيتم بي ”  تأكيدا على أنهم جماعة وهو فرد فإذاً شرط الإنكار في هذا الحديث وشرط تطابقه مع حالة بعينها أن يكون الفعل الذي يُفعل يفعله فرد و تكون الجماعة رافضة لفعله .

والشرط الثاني الذي ورد في الحديث ليتم الإنكار و لكي يطابق حالة بعينها أن يكون الفعل الذي يُفعل يتعلق بآخرين وليس قاصرا على فرد بعينه فإن خرق السفينة و غرقها سيتأذى منه عموم من ركب السفينة مثل الذي يسرق مالا عاما أو يغصب أرضا للمسلمين لكن من كانت معصيته لا تتعداه وهي مستورة فإن هذا ليس داخلا في الحديث ولذلك ينقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه ؟ فقال : وما عليك وقد غاب عنك ؟ فلا تفتش ! ويقول القاضي أبويعلى ((ولا يجب على العالم ولا العامي أن يكشف منكرا قد سُتر بل محظور عليه كشفه لقوله تعالى ((ولا تجسسوا)) (3)

والشرط الثالث الذي ورد في الحديث حتى يطابق حالة بعينها يجب أن يكون الفعل الذي يؤخذ على يدي فاعله يؤدي للتهلكة _الغرق_ وليست كل معصية تؤدي إلى الهلاك .

فإذا استعداء السلطة أو الأخذ باليد ولكي تنطبق حاله على حال السروريين الذين رفضوا ملتقى النهضة يجب أن تتم بالثلاثة الشروط هذه كما وردت في هذا الحديث , وليس هذا الحديث هو ما جعلنا نرفض استعداء السلطة ولكن هو للرد على تنزليهم على حالتهم لا أكثر .

– لماذا استعداء السلطة خطيئة ؟ 

وإنما الذي جعلنا نرفض استعداء السلطة على المفكرين والعلماء حتى وإن كنا مخالفين لهم هو أننا نؤمن أنه من الظلم حرمان الشخص من حق التعبير عن رأيه الذي كفله له الله تعالى في قوله ((وجادلهم بالتي هي أحسن )) (4) ومن المعلوم أن المجادل يجب أن يتيح لخصمه عرض فكره ورأيه وأدلته وإلا لم يكن مجادلا له بل كان “واعظا” أو “مذكرا”أو “مقرعا”  فضلا على أن يكون مجادلا بالتي هي أحسن كما أمره الله,

والسبب الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستمع لخصومه ويستمع لأقوالهم ويرد عليها ويناظرهم بالحجة والبرهان والقرآن ومن ذلك قصته مع عتبة بن الربيع حينما أتى يحدثه فيقول لرسولنا كلاما سخيفا ساقطا متهافتا من قبيل إن كنت تريد مالا أعطيناك ! و إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ! فاستمع له رسول الله إلى أن انتهى ولم يقاطعه ثم تلا عليه سورة السجدة من بدايتها حتى موضع السجود (5) وكذلك حينما أتى أبوسفيان إلى المدينة يريد تجديد صلح الحديبية لأنهم نقضوه فلم ينهره رسول الله ويحرمه من الحديث   بل أعطاه حقه في أن يتحدث وفي المسجد يقول للمسلمين ما أراد وهم يستمعون إليه , ولم يكتفي أبوسفيان بهذا بل ذهب إلى أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم جميعا يطلب منهم أن يجيروا بين الناس ويغريهم بأنهم سيكونوا سادة العرب لو فعلوا ذلك و يحقنوا دماء قومهم وكلهم رفضوا , وحينما كلم عليا كانت فاطمة حاضرة ومعها الحسن بن علي وكان غلاما يدب بين يديها فالتفت إلى الزهراء وقال هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب آخر الدهر ؟!  (6)

ويجب أن ننتبه إلى أن رسول الله لم ينهر هؤلاء الصحابة الكرام لأنهم تحدثوا مع أبي سفيان ولم يسميهم بالخونة لأنهم جلسوا مع عدوه وعدو الدولة الذي لا يـُخفي عدائه لهم , ولك أن تتخيل ماذا كان سيقول هؤلاء الحمقى عن أبي بكر وعمر لو كانوا في عصرنا وجلسوا مع عدو من أعداء المسلمين بقامة أبي سفيان فهؤلاء يعدون مجرد الجلوس مع مخالف للطائفة خيانة فما بالك بمجالسة العدو الأبرز للدين و للدولة معا!

 والسبب الثالث الذي يجعلنا نرفض استعداء السلطة أن المسلمين يختلفون منذ عهد الصحابة _حتى في ما يعد الآن من مسائل الأصول كالعلاقة مع السلطان وهل يجوز الخروج عليه أم لا ؟! _ وسيستمر هذا الخلاف ولن ينقطع , وحرمان فئة من الناس من منبرهم سيولد أمرين الأول أنه سيتشوه فكر هذه الطائفة من قبل خصومهم وستُحرم هذه الطائفة من التقارب الفكري الحقيقي مع خصومهم لأنهم لن يستطيعوا عرض حججهم وأدلتهم و يكونون مضطرين لإخفائها وتداولها في سراديب مظلمة و إظهار الموالاة لخصومهم وبعد ما كان أصحاب هذا الفكر يحملون “معتقدات” فكرية صرفة سيتبنون ايدولوجيا “سياسية” وبالتالي سينمو هذا الفكر ويكبر في هذه السراديب حتى يأتي يوما ويملك القوة الكافية للخروج وتحطيم خصومهم الذين حرموهم يوما من الحديث كما حصل تماما مع الأفكار الباطنية و الشيعية و المعتزلية , وحينما ابتدأت الدعوة العباسية وجدوا في طوائف عريضة من المعتزلة و الشيعة خير وقود لحركتهم لأنهم كانوا يعانون من “الكبت الفكري”وأنهم كانوا يـُطاردون وعلمائهم يُقتلون , والأمر الآخر الذي سيحصل حينما يحرم هؤلاء من منبرهم أن الضرر سيطول “المانعين” أنفسهم إذ أن الساحة ستخلو لهم و يـُحرمون من “الديالكتيك ” إذ أنه من المعلوم أن المناقشة الفكرية مع المخالف تثمر فكرا جديدا يجمع بين النقيضين وما من فرقة من الفرق كما يقول ابن القيم إلا قالت حقا وباطلا  فحينما تـَحرم الفرق المخالفة من الحديث أنت في الحقيقة تحرم نفسك من الاستماع للحق الذي يملكونه .

السبب الرابع الذي يجعلنا نرفض استعداء السلطة و أن السلطة يجب أن تكون محايدة للأفكار التي يحملها المجتمع أننا حينما نظرنا إلى التاريخ وجدنا العلماء تحولوا إلى ألعوبة في يد السلطان بحسب إيدولوجيته وما تفرضه السياسة عليه فالمأمون والمعتصم والواثق نكلوا بالإمام أحمد رحمه الله وعلماء السنة , وحينما أتى المتوكل كرَّم الإمام أحمد وعلماء السنة ونكل بالمعتزلة وذلك ليكسب العامة وأصحاب الحديث من سلف وحنابلة  واسترضاء لهم ليكسبهم في صراعه ضد الأتراك الذين جلبهم المعتصم .. وكان نفوذهم يتوسع في الدولة ولكن سينتهي به الأمر مقتولا على يده ولده وبمساعدة من قبل الأتراك , ثم سيأتي الخليفة القادر ليصدر مرسوما بإباحة سفك دم من يقول بخلق القرآن بعدما كان يباح سفك دم من  يقول القرآن ليس مخلوق ! (7).. ففي الحقيقة هؤلاء السلاطين في الغالب ليس همهم أن يظهر الحق بقدر ما همهم خدمة نفوذهم وسلطتهم في البلاد , فلذلك حينما يتم الاتفاق بين جميع الأطراف أن يتم إبعاد “السلطة” و أن يُكتفى فقط بضرب الحجة بالحجة و مقارعة البرهان بالبرهان و أن تتفق التيارات على قواعد اللعبة الفكرية بهذه الطريقة وأن يوجد ميثاق شرف بين المفكرين يقول أن إقحام السلطة في النقاشات الفكرية هو “خزي” و “عار” على من استدعاهم لكان هذا هو الحق الذي لا ينبغي قبول غيره, وكلنا يعلم أن السلطة إذا وقفت اليوم مع تيار فإنها غدا ستقف مع تيار آخر .

شكرا على القراءة .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1-     انظر جورج قرم “المسألة الديني في القرن الواحد والعشرين ” ص 2011 ط دار الفارابي .

2-     الحديث رواه البخاري في باب القرعة في المشكلات في المجلد الخامس من فتح الباري بشرح صحيح . م : 5 ص :225 . ط : دار إحياء التراث العربي .

3-     انظر عبدالله المالكي “سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة” ص 72 . ط الشبكة العربية للدراسات والنشر.

4-     سورة النحل 125 .

5-     سيرة ابن هشام . م 1 . ص 314 . ط دار إحياء التراث العربي .

6-     سيرة ابن هاشم . م 3 . ص 363 . ط دار إحياء التراث العربي .

7-     انظر خلدون النقيب “في البداء كان الصراع” ص : 158 . ط دار الساقي . وفيه تحليل عميق لمأساة “خلق القرآن ” فيقول:من المرجح أن المأمون قصد من تبني الرأي المعتزلي في القرآن إلى جعل الاعتزال هو مبدأ أو عقيدة رسمية للدولة وفرضه بالقوة على الناس بما في ذلك من مزج تعسفي من بين الدين والدولة مجاراة للدولة الاستبدادية الأخرى المجاورة لدولته , كما في المثل الساساني في تنظيم الديانة الزرادشتية والمثل البيزنطي في تبني عقيدة الطبيعة الواحدة للسيد المسيح فيتدخل الخليفة بموجب ذلك في مسائل العقيدة _كما فعل قسطنطين_ حتى أدى الأمر إلى تغيير الشهادة بالوحدانية إلى “لا إله إلا الله صاحب القرآن المخلوق ” فيصبح الخليفة مرجع العقيدة الجديدة وفقيه الدولة الرسمي , فلم يؤد تبني المأمون لفكر المعتزلة الذي ينادي بالحرية وليس الكبت وبالأنوار وليس ظلمة الجهل وتحكيم العقل وليس الطاعة العمياء للسلف إلا إلى نقيض ذلك : من أجل تدعيم حكمه المستبد الشمولي , وأما المتوكل فلم يكن يعنيه أمر المعتزلة لا من قريب ولا من بعيد إذ كان في صراع متصل مع “مراكز القوى ” التركية ذات النفوذ الآخذ في التعاظم في دار الخلافة , فاستعمل قمع المعتزلة كورقة في هذا الصراع استرضاء للعامة وأصحاب الحديث والسنة من سلف وحنابلة , وقد انتهت تلك الواقعة إلى مأساة قتله على أيدي الأتراك , أما حصيلته الحقيقية فقد كانت انهيار مؤسسة الخلافة نفسها ضحية لمؤسسة الإمارة والسلطنة التركية المملوكية بداءاً بالسلاجقة وانتهاء بالعثمانيين .

Advertisements