اسم الكتاب : خطاب الجنس مقاربات في الأدب العربي القديم .
اسم المؤلف :هيثم سرحان .
الدارة الطابعة :المركز الثقافي العربي .
عدد الصفحات :238
سعره :20 ريال _من معرض الكتاب_

 

– تفسير مصطلحات العنوان   :

في بداية مؤلفه حاول المؤلف أن يعرف المصطلحات التي نحت منها العنوان فأما مصطلح الخطاب” فإنه ليس مستغربا أن يكون ” واحدا من أعمق المصطلحات تعقيدا و واحدا من أكثرها شيوعا في آنٍ ,ويرجع سبب كثافة سياج الغموض الموضوع أمام هذا المصطلح إلى كون مصطلح “الخطاب” يحيل على جملة من المفاهيم ومجموعة من المقاصد المترامية , فهو في واحد من أبرز حدوده المفاهيمية يحيل على اللغة بوصفها نظاما تواصليا خلافا لـ “النص” الذي تتحدد اللغة فيه بوصفها نظاما مجردا من علاقات التواصل والتفاعل الخارجيين , وهو في أحد حدوده الأخرى يقترن بالحجم والحيز الذي يحتله في الزمن والمكان فالخطاب أطول من النص و أشد منه تعقيدا من حيث إنه يحيل على علاقات تتجاوز البنية اللغوية المجردة , فالخطاب يتجاوز البنية اللغوية المجردة إلى الدلالات الماثلة التي يحكمها تماسك المستوى العميق , ليس هذا فحسب بل إن دلالة الخطاب تتضمن التواصل اللغوي بين المتحدث والسامع بوصف الخطاب نشاطا بين الأشخاص التي تتحدد وظائفه وأشكاله استنادا إلى الغايات الاجتماعية والأهداف الثقافية والوظائف المعرفية التي يسعى إلى انجازها , في حين أن دلالة النص تقتصر على التوصيل اللغوي بصرف النظر عن الشكل التي يتشكل النص من خلاله , مما يعني أن النص رسالة مجردة .

والخطاب في مستوياته التداولية يتمثل من خلال : مقاصده و الوظائف والسياق والعلاقات والإحالات .

لكن مقاصد الخطاب ودلالاته ستمتد من آفاقها اللسانية والتداولية إلى آفاق ثقافية ترتبط بالأنظمة التي تتيح إنتاج المعرفة وتداول مكوناتها , وهيمنة مفاهيمها وبهذا المعنى فإن الخطاب يصعب تحديد مفهومه لأنه أساس الفعل الثقافي , ومع قدوم ميشيل فوكو المفكر الفرنسي المثير للجدل دوما أخذ الخطاب مدى جديدا و أبعادا إضافية فالخطاب يرتبط مع ميشيل فوكو بسجلات المجتمعات وأنظمتها ومعارفها وشرائعها ومواقفها وبهذا المعنى فإن الخطاب ليس عنصرا شفافا أو محايدا كما يراد أن يعتقد علاوة على عدم القدرة على اختزاله إلى بنية واضحة , فكما يقول فوكو الخطاب ليس ((ما يترجم الصرعات أو أنظمة السيطرة , لكنه ما نُصارع من أجله , وما يجسد ذاتا جمعية تسعى إلى إحراز موقع في الوجود والعالم والثقافة ضمن صراع معرفي يقوم على الإبعاد المستند إلى دعامة مؤسسية مدعومة اجتماعيا ومعرفيا وايدولوجيا و لوجستيا ))

ولما كانت غاية أي خطاب أن يصبح إرادة حقيقة فإنه سيكون ملزما باللجوء إلى تدابير معرفية والاستناد إلى دعائم ونفوذ ٍ يميلان إلى ممارسة الضغط على الخطابات الأخرى و إقصائها , علاوة على سعيه الدؤوب إلى الهيمنة على المنظومات والمفاهيم السائدة من خلال إعادة توصيفها وتعيينها بما ينسجم مع أهدافه وغاياته .

ويتأسس الخطاب على الاختراق والاختزال فهو يسعى إلى اختراق المنظومات واختزال مفاهيمها وتصوراتها لتصبح أكثر عمقا و أقل قابلية للاحاطة , وتوفر هذه الطريقة للخطاب فرصة ادعاء “إرادة المعرفة” واحتكارها على  اعتبار أن الحقيقة محجوبة ومكتومة ومصادرة ٌ , ولكن الخطاب هو يقوم بهذا الادعاء فإنه يمارس حجبا وكتما وإزاحة ذلك أن السلطة التي يتدرع بها تتمتع برصيد هائل من القوة والهيمنة .

 

ثم انتقل المؤلف إلى الركن الثاني الذي نُحت منه عنوان الكتاب”الجنس” فقال إن هنالك ثلاثة مستويات من المفاهيم تتشابك في مثل هذا المصطلح فهنالك “الجنس” و “الجنساني” و “الخطاب الجنسي” فأما الجنس فهو يحيل إلى العملية الحيوية والمباشرة التي تؤلف جزءا من رتابة الكائنات الحية العضوية وهي عند الإنسان الممارسة الحيوية لعملية الجنس والسلوك البيولوجي اللذان يضمنان له تحقيق رغباته في المتعة واللذة والتوالد والمحافظة على الكائن البشري , في حين أن “الجنسانية” تشتمل على مجمل التقنيات والآليات التي تدار بها الحياة الجنسية بمعناها الواسع والشامل , إنها العلم الأركيولوجي الذي يسمح بالكشف عن التقنيات التي تستطيع الذات بواسطتها الإفلات من ضغوط السلطات التي تكبح جماح رغباتها وسلوكياتها والتمرد على المعرفة التي تصادر حضورها ومتعها , والفرق بين الجنس والجنسانية أن الجنس آلة حيوية قيدت الإنسان بوصفه أحد الكائنات الحية الأخرى مثل أية حيوان يحتاج إلى “الجنس” لكي يحافظ على بقائه ويمارس متعته لكن بكون الإنسان حيوان اجتماعي وليس فقط حيوان يهدف إلى البقاء و لكون الإنسان أيضا حيوان عاقل يستطيع تكوين الأفكار المجردة ولأنه يسعى بطريقة متواصلة لفرض سيطرته على “بعضه” ويحدد هويته على ضوء شموس مختلفة ويعيد رسم بطولاته وإثبات هيمنته ويحرص على تأكيد الفروقات بينه وبين غيره فإن الجنسانية ستختلف عن “الجنس” بكونها أحد الحقول التي ستحدث فيها الحفريات المرتبطة بالجنس والخطاب وستبزغ الجنسانية باعتبارها الحاوية التي تضم الخصائص البيولوجية للذكر والأنثى والخصائص الاجتماعية المميزة بين الرجل والمرأة والهوية الجنسية و الهوية النوعية والتوجه الجنسي و الإيروسي والإنجاب وستتخذ الجنسانية تمثيلات تشمل الإسهامات والرغبات والمعتقدات والمواقف والقيم والأنشطة والممارسات والأدوار والعلاقات , ومن هنا سنحدد المصلطح الذي تكون منه عنوان الكتاب وهو “الخطاب الجنسي” بأنه الذي يمثل أشكال الجنسانية السائدة في الحضارات والمجتمعات والثقافات المختلفة , وذلك أن الخطاب الجنسي يهدف إلى المطابقة بين سلوك الأفراد والمجتمعات الجنسي و المنظومات الأخلاقية والدينية والفلسفية التي يتبناها للوصول إلى نتيجة مفادها أن ممارسة تقيات الذات تميز الإنسان المفكر الخاضع لبرامج الأخلاق ونظم الدين والتقاليد الفلسفة , وهذا يعني أن الجنسانية بوصفها بناء اجتماعيا وتاريخيا تتشكل نتيجة تداخل المستويات البيولوجية والنفسية والسوسيو-اقتصادية , والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والقانونية والدينية .

ويجسد الخطاب الجنسي الموقف من تعامله مع الجنسانية التي تتحدد طبيعتها وفقا لعوامل ومكونات متعددة , ذلك أن ارتباط الخطاب الجنسي بثلاث مفعولات مترابطة هي :السلطة و المعرفة و الجنس , وهذا يجعل الخطاب الجنسي عرضة للبحث المتواصل والكشف اللامتناهي , فالسلطة تمارس ضربا من السيطرة والتحكم في تداول الجنس في المجتمع والثقافة وتوفر له سبلا من البوح والاعتراف أو المنع والمصادرة والقمع , فأخبار الجنس مرتبطة وممارساته ترتبط بأنماط في الإنتاج و علاقاته وقواه المتعددة كما أن منح تاريخ الجنس رعاية واهتماما وإقصاء وإهمالا يكشف عن هيمنة السلطة على مفاعيل السيطرة والتحكم .

 

– الجنسانية من الحجاب إلى الخطاب 

ثم ينتقل الكاتب ليتحدث عن انتقال الجنسانية من الحجاب لأن تكون جزءا من الخطاب وينبه إلى أن للثقافة دور مهم في توجيه أنشطة الأفراد والمجتمعات وممارستهم الجنسية فالثقافة تعمل على مدهم ببرامج غرائزية تدفعهم إلى انتهاج ضروب من الجنسانيات , وهذا يعني أن الثقافة تعمل بمرور الزمن على تشكيل هوية الأفراد الثقافية التي تعني إكسابهم مجموعة من الخصائص التي تحدد معايير انتمائهم لها ضمن علاقة جدلية قائمة على الهدم والبناء فالهوية الثقافية تشكل وعي الأفراد وتبني مفاهيمهم الكلية في الوقت الذي يقومون فيه بتطوير الهوية وتعديل مبادئها وهدمها بما ينسجم مع إرادتهم , وربما يكون الفيلسوف نيتشه أول من ميز بين فرعين ينموان دوما من شجرة الثقافة الفرع الأول هو الفرع “الأبولوني” ويثمر من هذا الفرع ” الفردية و التقنية و التراتبية والنفعية ” و الفرع الآخر هو الفرع “الديونسي” ويثمر من هذا الفرع “الجمعية  والجنسية والعاطفية و الصوفية و الثورية والخصوبة ” وللثقافة عموما القدرة على إنشاء مناطق محدودة للممارسة الخطاب الجنسي و مناطق أخرى تُفرض فيها الحشمة و الصمت المطلق فهي تحدد مكان الحديث عن الجنس وزمانه وتعين مكان حظر الحديث عنه وزمانه كما أنها تحدد المناسبات والروابط الاجتماعية و الشخصيات ومواقعها .

و أما في الثقافة العربية فنقول إنها قد استطاعت إنتاج منظومتي قواعد في إدارة الجنس هما منظومة الزواج ومنظومة الرغبات التي تتجاوز مؤسسة الزواج , لكن لم يقم فصل حقيقي بين هذه المنظومتين فباعتبار أن الإسلام والثقافة العربية قد منحت حق التسري للرجال و مع فيض النساء الذي حصل بعد الفتوحات الإسلامية وما نجم عن ذلك من تنوع الثقافات وتعدد الأعراق فمن الطبيعي أن يحصل نوع من التلاقح بين هؤلاء الوافدين الذين يقدمون بخبراتهم الجنسية العريضة وبين الثقافة العربية التي كانت هي الإطار الذي يتم وضع السلطة فيه ولذلك كان السيوطي يقول إن الوافدات ((أحضرن معهن سحرا دخيلا من جهة الأشكال والألوان )) ولاشك أن الإماء قد أسهمن في تطعيم الثقافة العربية بمختلف ثقافات العالم , ونتيجة لهذا الإنفجار الجنسي و نتيجة لهذه التحولات التي لم يعتد عليها العرب أصبح هنالك ما يستدعي إلى إنتاج خطاب ينظم المفاهيم الجنسية ويُمكن المنظومات من تطوير برامجها لتطويق ممارسة الجنس وفرض الوصاية عليها , فإذا الخطاب الجنسي أساسا أُنتج بوصفه مقيدا للجنس بالدرجة الأولى , ونشأت خطابات جنسية لا تُحلل بوصفها ظاهرة كمية تستحق الاهتمام والرعاية بل إنها تُحلل انطلاقا من كونها خطابات معرفية تحاول كشف آليات الثقافة العربية في التعامل مع ظاهرة الانفجار الجنسي الهائل وعلاقتها بأشكال العلاقات الاجتماعية وأنماط الإنتاج وقوى الاقتصاد وأنظمة السلطة وعلاقات السيطرة واستراتيجيات الهيمنة .

 

ثم انتقل الكاتب ليحكي عن مفهوم السبي و تداعياته الثقافية في الوعي العربي ففي من المعلوم أن أيام العرب وغاراتها في الجاهلية لا يكتمل النصر فيها إلا حينما تُسبى النساء فهي قيمة نفيسة في وجدان المجتمع الجاهلي مطلبا مهما في فعل الإغارة التي كانت النساء أحد ثماره كما بقيت الغنائم و الثروات المنهوبة وفي يوم “جزع ظلال” أغارت بنو فزارة على “تيم وعدي وثور أطحل من بني عبدمناة فملأوا أيديهم غنائم و إبلا ونساء ” ولما حاول سادة التيم التحالف مع بني سعد بن زيد مناه وضبة لطلب النصر على بني فزارة عاد بنوا فزارة وعلى رأسهم عيينة بن حصن وأغاروا على تيم “فقتلوهم قتلا لم يقتلوه أحدا و أخذوا منهم مئة امرأة ” ويبدو أن هذه النكبة التي مرة على تيم حرضت قبائل أخرى للإغارة عليهم فهجمت عليهم بنومرة “فقتلوا التيم وعديا وعكلا وأخذوا سبيا كثيرا واستخدموهن ولم يعتقوا منهن أحدا ” وليست غريبا أن يترافق سبي النساء مع قتل الرجال في الإغارات فالسبي لدى العرب لا يكمل هدفه المرجو ما لم يصاحبه جز رقاب رجالهم و الإغارة لا يكتمل في المستوى المجازي إلا بسبي النساء وقتل الرجال وذلك أن التلذذ بالنساء و إن كان ممكنا إلا أنه يخدشه وجود رجال المرأة على الحياة فيجب أن يتم إلغاءهم من على البسيطة كي يشطبوا من وعي المرأة المسبية أيضا , والعرب قبل الإسلام كانت تحتاج إلى الجواري من اجل توسيع دوائر المتع فكثير من هذه الجواري كنا “بغايا” وكان عليهم “مسئول ” يؤجر فروجهم لمن أراد وفي حديث عائشة رضي الله عنها وهو في صحيح البخاري قالت تصف الزواج في الجاهلية وتعدد طرقه و ضخامة بشاعته ((ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل , ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم)) فهنا تتبين أن البغاء كان شائع في الجاهلية و بطبيعة الحال لم يكن يمارسه إلا “الإماء” لأن الحرة كما في سألت هند بن عتبة سؤال إنكار في بيعتها للنبي صلى الله عليه وسلم “أوتزني الحرة ؟ ” , ومعرفة هذا مهم لأن هنالك من يزعم أن التعددية الجنسية لم تكن مشهورة لدى العرب فأتى الإسلام وأشاعها بل حصل العكس كانت منتشرة وأتى الإسلام وحاول أن يقلصها ويضيقها لكن المسلمون والخلفاء بالذات هم من توسع فيها , وعلى أية حال كان مصدر وجود الإماء في الجاهلية إغارة القبائل بعضها على بعض وما ينجم عنه من سبي النساء وقتل الرجال والمصدر الثاني هو التجارة فكانت تحصل نتيجة تنقل العرب في تجارتهم وشرائهم الرقيق وكان هنالك أسواق نخاسة تباع فيها المرأة العربية والأعجمية .

 

– التفوق في خطاب الجنس

وحينما يتحدث الكاتب عن التفوق العرقي الذي يؤمن العرب أنهم يمتلكونه وكيف كان لذلك أبعاد في تعاملهم مع النساء فيذكر أن العرب كانت تستنكر أن يتزوج نسائها أحد من الموالي وشهدت المجتمعات العربية عدة زواجات من هذا النوع لكن فـُرق بين الزوج والزوجة من قبل الولاة والقضاة بينما كانت العرب تتزوج النساء الأعجميات ويستمتعن بهم ولم يجدوا في ذلك بأسا ولا غضاضة , وثم أتى الفقه ليشرعن هذا التفوق بأن طرح  ما يُسمى “بتكافؤ النسب” وجعله أحد شروط الزواج , ومن الطرائف التي تعكس مدى مبلغ احتقار العرب أن يتزوج نسائهم أناس من العجم فيقول الأصمعي أنه (( سمع أعرابيا يقول لآخر : أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة ؟ قال الآخر : أرى ذلك والله بالأعمال الصالحة . قال : توطأ رقابنا والله قبل ذلك )) , إن هذه القصة لا تظهر فقط مركزية العرقية العربية ونظرتها الدونية للعجم فقط بل تؤكد أن النساء العربيات خُلقن ليتزوجن العرب حتى عندما يتعلق الأمر بالجنة فمركزية العرق العربي ستظل هنالك فلم يكتفؤا بأن حرموا العجم من الزواج بالعربيات في الدنيا بل أوصلوا هذا المنع إلى الجنة أيضا !

ويجنب أن ننتبه إلى أن الخطاب الجنسي أتى ليؤكد هيمنة  أحد الأطراف بشكل مستمر فهاهو أكد تفوق العرق العربي على غيره ولن يتوقف هنا بل سيؤكد تفوق “الذكر” على “الأنثى” ولذلك امتلأت كتب الفقه بتوصيات المرأة بالاستماع إلى زوجها و إمتاعها و أنه يجب عليها ألا تحرمه حقه منها وفي المقابل لم تذكر أن الرجل يجب عليه أن يُمتع زوجته بل كل ما فعله الفقهاء أن حددوا أربعة أشهر وهي مدة “الإيلاء” التي وردت في القرآن الكريم _وفي الحقيقة هنالك فقهاء خلافوا هذا النسق السائد ومنهم ابن تيمية وقال إن العشرة يجب أن تكون معروف ولا تحدد بكل أربعة أشهر لكن هذا لم يأتي إلا متأخرا _ ولم تكتفي الثقافة العربية في فعل ذلك فبعد أن أكدت تفوق الرجل على المرأة في مجال السياسة والتجارة  و الشعر و الثقافة والدين والجدل وكل المجالات بقيت آخر جولة و آخر حلبة تحارب فيه المرأة الرجل لتفرض هيمنتها وهي “الفراش” فأرادت الثقافة العربية أن تحقق انتصارها النهائي والحاسم في هذه الحلبة التي هي أرض المرأة أصلا و المكان التي تستطيع فيه استخدام أقوى أسلحتها لكن الثقافة الذكورية لم تكن غافلة عن هذا فأكدت إلى  ألا يرعى الرجل حقوق المرأة ولذتها بمعزل عن شهوته وانفصال رغبته لأن في ذلك ضررا بالغا عليه ولذلك يقول السيوطي ((وأما حبس المني عند الجماع ليطول على المرأة كيما يدوم الالتذاذ بها لكونه يمسك المني عند إنزاله , ويدافع شهوته وقتا بعد ذلك فذلك يُحدث الاحتراق في الأدرة و القروح في الكلى والمثانة ويفسد مزاج البدن , وربما تولد منه علل يُهلك منها صاحبها ويكون ذلك سبيلا لهلاكه )) وأكد الخطاب الجنسي العربي ذو المرجعية الفقهية إنتاج الجنسانيات وفق أصل ميتافيزيقي يفضل الرجل على المرأة ويجعلها فراشا له يعلوها أثناء الجماع , مما يعني أن أوضاع الجماع الفقهية تجسد قوامة الرجل على المرأة وعلو الذكر ومركزية القضيب لذلك راح الفقهاء يبحثون عن مسوغات طبية لتعزيز فرضية أفضلية الرجل على المرأة الذي يعني أن الجماع ليس مجرد عملية بيولوجية بقدر ما هو بنية رمزية وبناء ٌ ثقافي , ولذلك قال السيوطي ((الويل كل الويل لمن جعل نفسه أرضا والمرأة سماء , فإنها تمكن منه أنواع البلاء )) وآمال قرامي تقول أن العرب قبل الإسلام حرموا اعتلاء المرأة للرجل عند النكاح وحرموا كل وضعية يكون فيه ظهرها للسماء وتفسير ذلك أن علو الرجل على المرأة في الجماع يدل على خضوعها وطاعتها له و أن اعتلاء المرأة على الرجل حجة على فساد أخلاقها ونقض أنوثتها ورفض الامتثال للنموذج السائد , وهذا المعنى يذكره ابن القيم ((إن احسن أشكال الجماع: أن يعلو الرجل المرأة مستفرشاً لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشاً… وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة… وأردأ أشكاله: أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره. وهو خلاف الشكل الطبيعي)) وثم يقول ((إن المرأة مفعول بها طبعاً وشرعاً، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع )) فكما ذكرنا ابن القيم يعتبر أن الفراش يجب أن يكون مرحلة لتأكيد انتصار الرجل وهيمنته على المرأة ويجب ألا تخادع المرأة الثقافة لتنتصر على الرجل في هذه الجولة .

 

الخلاصة : الكتاب ممتاز و في المقدمة كلام أنيق يصف معنى الخطاب و استراتيجيات التعامل معه و إنتاجه ثم يعرض لمواضيع عديدة متعلقة بالخطاب الجنسي في الثقافة العربية وعن أثر توسع الخلفاء المسلمين في الرق و جلب الإماء وأن هذا أحد الدوافع الرئيسية التي جعلت الكتاب يتحدثون عن الجنس كما هو حال الجاحظ الذي في كلامه هجوم على خلفاء بني أمية وهو دفاع مبطن عن الخلفاء العباسين وتكلم عن صوت المرأة في الخطاب الجنسي و أن الحوادث التي نزعت فيه المرأة الحجاب وتحدثت بصراحة عن الجنس كان ذلك يعد من الخروج على النسق الثقافي العام و أنها في الأعم ظلت مؤججة الرغبة مكتومة الصوت و تحدث عن “الآخر” في الخطاب الجنسي وأنها في الغالب يظهر بشكل ضعيف متهالك ماجن أي يخرج في سياق سيء . وعموما الكتاب ممتاز ويستحق القراءة .

Advertisements