اسم الكتاب :زمن الصحوة _الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية_

اسم الكاتب :ستيفان لاكرو .

اسم الدار الطابعة :الشبكة العربية للأبحاث والنشر .

عدد الصفحات :363

سعر الكتاب :50 _من معرض الكتاب _

 

التعريف بالكاتب : ستيفان لاكرو أستاذ العلوم السياسية في جامعة “ساينس يو” في باريس , متخصص في دراسة الحركات الإسلامية وتحليل  تداعياتها وتحديدا في الخليج والسعودية , نال شهادة الدكتوراه عبر رسالته “الإسلاميون السعوديون ..تمرد فاشل ” التي نشرت بالفرنسية عام 2010 وترجمت إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان “صحوة الإسلام ..مناورات المعارضة الدينية في السعودية المعاصرة ” و ترجم أخيرا عام 2012 تحت عنوان “زمن الصحوة الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية ” وهذا الكتاب هو ثمرة جهد جبار اضطر فيه الكتاب بسبب نضوب المراجع العربية التي تحكي عن مرحلة مفصلية في تاريخ الفكر السعودي ماعدا بعض القصاصات المتناثرة هنا وهناك فلذلك عثر الكتاب على نفسه مدفوعا دفعا إلى أن يتكئ على المقابلات الشخصية مع رموز وأتباع الصحوة الذين أغلق كثيرا منهم الباب في وجهه لكن هذا لم يثنه على أن يواصل بحثه ليخرج لنا بحثا مهما يؤصل تاريخ حركات قلبت كثير من المفاهيم و أيقظت عديد من القلوب النائمة وحركت المياه التي ملت من ركودها , ورغم أن الكتاب رسالة دكتوارة بالأصل إلا أنه كتاب ممتع وشيق وكأنك تقرأ رواية بمغامرات شخصياتها و تراقب انتصاراتهم المؤقتة و خيباتهم العريضة .

 

– هل السعودية حالة خاصة ؟

معظم بلدان الشرق الأوسط في القرن الماضي  كانت قد ولدت فيها حركات إسلامية مختلفة وتنظيمات ايدولوجية مناوئة للسلطة الحاكمة, وكان الوعي السياسي لدى هذه الشعوب شجرة ممتدة وضاربة بجذورها في أراضي العقل و أثمرت برؤاها و أفكارها السياسية المختلفة وكانت ذلك نتيجة ً لأن غالبية هذه الدول العربية قد تعرضت للاستعمار وذلك استدعى إحياء مقاومة فكرية سياسية فلم تكن المقاومة فقط مقاومة مسلحة فقط وكانت كلتا المقاومتين مرتبطتان بزواج شرعي , وإن كانت هنالك دول استغنى شعوبها عن المقاومة المسلحة فإنها لم تستغني أبدا عن المقاومة الفكرية , فالاستعمار الذي استدعى وجوب خلق وعي سياسي لدى المواطن العربي كان غائبا عن المملكة العربية السعودية ولذلك حينما نفتح أعيننا جيدا لن نرى الفكرة السياسية موجودة إلا لدى بعض المناطق في المملكة و بعض الانتلجنسيا الذين حزموا حقائبهم وعاشوا ردحا من العمر خارج المملكة و شحنوا عقولهم من التعليم الخارجي , لكن مَن قبع في المملكة طـَمرتْ عقولهم صحارى السذاجة والتصور البسيط للدولة القطرية , لكن هذا الوضع لن يستمر طويلا وستوجد حركات إسلامية في الثمانينات تملك ما يكفي من الوعي السياسي لتطالب ببعض الحقوق المدنية والسياسية وتتحدث بحديث لم يعتد علماء السعودي أن يتحدثوا به سواء في مفاهيمه الحداثية أو في مواجهته للحكومة السعودية و كما أنه حديث لم يعتد علماء السعودية أن يتحدثوا به فإن كذلك الشعب السعودي لم يكن متعودا للاستماع إليه , ستنشأ  طبقة من الدعاة لديها القدرة على إخراج الفكر الإسلامي من حصار الأحكام الفقهية والتعاليم العقدية واستخدامها في حقول الثقافة والمعرفة و السياسية سينمو الخطاب الإسلامي في الثمانينات نموا أفقيا من حيث عدد المتأثرين به ونموا عموديا من حيث تلبسه بمفاهيم جديدة و شحذه بأسلحة جديدة ومطارحته لخصوم جدد .

فما الذي حصل ؟ لماذا تغير المجتمع السعودي الذي كان يوصف بأنه جنة السلم الاجتماعي ؟ وباستثناء حادثة الاستيلاء على الحرم المكي و حادثة قتل خالد بن مساعد وكانت كلا الحادثتين ضيقتا التأثير و محدوديتي  النظرة , ويجب أن نلاحظ أن الحركات الإسلامية في المملكة العربية السعودية ستكون مختلفة عن الحركات الإسلامية في مصر و الجزائر و تونس و بقية البلدان العربية تلك الدول التي تستمد شرعيتها من رافد آخر غير الدين كالعروبة و والثورة ضد المحتل وتتبنى ايدولوجيا لم تُبنى في أحياء الدين لكن الوضع في المملكة كان مختلفا من حيث أن السلطة القائمة هي قائمة أصلا على الدين وعلى حق تفسيرها له ولذلك كان الإسلام مصدر جوهري للتنازع بين السلطة القائمة من جهة وبين الإسلاميين من جهة أخرى و أيضا بين الإسلاميين أنفسهم لتعدد تصوراتهم هم أيضا و الأفكار التي تلهمهم و الأهداف التي يرمون سهامهم إليها , ولذلك فإن اللغة الأساسية التي بواسطتها سيتم التعبير عن المنافسات الإجتماعية والمطالب السياسية ستكون الدين وأية لغة خارج هذا الإطار لن يتردد الإسلاميون ولن يشق عليهم إفراغ رصاص رشاشاتهم على جسد هذه اللغة البعيدة عن الخطاب الديني ..وستعتبر هذه اللغة لغة طفيلية يجب تنقية جسد المجتمع منها ولأن الإسلاميون هم من كان يحتكر المنابر في الثمانينات فلن تكون تلك مهمة صعبة بل ستكون مجرد نزهة ممتعة للإسلاميين الغرض منها الاستزادة من المكاسب الاجتماعية وتحقيق مزيدا من الحظوة الفكرية .

 

استقطاب الأخوان المسلمين :

مع الاضطهاد التي تعرض له الأخوان المسلمون حينما استولت الأنظمة الاشتراكية على الحكم في البلدان العربية و تحديدا في مصر ومع ظهور ثروة النفط في السعودية و مع الفقر في القدرات البشرية كان لزاما على المملكة الاستعانة بموظفين من الخارج وتم استقطاب كثير من الشخصيات الأخوانية الشهيرة مثل محمد قطب شقيق سيد قطب ومناع القطان الذي سيكون هو مؤسس الفكر الأخواني الحركي في السعودية , وشغل الأخوان منذ هجرتهم في الخمسينيات مناصب رفيعة و حساسة من الناحية الثقافية والقدرة على التعبئة الايدولوجية في المملكة لكنهم امتنعوا عن مزاولة النشاط السياسي لكن مع التغييرات الجيوساسية المهمة التي شهدتها المنطقة وبداية الحرب الباردة بين السعودية و بين مصر وتحول المنطقة العربية إلى معسكريين معسكر اشتراكي تقدمي يهيم غراما بالإتحاد السوفيتي و معسكر إسلامي ينافح عن المصالح الأمريكية وكانت مصر هي قائدة المعسكر الأول وكان قبطان الإيديولوجيا الاشتراكية  عبدالناصر و المعسكر الثاني كانت قائدته المملكة العربية السعودية وقبطان الايدولوجيا هو الملك فيصل _وكان أميرا في تلك الفترة _ , وفي هذه الحقبة من التوترات المتصاعدة التي شكلت حرب اليمن ذورتها بدأ المعسكر الإسلامي بتشكيل خطاب ينافس الخطاب العروبي – الاشتراكي عُرف باسم “التضامن الإسلامي” , وكان الملك فيصل يعلم أنه لا يجب عليه أن يترك الحلبة الايدولوجية إلى أستاذ في الدعاية مثل عبدالناصر وليقف ضد الاشتراكية والوحدة العربية التي كان يصدح بها عبدالناصر كان على الملك فيصل أن يستخدم الإيدولوجيا الإسلامية كصواريخ مضادة تقف أمام غارات  عبدالناصر الشرسة و كان الملك فيصل يعلم قبل غيره ضعف العلماء الوهابيين التقليدين في مثل هذه المعارك وهشاشة عظامهم و انعدام خبرتهم في تنفيذ المناورات اللازمة وأن أسلحتهم وإن كانت قاتلة إن  استخدمت ضد خصوم ابن تيمية لكنها ستنكسر في أول جولة حينما يستخدموها مع خصومهم الاشتراكيين و أن طاقتهم الفكرية والتعبوية لن تستطيع مجاراة الماكينة الفكرية والإعلامية التي حشدها عبدالناصر لإقناع العرب بمبادئه , لذلك الملك فيصل استعان بعقول الأخوان ليتصدروا هم المشهد في الرد على الإشتراكية ولن يجد الملك فيصل أفضل من الأخوان المحنكين الذين يعرفون نقاط الضعف في جسد الاشتراكية والعروبة و الثغرات التي هم عاشوها في مصر والطرق المهمة التي يزرعون فيها ألغامهم ولأنهم أيضا ضحايا لعبدالناصر نفسه .. وكما أسس عبدالناصر إذاعة “صوت العرب” لتكون منبرا لإيدولوجيته أسس الملك فيصل “إذاعة الإسلام” لتكون هي الأخرى منبرا له و أسست الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لتنافس جامعة الأزهر التي أراد عبدالناصر بعد أن أدخل عليها إصلاحات كبيرة في سنة 1961 أن يجعل منها أداة تضفي المشروعية الدينية على حملاته الدعائية والايدولوجيا التي يتبناها , وحينما أسست الجامعة الإسلامية أعلن الملك سعود أنه سيعتمد في تشغيل هذه الجامعة على أولئك الأفراد “الذين أُخرجوا من ديارهم بعد تعرضهم للسرقة والإساءة والتعذيب ” وهذه إشارة واضحة أن الجامعة ستكون احتواء للأخوان المسلمين وأنهم اللاعبون الأساسيون فيها .

 

ولادة الصحوة :

إذا استخدمنا معامل “الدي ان ايه ” الفكرية فسنرى أن الصحوة ابنة لتلاقح العقيدة الوهابية و المدرسة السياسية للأخوان المسلمين ستظل الصحوة إذا متمسكة في الجانب العقدي بالنظرة الوهابية التيمية التي هي مدرسة أهل الحديث عموما وأما في السياسة و التفكير الدولي فستتبنى الفكر الإخواني الذي هو منقسم إلى قسمين أساسيين فالمدرسة الأولى هي”البنائية” نسبة إلى حسن البنا مؤسس جماعة الأخوان وكانت فكرته تتمحور حول مقاومة الغرب الإمبريالي وأما المدرسة الثانية التي أنتجها الأخوان هي المدرسة “القطبية” نسبة إلى سيد قطب التي كانت فكرته تتمحور حول مناهضة الأنظمة الكافرة في الشرق الأوسط فإذا عدو البنائين هم القوى الغربية وأما القطبيين فهم النظام في الدولة نفسه , والصحوة ستميل إلى المدرسة القطبية بشكل واضح و إن كانت خففت النبرة و توقفت دون حاجز التكفير بكثير , وميلها إلى المدرسية القطبية مبني على سببين الأول سبب عام : أن غالبية الأخوان المسلمين الذين هاجروا إلى المملكة كانوا ممن يميل إلى مدرسة سيد قطب بالإضافة إلى المد العريض الذي حققه الفكر القطبي داخل الحركات الإسلامية و السبب الثاني فهو خاص : وهو أن المدرسة الوهابية قامت على محاربة البدع والرجوع إلى عقيدة السلف الصالح لكن لم يكن الغرب ولا السلطات السياسية هي المستهدفة بخطابها الأساسي بل كانت الفرق الإسلامية المختلفة مثل الأشاعرة والصوفية و الشيعة , و أيضا المدرسة القطبية والوهابية كلاهما يستندان إلى الصراع المانوي نفسه بين الإسلام والجاهلية لذلك فالفكر القطبي ليس بعيدا في أدبياته و أطره العامة عن الفكر الوهابي وكل ما كان على محمد قطب “عراب الفكر القطبي ” أن يفعله حينما قدم إلى السعودية أن يضع بضع التعديلات و يشطب بعض الأسطر من كتب سيد قطب ويشذب بعض العبارات و يعيد ترتيب بعض الأفكار و يــُقصر بعضها الآخر ثم يقدمها جاهزة لجيل الدعاة السعوديين الذين سيفرحون بها كما يفرح طفل وجد أباه بعدما ضل فترة طويلة يبحث عنه .

 

أهم سؤال قد يُطرح في مثل هذا الكتاب حينما نتحدث عن الصحوة والتيارات التي نفخت الروح فيها هل نحن نتحدث عن مجموعة من الأفكار تبناها مجموعة من الدعاء وقامت بعمل عفوي و إن كان لا يخلوا عن قليل من التنسيق ؟ أم نحن نتحدث عن حركة سياسية تم تجنيد أفرادها لخدمة مصالحها الايدولوجية و السياسية وبينها تنظيم حقيقي وليس مجرد تنسيق ؟ الجواب سيكون كتالي الصحوة الإسلامية في السعودية تألفت من ثلاث دوائر الدائرة الثالثة وهي الأكبر والأوسع انتشارا هي : هم كل من نشأ في النظام التعليمي عموما بعد قدوم الأخوان المسلمين حينما أصلحوه _أو شوهوه_ وبالتالي كل ذلك الجيل نشأ عن غير طواعية منه في بيئة صحوية ورغم أنه في الظاهر الغالبية العظمى ممن نشأ في النظام التعليمي تنبأ إيدولوجيا الصحوة لكنه لم يمارسها ولم يتبنى تصرفاتها وهذا الجيل يسمى في العادة “جيل الصحوة” وهو جيل السبعينيات حينما اشتد عود الأخوان وسيطروا على التعليم السعودي وسيكون لهذا الجيل أثر بالغ في الثمانينات و التسعينيات .

وأما الدائرة الثانية وهي أقل اتساعا من سابقتها فهي : تتكون من الأفراد الذي اختاروا المشاركة في الأنشطة الخارجية عن المناهج الدراسية فضلا عن تلقيهم دراستهم في النظام التعليمي وبنوا من خلال هذه الأنشطة تلك الروابط الأخوية التي أعطت لهوية الحركة الصحوية مضمونها , وكان ذلك يؤدي إلى التزام إسلامي معبرا عنه بتبني الممارسات الصحوية والمشاركة في بعض أنشطتها .

والدائرة الأولى وهي الأكثر ضيقا : الأفراد الملتزمين الذين سبق تجنيدهم في أثناء مشاركتهم في النشاطات الخارجية عن المناهج المدرسية من دون دراية منهم غالبا في واحدة من الشبكات المنظمة التابعة للصحوة , وكانوا يعقدون لقاءا منظمة ضمن مجموعات صغيرة يلقنون فيها المبادئ الإيدولوجيا للشبكة التي باتوا ينتمون إليها الآن , وتم تنظيم هذه الجماعات التي شكلت العمود الفقري للصحوة الإسلامية بطريقة هرمية وكان لكل منها مجلس شورى خاص وكانوا متغلغلين في النظام التعليمي والإداري وكانت كل جماعة تساعد أختها وتحاول السيطرة على المناشط الثقافية ولو أخذنا شهادة إبراهيم السكران فهو يقول في جريدة الشرق الأوسط متحدثا عن الجماعة السرورية_أحد أعمدة الصحوة الخمس_((يجب ان ندرك ان هناك جانبا «عفويا» تلقائيا في الموضوع، فصحيح اننا كنا نختلف عن الاخوان المسلمين في المنهج الدعوي والعملي، الا ان كلمة تنظيم بالمعنى الدقيق، ربما لاتنطبق الا على فئة معينة لاتتجاوز 3000 حسب توقعي، هؤلاء هم المعنيون بالمتابعة وحماية «الدعوة» أي المنهج من الاخطار. ))

 

الخلاف بين السرورية والأخوان :

علينا أن نعلم أن بناء الصحوة قام على خمسة أعمدة أربع جماعات من الأخوان و الجماعة السرورية , ومعظم الدراسات تشير إلى أن مناع القطان هو أول من أسس جماعة للأخوان المسلمين في السعودية و أنه هو صاحب اليد المباشرة لتأسيس الجماعة و أن الأخوان المسلمين قد أمروه عليهم وفي هذا نظر وهو قابل للدحض لكن الثابت أنه في السعودية هنالك أربع جماعات للأخوان المسلمين ولم تتوحد أبدا لكنها تقاربت كثيرا حينما تألق نجم الجماعة السرورية وخشوا أن تسحب البساط من تحت أقدامهم و تسيطر على المكاسب الثقافية أمام أعينهم , والجماعات الأربع هي جماعة أخوان “الصليفيح ” و ثم تأسست جماعة “إخوان الفنيسان” وهو سعود الفنيسان الذي سيصبح لاحقا عميد كلية الشريعة في جامعة الإمام وستكون الجامعة ملعبه الخاصة لتجنيد الطلاب و إحكام سيطرته على الكلية في بث إيدولوجيته , ثم أتت جماعة أخوان الزبير نسبة إلى البلدة المشهورة وكان “سعد الفقيه” المعارض السعودي أحد أبرز رجالات هذه الجماعة و أما الجماعة الأخيرة كانت جماعة الأخوان في الحجاز وبعض الروايات تؤكد أن محمد عمر زبير وهو سعودي الجنسية و أصبح مديرا لجامعة الملك عبدالعزيز إلى أنه صاحب الدور البارز في تأسيس الجماعة و استقطب كثيرا من وجوه الأخوان المسلمين الشهيرة للتدريس في جامعته ويشار في العادة إلى عوض القرني و سعيد الغامدي إلى كونهما أبرز وجوه “أخوان الحجاز” و استطاع أخوان الحجاز السيطرة على الندوة العالمية للشباب الإسلامي وهي الندوة التي أسسها حمد الصليفيح نفسه و أصبحت أحد أهم منظمات التجنيد لدى أخوان الحجاز بل إن أحد الشخصيات الإسلامية يقول أنه كان ينتمي إلى جماعة أخوان أخرى غير جماعة أخوان الحجاز وكان حاصلا على منصب رفيع في الجمعية لكنه أرغم على الاستقالة من خلال جماعة أخوان الحجاز .

 

الجماعة السرورية :

هي ثاني أكبر الجماعات الإسلامية بعد الأخوان المسلمين وكان لهم تأثير بالغ وظهرت هذه الجماعة في أواخر الستينيات وكانت مقارنة لظهور جماعات الأخوان وكان مؤسسها هو محمد بن سرور بن نايف بن زين العابدلين سوري الجنسية _وكان مشهورا باسم محمد بن سرور_ وهو مولود في حران 1938 وكان عضوا في الأخوان المسلمين لكنه انشق عنهم وذلك لأنه أصر على أن الدعوة لله يجب أن تكون من خلال عقيدة منهج السلف الصالح وهو يرى أن الأخوان المسلمين لا ينطبق عليهم هذا الوصف إذ كانوا أقل اهتماما بأمر العقيدة و أكثر تساهلا مع الفرق المخالفة ولديهم ميول احتوائية وبراغماتية لا تخفى ويقصدون منها توحيد المسلمين ضد مقاومة العدو الخارجي ولذلك الأخوان لم تكن لديهم مشكلة حقيقية مع الشيعة بل لم يتوانوا أن يظهروا فرحهم بثورة الخميني و استبشارهم بها , وعودا على محمد بن سرور فإنه قدم من سوريا عام 1965 إلى السعودية واشتغل في تدريس مادة الرياضيات والدين في المعهد العلمي بحائل وفي بريدة حيث تتلمذ عليه هناك الشيخ سلمان العودة ثم انتقل محمد بن سرور إلى الشرقية , والجماعة السرورية قامت بالتوفيق بين معتقدات الفكر الوهابي في إقصائته وحدته في مسألة العقيدة و التبرك بالأولياء و الأسماء والصفات وثورية سيد قطب , فهي كانت كان أكثر تشددا من الأخوان المسلمين وربما هذا السبب الذي جعلنا نرى أن جماعة الأخوان المسلمين تففتح لها فرع نسائي بينما الجماعة السرورية لم تفعل ذلك , وتولى المدرس “فلاح العطري” قيادة الجماعة لأن محمد بن سرور قادم من خارج السعودية ويخشى أن يرحل _ولم تخطئ مخاوفه فكان قد طرد من السعودية _ فصارت الجماعة تسمى بـ “جماعة فلاح” و الجماعة نشأت في القصيم وكانت منطقة نفوذها الأصلية و توسعت إلى الرياض و يعتبر الشيخ سلمان العودة _سابقا_ وناصر العمر و سفر الحوالي وعبدالعزيز العبداللطيف وعبدالعزيز الجليل _صاحب مكتبة طيبة الكائنة في حي السويدي _ أبرز رجالات الجماعة , وكان بين جماعة الأخوان و السرورية تنافس حاد على السيطرة على بعض المواقع الحساسة التي يتوقع منها أن تكون مفرخة للتعبئة الإيدولوجية و جذب الشباب فمثلا الندوة العالمية للشباب الإسلامي كانت تسيطر عليها جماعة أخوان الحجاز و لذلك أسس السرورية مؤسسة الحرمين التي ستحقق نموا هائلا حتى إغلاقها في عام 2004 لاشتباه تورطها مع جماعات إرهابية , وبالمقابل كانت جماعة الأخوان تسيطر على سكن الطلاب في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن و الجماعة السرورية تسيطر على اللجان في جامعة الملك سعود وتركت الأخوان يسيطرون على الجوالة , و في جمعية تحفيظ القرآن في جدة كان الأخوان هم من يسيطرون عليها فطلب السرورية عمل انتخابات للجمعية ففعلت فانتصر السرورية , وعلى أية حال الخلاف الكبير الذي سيظهر واضحا بين السرورية والأخوان سيكون في حرب أفغانستان حيث كان السرورية ضد إرسال المجاهدين السعوديين للحرب بل كان الشيخ سلمان العودة يقول إن التصدق بثمن تذكرة الطائرة أفضل من الذهاب إلى أفغانستان وذلك بسبب أن الأفغان “ماتريدية” وليسوا على عقيدة أهل السنة والجماعة .

 

لماذا فشلت الصحوة :

بعد تعبئة دامت عشرات السنين و بعد العديد من المطالبات و البيانات و رفع سقف الطموحات لدى الشعب السعودي كان مصيرها السقوط المريع في هاوية الفشل أمام أهم تحدي خاضته ضد الحكومة السعودية بل هو التحدي الأساسي فكما كان يقول ستيفان لاكرو كانت رجال الصحوة ثوار بلا قضية حتى أتت حرب الخليج فوجودا قضيتهم , ولكي نقيس تحول حركة الإحتجاج إلى تعبئة شعبية فإن أفضل ميزان سنجده هو تظاهرة 14 سبتمبر من عام 1994 والذي سيسمى بـ “انتفاضة بريدة” , في 10 سبتمبر من عام 1994 أعلنت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في بيان لها عن اعتقال سفر الحوالي الذي سيطلق سراحه فورا ولن يقبض عليه إلا يوم 16 مرة أخرى و عن قرب اعتقال الشيخ سلمان العودة و أن السلطات تبحث عنه وفي 11 سبتمبر أعلنت اللجنة أن الشيخ سلمان العودة عاد إلى بريدة محاطا بالآلف من أنصاره ووجهت اللجنة إلى ضرورة الدفاع عن الشيخ سلمان والتوجه إلى منزله من جميع أنحاء الجزيرة العربية وإظهار أبلغ درجات التأييد وتنفيذ توجيهات الشيخ في ما يجب عمله تجاه هذا التحدي من قوى الباطل وكان هذا النداء أرسل بالفاكس إلى آلالف الأشخاص هو بداية التعبئة .

وصل الشيخ سلمان العودة إلى مسجده وبعد الصلاة حشد أنصاره من خلال خطبة وذكر فيها ((هذا الفساد الشامل يتطلب إصلاحا كاملا ومن الخطأ التصور أن الإصلاح سيتم عن طريق مجرد الكلام , أو مجرد أن نحمل قلوبا طيبة أو تصورات سليمة فقط من دون أن نتحمل في سبيل الكلمة التي قلناها أو التصور الذي حملناه ولو بعض الأذى والعناء )) ووزع هذا الخطاب بعد اعتقال الشيخ سلمان وعلى نطاق واسع وسمي بـ “رسالة من وراء القضبان ” وفي يوم 12 سبتمبر تقدمت قوة كبيرة من الشرطة إلى المسجد الذي يصلي فيه الشيخ سلمان و بعد التفاوض اقتنع الشيخ سلمان أنه سيذهب بنفسه إلى الإمارة وبسيارته الخاصة و فعلا هذا ما حدث و كان محاطا بالعديد من أنصاره و حينما وصل إلى الإمارة رفض الشيخ أن يوقع على تعهد بوقف كل أنشطته وكتاباته وخطبه وتحت ضغط الشارع أُطلق سراح الشيخ سلمان , و في فجر 13 سبتمبر استغل رجال الشرطة السعودية وجود الشيخ سلمان محاطا بعدد قليل من أتباعه _إذ عاد الآخرون للراحة_ للقبض عليه وفعلا هذا ما حدث , نظم أنصاره مسيرة عند الظهيرة تنطلق من منزل الشيخ سلمان لتصل إلى الإمارة في القصيم للضغط عليهم لإطلاق سراحه , وأصدرت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية بيانا عن طريق “الفاكس” في الساعات الأولى بآلاف النسخ وتنقل فيه اللجنة ((النداء العاجل والفوري من طلبة العلم والقيادات الشرعية بضرورة الاستنفار القصوى للأمة كلها والتوجه من قبل الجميع إلى مسجد الشيخ سلمان العودة في بريدة ))

وفعلا قدم أناس من خارج القصيم للمشاركة في المسيرة الاحتجاجية ومنهم كساب العتيبي الذي أتى من الجوف ليطالب بإطلاق سراح الشيخ سلمان ,وفي ظهيرة 13 سبتمبر وقعت المسيرة فعلا وانتهت بلقاء بين أبرز الداعين إلى إطلاق الشيخ سلمان ونائب الأمير وهذا الأخير وعدهم خيرا و أن الأمر مجرد تحقيقات بسيطة وسيطلق بعدها سراح الشيخ سلمان و أنه لن يحصل إلا ما يرضيهم فتراجع الأنصار و انقلبوا عن مطالبهم وتولوا سذاجتهم وعادوا إلى بيوتهم , وكما هو متوقع لم تنفذ مطالبهم بل زج في الأيام التالية بأغلب منظمي المسيرة .

ومع أن لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية اعتبرت هذه المسيرة هي علامة بارزة على الاحتجاج الصحوي و قوة تأثيره فإننا نرى أنها العلامة البارزة لفشل الصحوة وعجزها عن التعبئة فبحسب الشهادات المختلفة لم يتجاوز عدد المشاركين من 500 إلى 1000 شخص وهو قطعا رقما بعيد عن الرقم الذي أعلنته لجنة الدفاع عن الحقوق المشروعة الذي يصل بالمحتجين إلى 15 ألف شخص !

ولكي نكتشف فشل حركة الاحتجاج الصحوي الذي لم يجمع إلا 1000 شخص على الأكثر بعد عدة سنوات من التعبئة و عدة أيام من الاستنفار وتذكير الأتباع أن يكونوا مستعدين لأية شيء أن هذه الحركة لم تستطع إلا جمع 1000 شخص و لنتذكر أن النداء الذي أطلقته لجنة الدفاع عن الحقوق المشروعة كان لكل المملكة العربية السعودية ولم يكن محصورا بالقصيم فقط وهكذا يروي كساب العتيبي أنه أتى من الجوف وكان بصحبتهم خمس عشرة سيارة وبحسب كساب أنه كان هنالك مشاركون أتوا من جدة و من الرياض _وشخصيا أعرف أن هنالك من قدم من الرياض _ فإذا لم يكن الأشخاص الذين شاركوا في المسيرة هم المتعاطفون مع الصحوة من بريدة أو القصيم فقط بل كان المشارك هم المتعاطفون معها من جميع أنحاء المملكة !

لماذا فشلت التعبئة إذا ؟

أولا لا ننسى أن الصحوة حركة دينية لم تحاول كسب  تعاطف جميع شرائح المجتمع بل على العكس ناضلت لتكسب عداوتهم ولعناتهم فلذلك كان المشاركون في المسيرة الاحتجاجية من الأشخاص “الملتزمين – المطاوعة” الذين أعمارهم لا تتجاوز الثلاثين سنة ولذلك ظلت فئة كبيرة من المجتمع بل الفئة الأكبر إما متخوفة من هذه الصحوة أو متعاطفة معها لكن ليس لدرجة أن تعمل لأجلها لأنها لم تكن تراها تحقيق مصالحها و أضف إلى ذلك هو السذاجة المنقطعة النظير الذي كان يتمتع بها أنصار الصحوة و سوء التنسيق فلم تكن هنالك هياكل تستطيع توزيع المنشورات أو حشد الأتباع فلذلك كانت لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية ترسل آلاف الفاكسات إلى المملكة وهذا أدى إلى إفلاس اللجنة , والأمر الثالث الذي جعل التعبئة الصحوية تفشل هو نمو حركات مقاومة للصحوة من داخل التيار الإسلامي فـ “الجامية – المدخلية” لم يكن ينقصها الأدوات الشرعية التي تستطيع بها الرد على الصحويين ووصمهم بمثيري الفتن والقلاقل فلذلك لم يكن الصحويين الذين استندوا على الدين في تعبئتهم وحدهم من يجدون على الساحة فقد كان هنالك من يرد عليهم .

إذا كما يقول ستيفان لاكرو إن “انتفاضة بريدة” لم تمثل قمة الحركة بل علامة نهايتها الحتمية .

 

الخلاصة : الكتاب غني بالوثائق و مفعم بالتحليل ربما يكون أهم كتاب صدر في عام 2012 تحدث فيه عن فترة من أهم الفترات التي عاشتها المملكة العربية السعودية وواحدة من أغنى التيارات التي أثرت على التفكير السعودي وعن واحدة من أطول المعارك الثقافية التي عاش في مناخها المجتمع السعودي ..كتاب مهم اتسم بالإنصاف و الموضوعية و الاعتماد على محادثات مباشرة مع أفراد ينتمون إلى الصحوة . 

Advertisements