الأحلام بين العلم والعقيدة

المؤلف : علي الوردي .

الدار الطابعة : دار الوراق.

عدد الصفحات :408

سعر الكتاب :45 من المكتبة التراثية.

علي الوردي :

هو عالم عراقي متخصص في علم الاجتماع ولد في العراق عام 1913 وأجبرته أمه عام 1924 على ترك مقاعد الدراسة و أنه يشتغل مع عطار و كانت تتأمل منه أن يصبح شيخا للعطارين وأن المرضى يقدمون عليه لكن صاحب المحل طرده لأنه كان ينشغل عن خدمة الزبائن بقراءة الكتب والمجلات وفي عام 1931 عاد إلى مقاعد الدراسة وكان يدرس في الصف السادس وحينها كان عمره 18 سنة وواصل الدراسة وعند تخرجه من الثانوية كان الثالث على العراق فابتعث إلى الجامعة الأمريكية ببيروت وبعد نيله البكالوريوس ابتعث إلى جامعة تكساس ونال الماجستير عام 1948 والدكتوارة عام 1950 , وهو من أبرز علماء الإجتماع العرب في القرن العشرين ومن القلائل الذين استطاعوا تشريح مشكلات العرب الاجتماعية والنفسية , ومؤلفاته بشكل عام ليست أكاديمية الطابع بل هي أقرب إلى الكتابة الصحفية و يكثر فيها من الاستطرادات وهذا النوع من الكتابة محبب لدى الكثيرين و إن قليل من العلماء يكتبون به ولعل الوردي أراد بذلك أن يكون كتابه في متناول الجميع وينوع فيه بين القصص الماتعة ويبعد عن الأسلوب الرصين العلمي الذي لا يلاقي اقبالا جماهيرا كبيرا .

– الأحلام قبل فرويد :

يمتاز الفرد البدائي ببساطة أفكاره و حاجته الماسة إلى تفسير الظواهر المحيطة به إضافة إلى أن عقليته لا تتحمل إيجاد تفسيرات معقدة لهذه الظواهر فيضطر إلى قبول أبسطها و تداول هذا التفسير البسيط , ومن هذه الظواهر التي شغلت عقل الإنسان منذ وجوده على هذه البسيطة هي “الأحلام” بكل ما تحمله من تعقيدات ودلالات و من الطريف أن بعض القبائل البدائية لا يجدون فرقا بين الأفعال التي يمارسونها أثناء اليقظة و الأحداث التي تقع لهم أثناء النوم فإذا رأى الرجل شخصا يهدده أثناء النوم أو يعتدي أيقن الشخص أن ذلك وقع حقا , وفي الصباح يذهب إليه ويعاتبه أو ينتقم منه , ويجيز العرف لدى هؤلاء أن يتخذ الرجل إحدى الفتيات زوجة له إذا كان قد رآها في المنام وهي معه فما دام قد اتصل بها في الحلم اتصالا جنسيا جاز له بعدئذ مواصلة الاتصال في الواقع .

 

وعموما هنالك ثلاث مدارس في تفسير الأحلام كانت موجودة قبل فرويد ,

الأولى : وهي الأشهر التي كانت تعزو الأحلام إلى تدخل الشياطين أو الآلهة وتعتبر الأحلام اتصال بين الإنسان وبين الآلهة أو الشياطين وقد يلقون أولئك في ذهن الحالم بعض أنباء الغيب , وهي المدرسة الرواقية و الصوفية إذ أن أصحابها يقولون أن الإنسان أثناء يقظته يكون فريسة للشهوات و الملذات وهذا يضع حاجزا بينه وبين الإله ولكن أثناء النوم يتخلص من هذه الأواصر فتسقط عنه الحجب وتقوى الروح وتكون قادرة على التنبؤ بالغيب , وطبعا هم يستشهدون بالعدد الكبير الذي رأى فيه الحالم ما يكون في المستقبل أو استدل على موت أحد أحبائه في المنام وغيرها من الشواهد , ومن الحجج التي يحب أن يطرحها هؤلاء للرد على أصحاب النظرية المادية والعقلية ويقولون إن مجرد عجز العقل عن إيجاد تفسير لهذه الأمور لا يعني عدم وقوعه , ويدل على ذلك أننا لو ذهبنا بالمغناطيس إلى قوم لا يعلمون عن سر الجاذبية شيئا و ووضعناه ليجذب الحديد إليه لدهش من ذلك ولكنه سيقتنع به رغم عدم وجود تفسير يعقله يؤدي إلى جذب هذه المادة إلى تلك .

 

وأما المدرسة الثانية فهي مدرسة أرسطو وهي المدرسة العقلانية نقيضة المدرسة السابقة التي تفسر الأحلام تفسيرا ماديا فهو يقول إن معظم الأحلام تنشأ من مؤثرات حسية , فكثيرا ما يخالج الإنسان شيء من الألم أو اللذة أثناء يقظته ولكنه لا يهتم بها لانشغاله بهموم الحياة فإذا نام ظهر له ذلك في أحلامه واضحا , ومعنى ذلك أن الحلم يحول الإحساسات الخفية إلى إحساسات مكبرة فالنائم الذي يسمع صلصلة خفيفة أثناء نومه قد تبدو له في حلمه كأنها صوت رعد أو صاعقة وقعت عليه , ويدل على ذلك أن الحالم يرى ما يلائم حالته النفسية قبل النوم فالعاشق يحلم بما يلائم نزعات هواه والخائف يتمثل سبب خوفه في حلمه , ومن أبرز الداعيين إلى هذه النظرية بجانب أرسطو هو برجسون الفيلسوف الفرنسي الذي قال : إن الحواس لا تتعطل عن أداء وظيفتها أثناء النوم وكل أثر يقع عليها يؤدي بالنائم إلى رؤية حلم مستمد منه , فإذا كانت مثلا أقدامه غير مستقرة على نقطة ارتكاز حلم النائم بأنه طائر في الفضاء  وإذا أضئت أمام عينه شمعة تحول الضوء في حلمه إلى حريق ثم يتبعه صراخ وعويل ويأتي رجال الاطفاء ورجال الإسعاف وهكذا .. فالعقل أثناء الحلم يترجم الظواهر الحسية الخارجية إلى أحلام ويضيف لها بعض التوابل من الإثارة , واستخدم العالم “موري” التجربة لإثبات صحة هذه النظرية حيث طلب من مساعده أن يأتي بملقط ومقص فيضر أحدهما بالآخر أثناء نومه ولما استيقظ “موري” ذكر بأن صوت الملقط و المقص أدى به إلى رؤية حلم سمع فيه صوت جرس وإنذار ثم تلاهما حادث فزع شبيه بحادث وقع له سابقا .

وطبعا فند فرويد هذه النظرية وقال إن الحافز الحسي قد يساعد على نشوء الأحلام ولكنه مع ذلك لا يعين مضمونها ولا يجدي في تفسير مغزاها , فلو دققنا جرسا بالقرب من بضعة أشخاص نائمين فإن ذلك قد يؤدي بهم إلى رؤية أحلام لها صلة بدق الجرس ولكن كل واحد منهم قد يرى من الأحلام ما يوافق هواه وذكرياته ورغباته الدفينة , إن دق الجرس قد يجعل أحدهم يحلم بجنازة أحد أعدائه بينما يجعل الآخر يحلم بلقاء حبيبته أثناء صلاة في كنيسة وقد يحلم آخر بانتهاء درس طويل ممل .

 

 

– ثم أتى فرويد :

لقد كان البشر قبل فرويد يؤمنون بأن الإنسان لا يملك إلا عقلا واحدا وهذا العقل هو من يسيطر على جميع تصرفات الإنسان ويوجه سلوكه ويحفز أفعاله , و لذلك نظام التربية القديم يقوم على تكديس ذهن الصبي بالمواعظ الحسنة والأقوال الرنانة والصبي لابد أن يصغي إلى مواعظهم ويتظاهر بالانصياع لهم , وهو بذلك يكبت ميوله ويقمع رغباته في أعماق نفسه ولا يكاد يغيب عن المعلم حتى يقفز صارخا يريد أن ينال ما هو ممنوع عنه بأية وسيلة والمرء حريص على ما مُنع كما يقال . والرجال البالغ يشبه الصبي من هذه الناحية إلى حد كبير فهو عندما يكبر يجد نفسه محاطا بالواعظين والناصحين على منوال ما كان يحيطون به أيام الطفولة , وبعبارة أخرى يوجد لدى الإنسان دوما ما يقمع رغباته ويوجه تصرفاته وهنا أتى فرويد ليقول أن الإنسان له عقل آخر غير العقل الواعي وهو العقل الباطن أو اللاشعور و أن العقل الواعي يخفي كثير من رغبات الإنسان الحقيقية و أن كثير من المشاكل من النفسية يكون سببها وسرها في العقل اللاواعي وهو من يحدد سلوك الشخص في كثير من الحالات و هو ما يجب البحث عنه في الشخصية البشرية , وفي حالة الحلم يقوى العقل اللاواعي ويستطيع أن يجد له معبرا ليعبر عن نفسه ولذلك كان الناس قبل فرويد يبحثون في الأحلام ليكتشفوا الأمور التي يخبئها لهم الغيب لكن مع فرويد صار الناس يبحثون في الأحلام ليجدوا تفسير للشخصية , ولذلك يقول علي الوردي : كان المتنبئون بالأمس يقولون : “أخبرنا بأحلامك نخبرك بمستقبلك” , واليوم يقول أطباء النفس “أخبرنا بأحلامك نشخص مشكلاتك ” , وفي هذا الصدد يقول فرويد : الأحلام هي اللغة الطبيعية للنفس ونحن لا نفهمها لأننا اعتدنا على لغة التفكير المنطقي في حياتنا الواعية , إن لغة الأحلام في الواقع نموذج أصيل لعملية التفكير البدائي وتحليلها يحتاج إلى براعة واختصاص .

ونظرية فرويد تقوم على أن الأحلام كلها لتحقيق لرغبة في النفس البشرية ونبه فرويد إلى أمرين مهمين :

1- إن تحقيق الرغبة قد لا يظهر في الحلم على شكل سافر مفضوح وإنما هو يظهر في كثير من الأحيان مقنعا أو رمزيا .

2- والحلم لا يحقق جميع الرغبات التي يشعر بها الإنسان بل هو يحقق منها تلك التي كبتها الإنسان أثناء يقظته ولم يستطيع إشباعها لسبب من الأسباب .

وبالإمكان تلخيص نظرية فرويد في هذه الجملة ((الحلم هو تحقيق مقنع للرغبة المكبوتة أو المقموعة ))

ونوقش فرويد بالأحلام المؤذية أو الكوابيس التي يراها النائم فكان رد فرويد وجيها فقال أن النائم يرزح تحت وطأة عاملين متعاكسين : عامل الشهوة العارمة , والثاني عامل الرقيب الأخلاقي من جهة أخرى . فالإنسان يشتهي أن يحقق رغبة مكبوتة ولكنه يجد إزاء ذلك شعورا بالذنب وتكبيتا من الضمير وهو عندما ينام لا يستطيع أن يندفع في إشباع شهوته إلى أقصى الحدود , إذ أن الضمير يهدده ويرعبه لكي يريه عاقبة اندفاعه وراء الشهوات المحرمة , فالكابوس هو صورة من صور العقاب يفرضه الضمير على الإنسان أثناء نومه.

ويقول الدكتور ألكسندر إن الأحلام تنتج عن ظاهرتين متصارعتين الأولى تحاول تحقيق الرغبة والثانية تحاول قمع الرغبة و يقول ((إن الحلم المؤلم هو محاولة لتخفيف التوتر الناتج عن تبكيت الضمير , والضمير لا يرتاح إلا بالتألم ))

فمثلا حلمت إحدى الفتيات ذات ليلة كأن فيلا ضخما يهجم عليها بخرطومه فاستيقظت مرعوبة و الخرطوم في لغة الأحلام يرمز إلى عضو الذكورة , ولعل الفتاة كانت في يقظتها تشتهي أن تنال هذا العضو ولكنها كانت في عين الوقت تخشى منه , فهو محرم عليها وقد يؤدي بها إلى العار والفضيحة وسوء السمعة , إنما تميل إذا إليه وتخاف منه في نفس الوقت لذلك كان الحلم مكونا من هذين العنصرين الخرطوم اللذيذ ومن الفيل المرعب .

 والسبب الثاني لوجود الأحلام المؤلمة أن هنالك من الناس لديهم رغبات مازوشية ويتلذذون بالألم حين يقع عليهم , فهناك من الناس من يشتهي أن يقع عليهم إعتداء أو ألم .

 

– تنبؤات الأحلام :

لا يمكن تجاهل هذه الظاهرة و أن كثير من الناس رأوا أحلاما تسبق وقوعها على أرض الواقع ورغم أنه في نظري أن الاهتمام بهذه الظاهرة ليس صحيا إذ أنه يعكس رغبة الناس في معرفة الغيب والمستقبل وقد أغلقت كل الأبواب ولم يبقى إلا نافذة الأحلام التي يطل بها الإنسان على المستقبل ورغم ذلك قد أجمع العلماء على أن الأحلام لا يؤخذ منها حكم شرعي , ويجب أن نتذكر أن جهيمان العتيبي و رفاقه خرجوا إلى مكة بسبب “الأحلام” التي كانوا يرونها والبشارات التي صدقوها و هذا عبث لا يمكن أن يقبله العقل , لكن العقل يمكنه أن يقبل ويجد تفاسير عدة لأشخاص رأوا أحلاما ثم تحققت .

 

وهنالك عدة تفسيرات :

الأول : أن هذه هي النتيجة المنطقية لما رآه الشخص , ولنضرب على ذلك مثالا أن هنالك شخص سافر على متن باخرة وحدث في مثل ذلك اليوم أن مرت الباخرة عاصفة هوجاء وكانت الباخرة قديمة لا تتحمل العبء فصارت تترنح بشدة فانتاب الراكب الخوف والفزع وحينما ذهب إلى النوم حلم بغرق الباخرة فاستيقظ فزعا وقرر أن ينزل في الميناء القادم وقد نفذ فعلا ما عزم عليه , وبعد نزوله حدثت عاصفة أخرى للباخرة ولكنها هذه المرة لم تكن محظوظة وغرقت في البحر فهنا ستشيع قصة هذا الرجل ويتقبلها الناس بدهشة وفي الحقيقة كانت نتيجة منطقية لما رآه .

الثاني : أن يكون الحلم هو سبب حدوثه على الواقع , لنفرض أن شخصا حلم أنه سيشارك في صفقة تجارية ويكسب فيها فتراه يعمل ويبحث عن هذه الصفقة و يتفائل بنجاحها ويعمل على إنجاحها فهي بذلك تنجح ويتحقق حلمه .

الثالث : أنه قد يكون رأى شيئا ولكن لم ينتبه إليه عقله الواعي فيعمل اللاوعي لديه ليحفز ذهنه إلى هذا الشيء الذي تجاهله ونساه .. ويكون الحلم تنبيها له لتذكره فمثلا الشخص الذي نزل من الباخرة ربما يكون قد رأى عطبا أو خللا في بنية الباخرة لكن لم ينتبه له أو لم يشعر بأهميته لأنه ليس بحارا ولكن عقله اللاواعي يعلم بأهمية هذا الشيء فيتخذ الحلم سبيلا له لتنبيه صاحبه .

 

لكن مع ذلك هنالك من الأحلام ما يتحقق وليس من هذه الأسباب في شيء ومن هذه القصص ما قد رآه أكونر أنه أراد السفر في عام 1912 على متن الباخرة “تايتنك” لكنه رأى أنها تغرق وبحارتها وركابها يسبحون في المحيط ولكنه لم يلقي لهذا الحلم من بال ولم يرد أن يؤجل سفره لأجل حلم , ولكن قبل السفر بأسبوع جاءته برقية تأمره بتأجيل سفره , وفعلا كانت تايتنك قد غرقت و مات أغلب ركابها .

وعلي الوردي يفسر هذا الأمر من خلال نظرية اينشتاين النسبية الخاصة حيث أضاف البعد الرابع الذي يتعامل معه البشر .. بعد الطول والعرض والارتفاع والزمان وتختصر بالبعد الزمكاني , ومن المعروف أن نظرية اينشتاين تقتضي أننا لو فرضنا أن شخص سافر عبر مركبة فضائية بسرعة الضوء فإنه لو دار لمدة خمسة سنوات ثم عاد إلى الأرض سيجد أن الأرض مر عليه خمسين عاما من رحيله , فإذا الزمن ليس ثابتا بل نسبي ومتعلق بسرعة مكانه من سرعة الضوء , وفي هذا يقول الوردي أن الزمن ليس مكونا من لحظات آنية متعاقبة بل من خط ممتد في الفضاء كامتداد بعد الطول والعرض والارتفاع فهل بالإمكان الإنسان أن يقفز على حاجز الزمن هذا ويرى الأشياء المختفية عنه ؟

والبعض يشبه الإنسان في هذا مثل الدودة إذ أنه تتعامل فقط مع بعدين بعد الطول والعرض وأما الارتفاع فهي لا تستطيع التعامل معه وبذلك ستظنه غير موجود فإذا كانت الدودة لا تستطيع التعامل معه فهذا لا يعني أنه غير موجود .

على أية حال لو صحت هذه النظرية أم لم تصح فإن الثابت أن أغلب الأحلام التي تتنبأ بالمستقبل لا تتحقق ونسبة تحققها لا يتجاوز نسبة واحد إلى 43 في أحسن الأحوال .

وحتى الذين تحقق حلمهم ستجد أنهم حلموا قبلا بحلم لم يتحقق و سيحلمون بعده بحلم لن يتحقق أيضا , فالأفضل من وجهة نظري هو أن يتم التعامل مع الأحلام كعارض نفسي وليس كنافذة تطل على الغيب .

 

Advertisements