اسم الكتاب :المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين.

اسم المؤلف : جورج قرم .

الدار الطابعة : دار الفارابي .

اسم المترجم : خليل أحمد خليل .

عدد الصفحات :392 .

السعر : 44 من المكتبة التراثية .

 

الدكتور جورج قرم :هو مثقف لبناني من مواليد سنة 1940 تولى وزارة المالية في لبنان من 1998 إلى 2000 , وهو خريج جامعة باريس في القانون الدستوري والعلوم الاقتصادية , تتميز كتابته بالميل إلى التيار العروبي والقومي وهو يعترف بتأثره بجمال عبدالناصر وأسلوبه يتسم بشكل عام بالموضوعية و عمق النظرة وهو من الكتاب القلائل الذين يهتمون بالقارئ فيذكر كثير من المراجع و الكتب التي ينصح للرجوع إليها للمهتمين والذين يريدون الاستزادة عن الفكرة التي تطرق إليها .وطبعا يضايقني أنه يكتب بالفرنسية وثم تترجم كتاباته ولا يكتب بلغته الأم .

 

المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين :

لاشك أننا نشاهد عودة ساحقة “للدين” في كل بلدان العالم وليس فقط في العالم الإسلامي والعربي , ففي أمريكا شهدنا قوة الماحقة للمحافظين الجدد ومبادئهم التي تمثلت في الرئيس السابق جورج بوش وفي ألمانيا الحزب الحاكم هو الحزب الديمقراطي المسيحي , و في بلدان العالم الإسلامي لا حاجة لنا لذكر تركيا العلمانية التي انتخبت حزبا إسلاميا ليحكمها و لا لماليزيا التي بعث روحها الإسلامية بالمآثير محمد و أيضا في إندونسيا يبدو أن الحكم سيؤول إلى الإسلاميين و ليس هذا قاصرا على الديانات التوحيدية الثلاث بل حتى الهندوس و التبت أصبح لتعاليمها نفوذ لدى الكثير من أتباعها , ولا حاجة لنا لذكر أنه فقط قبل نصف قرن من الزمان كان العالم كله يتجه صوب العلمانية بل والعلمانية المتطرفة أيضا وانهارت كثير من الحركات الشعبية التي تسخر من المؤسسات الدينية والاجتماعية مثل مؤسسة الزواج كما فعل سارتر و الهيبيز وغيرهم , إن هذه العودة للديني كما يقول جورج قرم بدلا من أن تكون ظاهرة طبيعية وردة فعل شبه بيولوجية للاستبداد العلماني و الكوارث التي سببها النسق الفكري لعصر الأنوار والإمبريالية خصوصا إنما هي ظاهرة سياسية كبرى ليس لها من الديني سوى الاسم ويدل على ذلك أن الكوارث التي فعلتها الإمبريالية الغربية و الحروب التي خاضتها لازلت موجودة بل إن تهديد الكرة الأرضية صار أكبر وهو يتم من خلال من يقدم نفسه كحزب مسيحي مثل جورج بوش والمحافظون الجدد , وهذه العودة هي غير مرتبطة بأي تطور كبير على صعيد العقيدة الدينية من الناحية اللاهوتية والسياسية أو التغييرات الإيمانية اللهم باتساع رقعة القراءة الحرفية للعهد القديم والكتب المقدسة , وفي الجانب الإسلامي الغالب أن يجير الإسلام كتركيب أولي للهوية وبالتالي يكون رد فعل سياسي ضد الغرب وضد الهيمنة الثقافية والعسكرية و الحضارية للغرب فسبب ازدهار الأصولية الإسلامية كان أنه أتوا من باب الحفاظ على الهوية وفي هذا الوقت بالذات يشعر العالم العربي بحاجته إلى إطار يرجع إليه ويحافظ على ذاته من التذرر ولذلك ازدهرت الإسلامية وانتشرت لأنها قدمت نفسها البديل للتماهي مع الغرب .

وفي الحقيقة إن الدين ليس الرحم الأول للهوية كما يتصور البعض بل وحتى في المجتمعات التي يضرب الدين في أعماقها لا يفقد الفرد أبدا وعي نسابته العائلية و خصوصية لسانه و محيطه الجغرافي , فالأمر يتعلق بثلاث مكونات كبرى لا يمكن للدين أن يقوم مقامها إلا في الحالات الخاصة حينما يقرر الفرد تكريس حياته للدين فيغدو كاهنا أو راهبا أو حاخاما أو شيخا أو ملا بل و ربما “مجاهدا” أيضا حيث ينفصل عن عالمه القديم , لكن حتى في هذه الحالات لا يمكن أن يتخلص الإنسان من واقعه الإثني و هو مزيج المكونات الكبرى الثلاث حيث النسب و اللسان و المحيط الجغرافي .

وفي الولايات المتحدة الأمريكية هنالك عودة للديني بشكل ملحوظ منذ بداية الثمانينات حينما نجحت أوساط متدينة في ولاية آلاباما لإدراج ملاحظة خاصة في كتب البيولوجيا تقول إن نظرية داروين موضع خلاف و كانت ولاية لويزيانا صوتت على قانون يفرض تعلم نظرية الخلق _كما جرت في التوارة _ لكن المحكمة العليا أبطلت هذا القانون في عام 1987 ( الكاتب قال نظرية الخلق و أنا فهمتها بأن المعنى هو نظرية الخلق كما أتت في الدين …)

وخلاصة القول إننا هنا مجددا أمام العقيدة الهجومية العداونية للإنجليين الجدد وهي إحدى الركائز التي جعلت بوش يُنتخب مرتان و هؤلاء يقولون بكل صراحة بل بجاحة أن عودة اليهود إلى فلسطين وتجمعهم فوق هذه الأرض الحدث ذا الطبيعة الأخروية المبشر باعتناقهم للمسيحية وعودة المسيح إلى الأرض .

وفجأة أصبحنا نعوم فوق مفاهيم دخلت في حالة الجنون : شعب , عرق , أمة , إمبراطورية , حضارة , ثقافة , دين , مفاهيم متلابسة إلى أبعد الحدود إذ تغدو قابلة للترادف وفقا للجمهور الذي يخاطب بها أ تبعا للقيم السياسية الجديدة وحتى القيم الإقتصادية التي تحاول الحلول محل الإنسانوية الكلاسيكية وحق “الناس” كل الناس الذي بنيت عليه الحضارة الأوربية وهو نتاج للثورة الفرنسية والأمريكية .

 

– نشوء الأمة وأنظمة تشكل الهوية :

الهوية هي ظاهرة اجتماعية بالمعنى القوي للكلمة ويُنسى الأغلب أنها تبني على تنمية الشعور بالاختلاف مع ما يفترض أنه هوية أخرى , فالهوية تعمل بالاستناد إلى قطبٍ سلبي وهو رؤية الآخر المختلف وفي حالات يكون هذا الآخر هو عدو , لذا فإن كل نظام قيمٍ يبني الهوية هو في وقت واحد مكون أساسي لنظام الحكم الذي ينظم الأمن داخل المجتمع ويقرر الحرب أو السلم مع المجتمع المجاور .

وخلافا للأطروحات الجوهرانية ليست الهوية ظاهرة متصلبة ومتحجرة فهي تتطور بمقتضى المتغيرات التي تؤثر في أنمة الحكم وفي معايير الحضارة لعصر ما , إن اليوناني مثلا في القرن العشرين ليس يوناني القرن السادس عشر الذي عاش تحت ظل الدولة العثمانية و لم يعد اليوناني الذي عاش في كنف الدولة البيزنظية وقطعا ليس اليوناني الذي عاش في العصر الذهبي لبركلس في القرن الخامس قبل الميلاد , وفي الحقيقية إن القومية التي ظهرت في أوربا هي نظام متأخر نسبيا و وجعل الأمة هي الهوية السياسية والسيادية للدولة والقانون الذي سنه القانون الدولي وتبنته الأمم المتحدة في حق تقرير المصير للشعوب وهو من أقوى القوانين و أكثرها حداثة إنما مصادره ترجع إلى فلاسفة عصر النهضة الأوربية , وفي أوربا تلاشى اعتبار الدين كعنصر مؤثر في بناء الدولة بعد الحروب الدينية الطويلة والمنهكة والتي سفكت فيها دماء كثيرة فأدى هذا إلى ضرورة إيجاد إطار قومي يظم كافة المواطنين وفي عملية تحول طويلة وشاقة صار البروتساتني والكاثوليكي و اليهودي يعيشون كمواطنين لأمة واحدة وهذا أدى إلى تهميش الدين نسبيا في تكون الهوية و “الأمة” وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وصلت الفكرة القومية إلى أوجها ودخلت حيز المقدس ربما واكتسبت معنى السيادة فالأمة غير السيادية هي أمة مقهورة ناقصة مجردة من حريتها وإنسانيتها , وبشكل عام في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يكن الدين هو المكون الأكبر للهوية بل الأمة المعتبرة كظاهرة طبيعية ذات أصالة وموضوعية فالفرد الأوربي هو فرنسي أو إيطالي أو ألماني أو إنكليزي .. الخ وحتى الصهيونية في ذلك الوقت كانت منضوية تحت هذا الإطار فحينما هرتزل نادى بالدولة اليهودية كان يتحدث عن اليهودية بشكلها العرقي والقومي إذ أن هرتزل نفسه كان علمانيا , وتم حينها إعادة إحياء الثقافية اليهودية لإنتاج قومية تستحق أن يكون لها دولة كما هم الألمان و الإيطاليين و الإنجليز , واليهودية يتقاطع فيها العرق والدين .

 

– الأنماط الأولية لأشكال العنف الحديثة : الحروب الدينية في أوربا :

لا يتوجب امتلاك ثقافة واسعة حتى نفهم أن حاجتنا إلى الدين والتسامي صادرة عن خوفنا من الموت , كما أنها صادرة عن حيرتنا الفكرية أمام الكون وأسرار خلقه التي لم تتوصل إلى اكتناهها واختراقها النظريات الأكثر علما والأشد تحبرا في العلم , إن عالما بلا خالف أو بلا مبدأ تفسيري لحيواتنا الفانية ولحركة الكواكب الأزلية هذا النوع من نمط الحياة يثير نفور كثير من البشر , فالدين بشكل عام يملك تفسير أقل رعبا و أكثر قبولا في سيكولوجية الإنسان ويستطيع التعامل معها واللجوء إليها , وما إن يدخل الدين إلى اللعبة السياسية يفقد طبع التسامي الأول , ففي الغالب سيقع هو فريسة للعبة السياسية ولن تقع السياسة فريسة له كما يشاع بمعنى أن الدين هو من سيتشوه بإقحامه في المجال السياسي و تبريره لأنظمة السيطرة و إضفاء الطابع الشرعي على السلطة , وفي حينها سيدخل عدد من المؤمنين أو من السياسيين الخائبة آمالهم في الدنيا و سينادون بضرورة العودة إلى الأصول , و الرجوع إلى الجذور وعندها سيجري الخلط باستخفاف بين الهوية الدينية والهوية القومية وبين الانتماء إلى دين معين وبين الانتماء إلى حضارة معينة وهذا الحنين إلى الأصول سيتكئ على الاستعانة بالدين وذلك لإشباع نقص سياسي دفين ولكن هذه  الاستعانة ستولد فراغا وجوديا و شرخا في بنية الهوية كما هو واقعا الآن في العالم العربي , فاستعانة إيران بالمذهب الإثني عشري لم يكن سبب لشرخ الهوية الفارسية فقط في إيران بل وأيضا أدى إلى تضاعف ضعف الهوية العربية فرغم أن هذه الأخيرة لديها مشاكلها السياسية لكن هذا الشرخ الشيعي و السني لم يكن له أن يكون بهذا الاتساع لو لم تتخذ إيران إطار الطائفة للتعبير عن ذاتها .

ونؤكد مرة أخرى أن طلب العودة للديني ليس لها محل بل الذي يُطالب به هو الاستعانة بالدين في مجال السياسة وهذا يأتي دوما في شكل تبرير لخيبة الأمل من العالم , لكن الكلام عن العودة للديني لا معنى له إذا سلمنا جدلا بأن الحاجة إلى الدين و التسامي عن الفناء هي السمة الدائمة للطبيعة البشرية .

وفي هذه العقود المتأخرة ظهرت هجمة شرسة على الثورة الفرنسية وما فعلته من فضائع و جرائم بحق الإنسانية وهذه الدعوى ليست أمينة فهي تقول أن بداية التوتاليتارية ولدت من رحم الثورة الفرنسية وفيه دعوة مبطنة للعودة إلى الدين الذي نبذته الثورة الفرنسية ولذلك يجب التذكير بأمرين مهمين حتى لا نخدع بهذه الدعوى , الأمر الأول أن الثورة الفرنسية هي استمرار للحروب الدينية أو بالتحديد نقول أنها امتداد لما كان بعض أطراف الحروب الدينية ومحركيها قد بدأوه ضد استقرار النظام في الديار المسيحية , ولا يجب اعتبارها انطلاقة بل كانت بمثابة نهاية مسيرة وهي مسار العلمنة الطويل الذي أطاح تقريبا وفي شكل نهائي كلاًّ من السلطة الملكية والسلطة الكنسية ..و يقول ميشليه ((الثورة تستكمل المسيحية وتناقضها , فهي في آن واحد ورثيتها و مُخاصمتها .)) ففي نظر ميشليه المسيحية كانت مصدر مفهوم الشعور بالإخاء الإنساني لكن الثورة الفرنسية وسعت هذا الشعور ليشمل كل عرق وكل دين و كل ثقافة تشرق عليها الشمس , وميشليه حريص على الرد الذين قارنوا بين جرائم الثورة الفرنسية وبين الجرائم التي ارتكبتها الكنيسة في العصور الوسطى و فظائع محاكم التفتيش ((فليحذر الإرهاب الثوري حذرا شديدا أن يقارن نفسه بمحاكم التفتيش فلا يتفاخر أبدا بأن عاد في عاميه الأول أو أعوامه الثلاثة للنظام القديم ما كان قد فعلته لنا محاكم التفتيش خلال 600 سنة , فما مقدار عدد 16 ألف حكم عليه بالموت في عهد الإرهاب في الثورة الفرنسية مقابل الملايين من الناس المذبوحين والمشنوقين والمقطعين مقابل هذه المحرقة الهرمية الطابع و هذه الأكداس من اللحوم المحروقة التي صعدها الإرهاب إلى السماء ؟ تقر محكمة التفتيش في أسبانيا في لحظة صراحة أنها أحرقت وحدها في إحدى مناطق إسبانيا 20 ألف إنسان خلال 16 عشر سنة فقط ! , وسيقول التاريخ إن الثورة الفرنسية حتى في أعتا لحظاتها الغاشمة و الشرسة خشيت مفاقمة الموت و إنها خففت العذابات والآلام و أبعدت يد الإنسان وأبدعت آلة لاختصار الوجع و سيقول أيضا إن كنيسة العصر الوسيط قد استنفدت ذاتها لابتكار آلات تزيد الألم و أنها أبدعت فنون للتعذيب متقنة ووسائل مبتكرة جديدة لجعل الإنسان يتذوق طعم الموت طويلا من دون أن يموت نهائيا ..))

ومما يذكر في أخبار التعذيب التي فعلتها الكنائس في العصور الماضية أن انكلترا البروتستانتية قامت في القرن السادس عشر بقرت بطون قسيسين كاثلوكيين وهم لايزالون أحياء لانتزاع قلوبهم وأحشائهم , و كانت هنالك امرأة أخفت راهبا كاثوليكيا فلما كُشفت سُحقت تحت ألواح خشبية وضعت فوقها أحجار ضخمة , وفي نفس القرن حبس رهبان بروتستانتيين رهبان كاثوليكيين  في أبراج الأجراس وتركهم يموتون جوعا  .

وفي فرنسا وقعت المذبحة الشهيرة المعروفة بسان بارتيلمي التي أمرت فيها والدة شارل التاسع كاترينا بقتل خمسة آلاف بروتستانتي  في باريس غيلة و ثم بعدها تم قتل عشرة آلاف بروتستانتي في كل فرنسا وبارك البابا غريغوري هذه المجزرة بل و أمر أن يكون يوم 24 أغسطس عيدا وطنيا يحتفل بهذه المذبحة !

 

خلاصة :

الكتاب ممتع و يجوب بك في مراحل تاريخية متعددة و لا أنسى أنه ذكر تقريرا واراد من صحيفة واشنطن بوست يقول بأن ممثل الخزانة الأمريكية في الكونجرس (( إن المملكة السعودية قد أنفقت أكثر من 75 مليار دولار لنشر العقيدة الوهابية في العالم ..)) , وبشكل عام الكتاب رائع و ممزوج بالتحليل السياسي و الفكري والثقافي .

Advertisements