اسم الكتاب :الليبرالية وحدود العدالة .

الكاتب : مايكل ج ساندل .

المترجم : محمد هناد .

الدار الطابعة : مركز دراسات الوحدة العربية.

عدد الصفحات : 350

سعر الكتاب :45 _المكتبة التراثية_

 

هذا الكتاب هو في أساسه رد لكتاب “جون رولز” الشهير “نظرية في العدالة” الصادر في سبعينيات القرن الماضي ويعد واحد من أهم الكتب في المجال السياسي – الليبرالي , وقلبت الكثير من المفاهيم و أثارت حوله زوبعة من النقاشات والأسئلة والردود وفي هذا السياق يأتي كتاب “مايكل ساندل” “الليبرالية وحدود العدالة” وهذا الكتاب و إن كان في أصله ردا على أفكار جون رولز إلا أن قيمته تبقى ثابتة بأنه طرح وجهة نظره في معرض رده , وتميز بقوة أفكاره و تماسها الشديد مع الواقع الغربي ولم يكن يسبح في التجريد .

 

– أولوية الحق على الخير :

هذا من أشهر النقاشات في الفكر الغربي والمفترض أن يُنقل إلى الفكر العربي , وهي الفكرة التي حفرت أساسات الفكر الليبرالي ومفادها باختصار أنه بما أن “الخير” لا يمكن تحديده ويختلف من فرد إلى آخر ومفاهيمه ليست ثابتة فلا يمكن أن يعتمد عليه ويجب تقديم الحقوق _الفردية والجماعية_ عليه , بمعنى آخر لا يمكننا منع أمرٍ ما لأن المجتمع يراها “خيرا أو شرا” وينبغي تقديم حقوق المجتمع على هذا التصور , وهنالك نقاش دائم ومستمر بين المشيدين بالحرية الفردية وبين من يدعون أن قيم الجماعة أو إرادة الأغلبية هي التي ينبغي أن تسود دائما أو بين من يؤمنون بوجود حقوق إنسانية كونية ومن يحلون على استحالة نقد القيم التي ترسم صورة مختلف الثقافات والتقاليد و اختلاف الأدوات للحكم عليها , وهؤلاء بإمكان تسميتهم “الجماعاتيون” الذين يرون أن إرادة الأغلب هي التي يجب أن تسود متمثلة بتصورها للخير , و الطرف الآخر الذي يمثله جون رولز و قبله عمانيول كانط و جون لوك يرون أولوية الحق على الخير وهو بهذا المعنى يقتضي أمران الأول أن الحق سابق على الخير بما يفيد أن بعض الحقوق الفردية ترجح الاعتبارات المتصلة بالخير العام , والأمر الثاني أن الحق سابق على الخير على النحو الذي يفيد بأن مبادئ العدالة التي تعين حقوقنا ليست مرهونة بأي تصور محدد للحياة للخيرة وليس لديها حكم مسبق على ما هو شر , وهذا المعنى الثاني هو ما اقتضى سيلا من النقاشات ومراجعات مع كتاب جون رولز لأنه يقتضي “تحييد” ليس الدين فقط بل كل تصورات للخير , وفكرة جون رولز هذه مبنية على حجتين الأولى أن بعض الحقوق الفردية هي من الأهمية بمكان بما يحول دون غلبة الخير العام ذاتها , و الثانية أن مبادئ العدالة التي تحدد حقوقنا ينبغي ألا تكون مرهونة في تبريرها بأي تصور معين للخير أو تصور أخلاقي أو ديني , ويبدو أن مايكل ساندل يتفق مع جون رولز و كانط في الحجة الأولى و المقتضى الأول لأولوية الحق على الخير بأن هنالك من الحقوق التي لا ينبغي مسها أو حصرها حتى لو كانت متوافقة مع إرادة الأغلبية , ولذلك هو يحاول أن يبعد نفسه عن “الجماعيتيون” فيقول إن الفكرة التي تفيد بأن العدالة متصلة بالخير لا مستقلة بذاتها _ أي العدالة_ هنالك صيغتان لإثباتها واحدة منهما فقط تنتمي للفكر الجماعاتي , والجماعيتيون يقولون أن مبادئ العدالة ينبغي أن تستمد قوتها الأخلاقية من قيم مشتركة أو سائدة في مجتمع ما أو في ثقافة معينة وهم بهذا يربطون العدالة بالخير من حيث أن قيم الجماعة هي ما يحدد ما هو عادل أو غير عادل وتكون مهمة الفرد في هذه الجماعة أن يبرهن على أن هذا الأمر الذي يطالب به أو يطالب بحظره مندرج في سياق ما اتفق عليه أن من قيم الجماعة , وبطبيعة الحال يمكن لنقاد جماعيتين و مصلحين سياسيين أن يفسروا التقاليد بطريقة تطعن في الممارسات السائدة غير أن مثل هذه الحجج وهذه الطعون دائما تتخذ شكل إعادة الجماعة إلى ذاتها أو الدعوة إلى المثل المتضمنة في المشروع المشترك الذي لم يتحقق .

هذه الطريقة للنقاد الجماعيتيون الذي انتقدوا جون رولز في مبدأه أن العدالة ينبغي أن لا تكون مرتبطة بالخير , وأن الحق سابق للخير و لكن هنالك طريقة أخرى للرد على هذا الزعم وهو الذي تبناه مايكل ساندل وهذه الطريقة تقتضي ربط العدالة بتصور الخير من حيث أن مبادئ العدالة متوقفة في تبرريها على القيمة الأخلاقية للغايات التي تخدمها , أو الخير الكامن في هذه الغايات وفي هذه الحالة يصبح الاعتراف بالحق يقتضي البرهنة على أنه يقدم خيرا إنسانيا ما , وكون هذا الخير يحظى بقيمة كبيرة أو متضمنا في تقاليد الجماعة ليس له قيمة , ويقول ساندل إن الليبراليين الذين يقولون بوجوب تحييد المذاهب الدينية والتصورات الأخلاقية الجوهرية من “الحقوق” و “العدالة” و أيضا الجماعيتيون الذين يتصورون أن الحقوق يجب أن تقوم على القيم الاجتماعية السائدة إنما يقعون في الخطأ ذاته لأن الفريقين كليهما يتجنبان إصدار حكم على محتوى الغايات التي تقصدها الحقوق , غير أن هذين الفريقين لا يمثلا البديلين الوحيدين لأن هنالك بديلا ثالثا أكثر وجاهة مؤداه أن الحقوق مرهونة بتبريرها بالأهمية الأخلاقية التي تخدمها .

– الحق في الحرية الدينية :

مايكل ساندل يحاول تطبيق نظرته حول تقديم الخير على الحق وليس كما يدعي الليبراليون ومنهم جون رولز بتقديم الحق على الخير فيقول : دعونا نتأمل حالة الحرية الدينية نتساءل لماذا يجب أن تحظى ممارسة شعيرة من شعائر الدين بحماية دستورية خاصة ؟ قد يرد جون رولز والليبرالييون عموما أن الحرية الدينية هي مهمة لنفس السبب الذي يجعل الحرية بصورة عامة مهمة بمعنى أن الحرية الدينية جزء من الحرية العامة حيث يستطيع الناس أن يكونوا أحرار في العيش المستقل ويختاروا ما يروقهم من القيم التي يريدون تبنيها , وبحسب هذا الرأي إنه على الدولة أن تدعم الحرية الدينية ليس لقيمة الدين بحد ذاته بل احتراما للأشخاص كذوات مستقلة قادرة على اختيار قناعاتها الخاصة و منها الدينية , فالمعتقدات الدينية بهذا الرأي قمينة بأن تحترم لا بحكم محتواها أيا كان هذا المحتوى وما يدعوا إليه بل لكونها نتيجة الخيار الحر والطوعي للفرد .

هذه الطريقة في الدفاع عن الحرية الدينية ستجعل الحق سابقا على الخير ولن تصدر حكما على محتوى ما يؤمن به الناس أو انطلاقا من الأهمية الأخلاقية للدين من حيث هو كذلك , و لكن هذه الطريقة ستُخرم ما لو اعترض معترض وقال لماذا إذا لا يُعطى الحق للأمريكيين الأصليين الحق في استخدام “البيوت” وهو نوع من العشب الذي يحتوي على مادة مخدرة في طقوسهم الدينية كما كانوا يفعلون ؟ أليست الدولة من المفترض أن تحمي حق ممارسة الدين بغض النظر عن محتوى هذا الدين ؟ و القضية ستكون أكثر جلاء فيما لو سمح “للمسبتين – طائفة من اليهود ” ببرمجة يوم عطلتهم في يوم السبت لا الأحد لأن دينهم يحرم عليهم العمل في ذلك اليوم ؟ و الأمر الهم أنه إذا تمت المساواة بين القناعات الدينية باعتبارها خيارا حرا لذات مستقلة فما الفرق بينها وبين بقية الخيارات ومختلف الغايات والمصالح التي يمكن لذات مستقلة أن تختارها ؟ سيكون من الصعب علينا التفريق بين دعوات الضمير من ناحية ومجرد الخيارات الشخصية من ناحية أخرى , وفي غياب هذا التمييز سيكون الحق في مطالبة الدولة ألا تتنافى قوانينها مع حق ممارسة الشعيرة الدينية مجرد مطالبة بـ “حق خاص لتجاهل القوانين التي تسري على الجميع “ , وفي قضية السكان الأصليين الذين طالبوا باستخدام نوع من المخدر في طقوسهم الدينية لو أقروا على فعلتهم لماذا لا يسمح أيضا لشخص آخر أن يستخدم المخدرات بغرض الترفيه ؟ ولو سمح “للمسبتين” بأخذ عطلتهم في يوم شعيرتهم الدينية لماذا إذا لا يسمح لشخص يريد أن يأخذ يوم السبت عطلة كي يتسنى له التفرج على مباراة في كرة القدم ؟ مدام أن كلها تنم عن خيار حر صدر من ذات مستقلة .. إن وضع الحرية الدينية في نفس المستوى مع الحرية بشكل عام إنما ينم عن التطلع الليبرالي إلى الحياد , ولذلك برأي مايكل ساندل ينبغي احترام الحرية الدينية من خلال ما يمثله هذا المعتقد الديني من دور و مكانة في “الحياة الخيرة” والفضائل التي يسعى لتحقيقها و من الوجهة النظر السياسية ميله إلى ترقية العادات الدينية واستعدادات أفراده التي من شأنها خلق مواطنين صالحين , ولذلك الليبرالية تضع نفسها في حرج إذ أنها لا تهتم بالدين في الحقيقة وتخلط “الخيارات” التي يتمتع بها الفرد و بين “أداء الواجبات” التي تثقل ضميره , ولذلك الليبرالية تجاهلت المكانة الخاصة التي تحتلها الحرية الدينية في حرج الذات التي تريد الاستجابة لمتطلبات الضمير المتصلة بواجبات لا يمكن اختيار التخلي عنها حتى في حالة تعارضها مع واجبات مدنية .

إن المتدينين مثقلين بالضمير ولذلك الدولة يجب أن تولي احتراما خاصا بهم عكس من طالب لأمور لمجرد أنها تمثل خياره الحر كذات مستقلة , لكن المثقلين بالضمير تحترمهم الدولة لأنها عندما تضيق من مجال ممارسة أساسية في تحديد مواطنيها لذواتهم سيكون الشعور بالإحباط أكبر مما لو حرمتهم من السعي لمطالب ذات طابع أقل مركزية في المشاريع التي تكسب حياتهم معنى , ومع ذلك ينص مايكل ساندل أن ثقل الضمير ليس بحد ذاته كافيا لمنح الحرية الدينية مدام أن المشاريع التي يصبوا الفرد المتدين إلى إقامته والأفكار التي يتداولها هل هي جميلة وشريفة أم شيطانية و مرضية , إن الدعوة إلى حماية من النوع الخاص للممارسة الدينية الحرة تفترض ضمنا أن تنتج المعتقدات الدينية طرقا للعيش والتصرف تستحق التشريف والاستحسان إما لأن تلك الممارسات هي كذلك أو لأن من شأنها التشجيع على وجود مواطنين صالحين .

 

الحق في حرية التعبير :

في عام 1978 طالب بعض النازيين في أمريكا بحقهم في التظاهر والتعبير عن رأيهم وقد كان ذلك ولاية ايلينوي حيث كان يوجد الكثير مما كان نجوا من المحرقة أو من كان اباءهم قد نجوا من أفران هتلر , هل لهؤلاء الحق في التعبير عن رأيهم العنصرية والتظاهر ؟ يقول الليبراليون يجب على الدولة أن تكون محايدة تجاه الآراء التي يتبناها مواطنها ويمكن للدولة أن تحدد مكان التظاهر ووقته وكيفيته كأن تمنعه أن يستمر صاخبا في منتصف الليل لأن ذلك يؤذي أهل المدينة لكن الدولة لا تستطيع أن تحدد محتوى الخطاب , فحظر السلطة العمومية لخطابات تهجمية أو غير شعبية يجعلها تفرض على البعض قيم غيرهم , فتخفق بذلك في احترام قدرة كل مواطن على اختيار آرائه والتعبير عنها .

وعلى الطرف الآخر الجماعيتيون سيقولون بمنع هذه المظاهرة لأنها تسبب أذى لعرق بكامله و مجموعة من الأشخاص وقد يتسبب شتم جماعة ما ينتمي إليها الفرد أكثر من الأذى الجسدي , وطبعا الليبراليون يقولون لا يقع الأذى على الفرد إذا شتمت الجماعة التي ينتمي إليها مدام أن الشاتم لا يدعوا إلى العنف ولم تستغل أقواله لتبرير جريمة أو تحض عليها .

لكن يرد على الجماعيتيون أن الولايات الجنوبية لم ترد أن تقوم فيها مظاهرات “مارتن لوثر كنغ” الداعية إلى المطالبة بحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين فأهل الولايات الجنوبية بإمكانهم أن يدعوا أنهم جماعتهم وأن أهل المدينة سيصابون بالأذى من الرسائل التي يحاول بثها مارتن لوثر كنغ وأن أهل المدينة جماعة موحدة تجمعهم ذكريات مشتركة في الحرب الأهلية و مسيرة مارتن لوثر كنغ ستعيد لهم ذكرياتهم المؤلمة .

هل هنالك طريقة للتمييز بين الحالتين ؟ بالنسبة لليبراليين الذي يلحون على ضرورة حياد الدولة في ما يخص محتوى الخطاب الذي يراد التعبير عنه و إلى الجماعاتيين الذين يحددون الحقوق بحسب القيم السائدة على مستوى جماعة ما لابد أن تكون الإجابة بالنفي , وقد يؤيد الليبراليون حرية التعبير في كلتا الحالتين و قد يمنع حرية التعبير الجماعاتيون في كلتا الحالتين _حالة مارتن لوثر كنغ و النازيين _.

القاعدة البديهية التي يمكن أن نميز على أساسها بين الحالتين هي أن النازيين الجدد يدعون إلى الإبادة والكراهية بينما يدعو مارتن لوثر كنغ إلى ترقية للحقوق المدنية للسود , فالفرد يكمن في محتوى الخطاب وفي طبيعة القضية المطالب بها , كما أن هنالك فرقا آخرا متصلا بالقيمة الأخلاقية للجماعة التي تعلق الأمر بسلامتها فالناجيين من المحرقة في الحالة الأولى تستحق احتراما أخلاقيا يفتقر إليه التضامن العنصري في الحالة الثانية , حالات التمييز الأخلاقي لمحتوى الخطاب تتوافق مع الرأي العام لكنها تتعارض مع النظرة الليبرالية التي تؤكد أولوية الحق على الخير ومع النظرة الجماعاتية التي تقوم على الدفاع عن الحقوق المؤسسة على قيم مشتركة وحدها .

فإذا قررنا أن الحق في حرية التعبير مبني في محتوى الخطاب لا ينبغي أن يُرجع الأمر للقضاة في كل حالة ويعين القاضي هل هذه القضية “خيرة” أم لا , وتقييمه لعلاقته في المخاطر التي من الممكن أن يتسبب بها إذا صُرح بهذه المظاهرة وسُمح بها ولذلك يبنغي صوغ مبادئ و مذاهب و أسس من إعفاء القضاة من هذا الحرج و تثبيت هذه القيم الأخلاقية التي رغم أنها في العموم يتفق عليها إلا أنه قد يتسلل الفساد إلى المجتمع ويصبح لا يفرق بين الظلم والحق و الشر والخير .

ومن أجمل القصص التي تؤيد نظرية مايكل ساندل أن حاكم ولاية آلاباما جورج والس حاول منع مسيرة مارتن لوثر كنغ من “سليما” إلى “مونتغومري” بحجة أن للولايات الحق في تنظيم الطرقات العمومية و أن هذه المسيرة قد جاوزت الحدود التي يسمح بها الدستور , وعطلت الطرقات ومصالح الناس .. فما كان من قاضي هذه الولاية فرانك جونسون إلا قال عبارة تستحق أن تكتب بماء الذهب و تكون مبدأ عاما يدرسه كل مواطن فقال ((حدود الحق في التجمع والتظاهر بصورة سلمية على الطرقات يجب أن تُقدر بحسب فداحة المظالم التي يقع الاحتجاج عليها والتنديد ضدها , وفي هذه القضية المظالم فادحة مما يستوجب الإعتراف بالحق في التظاهر ضدها على هذا الأساس ))

فحكم القاضي فرانك جونسون لم يكن محتواه محايدا كما يطالب الليبراليون ولم يكن من شأنه أيضا إفادة “النازيين” .. إنه يبر جيدا الفرق بين المقاربة الليبرالية للحقوق , وتلك المقاربة التي ترد الحقوق إلى حكم أخلاقي جوهري فيما يخص الغايات التي تنشدها هذه الحقوق كما يفعل مايكل ساندل .

الخلاصة : الكتاب ممتاز ويعرض لأقسام كثيرة من أنماط الفكر في العالم الغربي ونظرتهم السياسية وهو أصلا كتاب فلسفي فقد تكون قراءته صعبة ومرهقة بعض الشيء .

Advertisements