هل تتم إعادة إنتاج الديكتاتورية ؟

أحد المعايير المهمة التي استخدمها “هيجل” للتفريق بين الظواهر الإنسانية التي تنبجس في المجتمع هو معيار “جدلية الجوهر” و “جدلية الوجود” ففي “جدلية الجوهر” نحن نتعامل مع ظاهرة نشأت وباتت مستقلة وذات حدود تاريخية ولها حضورها في الأفراد وأبعادها التي تظلل المجتمع وتستطيع إعادة إنتاج  ذاتها ذاتيا حتى لو لم يقصد إعادة إنتاجها القائمون عليها , و أما “جدلية الوجود” فهي عملية إنتاج الظاهرة وتوليدها تاريخيا وتمر عبر المراحل الطبيعية لإنتاج الظاهرة و أهم هذه العوامل هو وجود أشخاص يؤمنون بها ويريدون تطبيقها و يسعون لإحداثها و إيجادها , وهذا التفريق الذي استخدمه “هيجل” سيعيننا كثيرا لفهم ما يحدث في العراق الآن , فلو قلنا أن الديكتاتورية هي الأصل في الدولة العراقية وكان لها حضور عريق في الأنظمة الحاكمة فسنقول أنها تخضع “جدلية الجوهر” و إعادة إنتاجها ستكون بسيطة بل هي الأصل و الأقرب , و إذا قلنا أن الديمقراطية هي ظاهرة جديدة على المجتمع العراقي ولم توجد أدواتها وشروطها و الأهم من ذلك هم “حراسها” الذين يرابطون في مؤسسات القضاء المستقل وعلى منابر الإعلام و مؤسسات المجتمع المدني فسنستنتج أن الديمقراطية في العراق خاضعة لمعيار “جدلية الوجود” , ولذلك من المفهوم هو الخوف السائد لدى الأطراف العراقية والغير عراقية من أن الرئيس “نوري المالكي” يقوم بإعادة إنتاج الديكتاتورية حتى ربما بدون علم منه , وفي هذه المرحلة المفصلية في تاريخ العراق فإنه أحوج ما يكون إلى رئيس “ديمقراطي” بسياساته وقراراته وإدخاله لخصومه في صناعة المستقبل و أما الاستبداد _حتى ولو كان دستوريا_ فإنه سيرجع العراق إلى غياهب الديكتاتورية .

 

– سياسة حافة الهاوية :

يرتكز مفهوم “سياسة حافة الهاوية” على اقتياد البلد إلى حافة منحدر وخلق توتر لدى المشهد السياسي و إرغام المجتمع على الاصطفاف خلف “القائد” لأنهم يرونه المُخرج الوحيد من هذه الأزمة و إرغام الفرقاء السياسيين على الرضوخ , هذه السياسة طبقها المالكي وطبقها عشرات غيره وفي كل مرة يكون الخاسر الأول هو الشعب العراقي الذي تستنزف طاقاته الاقتصادية و الدموية , إن “التفجيرات الحالية” تأتي في سياق هذه السياسية لأن المستفيد الأول منها هو “نوري المالكي” فهذه التفجيرات التي حصدت “130” روحا _على الأقل_ و “170 ” جريحا _على الأقل_ جعلت أطياف من المجتمع العراقي تصطف خلف “نوري المالكي” ورفعت أسهمه في الشارع العراقي لأنه المخرج من هذه الأزمة والذي يؤكد هذه النظرية أن كل التفجيرات كانت عبثية وليس لها هدف محدد سوى ضعضعة الأمن ,إن استدعاء نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي ربما سيصفق للقرار و أنه تطبيق للعدالة التي لا تميز بين أية صاحب منصب ما لو كانت في دولة مستقرة مثل فرنسا أو بريطانيا لكن أن تأتي في العراق وتربك المشهد السياسي و بعد استدعاء قضائي لعدة أعضاء في حزب “القائمة العراقية” هذا لا يمكن فهمه إلا أنه تنظيف الطاولة السياسية العراقية من الخصوم إضافة إلى أنه قبل سنتين قام حراس نائب رئيس الجمهوري “عادل عبدالمهدي” بالسطو على بنك في بغداد وتم نقل الأموال إلى مقر جريدته ولكن لم يتهمه القضاء بالسرقة بل حاسب “حرسه”  ونصف هؤلاء الحرس هربوا بعد أن تم القبض عليهم . إن المالكي يستعين بأدوات الديكتاتورية ليخلق وضعا متأزما ويكون هو القائد الأوحد وهذا غير مسموح به أبدا دولة لم تستقر فيها الديمقراطية بعد .

 

– هل هي مشكلة بين الشيعة والسنة ؟

و المشكلة ليس كما يتصورها البعض أنها مشكلة بين السنة متمثلة “بالقائمة العراقية” وبين الشيعة متمثلة بـ “نوري المالكي وحزبه” فإياد علاوي قائد القائمة العراقية شيعي و مقتدى الصدر الذي وقف في وجه “نوري المالكي” و طالب إيران بعدم التدخل “شيعي” , لكن التوصيف الصحيح للأزمة أنها أزمة يصنعها حلفاء إيران للاستفراد بالسلطة بعد الانسحاب الأمريكي من العراق , ولا ننسى أن إعلان استدعاء طارق الهاشمي أتى بعد عودة نوري المالكي من الولايات المتحدة وليس بعيدا أن يكون قدم لهم ضمانات معينة بقدرته على مسك زمام السلطة وحيدا و أخذ الضوء الأخضر من القيادة الأمريكية .

Advertisements