اسم الكتاب : يجب الدفاع عن المجتمع

اسم المؤلف : ميشيل فوكو

اسم المترجم : الزاوي بغوره

الدار الطابعة : دار الطليعة

سعر الكتاب : 38 ريال من المكتبة التراثية.

عدد الصفحات : 259

 

 – تحليلات فوكو :

قبل الخوض في غمار السلطة وزواية رؤية المفكر الفرنسي “ميشيل فوكو” لها , أظن أن على القارئ أن يستعرض مثالا لكيفية منهج ميشيل فوكو و الأدوات الأركيولوجيا و الجينيالوجيا التي يتوسلها لإبراز أفكاره , فمثلا لو أخذنا عبارة “الماركسية علم ” أو “التحليل النفسي علم” التي يحاجج على مضمونها “فوكو” فيقول : إنه قبل أن نعرض بأي مقياس أو معيار يكون شيء مثل الماركسية أو التحليل النفسي بمثابة ممارسة علمية في نشاطها او عملها اليومي أو في قوانينها التكوينية ومفاهيمها المستعملة ..أي قبل طرح مسألة المماثلة الشكلية أو الصور لخطاب مثل الخطاب الماركسي أو النفسي مع خطابٍ علمي , ألا يمكن التساؤل عن تلك الرغبة الملحة التي يحملها خطاب “الماركسية علم ” أو “التحليل النفسي علم” بسؤاله المماثلة مع “العلوم الدقيقة” ؟ وعليه فإن السؤال أو الأسئلة التي يجب طرحها هي : ما هي أنواع أو أنماط المعارف التي تريدون إقصاءها و تقرون بعدم أهليتها عندما تصفون هذا الخطاب _الماركسي أو التحليل النفسي_ بالعلمي ؟ ماهي الذات المتحدثة أو المتكلمة ؟ ما هو الموضوع الذي تريدون “تحجيمه أو تقزيمه” عندما يقول الماركسي الماركسية خطاب علمي و أنا ماركسي فإذن أنا أملك خطاب علمي و بالتالي أنا عالم ! ما نوع الطليعة النظرية السياسية التي تريدون تقليدها من أجل أن تنفصلوا عن الأشكال المهجورة و المنحطة من المعارف _التي هي غير علمية بنظركم_ , ويجيب فوكو عن هذه الأسئلة ليقول ((عندما أراكم تجهدون أنفسكم من أجل القول أن الماركسية علم , لا أراكم تحاولون البرهنة على أن للماركسية بنية عقلية و أن قضاياها نابعة أو ناتجة من عمليات قابلة للتحقق , إنكم تحاولون أولا وقبل كل شيء ربط الخطاب الماركسي بآثار السلطة .. حيث الغرب ومنذ العصر الوسيط قد خصص هذا الربط أو الأثر بالعلم وخصه بالذين يملكون خطابا علميا)) فلأن الغرب قد ربط سياساته “بالعلم” لذلك الماركسيون يصرون على وصف الماركسية بالخطاب العلمي .

هذا النمط من التحليل الذي يستخدمه “فوكو” فهو لا يرد على الأقوال مباشرة بل يردها إلى أصلها أولا و هو يطمح أن يحرر المعارف والخطابات المقموعة من قبل خطاب نظري أحادي حتى لو كان “علميا” فالأركيولوجيا هي المنهج الخاص بتحليل الممارسات الخطابية أو الخطابات المحلية . والجينجالوجيا هي التكتيك الذي يقوم انطلاقا من الخطابات المحلية كما هي محللة أو موصوفة بتحريك للمعارف غير الخاضعة و إبرازها و إظهارها وتعيينها.

 

 

-في البدء كانت الحرب :

هل الحرب يمكن فعليا تقييمها بوصفها أداة لتحيل علاقات السلطة وبوصفها رحما لتقنيات الهيمنة ؟ هل يمكن أن تكون علاقات القوى هي علاقات الحرب ؟ هل يمكن تعرية علاقات القوى ذاتها على أنها صراع حتى الموت أي علاقات حرب ؟ في ظل السلم هنالك الثروة و النظام والحكم أفلا يجب اكتشاف نوع من الحرب البدائية والدائمة في ظل الدولة و أجهزة الدولة و قوانين الدولة ؟ ولنطرح السؤال بشكله الأعم :هل يمكن اعتبار حدث الحرب فعلا أوليا مقارنة بالعلاقات الأخرى ( علاقات اللامساواة , علاقات اللاتماثل , تقسيم العمل , علاقات الاستغلال ..) وهل ظواهر التناحر والمنافسة والمواجهة والصراع بين الأفراد وبين الجماعات أو الطبقات يمكن بل ويجب تجميعها من هذه الآلية العامة وفي هذا الشكل العام الذي هو الحرب ؟ إن التحليل الذي يطرحه فوكو يحاول الإجابة بطموح على سؤال : منذ متى وكيف ولماذا تصورنا أن هنالك نوعا من المعركة المستمرة تعمل في السلم ؟ و أن النظام المدني العام في النهاية _في عمقه وجوهره وآلياته وأساليبه_ هو نظام معركة ؟ ومن هذا الذي بحث في وحل المعارك عن مبدأ لمعقولية النظام و الدولة ومؤسساتها وتاريخها ؟ هنالك مقولة شهير لكلوزفيتنز : ((ولكن قبل كل شيء , الحرب ليست إلا استمرارا للسياسة بوسائل أخرى )) هذه المقولة اشتهرت في القرن الثامن عشر والسابع عشر , يقول فوكو : من كانت لديه فكرة عكس مبدأ كلوزفيتز ؟ من كانت لديه الفكرة المعاكسة لمبدأ كلوزفيتز من الذي فكر بأن السياسة استمرار للحرب ولكنها تطبق بوسائل أخرى ؟ ومن الذي كان يرد عليه كلوزفيتز حينما قال مبدأه ؟ كما يقول فوكو (( إن المبدأ الذي تكون من خلاله السياسة استمرار للحرب بوسائل أخرى كان مبدأ سابقا على كلوزفيتز )) و كلوزفيتز هو من عكس الأطروحة والمبدأ وانتصر مبدأ كلوزفيتز ليكون هو المبدأ الشائع في القرن السابع عشر والثامن عشر , حينما قال كلوزفيتز مقولته لم يؤطر مبدأ الحرب على الأعداء فقط .. بل أطر مبدأ السياسة الداخلية أيضا و أن العلاقة التي بينهم ليست علاقة حرب بل هي سياسة .

ولنتذكر أن فوكو يتحدث عن الدول الأوربية التي دخلت إطار الحداثة منذ قرون و لكن لو التفتنا إلى بعض الدول سنجد أنها كانت تعرف نفسها من خلال “الحرب” و أنها موجودة لأنها الأقوى و أن مصدر شرعيتها هو السيف , وعندما يستعرض فوكو تطور الدولة الأوربية فيقول : يمكننا أن نقول بشكل تخطيطي وإجمالي بأنه مع نمو وتطور الدول خلال العصور الوسطى وعلى مشارف العصر الحديث شاهدنا ممارسات ومؤسسات الحرب وقد تم تركيزها أكثر فأكثر في سلطة مركزية .. وشيئا فشيئا أصبح واقعا وقانونيا أن سلطات الدولة هي وحدها تستطيع إعلان الحرب وتشغيل وسائل الحرب أي أنه أصبح هنالك دولنة للحرب , وشيئا فشيئا تم حذف ما يمكن تسميته بالحروب اليومية بين الإنسان والإنسان التي كانت تجري في الجسد الاجتماعي و في علاقة الفرد بالفرد وفي علاقة الجماعة بالجماعة وأصبحت الحروب والممارسات الحربية ومؤسسات الحرب لا توجد إلا على مشارف والحدود الخارجية للدولة وتم تنظيف الجسد الاجتماعي من هذه العلاقات الشرسة التي كانت تخترقه بشكل كامل خلال العصور الوسطى .

هذه الفكرة التي يذكرها فوكو حتى الآن ليست جديدة ومطروحة من قبل أغلب المفكرين السياسيين ولكن ما يذهب إليه فوكو أنه عندما دُفعت الحرب إلى الخارج ..على الحدود وعندما تم إقامة جيوش نظامية و تم حصر صنع الأسلحة للدولة , عندما وجدت الدولة مركزة في ممارستها ومبعدة إلى حدودها هنا فقط ظهر نوع من الخطاب الغريب والجديد , جديد لأنه أولا وفي اعتقاد فوكو كان أول خطاب تاريخي-سياسي حول المجتمع , ومختلف عن الخطاب الفلسفي – القانوني الذي جراء اعتماده حتى الآن _أي وقتنا الحاضر_ , الخطاب التاريخي – السياسي الذي ظهر في ذلك الوقت بالذات كان في الوقت نفسه خطاب حرب مفهومه أن الحرب علاقة اجتماعية ودائمة وأساسية لجميع علاقات ومؤسسات السلطة , فما هو تاريخ مولد هذا الخطاب ؟ بوصف الحرب محتوى وأساس العلاقات الاجتماعية ؟ وهذا الخطاب هو الأب الشرعي للخطاب النازي و الستاليني والخطابات العنصرية .

الخطاب كان يقول بعكس ما تقول به النظرية القانونية التشريعية – الفلسفية وهو أن السلطة لا تبدأ عندما تنتهي الحرب ولا تقوم الدولة عندما تتوقف الحرب كما يقول بذلك فلاسفة العقد الإجتماعي وهي النظرية السائدة عموما , الخطاب التاريخي – السياسي كان يقول إن الحرب ليست مؤامرة بل هي “القابلة” التي أشرفت على مولد الدول و القانون والسلم والتشريعات , فلقد ولد القانون من الدم ووحل المعارك , ولا يجب أنها كانت معارك مثالية كما يتخيلها الفلاسفة والمشرعون .. فالأمر هنا برأي فوكو لا يتعلق بنوع وحشية الفكرة .. فالقانون لا يولد من الطبيعة ولا عند المنابع الأولى التي يرتادوها الرعاة و إنما يولد القانون في خضم المعارك الواقعية والحقيقية ..إنه يولد من الانتصارات والمجازر .. ومن الغزوات التي لها تاريخها وأبطالها المرعبون , يولد القانون من المدن المدمرة والأراضي المحترقة .

القانون الذي كـُتب هو استمرار للحرب لكن بوسائل أخرى , فالحرب بحسب هذا الخطاب هي المحرك للمؤسسات والنظام .

– من أين بدأ إذا هذا الخطاب ؟ وكيف تشكل ؟ ومن تبناه ؟ وإلى أين انتهى ؟

لقد بدأ بعد الحروب الدينية والأهلية التي جرت في القرن الرابع عشر لكنه سيستخدم مرة أخرى في الصراعات السياسية الإنجليزية في القرن السابع عشر وسيستخدمها البرجوازيين الإنجليز في القرن السابع عشر ضد الملك و سيظهر كذلك في فرنسا نهاية القرن السابع عشر في نهاية حكم لويس الرابع عشر , وفي صراع الارستقراطية الفرنسية ضد إقامة المُلك المطلق , إذا هو خطاب غامض وملتبس منذ بداية استخدامه وتم توظيفه من قبل أطراف عديدة لأنه كان في بريطانيا وسيلة للنضال السياسي للجماعات البرجوازية و الشعبية أيضا ضد الملكية المطلقة , كما كان خطاب للأرستقراطية الفرنسية ضد هذه الملكية بالذات , إنه خطاب قائليه ومؤلفيه و أصحابه غامضون وحيث إن اسماؤهم غامضة ومختلفة في الوقت نفسه .. بل وسنجد هذا الخطاب عند البيولوجيين الذين يقولون بتحسين النسل في نهاية القرن التاسع عشر ..إنه خطاب قادر على الصمود وعابر للزمان و الدول .

أهمية هذا الخطاب تبنى أن الحرب مستمرة في جسد المجتمع و أن الذين قالوا أن المجتمع انقاد إما بضرورات الطبيعة أو بحاجات وظيفية قد كذبوا , إن الحرب مستمرة ويجب علينا إيجاد أطرافها .. الحرب بعشوائتها ووحشيتها .. لماذا يجب علينا إيجاد الحرب ؟ لان الحرب لم تنتهي بعد لأن هذه الحرب القديمة هي حرب مستمرة حتى الآن.. ولأن المعارك الفاصلة لازالت حاضرة .. ويجب علينا البحث أيضا لكي نستعد للمعركة النهائية لأنه يجب علينا أن نكسبها .. إن الخطاب الآخر يوهمنا أن الحرب انتهت لكي يغرقنا في النسيان و يمحو صورة “الغزاة” .

هذا الخطاب هو أول خطاب منذ القرون الوسطى تمتع بصرامة تاريخية – سياسية وذلك انطلاقا من الذات المتحدثة في هذا الخطاب , والتي لا تستطيع أن تنتحل وضعية الفقيه أو المشرع أو الفيسلوف بمعنى وضعية “الذات الكونية ” و المحايدة , لم يكن هذا الخطاب يراقب الحروب  من الأعلى ولا يدعي ذلك .. بل كان طرفا في الحرب وهو الطرف الخاسر ويحاول هذا الخطاب أن يروي التاريخ _كما يراه_ و يشحذ الذاكرة و يتآمر على النسيان و يجعل الذات تتحدث , إن المتحدث بهذا الخطاب يعمل من أجل انتصار خاص و عندما يستخدم خطاب القانون ويدعو له فهو يتحدث عن “قانونه” أو “قانونا” وسيبرر حقوق العرق أو العائلة أو حق التفوق أو حق الأولية والأقدمية ناتجة من هذا الانتصار و الاستيلاء العسكري أي أنها نتيجة للحرب المستمرة .

كتب ماركس في آخر حياته عام 1882 إلى رفيق دربه انجلز : (( ولكن صراعنا الطبقي تعرف جيدا أينا وجدناه , لقد وجدناه عن المؤرخين الفرنسيين عندما كانوا يروون صراع الأعراق )) هذا الخطاب السياسي – التاريخي يرى مهمته المقدسة في الدفاع عن العرق و المقصود هنا العرق بالمعنى البيولوجي ولم تعد الدولة في نظر هذا الخطاب تتكون من ثنائية العرق أو المجتمع ازوداجي العرق بل هو عرق واحد عرق أعلى وعرق أدنى وسيعاد تعريف وظيفة الدولة ومهمتها فهي مهمتها حماية هذا العرق من التلوث و الاختلاط و أنها تحافظ على تفوقه وطهره فليس هنالك فقط حرب أعراق بل وأيضا حماية للعرق المختار ومن هنا تحديدا ولدت النازية و ولد الخطاب العنصري الذي لم يدعو إلى كره “الأغاير” وطردهم , ولم تفعل النازية إلا أنها طبقت هذا الخطاب حيث جعل هتلر الدولة هي حامية العرق “الآري” وسيقوم ببعث الأساطير الشعبية مثل حروب الجرمان القاهر و عودة الأبطال وقيام الساعة واليوم الأخير , و أما الخطاب الستاليني فهو مشابه لخطاب هتلر فهو أيضا كان يحمي المجتمع المنظم والموجه ويتخلص من الآفات التي قد تظهره ورغم أنه لم يكن عنصريا من ناحية “العرق” لكنه كان عنصريا من ناحية “الايدولوجيا” .

ويجب ألا نغفل أهمية الحقيقة في هذا الخطاب فهو يقيم رابطة أساسية بين علاقات القوة وعلاقات الحقيقة وكان يرى أن علاقات القوة تشتق من الحقيقة وبالتالي فالحقيقة لا يمكن البحث عنها إلا باعتبارها سلاح ضمن علاقات القوة , إن الحقيقة تُعطي القوة أو تخل بالتوازن وتعمق اللاتمثالات , إن هذا الخطاب سيتبناه المقهورون و الضعفاء إنه خطاب يدعو باستمرار للتمسك بالماضي و حقيقة ” من هؤلاء الذين يحكمون , وكيف أتوا ؟” إنه خطاب نقدي بشكل معتم ولكنه خطاب أسطوري أيضا بشكل مكثف يتحدث عن عودة الأبطال وعودة المجد .. إنه خطاب يقلب يوسع حرب الأعراق ليجعل أن العرق المخالف ليس العرق القابع هنالك خلف الحدود بل ذلك العرق الذي تسلل إلى جسد المجتمع إنه العرق الذي كان دائما ومن دون توقف يخترق ويتسلل إلينا ..بتعبير آخر ما نراه ظاهرا كأنه عرقين متغايرين إنما هو انشطار العرق ذاته إلى عرقين .. إلى عرق أعلى و إلى عرق أدنى .

 

هذا الخطاب كما رأينا وجد إبان عصر القوميات في القرن التاسع عشر لكنه ظل محدودا بالخطاب الفلسفي – القانوني والذي تبنته الثورة الفرنسية عام 1789 لكنه قوي بعد إنشاء الدول على أساس عنصري و قوي مرة أخرى بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى و أستطاع أن يصل إلى مداه بتولي أدولف هتلر زمام السلطة في ألمانيا , إنه خطاب يبدوا كأنه ضعيف وهش لكنه أستطاع أن يكون عابرا للزمان و أن يقاوم الخطاب الرسمي للفلاسفة الأوربيين وفلاسفة عصر الأنوار .. إنه خطاب مرعب ويتكون بهدوء وبعيد عن الأنظار .

 

 

Advertisements