– هل صحافتنا مستقلة ؟

ليس من العبثية أو الترف طرح هذا السؤال، فالإعلام بمفهومه الأوسع هو أحد أدوات إنتاج الحقيقة وإشاعتها بين أطياف المتلقين، فالمؤسسة الإعلامية عندما تكون تابعة للسلطة أيا كانت هذه السلطة وأيا كان شكل هذه التبعية فهي ستغزل الحقيقة بشكل يناسب جسد السلطة ويجملها لكن على الباحث المهتم أن يطيل النظر؛ ليعثر على الثقوب التي يحاول إخفاءها الإعلام، وفي هذا المجال ينقل عبدالعزيز الخضر مقالا لـ “لورنس رايت ” يقول فيه لورنس: ((في صبيحة اليوم التالي بمكتب الجازيت، دخل (رامي) غرفة محرري الصفحة الداخلية ترتسم على وجهه نظرة عابثة وقال : “حسنًا، لقد أصبحنا جميعًا الآن من مؤيدي الأمريكيين”، فسألته:”ماذا تعني بهذا؟” فقال: “إن الأوامر صدرت لجميع رؤساء التحرير في السعودية بالتخلي عن خطهم المناوئ للأمريكيين”. وفي اليوم نفسه ساعة الغداء، سألت (خالد) – باطرفي – ما إذا كانت صحيفة المدينة ستقوم حقًا بتغيير افتتاحياتها فأجابني بإيماءة تنم عن استسلام:”لقد أُبلِغ رؤساء التحرير بالآتي: لا لصور القتلى من الأطفال الرضع وأيضًا لا تصف ذلك بغزو.”وبدلا من ذلك وبحلول صبيحة اليوم التالي تبنت الصحافة السعودية بأسرها خطًّا معتدلا إزاء الحرب”. وكانت تلك تجربة غريبة بالنسبة لي وفي ضوء كل مواعظي حول الحاجة إلى صحافة حرة))
وفي نفس الموضوع يقول جميل الذيابي رئيس تحرير جريدة الحياة السعودية في برنامج “سبعة أيام” لا يمكن الادعاء بأن الإعلام السعودي مستقل.

عموما لا أظن أن صحفنا تتلقى تعليمات بما يجب عليها كتابته في كل مرة كما في الغزو الأمريكي للعراق،  ففي كثير من الأحيان تتكون الصحف من أقلام قادرة على تشغيل ذاتها ذاتيا ودون كبسة زر، وبعد ممارسة طويلة أصبحوا يعرفون جيدا ماذا عليهم أن يفعلوا دون حتى تلقي تعليمات، ولذلك ربما تكون الهجمة الشرسة التي تلقاها “بيان أحداث القطيف ومحاكمة إصلاحي جدة” غير منظمة ظاهريا لكنها منظمة ذهنيا برابط حتى الصحفيين أنفسهم ربما لا يستشعرونه، ولذلك لم نجد أي مقال يشيد في البيان، وصحيح أنه من حق الصحفي والمفكر أن يقول رأيه لكن من واجب الصحيفة أيضًا أن تهيئ مكانا لمخالفيها.

-المستهدف بالخطاب الصحفي:

من يقرأ سلسلة المقالات التي خرجت للرد على البيان ويتأمل في خطابها سيتيقن من أن آخر ما كان يدور في خلد الصحفيين الذين كتبوا المقالات هو أن يقرأها الموقعون على البيان، ولذلك استغربت من رد “محمد سعيد طيب”عليهم فالمقالات الصحفية لم تكتب لأجله، فتلك الصيغة الهجومية والمضامين الاستنكارية بل التخوينية أحيانا التي حملها الخطاب الصحفي لم يكن يُقصد بها البرهنة على إثبات خطأ الموقعين بل الشهادة على خطيئتهم، لم يقع الموقعون على البيان في نظر الخطاب الصحفي في خطأ أكاديمي أو وجهة نظر لم يكونوا موفقين فيها بل كانت خطيئة بأبعادها الوطنية التي دخلت إلى الحيز الميثولوجي في الخطاب الإعلامي مؤخرا، فإذا لم يكن المقصود بالخطاب الصحفي جماعة الموقعين فمن كان المقصود؟
المقصود جهتان الأولى: هي وزارة الداخلية التي ناقش البيان بعض تصرفاتها وكانت فرصة عظيمة لن تفوتها الصحافة لممارسة هوايتها في التملق، والجهة الأخرى: هي أفراد المجتمع التي ما زالت تستقي الأخبار من الصحافة -وهذه شريحة ليست بالسهلة- وغشها في إعطائها تصورا خاطئا عن البيان، والخطاب الصحفي لم يكن يقف من الأعلى لتصوير المشهد بموضوعية بل نزل ليزج بالبيان والموقعين عليه في قفص الاتهام، وكان يتمثل نفسه في محكمة متقمصا دور “المدعي” بإخلاص وهو يهاجم البيان ويحاول أن يكتشف خيوط الأدلة التي تدين الموقعين وحتى التلويح باستخدام العقوبات مع الموقعين لم يكن غائبا.

استراتيجية هجوم الصحافة:
تمثلت استراتيجية الخطاب الصحفي في الهجوم على البيان من سبع جهات، هي التالي:

الأولى: غياب مطلق لأدنى شروط الموضوعية.
الموضوعية وليس الحياد هو ما يجب على الصحافة المستقلة أن تلتزمه، وأول شروط الموضوعية هو أن تعرض رأي خصمك الذي تختلف معه، لكن ليست هنالك صحيفة ولا صحفي من الذين ردوا على البيان عرض ولو جزءا من البيان “بنصه”-باستثناء محمد الجزائري الذي عرض سطرا واحدا من البيان فقط-، وأما البقية لم يعرضوه بل حوّروا ما جاء فيه وصاغوا كلماته بعباراتهم حتى يفتحوا ثغرة في البيان ليهجموا من خلالها، وهذه الفعلة كان يُقصد بها زيادة التشويش على المتلقي حتى أن أحدهم كتب ردا على مقال محمد آل الشيخ بتاريخ 13 محرم بعنوان “وعادت البيانات ” فقال هذا الزائر: ((أنا لم أجد البيان الذي تطرق له كاتبنا الفاضل ولكن قد أوفانا الأستاذ الفاضل محمد الشيخ ما ورد بها)) وهنا يجب أن نلفت إلى أن الموقع الذي نشر فيه البيان قد حُجب.

الثانية : التلويح بالفزاعة الإيرانية.
فطارق الحميد يقول في جريدة الشرق الأوسط في مقال بتاريخ 13 محرم بعنوان: “من العوامية إلى لندن” ((والأمر ليس محصورا بالسعودية وحدها، بل إن ظاهرة اللوبي الإيراني تعد ظاهرة عربية))

ويقول في نفس الصحيفة محمد جزائري في مقال بتاريخ 14 محرم بعنوان: “بيان أحداث القطيف ولعبة الأقنعة” ((فاستغل طيب وتياره الفكري أحداث القطيف في محاولة تحييد الدور الإيراني لصالح البعد الطائفي عند الحديث عن أحداث القطيف، واستخدام الدعاية «الأخلاقية» ضد الطائفية في أحداث القطيف، وبالتالي تخفيف الشحن السياسي تجاه إيران((  ويقول مشاري الذايدي في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 14 محرم في مقال بعنوان “لا يجهلون” ((لذلك لا يملك الإنسان إلا التعجب لهذا التجاهل التام الذي وقع فيه بيان خرج مؤخرا، وقع عليه بعض السعوديين، يتحدث عن أحداث القطيف، نافيا وجود دور للخارج فيه))

إن هذه الطريقة في التعامل مع الموقعين على البيان تبذر في وعي المتلقي بصراحة فكرة أنه يتعامل مع أناس يخدمون المصالح الإيرانية، وتشير بغير صراحة إلى أن المصالح الإيرانية لا يمكن أن تلتقي مع المصلحة الوطنية، والأمر الثالث الذي يكرسه هذا الخطاب هو كون المشكلة أتت من “طهران” فبالتالي الحل أيضا يجب أن يكون من “طهران”، فهذا الخطاب لم يصدَّر المشكلة فقط بل العلاج أيضا الذي مفاده أن تكف طهران عن استخدام الوسائل الطائفية لترويج سياستها في المنطقة، ولذلك يقول طارق الحميد بنفس المقال ((فالطائفية موجودة، وتعاني منها منطقتنا للأسف، لكن ليس بفعل أيدينا نحن، ولا حتى أنظمتنا، بل بفعل من يريد أن يؤججها، والحديث هنا عن إيران)) فالطائفية التي هي موجودة كما يقول الحميد لم تحدث إلا بسبب إيران وبما أن المشكلة الطائفية قدمت إلينا من إيران فالنتيجة أننا لا نُطالب بحلها بل حتى لو أردنا فنحن لا نملك حلها.

 لكن البيان يطلب في منتهى الوضوح إيجاد حلول تبدأ من الذات ومن الداخل، وحتى لو سلمنا أن إيران كانت السبب، فإنها -ولو كانت شيطانا- فلن تستطيع اختراق أي مجتمع إلا إذا كان ذلك المجتمع قابلا لهذا الاختراق، وتلك القابلية من صنعنا نحن ونحن نستطيع ردمها، وبالتالي حل المشكلة بأيدينا وليس بأيدي إيران، ولو استخدمنا أدبيات الخطاب الصحفي لقلنا إن البيان يعلي من شأن السيادة ويقر بأن المجتمع السعودي متماسك، ولسنا بحاجة إلى استيراد حلول لنا بالتعامل مع إيران والصحافة تدعي أن المجتمع السعودي متخلخل ويمكن اختراقه أمنيا بواسطة إيران.

الثالثة: التجهيل بغير المعروف واتهام المعروف.
يقول فهد الدغيثر في جريدة الوطن في مقال بتاريخ 15 محرم بعنوان “البيانات تعود بعد غيبة” ((واليوم نقرأ في البيانات ما يسمى “ناشط اجتماعي” أو “ناشط في الحقوق العامة” أو مجرد “حقوقي” وهذه الأخيرة أصبحت مهنة من لا مهنة له))، ويقول محمد الجزائري في المقال المشار إليه سابقا ((يلفت الانتباه في هذا البيان أنه خلا من أسماء أي مثقفين معروفين بالاهتمام بالحراك السياسي، باستثناء محمد سعيد طيب، الموقع الأول، والدكتور توفيق السيف المثقف الشيعي المعروف، فيما كانت بقية الأسماء غير معروفة على الصعيد المحلي السياسي.))

طبعا معرفة الموقعين تختلف من شخص إلى آخر وربما الأشخاص الذين لا يعرفهم محمد الجزائري يعرفهم كثير غيره، لكن المثير للاهتمام أن الخطاب الصحفي لم يشر إلى محمد سعيد طيب وتوفيق السيف إلا بهدف لمزهم، فالأول لُمِز بتاريخه “الناصري” وتوفيق السيف بأنه “مثقف شيعي”، وبطبيعة الحال كلتا الصفتين ليست تهمة ولا عارا ولكن الخطاب الصحفي يحاول أن يروج أن هذه الصفتين تشرخ في مصداقية الموقعين ووطنيتهم، والأمر الآخر الذي حاول الالتفاف عليه الخطاب الصحفي هو تعدد المشارب الرائع للموقعين على البيان فكل أطياف المجتمع الوطنية سواء الليبرالية أو الإسلامية أو الشيعية أو العروبية حواها البيان وهذا التنوع الذي من المفترض أنه يعكس الوحدة الوطنية التي جمعت الموقعين على البيان الخطاب الصحفي رآها بشكل مختلف فعلي الموسى يقول في مقال في جريدة الوطن بتاريخ 13 محرم بعنوان “البنيان في تفكيك لغة البيان” ((يبدو ثقافة – الاختلاف – من أجل مجرد الاختلاف هي دافع – الفزعة – من أجل توقيع بيان ضمّخته أصابع بضعة وخمسين فردا حول أحداث القطيف، وعلى النقيض المقابل، نتائج محاكمة خلية تمويل إرهابية.))

وتقول سمر المقرن في مقال في جريدة الجزيرة بتاريخ 13 محرم بعنوان “بيان الناشطين لا تضايقوا الإرهابيين” ((يثير الدهشة، هذا التوافق الغريب بين الضد وضده الآخر، أعني هنا التوافق ما بين أنصار القاعدة ومموليها ومؤيديها وبين أنصار ولاية الفقيه وأتباع عمائم بلاد فارس!))

فكما يظهر أن الموقعين على البيان رغم اختلافهم الأيدولوجي والطائفي اتحدوا لرفع ما يرونه ظلما، وهذا الاتحاد وجَّه ضربة قاضية في عقلية الصحفيين الذين تعودوا ألا يروا الاتحاد الفكري إلا تحت عباءة الحاكم أو برضا المؤسسة السياسية، محمد سعيد طيب ورفاقه نجحوا في خلط أوراق الصحافة السعودية حينما شاهدوا اتفاقا وطنيا لا يكون تحت قبة مجلس الحوار الوطني، ولذلك خرجت توصيفاتهم ساذجة، فأحدهم يقول “جمعتهم الفزعة” والأخرى ترميهم بأنهم “من أنصار القاعدة ومن أنصار بلاد فارس”، وهذه جهتان لا يمكن أن تجتمعا إلا في ذهن قائلة هذه الجملة.

الرابعة: تقويل البيان ما لم يقله.
يقول صالح الفهيد في صحيفة عكاظ في مقال بتاريخ 14 محرم بعنوان “التلطي وراء الشعارات” ((كنا نتمنى أن يتحلى الموقعون على البيان بالشجاعة الكافية التي تجعلهم يعلنون صراحة، ودون مواربة، اصطفافهم مع المجرمين، والإرهابيين، الذين يدافعون عنهم، بدلا من (التلطي) وراء شعارات حقوق الإنسان، ))

ويقول سلمان الدوسري في صحيفة الاقتصادية في مقال بتاريخ 13محرم بعنوان “انقلابيون سعوديون” ((لكن كيف يفهم عندما تدعي أنك حقوقي وتبحث عن مطالب الناس، وأنت في الوقت نفسه تحرضهم على الانقلاب على النظام والدولة))

وطبعا البيان لم يدعُ صراحة ولا ضمنا على الانقلاب ولا إسقاط نظام الحكم في السعودية، والذي قرأ البيان وفهم منه أن الموقعين يطالبون بالانقلاب فعليه أن يراجع دكتور مخ وأعصاب، فعقله يعاني من مشكلة خطيرة، وطبعا الهدف من هذا الادعاء هو تحريض المجتمع والجهات الأمنية على الموقعين للبيان وأنهم أشخاص يريدون إسقاط النظام، بل حتى أصبح مطلب البيان بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق هو طلب تدخل دولي بحسب الخطاب الصحفي، ومع أن أي شخص يعلم أن لجنة تقصي الحقائق حتى إن كانت مستقلة ليس طلبا للتدخل الدولي، فبعد كارثة جدة شكل الملك عبدالله لجنة مستقلة لتقصي الحقائق وصفق الصحفيون لهذا القرار وابتهجوا ورأوا أن العدالة لا يمكن أن تتحقق دون هذه اللجنة المستقلة، لكن عندما طالب بها الموقعون على البيان صار محاولة انقلاب !؟ ترى ما الفرق بينهما ؟! الفرق أن الأول صدر من المؤسسة السياسية والآخر طالب به مثقفون -على قد حالهم- وليس لديهم حسابات في بنوك سويسرا.

الخامسة: زواج بنية الطلاق.
إنه لمن المثير للدهشة هو انقلاب العلاقة بين المؤسسة القضائية في السعودية وبين الصحافة، فهاتان المؤسستان ظلتا ولمدة طويلة بينهما مشاكسات كثيرة، فالأولى تعبر عن التيار الديني في المملكة والأخرى تعبر عما يُسمى –مجازا- بالتيار الليبرالي، ولطالما شكت مؤسسة القضاء هجوم الصحافة عليها وعلى أحكامها دون توثيق، ولطالما كتب الصحفيون مقالات بوجوب تطوير القضاء، لكن كل هذا تغير في الأشهر الأخيرة ودخلت الصحافة والمؤسسة القضائية في زواج ولكن “بنية الطلاق”، ففجأة أصبحت المؤسسة القضائية في رأي الخطاب الصحفي مؤسسة وطنية لا يجوز الهجوم عليها، فنشرت جريدة عكاظ تقريرا في تاريخ 15 محرم بعنوان “التشكيك في النظام القضائي جريمة” ويقول التقرير: ((مؤكدين أن البيان يحمل طعنا في الأحكام القضائية وهو أمر مجرم في كل الأعراف الدولية)) ويقول علي الخشيبان في مقال في جريدة الرياض نشر بتاريخ 17 محرم بعنوان “المجتمع والمثقفون مسؤولية مشتركة”((وقضية الإرهاب والتعامل معه تثبت هذه النظرية، كما أن هناك ثقة شعبية بجهاز القضاء)).

ولعل داود الشريان كان من أول الصحفيين الذين شعروا بضرورة اتخاذ هذه الخطوة، أقصد وقف نقد مؤسسة القضاء والدفاع عنها، فحينما صدر حكم الجلد للمرأة التي قادت سيارتها ادعى بأن الحكم لم يصدر بسبب قيادة المرأة وإنما بسبب جريمة أخرى ارتكبتها ولا أحد يعلم عنها إلا هو، وهذا التغيير في العلاقة بين الصحافة وجهاز القضاء يبدو أمرا ضروريا لضراوة الأحكام التي صدرت وستصدر بحق المعتقلين في القضايا الأمنية، وبالتالي تكون الصحافة في مواجهة خط أحمر وهو القضايا الأمنية التي لا يمكنها تجاوزه، وعلى أية حال الادعاء بأن نقد الأحكام القضائية أمر مخالف لكل الأعراف الدولية هو كلام فارغ، فكلنا يرى المظاهرات والحملات الشعبية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفي كثير من الدول حتى لمجرد استدعاء المتهم إلى المحاكمة وليس صدور الحكم.

السادسة: هؤلاء إرهابيون كما هم إرهابيو القاعدة 
يقول عضوان الأحمري في جريدة الوطن بتاريخ 15 ديسمبر ((لم يعترض أحد قبل ٨ سنوات وحتى عام ٢٠٠٦ على التشديدات الأمنية ونقاط التفيتش حين كان تنظيم القاعدة يستهدف الأبرياء وبعض المصالح الحكومية في المملكة))

ويقول أحمد الفراج في جريدة الجزيرة بتاريخ 15 محرم في مقال بعنوان “نعم لسنا الأفضل”((فعندما حمل متطرفو القاعدة – وهم نسبة لا تكاد تذكر من المواطنين السنة – السلاح في وجوهنا كان هناك اتفاق تام على أهمية الحزم الأمني مع هذه الفئة من منطلق أن أمن الوطن فوق الجميع))

وهذه المساواة -وإن كنا لا نقر بها- لنتنازل مع الخطاب الصحفي ونقول فعلا هؤلاء إرهابيون مثل ما كان أتباع تنظيم “القاعدة في الجزيرة العربية” إرهابيين، حينما حصلت تلك القضايا الإرهابية والتفجيرات ألم تضج الصحافة بأقلامكم بوجوب تغيير التعليم ومراجعة المناهج التي تدعوا إلى التطرف ؟! ألم يطالب الخطاب الصحفي في ذلك الوقت بالتضييق على المراكز الصيفية ومتابعتها ؟! ألم يتعامل الخطاب الصحفي آنذاك على أن الإرهابيين هم أبناؤنا وخرجوا من بيوتنا ومن مدارسنا ومن مساجدنا وأن الأخطاء في تلك الأماكن، فيجب أن نجد حلها فيها ومنها، وبالرغم من الصراحة التي كان يتحدث بها متطرفو القاعدة وأن ولاءهم إلى أسامة بن لادن لم يقل أحد أن المشكلة أتت من قندهار أو كابول ويجب على بن لادن ورفاقه أن يوقفوا التحريض، بل كان الخطاب الصحفي  بوضوح يعترف بوجود ينابيع التطرف في الداخل ويجب علينا تجفيفها، وأيضا قامت مئات الندوات وأنشئت عدة كراسي بحث عن أهمية الوحدة الوطنية ودورها، لماذا لا يحصل المثل الآن ؟ لماذا لا يتبنى الخطاب الصحفي نقد الظاهرة الطائفية التي للأسف أصبح مروجا لها؟ لماذا لا يطالب بمراجعة المناهج التي تدعوا إلى الطائفية كما فعل مع قضايا الإرهاب ؟! لماذا لا يطالب بمحاسبة القنوات الإعلامية التي تروج للطائفية ؟! حينما حصلت القضايا الإرهابية واجهنا الإرهاب بوصفنا مجتمعا ودولة، ولكن وقوف الخطاب الصحفي متفرجا وفي حالات داعيا إلى الطائفية وهو بذلك يساهم في صنع شرخ عمودي في بنية المجتمع السعودي .

السابعة: الأمن لا الفوضى.
يقول يوسف الكويليت في جريدة الرياض بتاريخ 13 محرم في مقال بعنوان “الأمن لا الفوضى” ((لكن مبدأ الأمن يأتي فوق الأولويات الأخرى بمعنى أن القوانين تتغير إذا ما أصبح التهديد بسيادة الفوضى لأنْ تكون هدفاً)) وليس سرا أن مقولة “الأمن لا الفوضى” كان يرددها كل الدكتاتوريين منذ عهد قيصر ومرورا بستالين وليس انتهاءً بالرئيس المخلوع حسني مبارك وهذه أقدم الحجج وأكثرها بؤسا، ولذلك يقول جون آدمز ((من يختار الأمن على حساب الحرية سينتهي به المطاف بفقدانهما جميعا ))  والكاتب يقول بأولوية الأمن على كل شيء آخر بما فيها “قيمة العدالة “، ويستشهد بما فعلته الولايات المتحدة في سجن غوانتانامو والمفارقة أن الولايات المتحدة اضطرت أن تكون خارج أراضي الولايات المتحدة حتى تحرم المعتقلين أيا من الحقوق التي يكفلها لهم الدستور الأمريكي ثم حصلت معركة طويلة وفي النهاية أقرت المحكمة العليا أن للمعتقلين حق المثول أمام القضاة والاعتراض على اعتقالهم التعسفيوتمتعهم بكل الحقوق التي يكفلها الدستور الأمريكي، ولكن لنفرض أن الولايات المتحدة ارتكبت جرائم ليسود الأمن هل هذا يبرر لنا فعل ذلك ؟ المقال يوحي بأننا نعلم أن هنالك مخالفات أمنية ارتكبت أو سترتكب لكن هذا الأمر يحدث ضرورة لحفظ الأمن ولا يمكن فهم المقال خارج هذا السياق.

الخلاصة: الخطاب الصحفي الذي تعامل مع البيان افتقر إلى أول شروط الموضوعية وكان متخما باللغة التخوينية، ومستصغرا للموقعين ويراهم فئة هامشية في المجتمع ولا تأثير لهم، وكان الخطاب الصحفي يضج بالمغالطات والتحريض على الموقعين، ولو رفعت قضية عليهم فقطعا سيستعين المدعي العام ببعض المقالات في مرافعته، وتجاهل الخطاب الصحفي معالجة القضية الطائفية أو المطالبة بتغيير بعض المناهج كما فعلوا في القضايا الإرهابية وفي حالات معينة كان الخطاب الصحفي داعيا للطائفية، وللأسف لم ينظر الخطاب الصحفي لتنوع المشارب والأيدولوجيات للموقعين كدلالة على أن الوطن فوق كل شيء بل كان مدعاة للاستغراب والارتياب، وكأنه لا يمكن أن يتوحد أبناء المجتمع السعودي.

Advertisements