– هناك دائما مستفيد.

من المفارقات أن أزمة الاقتصاد العالمي الحالية تتمركز في المكان الذي أنجب الرأسمالية، وأبحرت مفاهيم الاقتصاد الحديث من موانيه.
إن أوروبا التي أخرجت الرأسمالية من القمقم هي من تصارع هذا المارد الذي ينوي تفكيك عصب اقتصادها “اليورو”، فالأزمة التي تعيشها أوروبا -حاليا- هي امتداد للأزمة الاقتصادية الأولى التي شهدتها أوروبا ما بين عام 1846م – 1847م، وكانت “البوعزيزي” بالنسبة لها، لانطلاق شرارة الثورات الأوروبية.
إن هذه الأزمة -كما لاحظ ديفيد هارفي- لم تكن أزمة اقتصادية كلاسيكية من النوع الذي اعتادته الشعوب ((لقد كان هنالك على مر الزمان عديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية إلا أن معظمها كان بالإمكان أن ينسب إلى كوارث طبيعية (موسم سيء) أو إلى الحروب والصراعات الجيوسياسية …)) لكن هذه الأزمة كانت مختلفة، إذ كان بإمكان أقل طلاب الاقتصاد ذكاءً أن يكتشف أن المضاربات المتهورة والتراكم المخيف في رأس المال لدى بعض الأشخاص والإنتاجية المفرطة كانت على علاقة وثيقة بالشلل الاقتصادي الذي حدث.
إن الأزمة الاقتصادية الحالية كما هي شقيقاتها الأزمات في النظام الرأسمالي لم تكن بسبب نقص السيولة -كما تقول الحكومات- بل بسبب “اختفاء السيولة”، فلم تتبخر الأموال في الأرصدة بفعل الشمس بل بفعل رجال ما، ففي كل أزمة اقتصادية في النظام الرأسمالي كان هنالك مستفيدون مثلما كان هنالك خاسرون.

– اليسار واليمين كلاهما سقطا .

ويبدو حاليا مع الأزمة التي تواجهها أوروبا أن السرطان الاقتصادي امتد إلى كل الجسد السياسي، ففي أوروبا لم يكن الخاسر الوحيد هم “النيوليبراليين” كما يتوهم البعض، فكما أن حكومة “برلسكوني – إيطاليا” قد وقعت في المأزق فإن حكومة “خوسيه لويس رودريغيز- أسبانيا” اليسارية سقطت في الانتخابات أيضا، إذ يبدو أنه في عالم اليوم لا فرق بين اليساريين واليمينيين، فالكل خاضع لقواعد اللعبة الاقتصادية نفسها، فأصبح من المستحيل أخذ تذكرة للدخول إلى العالم الحديث إلا عبر تعرض الذات لأخطار الرأسمالية، وأزمة اليورو الحالية حدثت؛ لأن الدول الأوربية خضعت للقواعد الرأسمالية، فألمانيا احتاجت إلى اليورو؛ لكي تبيع سلعتها بسعر في متناول الفرد الأوربي، فبدل المارك الألماني ذو الصرف الغالي استطاعت ألمانيا بفضل اليورو أن تكون أكثر دولة تبيع منتجاتها في أوروبا وثاني دولة في العالم بعد الصين، لكن هذه المنتجات الألمانية حطَّمت السوق الصناعي لدول صغيرة مثل اليونان التي ليست بقادرة على الإنتاج بالجودة الألمانية ولا تستطيع خفض أسعار منتجاتها، لأنها أيضا تتعامل باليورو، وكذلك دول أوروبا طبقت بإخلاص النصيحة الرأسمالية الكلاسيكية التي تقول ((اشتر سلعتك من أرخص الأسواق وبعها في أغلاها))، فبعد تعثر اليونان وخفض التصنيف الائتماني كانت بعض بلدان أوروبا تستدين من الصين بفائدة لا تتجاوز 1% لكي تدين اليونان بفائدة تقارب 5%، وأما تجاوز مستويات الديون المسموح بها فقد تجاوزته كل بلدان اليورو.
وكان من المفترض ألا يتجاوز دين دول اليورو 60% من دخلها القومي، واليونان وصل دينها إلى 150% من دخلها القومي، وكان السبب في تراكم ديونها الانخراط في خطة لإنقاذ البنوك التي انهارت في 2008م، وهنا تبرز المفارقة بكون الشعوب في المجتمعات الرأسمالية تدفع الثمن لكنها لا تقطف الثمر، فتهور المؤسسات المالية أدخلت الدولة إجراءات تقشفية دفع ثمنها الطبقة العاملة، لكن بعد عام 2008م عاش العالم مدة من الانتعاش الاقتصادي غير أن الأفراد العاديين لم يشعروا بنسمات هذا الانتعاش.

– طموح دولة الرفاه :

يقول الكاتب في جريدة واشنطن بوست “روبرت جاي سامويلسون”: إن الإنفاق الحكومي في عام 1870م 7% من الدخل القومي للولايات المتحدة، وفي بريطانيا 9%، و10% في ألمانيا، و12% في فرنسا، وفي عام 2007م كان الإنفاق الحكومي في الولايات المتحدة قد وصل إلى 36% من دخلها القومي، وفي بريطانيا 44%، و43% لألمانيا، و52% لفرنسا، ومع أنه بإمكاننا التشكيك بمكان صرف هذه الأموال الحكومية، ومَن المستفيد الحقيقي منها إلا أننا لو سلمنا بأن هذه المصروفات حقيقية وهي سبب أزمة اليورو -كما يدعي كاتب المقالة- سنقع في معضلة كبرى، إذ لا ننسى أن “دولة الرفاه” نشأت لأسباب سياسية بحتة لا اقتصادية، فعندما قام رئيس الوزراء الألماني”بسمارك” بإنشاء نظام رعاية صحية لكبار السن وتأمين ضد الحوادث وهي أول معالم لدولة الرفاه فعلها بسبب الخوف من الثورات البروليتارية، والسؤال الذي يطرح على كل مَنْ يحارب “دولة الرفاه” كان هؤلاء يستنجدون بالحكومة إبان الانهيار الاقتصادي في عام 2008م، والآن يتهمون إنفاقها على الرعاية الصحية، ورواتب البطالة، وتأمين المساكن بأنها السبب في الأزمة الحالية ؟!
أليس من الغريب أن تطبق قاعدة آدم سميث “دعه يعمل ..دعه يمر” حينما تكون الضحية هم الفقراء، وأما حين يكون الأغنياء هم المهددون فيُطلب تدخل الحكومة!

Advertisements