اسم الكتاب :أسس التوتاليتارية 
المؤلف : حنة أرندت .
المترجم : أنظوان سعد .
عدد الصحفات :278
السعر : 35 _من مكتبة نادي الكتاب_

أسس التوتاليتارية :
الدولة التوتاليتارية هي الدولة ذات النظام الشمولي التي لا تكتفي بإدارة شأن البلاد الخارجي لكن تدس أنفها في كل شأن داخلي ولو كانت تمتلك التقنية للوصول إلى عقل الفرد لتعرف ما يدور في ذهنه من أفكار لفعلت , وفي هذا الكتاب تحاول المفكرة الألمانية الأصل “حنة أرندت” تفكيك بنية هذا النظم و كيفية وصولها إلى الحكم و لماذا تستمر , والكتاب يستعرض “النظام الشيوعي” و “النظام النازي” و الكاتبة تذكر أسباب عديدة لحصر تحليلها على هذين النظامين , ورغم أن النازية حاربت الشيوعية بل إن سقوط هتلر كان بسبب الاتحاد السوفيتي بالدرجة الأولى إلا أن هنالك تجانس كبير في بنية نظاميهما .
– المجتمع بلا طبقات.
ربما يكون من المثير للاستغراب للمتابع للدول التوتاليتارية في حاضرها لكنه يعيش تحت سماء دولة أخرى أو للذي يقرأ تاريخها على ضفة أخرى من الزمان أن القادة التوتاليتاريين يستمدون شرعيتهم من الجماهير التي تهتف بأسمائهم في الشوارع و أنهم فعلا وصلوا إلى الحكم عبر صناديق الاقتراعفلا أحد يشكك في انتخابات ألمانيا التي أوصلت هتلر إلى سدة الحكم و يغلب على الظن أيضا أن ستالين كانت غالبية الشعب السوفيتي تريده وموسوليني في إيطاليا تسلق شرفة قصر الحكم عبر حبال الحب التي كنه له الشعب الإيطالي في وقتٍ ما _نفس الشعب الذي سيعلقه جثة هامدة ويرميها بالأحذية والبصاق _ إذا كيف لنظام توتاليتاري يعرف نفسه بهذا الشكل و يهدف بشكل سافر إلى انتهاك حقوق المواطنين أن يصل إلى الحكم ويستمر فيه عبر أصوات الشعب ؟!
تقول حنة أرندت من الصعب إرجاع هذه الشعبية التي تمتع بها ستالين وهتلر إلى “الحملة الدعاية” الكاذبة التي تدمج فيها الكذب والجهل و أيضا ليس من عادة الديكتاتور _المتطرف منهم_ أن يواري جرائمه بل يمضون متفاخرين بجرائمهم السابقة و معلنين بالتفصيل عن جرائمهم الآتية لذلك كان النازيون على قناعة بأن الشر يمارس في عصرنا قوة جذب مرَضية للجماهير و إن افتتان الناس بالقوة المطلقة والجريمة قديم وليس بالأمر الجديد ويدل عليه حب الناس لروايات الجريمة و أفلام العنف , إذا هي خاصية سيكولوجية لدى الناس , وبجانب النازيين كان الشيوعيون يقرون في الداخل والخارج أنهم لا يخضعون لمعايير الأخلاق المعتمدة , ومن المهم للنظام التوليتاري أن يخرج على شعبه وهو يرتدي بردة القوة , فالبشر بطبيعتهم يحملون بجانب خوفهم الشديد من الطاغية صاحب الجبروت احتراما كبيرا له وكما تقول حنة أرندت (( لطالما ثبت أن الرعاع يرحبون بأعمال العنف قائلين بإعجاب لئن كان هذا غير جميل , فإنه بالتأكيد بالغ القوة )) , إن سعي الحركة التوليتارية إلى تفكيك الأحزاب سنة لا يمكن أن يقوم النظام التوتاليتاري بدونها , فإن الأحزاب بطبيعتها تستقطب بالدرجة الأولى ذوي المصالح وتهتم بطبقات معينة و تسعى إلى جعل الرأي العام يؤثر في مسار الشؤون المحلية , هذا النمط الكلاسيكي من الأحزاب لا يستطيع العيش في الدولة التوتاليتارية لأنه إبان قيام الدولة التوتاليتارية يكون هنالك انهيار في نظام الطبقات فبعد الحرب العالمية الأولى فاقم التضخم والبطالة تصدع بنية المجتمع الذي كان منهارا أصلا بعد الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى و في الاتحاد السوفيتي قيام الثورة البلشفية أدى إلى إلغاء حقيقي لنظام الطبقات , فلنتخيل أن الشاب العاطل عن العمل الذي كان يرى في الأحزاب اليسارية الاجتماعية ممثلا له و أن أصحاب الممتلكات الصغيرة الذين كانون يستظلون بمظلة حزب من الوسط واليمين و الأغنياء كانوا ينتمون إلى الأحزاب اليمينية كل هؤلاء فقد مكانتهم و بالتالي فقدت الأحزاب نفسها مكانتها ولم يعد لوجودها أية قيمة على أرض الواقع و تحول هؤلاء اليائسين إلى جمهور عريض من الناس و شكلت المرارة الشائعة في المجتمع أقوى رابط مشترك بين الجماهير , و هذا الشعور بالمرارة لم يوحد هذه الجماهير تحت لواء الخيبة لكنه و أكثر من ذلك محا الاختلافات الفردية بين الشعب .
والشيء الملفت أن كل الجماعات السياسية تنسب إلى مراكز قوى نسبية في المجتمع سواء تمثيل نقابة أو مصالح فئة أو حتى ايدولوجيا معينة فإن الحركات التوتاليتارية تنبع من قوة الأعداد وحدها , ولذلك ترى حنة أرندت أنه من المحال قيام دولة توتاليتارية في دولة قليلة العدد نسبيا , ولذلك كانت هنالك حركات توتاليتارية في أوربا وتولت هذه الحركات زمام السلطة فعلا لكنها لم تستطيع إقامة نظام توتاليتاري كما فعل هتلر وستالين وليس ذلك لأنهم لم يكونوا يريدون ذلك بل لم يستطيعوا فالتوتاليتارية تشترط نظام استبدادي قاهر و ما كانت هذه الأنظمة تمتلك الجهاز البشري الكافي يخولها بالاستبداد و ليست حتى لديها من الثروة البشرية يجعلها قادرة على تحمل خسائر فادحة في البشر , لذلك كان على فرانكو رئيس أسبانيا وغيره أن ينتهجوا منهجا أكثر ألفة و عدلا من صدقيه هتلر وموسوليني . و أما حزب “الخمير الحمر” الذي استولى على السلطة في كومبيوديا فلأنه أراد أن يكون توتاليتاريا مثل هتلر و ستالين فقد اضطر إلى قتل ما بين مليون شخص إلى ثلاثة ملايين من أصل عدد سكان يبلغ عدده ثمانية ملايين , أي أن هذا الحزب تخلص تقريبا من ربع السكان وهذا أدى إلى انهياره فلم يبقى في السلطة إلا أربع سنوات فقط . لكن ستالين تسبب في قتل 50 مليون إنسان ومع ذلك استطاع الاستمرار في الحكم لأكثر من عقدين من الزمان .
– الدعاية في الحركة التوتاليتارية :
في بداية كل حركة سياسية من ينجذب إليها في العادة هما صنفان الأول “المعدمون” ونقصد بالعدمية هنا كل صنوفها معدموا الأمل و المال و الذين لا يجدون في الحياة الكثير ما يغريهم , والصنف الثاني هو عكسهم تماما وهم النخبة سواء الفكرية أو الاقتصادية فهؤلاء يملكون من الطموح والرؤية ما قد يجعلهم ينخرطوا في مثل هذه الحركات كي يكتبوا أسمائهم على لوح التاريخ بماء الذهب , لكن هؤلاء الصنفان لا يمكنهما إقامة حركة توتاليتارية لذلك تلجأ الحركة التوتاليتارية إلى تسخير الدعاية و في أحيانا كثيرة تناضل الحركة التوتاليتارية للوصول إلى السلطة عبر نظام دستوري ضامن لحرية الرأي _ولو نسبيا_ فتبدأ الحركة التوتاليتارية تمارس ألاعيبها في هذا الهامش المتروك لها و ترسخ أقدامها في تربة المجتمع عبر الدعاية , وحنة أرندت تقول أن الدعاية و الإرهاب في البلدان التوتاليتارية وجهان لعملة واحدة , لكن ما أن تنحل التوتاليتارية وتمسك زمام السلطة لم يعد ما تقوم به دعاية بل تحول إلى تلقين عقائدي وكان استخدامها للعنف هدفه إنما لتحقيق عقائدها الايدولوجية أكثر من هدف إخافة الناس , ومن الطريف تذكر موقف الاتحاد السوفيتي من البطالة فهم أنكروا وجودها في بلادهم ثم حينما أصبح هنالك حديث عن وجودها و ووجوب صرف “رواتب للعاطلين” وجودها فرصة مهمة لترسيخ الفكرة الاشتراكية التي تقول : من لا يعمل لا ينال خبزا , وعندما أراد ستالين أن يعيد كتابة تاريخ الثورة اكتوبر عين حملة كاملة دعائية وأمرهم بإتلاف كل الكتب التاريخية القديمة بل والقضاء أيضا على مؤلفيها و من يظن أنه قد قرأها , وعندما صدر تاريخ الحزب الشيوعي عام 1938 كانت انتهت الحملة التطهيرية الواسعة التي فعلها ستالين و حصدت جيلا كاملا من العلماء والمؤلفين لأنه لم يعد بحاجة إلى حملات تطهير بعد الآن , و الدعاية في الحركة التوتاليتارية تقوم بإسباغ صفة العصمة على “القائد” لذلك تكون أفكاره و أقواله محل اهتمام الصحافة و الإعلام ويروج لها بينهم وليس غريبا أن تكون معظم أفكارهم التي يطرحونها لا تتحقق في يوم ولا شهر بل يعطون لها أمدا طويلا ولذلك هتلر ادعى أن الحرب العالمية الثانية ستحدد شكل العالم للعشرين قرنا القادمة ! و حتى الكلمات العابرة التي تقال يصبح لها شأنها إذا قالها القائد فحتى لو قال ستالين : الشمس تشرق من المشرق , لكانت صحف الغد تكتظ بتحليلات عديدة ومن زوايا مختلفة لتبيين عبقرية هذه المقولة , و أما النبوءات التي يتلوها القائد فهذه لها شأن آخر فكان هتلر وستالين يعلنون عن مراميهم السياسية على شكل نبوءات , فهتلر قال في المجلس الإمبراطوري ((اليوم أقول لكم نبوءة : إذا نجح اليهود مرة أخرى في إشعال حرب عالمية ثانية .. ستكون نتيجة ذلك إبادة العرق اليهودي في أوربا )) وبإمكاننا ترجمة هذه النبوءة من العبارات التوتاليتارية إلى عبارات سياسية واقعية فسيكون معنى العبارة : أنوي بالقيام بالحرب و إبادة العرق اليهودي في أوربا .
فهذه النبوءة إنما حققها هتلر بنفسه , و أيضا ستالين قال في مقر الحزب الشيوعي عام 1930 بما معناه : بنية الإتحاد السوفيتي لا يمكن أن يوجد فيها متطرفون يساريون أو يمينيون . وطبعا لو ترجمنا العبارة لكانت هكذا : أنوي إبادة المتطرفين اليمينين و اليساريين , وفي كلا الحالتين يتحقق الهدف نفسه فالتصفية الجسدية تندرج ضمن مسار تاريخي حيث لا ينجز الإنسان ولا يعاني إلا ما كان ينبغي له أن يتم على أي حال وفق القوانين الثابتة , وحينما ينفذ الإعدام بحق الضحايا تصير النبوءة إثباتا للغيب بطريقة رجعية إذ ليس من شيء حادث إلا وتم التنبؤ بحدوثه .
ومن الملاحظ أيضا أن مؤسسات الدعاية في الأنظمة التوتاليتارية لا تنفك عن بذر فكرة المؤامرة في عقول الشعب ففي ألمانيا كان اليهود هم من يحيكون المؤامرة العالمية و أن الشعب الألماني هو الذي تلقى على عاتقه المسؤولية التاريخية لنقض خيوط المؤامرة وإيقاف اليهود عن تدمير العالم , و أما في الإتحاد السوفيتي فمنذ قيام الثورة البلشفية كانت هنالك ثورة تحيق بها فأولا الأنظمة الرأسمالية التي تنوي إسقاط “البوليتارية” التي وصلت إلى الحكم أخيرا ثم أتت مؤامرة التروتسكيين _نسبة إلى تروسكي القائد الذي رافق لينين في الثورة لكن بعد موت لينين و تولي ستالين مناصب الحكم حدثت بينهما مشاكل و ثم نفاه وكان معارضا لحكم ستالين_ و بعد الحرب العالمية الثانية رجعت إلى الإتحاد السوفيتي فكرة المؤامرة ولكن هذه المرة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي و الدسائس العالمية التي تقودها الولايات المتحدة لإسقاط الإتحاد السوفيتي , إن هذه العدو حتى وإن كان حقيقيا لكنه ضروري للحملة الدعائية و للأنظمة التوتاليتارية فلا يمكن قيام نظام توتاليتاري بدون “عدو” ولذلك ينقل عن هتلر : لو لم يكن اليهود موجودين لاضطررنا إلى خلقهم .
هذا العدو تستغله الأنظمة التوتاليتاري في تصفية أعدائها فكل عدو هو عميل لهذا “العدو” و بطبيعة الحال سيخسر المناوئ للنظام كل أمجاده و كل تاريخه النضالي وكل التعاطف الشعبي إذا نُسب إلى هذا العدو , و هذا النوع من الحملات الدعائية يركز على أحد خصائص الجماهير المعاصرة الرئيسية فهذه الجماهير لا تعتقد بشيء مما هو مرئي ولا بواقع اختبارها نفسه وهي لا تثق بسماعها حتى ولا أعينها و إنما تضع كل ثقتها في المخيلة التي تطلق العنان لافتتانها بكل ما هو “كوني – عالمي” و متماسك في نفسه , والواقع إن الجماهير لا تقنعها الوقائع التي تختلف مع بنية تفكيرها التي اعتنقته وتعتبره استثناءا يؤكد عقيدتها , وتميل إلى النظام المتماسك التي تشكل هي _الجماهير_ جزءا لا يتجزأ منه في الظاهر , وإذا وجد الباحث أن الجماهير لديها قابلية وتهيأ ذاتي لاستقبال كل الإيدولوجيات بسهولة فلأن هذه الإيدولوجيات تشرح الوقائع بإعتبارها امثلة ناتجة عن قوانين مسبقةوتستبعد المصادفات بأن تبتدع سلطة كونية عليا تصدر عنها كل الحوادث والمجريات , وعلى هذا فإن الحملة الدعائية التوتاليتارية تزدهر في هذا الهروب من الواقع إلى الوهم ومن المصادفة نحو التماسك .
Advertisements