المؤلف: إيريك هوبزباوم 
المترجم : فايز الصباغ 
الدار الناشرة : مركز دراسات الوحدة العربية .
عدد الصفحات :550 
السعر :75 _من مكتبة نادي الكتاب_ 


– ربيع الشعوب “48” :
و اجتاحت أوربا الثورات و تحققت لوهلة أزهى أحلام “الراديكاليين” و رأى المحافظون أسوء كوابيسهم أمام أعينهم , تلك الثورات التي أحرق الفقراء فيها أجسادهم لتشتغل محركات الثورة البخارية وينطلق القطار ليمر بمعظم بلدان أوربا , ولم تكن تلك الثورات حصلت مفاجأة أو في غفلة عن فكر المفكرين والمراقبين فقد وقف المفكر المرموق ألكسس دو توكفيل أمام البرلمان الفرنسي في أوائل عام 1848 م و كان قد “اشتم” بمهاراته الفكرية رائحة الثورة فقال : ((أيها السادة إننا على فوهة بركان ..ألا تلاحظون ارتجاج الأرض من جديد , إن رياح الثورة قد هبت من جديد ..والعاصفة تكتسح الأفق )) وفي تلك السنوات تحديدا كان الشاب كارل ماركس ذو الثلاثين عاما و رفيق دربه فريدريخ انجلز ذو 28 عاما يبثان بكد و يروجون بحرص لمبادئ الثورة البروليتارية و في تلك السنة من شهر فبراير نُشر البيان الشيوعي الذي يحمل العبارة الشهيرة : “يا برولتاريين من كل بلاد العالم اتحدوا ” , الذي تحولت صياغته فيما بعد لأغراض بلاغية : يا عمال العالم اتحدوا , وأصبح أشهر شعار للأحزاب الشيوعية و نقش على ضريح كارل ماركس , وكما يقول إيرايك هوبزباوم ((نشبت ثورات عديدة أكبر من تلك في العالم الحديث , وثورات عديدة أخرى أكثر نجاحا غير أن أيا منها على الإطلاق لم يندلع بمثل سرعة “ثورات 48” وبمثل هذا الاتساع ولم ينتشر انتشار النار في الهشيم عبر الحدود والأقطار بل وتجاوز المحيطات …)) وحتى الثورات العربية ربما تعادلها في السرعة لكنها أقل منها اتساعا و أيضا يجب ألا نغفل صعوبة الاتصالات ونقل الأخبار في ذلك العصر فلم يكن بإمكان أسرع وسيلة اتصال أن تنقل الأخبار بين باريس وفينا في أقل من خمسة أيام , إذا لقد اندلعت الثورة العالمية الأولى ففي 24 فبراير أعلنت الجمهورية الفرنسية الثانية , و في الثاني من مارس اندلعت الثورة في جنوب غرب ألمانيا , وفي 6 مارس في بافاريا و 11 مارس في برلين ( لم تكن ألمانيا قد وحدت بعد في ذلك الوقت ) و في 13 مارس في فيينا و في هينغاريا في اليوم نفسه وفي 18 مارس قامت في الميلان ومن ثم اجتاحت كل إمارات ايطاليا , وما هي إلا أسابيع محدودة وكانت كل أركان الحكومات الأوربية قد تزعزعت في مناطق أوربا بل وتجاوزت الثورات المحيطات وشهدت في نفس العام ثورة في “البرازيل” و في “كولومبيا” , لقد كان الركود الاقتصادي الذي ساد بلدان أوربا ما بين عام 1846 – 1847 ربما تكون ه أول أزمة لظاهرة التراكم الرأسمالي العلني , لقد كان على طوال التاريخ هنالك أوقات اقتصادية حرجة و يعاني منها الناس لكن الأزمة الاقتصادية هذه المرة كما يقول ديفيد هارفي كانت مختلفة فمعظم السنوات الاقتصادية السيئة السابقة كانت بسبب كوارث طبيعية و قلة المحاصيل أو تكون بسبب حروب والصراعات الجيوسياسية لكن هذه المرة كانت الأزمة مختلفة فبالرغم من وجود محاصيل سيئة في بعض الأماكن لكن الأزمة لم تكن من ذلك النوع من الأزمات التي بالإمكان ردها إلى “القدر” أو “الطبيعة” , لقد كانت الرأسمالية ناضجة بما يكفي في ذلك التاريخ وصار حتى أشد المتعصبين للبرجوازية أن يلاحظ أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي نشأت كان سببها المضاربات المتهورة و السعي إلى الإنتاجية المفرطة .
لكن الغريب أن الثورات التي قامت بهذه السرعة وفي مواقع كثيرة فشلت أيضا بسرعة وسقطت بالضربة القاضية , فكل الثورات بات فشلها واضحا بعد ست سنوات وكان انهيارها متوقعا تماما بل كل الأنظمة التي اطاحت بها هذه الثورات كانت استعادت عافيتها بعد ثمانية عشر شهرا ما عدا النظام الفرنسي _والذي انتخب بفضل الثورة لكنه أدار ظهره لها _ , إن ثورات 48 تحمل مفارقة غريبة فرغم فشلها إلا أن التخوف الشديد من تكرار حدوثها و عودة ظهورها في الحياة الأوربية مرة أخرى كان هو المحدد لكثير من السياسات الأوربية , وكان سيغير مسار التاريخ في أوربا طوال السنوات القادمة , إن الثورات التي قامت في هذه الفترة مختلفة عنها في كل بلد عن الآخر لكن لها خصائص مميزة توحد بين روحها فكلها قامت في زمن متقارب جدا و أيضا كان مصير كل ثورة مشدود برقبة الثورة الأخرى فكما كان قيامها مستندا على دعامة الثورات الأخرى كذلك كان سقوطها أيضا , و أن طبائعها وأساليبها كانت متشابهة فكانت الأحلام اليوطوباية تسكن شوارع المدن التي قامت فيها الثورات و ارتفعت الشعارات والخطب التي تنادي بالوحدة والعدالة الاجتماعية وكانت لها الرموز الشهيرة مثل اللحى و القبعات العريضة الجوانب التي كان يعتمرها المناضلون و الرايات الثلاثية الألوان , والمتاريس _الحواجز_ التي انتشرت في كل مكان , وقبل كل شيء كان الإحساس بالأمل و التحرر يجتاح القلوب .. لقد كانت بحق “ربيع الشعوب” _ وتسمية الثورات العربية بربيع الشعوب أ ُخذ من تسمية تلك الفترة _ .

ومن الوجهة السياسية كانت المطالب تختلف من دولة إلى أخرى فكان سقف المطالب لدى الألمانيين والإيطاليين مرتفعا فلم يكن مطروحا للنقاش مضمون الدولة السياسي والاجتماعي فحسب بل في شكل هذه الدول أو حتى في شرعية وجودها أصلا _فحتى ذلك الوقت لم توحد لا إيطاليا ولا ألمانيا رغم أن شعوبها يتحدثون بلغة واحدة تقريبا_ ورغم أن الراديكاليين طرحوا كعادتهم حلا بسيطا وهي جمهورية ديمقراطية مركزية موحدة في كل من ألمانيا و إيطاليا تقوم على أساس المبادئ المجربة للثورة الفرنسية على انقاض حكم الملوك والأمراء و ترفع راياتها الخاصة الثلاثية الألوان على غرار النموذج الفرنسي أيضا , لكن المعتدلون انخرطوا في حسابات أكثر تعقيدا فكانت الديمقراطية قد تعني الثورة الاجتماعية والاشتراكية و الاستيلاء على الممتلكات و بما أن الشعوب لم تقم بالانقضاض على حكم الأمراء فمن غير الحكمة تشجيعها على فعل ذلك وتقويض النظام الاجتماعي القائم .
لقد كانت الخسارات المتتالية للثورة موجعة وبعيدا عن الوصف العسكري لكيفية خسارتها فمن الملاحظ أولا أن أغلب الثورات كانت قومية إلى أبعد مدى وكانت القومية في ذلك القرن تعني أن تحرر الإنسان لا يكون إلا بعد تحرره السياسي وبناء الدولة بسواعد القومية لكن الثوريين في أغلب الدول صادفوا إمبراطورية الهابسبيرغ النمساوية المرعبة و المتعددة الجنسيات فأخضعت فيينا بقوة السلاح وقتلت أربعة آلاف شخص و جيوشها غزت شمال إيطاليا وأرجعتها إلى عباءة الهابسبيرغ , الأمر الآخر الذي أدى إلى هزيمة هذه الثورات بهذه السرعة هو أن البرجوازية كانت متخوفة من المشاركة فيها و مرعوبة من مطامح الراديكاليين الذين يلحون بأنها ثورة اجتماعية ولازلت صورة اليعاقبة وسنوات الارهاب التي فعلوها في فرنسا حاضرة في الأذهان , و قد قال كافور حاكم بيدمونت في عام 1846 ((إذا قُدر للنظام الاجتماعي أن يتعرض لخطر حقيقي وإذا قُدر للمبادئ العظيمة التي قام على أساسها أن تواجه مخاطر جسيمة , فإننا نعتقد أن كثيرا من أشد المعارضين للحكومة صلابة وأكثر الجمهوريين حماسة سيكونون أول من ينخرطون في حزب المحافظين )) وقد كان محقا تماما ..

لقد كان الفقراء كالعادة هم الضحايا فقد كان الكادحون هم وقود هذه الثورات وهم من دفعوا ثمنها بالدم , هم من اصطفوا خلف المتاريس ونادوا بالعدالة الاجتماعية كانت أحلامهم كبيرة ولم تتسع لها هذه الأرض , فمن بين 300 قتيل في برلين على أثر المسيرات في شهر مارس كان فقط خمسة عشر منهم من ممثلي الطبقات المتعلمة و ثلاثين من أرباب الحرف والبقية من الفقراء , وفي انتفاضة ميلانو من أصل 350 قتيلا كان منهم اثنا عشر فقط من الطلاب أو ذوي الياقات البيضاء أو ملاك الأراضي والباقي من الفقراء , وأما في باريس التي المدينة التي ألهمت كل بلدان أوربا بالثورة فقد فشلت ثورتها لأنها لم تكن ثورة ضد أنظمة الحكم القديمة بل بين النظام وبين الثورة الاجتماعية وفي باريس يونيو تعرض العمال للمذبحة فقد قتل منهم ألف وخمسمية شخص في حرب شوارع و تم ذبح ثلاثة آلاف شخص بعد الهزمية و إرسال 12 ألف شخص إلى معسكرات العمل في الجزائر .
إذا لقد هبت رياح ثورات 1848 على سفينة الشعوب لكنها غرقت في بحر الواقع لقد كانت حالمة جدا وملهمة جدا لكنها لم تستطيع تفادي حزام صخور الاستبداد دون ربان الطبقة البرجوازية التي كان من المفترض أن تقود الثورة فقد كان عليها أن تكون ثورات برجوازية لكن البرجوازيين تخلوا عنها حتى في فرنسا , و رأوا أحلام الفقراء تذوي حلما حلما .
لكن رغم الفشل الساحق لهذه الثورات إلا أن أنها أثرت على أوربا أبلغ الأثر بل إن أوربا لم تركب قطار العملية الديمقراطية الحقيقية إلا بعد هذه الثورات كما يرى عزمي بشارة , وتحطم الاعتقاد أن الفقراء مجرد “رعاع” بل أصبحوا خطرا حقيقيا يهدد عروش الملوك وسقط الاعتقاد القديم لدى الفلاحين و العامة بتمجيد الحكم المطلق بيد الحاكم و شتم الدستور , و الأهم من ذلك كله أن هذه الثورات كانت سببا مباشرا لتوحيد ألمانيا و إيطاليا وتشكيل الوعي القومي لهذه الدول ..
نعم لقد فشلت ثورات 1848 لكن بشكلٍ ما استطاعت أن تنفذ جزء من أهدافها .

– البرجوزاية :
مالذي نعنيه عندما نستخدم مصطلح البرجوازية ؟ نعم إن البرجوازية هي الطبقة الوسطى لكن في كل عصر كان هنالك طبقة وسطى , إذا البرجوازية هي الطبقة الوسطى في المجتمع الرأسمالي و قد كان وجودها ضروريا وهي نتاج الرأسمالية بعد تراجع الطبقة “الارستقراطية” , و بطبيعة الحال تختلف التعريفات لكن بوصفها طبقة اجتماعية في تلك الفترة 1848 – 1875 فبإمكاننا القول إنها تعني من الناحية الاقتصادية أن البرجوازي المثالي كان “الرأسمالي” أي مالكا لرأس المال أو يتقاضى دخلا مستمدا من مثل هذا المصدر أو كان مقاولا يجني الأرباح وربما هذا كله , أما من الناحية السياسية فقد كانت البرجوازية في ذلك الوقت هي التي تسيطر على مجلس البلديات أو مجالس الأقاليم أو البرلمانات المنتخبة وكان هؤلاء البرجوازيين من الناحية السياسية في الغالب من الليبراليين , لقد كانت السمة الأساسية للبرجوازية باعتبارها طبقة تمثلت في كونها هيئة من الأشخاص ذوي السلطة والنفوذ لا صلة لها بالسلطة والنفوذ المترتبين على نبل الشخص و المولد و المكانة الموروثة بمعنى أنه لم يكتسب هذا النفوذ بسبب الولادة بل كان على البرجوازي ليكسب النفوذ أن يصنع نفسه و أن يكون فردا قويا بسبب ثروته و قدرته على قيادة الناس الآخرين أو على الأقل التأثير فيهم , من هنا كان الشكل المعهود للنشاط السياسي البرجوازي مختلفا كل الاختلاف عن النشاط الجماهيري الذي كان يقوم به من هم دون البرجوازيين مرتبة أو البرجوازيين الصغار , لقد كان الملجأ التقليدي للبرجوازي إذا ألمت به ملمة أو وقعت عليه مظلمة أن يمارسموا النفوذ الشخصي أو يتوسلونه سواء بالحديث مع العمدة أو النائب في البرلمان أو الوزير أو رفيق المدرسة الذي أصبح شخصا مرموقا , و كانت أوربا تعج بشبكات من الأنساق غير الرسمية من الجماعات و العون المتبادل و المنافع المتقاطعة إذ كان ذلك العالم يستحيل أن يخوض غماره ويتحدى صعابه البرجوازي وحده فلا بد له من يد تساعده ويساعدها , و كان أحد مصادر الروابط التي نشأت هي في الجامعات ومعاهد التعليم العالي وهذا أدى إلى أمرين الأول إنشاء جمعيات ونوادي للجامعات وهذه الجمعيات تقدم يد العون للذين ينتمون إليها وتحاول إيصالهم إلى أماكن سياسية أو اقتصادية نافذة في الدولة و أبرز مثال على هذه الجمعيات هي “جمعية الجمجمة والعظام” التي في جامعة “ييل” الأمريكية واستطاعت إيصال جورج بوش إلى رئاسة دولة أمريكا , و الأمر الآخر الذي أدى إليه هو تكثيف مصالح مشتركة بين جماعات بين الأفراد يصعب جدا التنكر لها أو الانقلاب عليها , إن البرجوازية لم تكن مثل الارستقراطية حيث كان “النبيل” يسكن في قصره في الريف و يتفرج على الفلاحين وهم يزرعون أرضه ويمل بشكل عام إلى العزلة أو كان يمثل سكان اقطاعيته , البرجوازي _أصحاب النفوذ العالي منهم على الأقل_ كان يمثل مصالح طبقة عريضة من رفاقه البرجوازيين والذي في الغالب يدين لهم بسبب وصوله إلى هذا النفوذ .
وكان الشخص البرجوازي صاحب المكانة المرموقة في المجتمع حينما يطلب منه التعليق على إحدى القضايا العامة يدرك أن رسالة منه إلى صحيفة التايمز أو نيو فري بريس ستصل إلى قطاع عريض من طبقته و أيضا ستكون ذات تأثير على صناع القرار و الأهم من ذلك كله ستنشر على أساس مكانته كـ “فرد” , إذا البرجوازية في القرن التاسع عشر اختارت نهجها بوضوح فهي لم تكن لتنظم الحركات الجماهيرية و لا أن تعوز الشعب على إسقاط النظام , بل كان نهجها هي تشكيل “جماعات ضغط – لوبيات” وتمثل هذه الجماعات إرادتها ويكون لها نفوذ واسع في مؤسسة الحكام و عند صناع القرار .
أما من الناحية الاجتماعية فالبرجوازية كانت تعني التفوق فالبرجوازي لم يكن يكفي لأن يكون مستقلا فحسب بمعنى أنه كان رجلا لا يأتمر بغير أمر الله أو الدولة , بل كان رجلا يأتمر بأمر نفسه إنه لم يكن مجرد رب عمل أو مقاول أو رأسمالي بل هو من الوجهة الاجتماعية “سيد” أو “راعي رعية” لقد كان استحواذه على العمل في البيت أو في المصنع عاملا حاسما لتعريفه لنفسه و كان التأكيد الرسمي لهذه الزعامة سواء وكان التأكيد الرسمي لهذه الزعامة سواء كان اسميا أم حقيقيا هو الفيصل في المنازعات الصناعية التي كانت في تلك الفترة فأحدهم يقول ((لكنني انا مدير المنجم بعبارة أخرى الرئيس ( chef) لجمهرة عريضة من العمال إنني أمثل مبدأ السلطة وأنا ملتزم بان أجعلها ممثلة بي موضع احترام : وذلك هو ما كان الهدف الواعي لعلاقتي مع الطبقة العاملة )) ورغم أن صفة السيد بهذا الشكل تحديدا لم تكن تنطبق على أصحاب المهن الحرة من البرجوازيين مثل الطبيب أو الأستاذ الجامعي أو حتى الموسيقار فإن مبدأ “السلطة” لم يكن غائب بحال عن أذهان هؤلاء فالطبيب يكون الآمر الناهي في غرفة العمليات و الأستاذ الجامعي هو السيد في قاعة المحاضرات والموسيقار هو سيد الاوركسترا التي يديرها .
لقد كانت البرجوازية ليبرالية من الناحية الايدولوجية لا من الناحية الحزبية فقد آمنوا بالرأسمالية والحقوق الطبيعية للفرد و النفعية و التقدم و آمنوا بالتقدم والعقل والعلوم وبقدر ما من الحكم التمثيلي _فلم يكونوا ديمقراطيين تماما_ وبقدر من الحريات المدنية طالما ذلك كله يتفق مع القانون وكانوا مؤمنين بالفن أكثر من الدين واستعاضوا في حالات كثيرة من الذهاب إلى الكنيسة إلى الذهاب إلى دار الأوبرا والمسرح والحفلات الموسيقية , وآمنوا بأن السبل مفتوحة لروح المبادرة وأصحاب المواهب وأن حياتهم هي التي تثبت نفسها وجدارتها لا نسبهم ولا حسبهم , وتفتت الفضائل التقليدية التي كانت تعتنقها المسيحية مثل التعفف و الاعتدال و عدم الاسراف أو البذخ , بل إن أحد الكتاب الألمان يقول في 1855 لو قدر للمجتمع الألماني الانهيار فهو بسبب انجراف الطبقات الوسطى خلف مظاهر البذخ و الإسراف , وكان مهما للبرجوازي في ذلك الوقت أن يستعرض مكانته عبر المال الذي يكتسبه و كان يعلم أن الأشخاص سيحكمون على مكانته من خلال ثيابه أو تأنقه , و كانت البرجوازية في ذلك لم تعتنق الداروينية من الناحية العلمية لكنها كانت تعتنقها من الناحية الاجتماعية فقد كانت ترى أن الصراع لأجل البقاء والانتخاب الطبيعي الذي يكون فيه النصر للأقوى دليلا على الخصائص الأخلاقية المميزة للفرد , فأن تكون برجوازيا يعني أن تكون متفوقا على أقرانك بطريقة ما والأهم أن تظهر من المناقب الأخلاقية والصفات التي تجعلك مميزا .
Advertisements