اسم الكتاب : في المسألة العربية .
اسم الكاتب :عزمي بشارة .
الدار الطابعة : مركز دراسات الوحدة العربية .
سعر الكتاب : 49 _من المكتبة التراثية_ .
عدد الصفحات :291


في المسألة العربية :

 

عندما يجتمع البشر ويقررون تأسيس دولة فإنهم بهذا يتنازلون عن جزء من حقوقهم , ولكن لا يفعلون إلا عن طريق تخيل “عقدِ ما “يجمعهم , كان الطريق الوحيد في العصر الحديث إلى جمع أناس في بقعة ما وجعلهم يبنون صرح الدولة هي سواعد “القومية” , والدول الحديثة قامت على هذا الأساس فإن المجتمعات السياسية لا تتماسك خارج هذا الإطار و وفي الدول الاستيطانية فقط _الولايات المتحدة الأمريكية أفضل مثال على ذلك_ تم القفز على مرحلة  القومية في تأسيس الدولة الحديثة وتم تأسيس الدولة _الأمة _ مباشرة على أساس المواطنة لكن حتى في هذه الدول التي نجحت في تأسيس دولة في غير إطار القومية تمت الاستعاضة عن القومية القائمة على اللغة أو الثقافة أو العرق بـ “وطنيات ” وقد تصل هذه الوطنيات في سعيها إلى التجانس حدودا تفوق القومية , فيتم البحث عن رابط ثقافة أو ترسيخ نمط حياة معين أو تأسيس قيم جمهورية و مبادئ معينة , حالما تتحول القومية إلى دولة _ أمة _ ينشأ توتر بين الحقوق على أساس العضوية في قومية والحقوق على أساس المواطنة , و يميل الحل الديمقراطي الليبرالي إلى تأسيس الحقوق على أساس المواطنة , حتى عندما تشكل القومية غراء الذي يجعل هذه الدولة متماسكة , فتأسيس هذه الحقوق على أساس المواطنة هو صمام الأمان الذي يعيق تقهقر الدولة القومية إلى مربع كونها دولة اثنية أو طائفية أو قبلية , ومفهوم الأقلية والأكثرية لا يتطابق في الدولة الديمقراطية الحديثة مع الأقلية والأكثرية في الدول الأخرى فمفهوم الأكثرية والأقلية في الولايات المتحدة على سبيل المثال يقصد به الإتجاه السياسي أو الاتفاق على رؤية  معينة ولذلك قد تجد شخص أصوله “أفريقية أمريكية”  يختلف مع أوباما فلا اعتبار سياسي للإثنية هنا , فأوباما الذي هو يعبر عن الأقلية الإثنية من ناحية هو أيضا يعبر عن الأكثرية الذين صوتوا له من ناحية أخرى , وفي المقابل الدول التي لا تقوم على الديمقراطية تختلف فيها معيار الأكثرية والأقلية فهي في بعض الدول يقصد بها الطوائف مثلا “الشيعة في السعودية أقلية” و في العراق يقصد بها عرق معين فـ “الأكراد” أقلية بالنسبة للعرب , طبعا لو تُناول هذا الموضوع من الناحية الثقافية لا غبار عليه لكن عندما يتم تسيسه هنا يتحول إلى ورم يهدد جسد الدولة .

ولأجل ذلك يتم حاليا الترويج لمفهوم تسامح “نحن” مع “هم” فقد أعطينا هذه الطائفة كذا وكذا , وكأن الدولة ملك لهذه الجماعة و كأن هؤلاء المواطنين فقط بسبب هويتهم الطائفية أو العشائرية أو القومية من يملك الدولة ويقررون التنازل عن حقوق الآخرين , و يعتبر شيء رائع وعظيم عندما يتسامحون ويسمحون للآخرين بممارسة بعض حقوقهم ,و كأن أولئك مجرد رعايا أو ضيوف وليسوا مواطنين مثلهم مثل الأغلبية , ولا ننسى أن مفهوم المواطنة يحمل فيما يحمله قواعد رصينة في تنظيم علاقة الأكثرية مع الأقلية _بالمعنى الإثني_ وهنالك قواعد حقوقية راسخة تبني عليها العلاقة بين الطرفين وهذا يمنع استبداد الأكثرية بالأقلية فلا يمكن أن يتحدث عن ديمقراطية حديثة ثم يعامل جزء من المواطنين كمواطنين درجة ثانية في الحقوق و الحصول على الفرص التعليمية والوظيفية .

وإن استمرار النقاش من النوع الذي يربط المواطنة بالعقيدة أو الهوية الإثنية يعني أن مفهوم الديمقراطية مازال منقوصا , والمقصود بـ “المواطنة المنقوصة” ليس مواطنة الأقلية فحسب وليس مواطنة “المتسامح معهم” بل المواطنة بشكل عام , فمفهوم المواطنة برمته معطوب في هذه الحالات لمن يدعون ملكية الدولة ولمن لا يدعونها أيضا .

والحديث عن القومية العربية لا يتعارض بالضرورة مع  الدولة القطرية فبعد سقوط الأحلام الرومانسية بتأسيس دولة عربية واحدة تجمع كل العرب , علينا أن نتعامل مع الدولة القطرية كمعطى سياسي واقعي وأما الحديث عن شرعية هذه الدولة فسيؤدي إلى منع أية عملية تطور فيها بل وقد يحصل الأخطر وتتقهقر الدولة إلى شرعيات ما قبل حداثية _قبلية , طائفية , عشائرية_ , وأيضا إعادة ترسيم حدود الدول في العصر الحاضر لتوحيد قومية ما لم يعد مقبولا البتة كما كان مقبولا في القرن التاسع عشر حيث وحدت ألمانيا وإيطاليا , وفي نفس الوقت من يفسر الاعتراف بالدولة القطرية خارج الإطار القومي العربي سرعان ما سيتفاجأ بأن الدولة القطرية لم تستطع صنع قومية ولم تنجح في خلق بدائل وطنية للقومية العربية , فثبت حاليا أن العراق إذا لم تكن تعجن مكوناته الاجتماعية في فرن “العروبة” سيرتد إلى الهويات ما قبل الحداثية _الطائفية_ وثبت أن الدول العربية التي حاولت صنع “قومية” قطرية لم تستطع أن تنجح _البابلية في العراق , والفينقية في لبنان , و الفرعونية في مصر _ فالحديث عن القومية العربية بالمعنى الثقافي لن تستطع دولة عربية تجاهلها وإذا تجاهلتها ستسقط سقوطا مدويا في جحيم هويات ما قبل الحداثة لأن الهوية القطرية ليست كافية لتعريف الفرد فاللبناني كمثال لا يكفيه أن يكون لبناني ليعرف ذاته فإذا لم يكن العربي هو الإطار المرجعي له “لبناني عربي” فسيكون “لبناني درزي , لبناني سني , لبناني شيعي , لبناني ماروني…الخ . ”

 

الديمقراطية تحتاج إلى ديمقراطيين :

أحد التقسيمات التي استخدمها هيجل هي التمييز بين “جدلية الجوهر” و “جدلية الوجود” والمقصود بجدلية الجوهر هو عملية إعادة إنتاج الظاهر كظاهرة نشأت وباتت مستقلة ذات حدود تاريخية , أي كظاهرة تعرف ذاتها عبر إعادة الإنتاج ذاتها , أما جدلية الوجود فهو عملية إنتاج الظاهرة وتوليدها تاريخيا كتوليد لظاهرة اجتماعية مما سبقها , وفي جدلية الوجود تكون الظاهرة معتمدة في وجودها على عوامل نشؤها التاريخية السابقة لها , وعلى عوامل أخرى محيطة بها , فلغرض فهم حالة تولد أو إعادة توليد الظاهرة الاجتماعية لا بد من فهم ما تنبثق عنه الظاهرة من جدلية العلاقة بينها وبين عوامل خارجية لها , ومن جدلية علاقتها مع المرحلة التاريخية التي سبقتها .

وإذا فهمنا هذا التقسيم ننتقل إلى تطبيقه على ظاهرة اجتماعية وسياسية وهي “الديمقراطية” فهناك فرق شاسع بين “إنشاء الديمقراطية” و بين “إعادة إنتاجها ” , فبالإمكان إعادة إنتاج الديمقراطية من دون ديمقراطيين لأن الديمقراطية في مرحلة إعادة إنتاج ذاتها تصمد وتتطور بغض النظر عن قيم الأشخاص الذين يديرون دفة الحكم , وتفترض مرحلة إعادة إنتاج الديمقراطية لذاتها أن للدولة قواعد وأسس للحكم قد أرسيت وقد نشأ لها حراس في القضاء و الأكاديمية و الصحافة وفي المؤسسات المدنية المختلفة , فجورج بوش و توني بلير بالتأكيد لم تكن القيم التي يحملونها ديمقراطية لكن الولايات المتحدة و بريطانيا استطاعت أن تعيد إنتاج الظاهرة الديمقراطية وهؤلاء الحكام هم من على سدة الحكم لكن لا يمكن أن تقوم الظاهرة الديمقراطية بدون أناس يحملون قيم ديمقراطية فنشوء الديمقراطية يشترط وجود “ديمقراطيين” يؤمنون بحكم الأغلبية و يحترمون إرادة الشعوب , فبعد رسوخ ظاهرة الديمقراطية أصبحت تستطيع إعادة إنتاج ذاتها بدون أبطالها لكن لم لتكن الديمقراطية لتنشأ لو لم يكن أبطالها يؤمنون بها فـ رجال من أمثال توماس جفرسون و جيمس ماديسون كان وجودهم ضرورة لتوجد الديمقراطية , وهذا الكلام مهم بالذات بعد الربيع العربي و يجب أن تكون الأحزاب التي تتولى الحكم في هذا العقد _تحديدا_ أحزاب ديمقراطية تؤمن بالحريات المدنية و استقلال القضاء و سلطة البرلمان التشريعية والرقابية , فنحن أحوج ما نحتاج في هذا العقد إلى ديمقراطيين يؤسسون ظاهرة الديمقراطية و يبنونها كصرح لا يستطيع أعتا المستبدين كسره .

 

– الدولة الريعية :

المقصود بالدولة “الريعية” هي تلك الدولة التي يعتمد جزء كبير من ثروتها القومية على “عائدات” من الخارج _الأيدي العاملة في مصر _ أو بيع مادة خام _النفط في دول الخليج_ أو تقديم سلع خدمية معينة _السياحة في تونس_ أو من ضرائب تجبى من الإقطاعات _الدولة العثمانية_ , السد المنيع الذي يمنع التحول الديمقراطي أن “الدولة الريعية” تمنع من تطور المجتمع المدني ويعرقل قيام مجتمع يعيد إنتاج ذاته كمجتمع من الأفراد الأحرار القادرين على التعاقد خارج إطار الدولة , والقادر على إعادة إنتاج ذاته خارج الدول وفي علاقة استقلال نسبي معها ويمولها من الضرائب , ولا يمكن أن ينتج اقتصاد مقسم بين اقتصاد الريع و القبيلة والريف مجتمعا مدنيا , بمعنى مجتمع هو من يصنع اقتصاد الدولة لا العكس , ومجتمعا تعاقديا قويا مؤلفا من أفراد مواطنين من دافعي الضرائب وقادرين على التعاقد في علاقة جدلية مع دولة قوية .

ولأجل ذلك كثير من المحللين يرجع قيام الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية و انكلترا ودول أوربا الشمالية إلى قيام اقتصاد صناعي و وطني خارج إطار الدولة لذلك كانت الدولة تحتاج إلى هذا المجتمع الذي هو _حرفيا_ يعيل الدولة إما بالضرائب أو بالمنتجات أو بالوظائف التي يوفرها لذلك كان هنالك اتفاق ضمني بين “دافعي الضرائب” والدولة بحيث أنهم اشترطوا نوع من التمثيل في الدولة و تحديد دورها وتدخلها في السوق و تشذيب سلطاتها , وكانت الدولة مضطرة إلى الرضوخ إلى مثل هذه المطالب لأنها تصدر من مجتمع تحتاج إليه , لكن في دولة مثل أسبانيا والبرتغال وهي كانت من أواخر الدول التي قامت فيها الديمقراطية في أوربا _أسبانيا عانت كثيرا من نفوذ العسكر وحكمهم ولم تحصل على الديمقراطية إلا في سبعينيات القرن الماضي والبرتغال قبلها بعشر سنوات تقريبا_ يرجع بعض الباحثين هذا التأخر في التحول الديمقراطي في أسبانيا و البرتغال إلى سبب كونها فتحت أمريكا الجنوبية وسرقت الذهب في تلك القارة فصارت “دولة ريعية” تعتمد على هذا الذهب القادم من الخارج ومن قوتها العسكرية , وبذلك لم تعد الدولة بحاجة إلى تنفيذ المطالب الشعبية لأنها تملك بشكل أساسي مصادر الدخل القومي للدولة , و أيضا الشعب كان يمر بحالة جيدة من الرخاء فلم تكن مطالبته متواصلة و جدية .

وأيضا الاقتصاد الريعي لا يحيد “البرجوازية الوطنية ” – الطبقة الوسطى-  في الجانب السياسي فقط بل يحيده أيضا في الجانب الاقتصادي , فالدول الريعية تعتمد بشكل أساسي على مجال “المقاولات” و “الخدمات” فالمجال الربحي هو مرتبط بهذين المجالين “المقاولات” و “الخدمات” وهذه المشاريع تديرها الدولة فلذلك تنتج طبقة من البرجوازية الطفيلية الغير مبدعة ولا منتجة اقتصاديا وتبحث باستمرار عن علاقة مع مراكز القوى في داخل الدولة تحميها وتمنحها الامتيازات , وهذا يؤدي إلى الفساد و العمولات وغيرها من السوس الذي ينخر في عظام الاقتصاد لدى الدولة , و أما الاقتصاد المنتج و المبدع فهو إما أن يرتبط بشكل أساسي بـ “منتج” الدولة التي تبيعه هي فلم يعد قادرا على تصور نفسه خارج إطار الدولة أو يكون منتج لا يتم إلا برضاء و وصاية الدولة , والمفارقة أن الاقتصاد الريعي رافقه استبداد في الدول العربية غير مسبوق فـ أحاطت بالحكومات العربية فئة واسعة نسبيا من رجال الأعمال المرتبطين بالاقتصاد الريعي والفساد ومنهم من أبناء المسؤولين وأصدقاء أبناء المسؤولين وأقاربهم .

بل و الأكثر حصل حينما صار هنالك علاقات نسب بين التجار _الذين يعتمدون على تجارتهم بالاقتصاد الريعي_ و بين الطبقة الحاكمة _الذين يملكون مصادر الدخل القومي_ فأصبح كل الأبواب مفتوحا للفساد و أغلقت الأبواب التي قد تحول إلى الديمقراطية بعيدا عن الثورة _أو لتجنبها_ .

فالتغيير الديمقراطي كما رأينا في انكلترا و أمريكا و دول أوربا التي انتقلت إلى الديمقراطية كان ناتج عن صراع بين البرجوازية و بين السلطة فتحجم استبداد الدولة في مقابل تقديم البرجوازية خدمات إلى الدولة ولكن في الدول العربية تم التحالف بين السلطة وبين برجوازية _طفيلية ومصنوعة_ فلم تعد حتى مطالب الإصلاح يُلقى لها بالا ولم تتعامل معها الدولة بشكل جدي , ولنا أن نتذكر شعار الثورة الأمريكية الذي رفع في بوسطن و فيلاديلفيا ضد الانكليز “لا ضريبة من دون تمثيل” وكان يُقصد منه التمثيل في البرلمان البريطاني , وهذا ناجم عن تصور الشعب الأمريكي أنه يساهم في تمويل الدولة البريطانية وهذا هو أحد أساسيات وجود مجتمع مدني لكن عندما لا تحتاج السلطة حتى إلى ضرائب المواطنين فهنا علينا أن نتساءل لماذا تتخلى السلطة عن بعض نفوذها لصالح الديمقراطية ؟!

 

 

.


Advertisements