هذه التدوينة في الأصل تعقيب على تدوينة الصديق جيرانمو

http://geranmo.wordpress.com/2011/10/31/%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%A9-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF/

الأسئلة خطوة إلى الإيمان :

– الإيمان هو “الموضة” .

كنت أتابع نقاش بعض الأصدقاء في تويتر وكانوا يتحدثون عن الإلحاد ثم قال أحدهم “الإلحاد صاير موضة” وكنت تنازعني رغبتان الرغبة الأولى أن أتدخل في ذلك الخضم من النقاش والحوار الطويل جدا و الثانية أن أخلد إلى الفراش .. وكالعادة الفراش كان أقوى , الشيء الذي يردده الكثير من محاربي الإلحاد أنه “أصبح موضة العصر” و كأنهم بذلك يريدون استصغار هذا السؤال الملح وجعله صرعة من صرعات العصر ستنتهي رغم أنه من الناحية التاريخية كان الإلحاد هو الأصل لدى بعض القبائل البدائية _ وذكر ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة أن هنالك قبائل لم تكن تؤمن بأية إله_ و الإلحاد كما أميزه هو عدم الإيمان بأية اله _شيء خارج المادة_ .. وهذا التعريف سيريحنا في تناول هذا الموضوع فالذي يؤمن باله _أيا كان _ فهو مؤمن من هذه الناحية , الذين اعتقدوا أن الإله سقط كما قال أعلن نيتشه بـ “موت الله” و إحلال “القوة” بدله كانوا مخطئين لأن الإله سقط بمعناه القديم ليحل محله إله جديد هذا الإله ينتمي إلى عالم ما وراء الطبيعة ليشعر الإنسان الحديث نحوه بالراحة في العصر الذي طحنته فيها الماديات طحنا , إبان عصر التنوير تم مهاجمة الأديان _المسيحية أولا ثم اليهودية بدرجة أقل أما الإسلام فلم يؤخذ الهجوم عليه بشكل جدي  _ و تم إعادة النظر إليها والتشكيك في مصادرها المقدسة فاهتزت مكانتها التي احتفظت فيها لقرون والبعض يدعي أن الهجوم كان لأسباب سياسية بحته والحقيقة أن هذا كلام غير صحيح بل كان الهجوم لأسباب عديدة أهمها أن الدين ورجاله لم يكونوا مناسبين لعصر التنوير ومبادئه العقلية , في تلك المرحلة بدأت تظهر بوادر الإلحاد واستمرت في المسير والنمو حتى وصلنا إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى و إبان الحرب العالمية الثانية هناك انتشرت ثقافة الإلحاد وشاعت وتزلزلت كل القيم الإيمانية و ظهر تياران كلاهما كان ملحد وكلاهما كان يسيطر على جزء كبير من العالم “الشيوعية” و “الوجودية” و بالمناسبة لم يكن كل الشيوعيون ملحدين لكن الشيوعية انتشرت بأدبياتها الإلحادية و شاع شعار ” لا إله والحياة مادة ” , هناك في ذلك العصر هبط الإنسان الأوربي والأمريكي إلى الحضيض و ظهرت حركة الهيبيز و الفوضوية فهناك كان الإلحاد هو “الموضة الفكرية” وبالتأكيد ليس الآن لأنه أغلب فلاسفة ما بعد الحداثة و محمد أركون يقول كل فلاسفة ما بعد الحداثة يرون أن وجود الدين مهم للفرد و لايستطيع الإنسان أن يحيا بدون قوى خارج المادة لكن الهجمات الشرسة و الزلازل التي مني بها الدين في أوربا وأمريكا جعلت العودة إليه شبه مستحيلة , فهنا حل شيء روحاني لكنه خارج الأديان السماوية فهناك قوى خارج المادة وهنا يجب أن نلاحظ أنه تمت إعادة كتابة “ما وراء الطبيعة” من جديد وصار الغرب يلطف صورة كل شيء روحي فهوليود _وهي أنجع من يعيد كتابة التاريخ _ أصبحت الآن تعيد رسم  “مصاصي الدماء” و “السحرة” و “السوبر هيروز” فبعدما كان مصاص الدماء هو “دراكولا” الوحش المرعب الذي يقتات على  الدماء أصبح الآن هو “بيل كامبتون” العاشق الذي يساعد حبيبته وبني الإنسان , كل هذا الكلام الذي قلته إنما هو رد على من يدعي أن الإلحاد هو الموضة الفكرية بل على العكس الإيمان هو الموضة الفكرية و إن كان يختلف شكل هذا الإيمان و كما قلت أية شخص يؤمن بقوى خارج الطبيعة هو بالضرورة ليس ملحدا لأن الإلحاد كما هو شعار الشيوعية هو الادعاء بأنه ليس هنالك إله والحياة مادة . 

 

– الأصولية تعود :

ليس الإيمان بالقوى فوق الطبيعية هو فقط ما عاد بل الإيمان بشكله الأصولي المتطرف , وليس ظهور “المحافظين الجدد” على الساحة السياسية الأمريكية مجرد صدفة تاريخية بل هو امتداد للمد المسيحي في جذور الشعب الأمريكي , و المتابع للساحة السياسية الأمريكية سيصاب بالدهشة للمستوى المصطلحات المستخدمة ففي إبان الصراع الرئاسي بين أوباما وجون ماكين حدثت “المناظرة” بينهما .. وأقيمت هذه المناظرة في “كنيسة ” أي في محل عبادة بل والمدير للمناظرة كان قسيسا و أحد الأسئلة التي وجهها إلى أوباما وماكين كانت : ما هي خطط لمحاربة “الشر – evil” وهذه اللغة لا يستخدمها السياسيون ولا العلمانيون بل هي لغة المسيحيين , وأيضا حينما حدث الإعصار الذي ضرب أمريكا ونيويورك تحديدا ألمحت ميشيل بوكمان _أحد المرشحين للرئاسة من الحزب الجمهوري _ إلى أن الذي حدث كان عقابا وتحذيرا لولاية نيويورك لسماحها بزواج المثليين , و أيضا المفجر في النرويج كان مسيحيا متطرفا , فالأصولية _بمعناه العام وليس السلبي تحديدا_ تعود وبكثافة على الساحة السياسية سواء في الولايات المتحدة و أوربا أو في العالم العربي وهذا يعكس فقر الفكر الإلحادي الذي ساد في القرن العشرين .

 

– الأسئلة هي الطريق إلى الإيمان :

ابن تيمية أشار في المجلد العاشر من فتاواه إلى أن المؤمن الذي انتقل من ديانة الكفر إلى الإسلام قد يكون إيمانه أعمق ممن ولدوا وهم مسلمين , لأسباب كثيرة من بينها أن هذا الكافر الذي أسلم بعد كفره يكون قد ولج إلى روضة الإسلام باختياره وإراته بل ربما يكون قاسى العتاب والرفض ممن هم حوله , والأمر الثاني أنه عرف الشرور و الخواء الذي في دينه السابق لذلك انتقل عنه إلى دين خالي من هذا , و لأجل هذا نرى أن الإيمان في مرحلة مكة لم تظهر فيه ظاهرة النفاق لكن حينما انتقل الإسلام إلى المدينة واتخذ طابعه السياسي صاحبه ظهور شوك النفاق , و بعدما صار الإسلام ينتقل بالوراثة كما هي بقية الأشياء المادية استشرى النفاق أكثر و أكثر , الفكرة الأساسية التي يؤمن بها المسلمون أن الإسلام هو الدين الصحيح _ولا ينبغي الجدال في هذا_ والعلماء على مر العصور شمروا عن سواعدهم للإجابة على أسئلة المخالفين _سواء الأديان السماوية أو غيرها_  ولا يجب أن نخاف من الأسئلة بل الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف من طرح الأسئلة ويجب أن نتذكر أنه بينما العالم الغربي الذي يتوجه إلى “الدين” يبحث عن أية إجابة تؤكد هذا إيمانه وبينما نحن المتدينين نخشى من أية سؤال يخلخل إيماننا , فالغرب الآن يبحث عن أية شيء يؤكد حتى لو كان سيكولوجيا .. ونحن نخشى من أية شيء قد ينفي , فالإسلام هو الأصل في المسلمين فلذلك يبحث بعضهم عن أية “مثلبة” في فهمنا للدين , وأما الغرب فهو يبحث عن أية شيء يدل على إثبات “الاله” لأنه جرب الحياة بدونه .

 

– تعقيب على بعض الأفكار :

“خرجت إليهم طالبة مصرية تحمل معدل مرتفع في اختبار الـ IQ مما يصنفها من العباقرة ” الحقيقة يا صديقي جيرانمو التدين ليس مرتبطا بالدرجات العلمية أبدا , بل مرتبط بمنظومة فكرية وأخلاقية معينة فـ أنت ترى عالم كبير في الفيزياء النووية أو جراح قلب ومع ذلك يكون “هندوسي” يعبد البقر ! فدرجة العبقرية في الناحية العلمية لا تعكس بحال جودة الثقافة التي ينطلق منها الشخص , و لأجل هذا كان أغلب العباقرة والفلاسفة في العصور الكلاسيكية و عصور التنوير كان مؤمنين _غاليلو – إسحاق نيوتن – ديكارت ” وغيرهم , كانوا مؤمنين لأنهم كانوا نتاج  ثقافة إيمانية .

إن كانوا يعرفون و بعضنا لا يعرف ، فالواقع يقول : عدد الذين خرجوا من الإسلام و اتجهوا للإلحاد أو اللاأدرية في العام 2010 لوحده في الدول الإسلامية ضعف عدد الذين دخلوا إليه !
هذه الحقيقة ليست اعتباطية و بالإمكان التأكد منها سواء بالبحوث أو بارجاع الأمر إلى الإدراك

أشك حقا في مثل هذه النتيجة , الإحصائيات هنا هي المفصل في الأمر و أما إرجاع الأمر إلى “الإدراك النظري” فهو لا يعد ولا يعتبر به , فأنت تقول الكثير يتوجه إلى اللادرية بحكم احتكاك بنوع معين من الناس و أنا أقول العكس من ذلك تماما ثم إن “اللادرية” ليست مرادفة للإلحاد فكما قلت الذي يؤمن بقوى خارج الطبيعة هو مؤمن وليس ملحدا كما دعا  إليه ماركس أو نيتشه .

و الفكر الإلحادي ليس مرتبط عند المسلمين بالمناسبة , بل كان الدين الأكثر صمودا وتماسكا أمام المد الشيوعي والوجودي في القرن العشرين, ورغم أن الإسلام يتدخل في كل شؤون الفرد إلا أن الملتزمين به أكثر من المسيحية التي بصيغتها الجديدة تعطي الناس مساحة شاسعة لارتكاب ما يشاءون من الأفعال .   

Advertisements