– أرودغان ليس وصيا:

عندما أُعْلن قدوم أرودغان إلى مصر وأنه سيلقي خطابا لأهل مصر اشرأبت عقول المثقفين المصريين والعرب إلى هذا الرجل الذي اجترح المعجزات وقاد تركيا إلى نهضة كبيرة في المجال الصناعي و الاقتصادي و السياسي , كان أرودغان هو النموذج الذي يقدمه الإسلاميين بحجة أن أرودغان صعد بتركيا على سلم المنهج الإسلامي , وكان الليبراليين في الجانب الآخر يخشون من هذا النموذج الذي حقق إنجازات تاريخية و أعطى للنموذج الإسلامي شرعية وتألقا , كان الجميع ينصت لكن لم يتوقع أحد أن أرودغان الذي خرج من رحم الفكر الإسلامي بأنه سيشيد بالعلمانية و أنها لا تتعارض مع الإسلام و أنه ليس بعلماني لكنه رئيس دولة علمانية , غضبت التيارات الإسلامية من هذه الإشادة ومن الطريف أنهم استخدموا لغة الليبراليين حينما كانوا يهاجمونهم بأن تركيا دولة مختلفة لها ثقافتها و العلمانية فرضت عليها فرضا …الخ , وأما الليبراليين فكانت هدية لهم لم يتوقعوا أن يقدمها لهم أرودغان فقالوا إذا كانت الإسلامية التي ستقودنا علمانية مثل النموذج التركي فمرحبا بها , هذا التباين في المواقف و ذلك الاهتمام العميق بزيارة أرودغان _قبل زيارته من قبل الإسلاميين_ والإشادة بالخطاب و تحليله بشكل مستمر بعد رحيله _ من قبل الليبراليين_ يعكس الرغبة في البحث عن نموذج ماثل و حي كي يُسْتنسخ مباشرة و كي يستخدم في الخطاب مع أفراد الشعب لأغراض انتخابية بحته , لكن هذا لا يدل على فقر الفكر الإسلامي في المنطقة فالفكر الإسلامي له تاريخه العريق وهو أقدم من الفكرة الإسلامي التركي بل إن اسم “حزب العدالة والتنمية” التركي مقتبس من حزب “العدالة والتنمية” المغربي , فهنالك تاريخ فكري عريق للحركات الإسلامية لكن مشكلة الإسلاميين حاليا أنهم كسولون ويقدمون الإجابات الجاهزة ومع الزخم الجماهيري المحيط بهم ينسون أنهم سيخوضون تحديا حقيقيا إذا ما مسكوا بالسلطة و لم تتحرك عجلة التنمية وحينها سيرون أتباعهم ينفضون عنهم . و أما الليبراليين على اختلاف تياراتهم فهم يجيدون التصوير الدائم بأن مشكلتهم الوحيدة هي الجماعات الإسلامية و جهادهم الأكبر يكون ضد هؤلاء وتبيين زيف خطاباتهم وأنهم غارقون في التاريخ وإذا سقطوا سنقود البلاد إلى الانجازات التاريخية .

– الإسلامية ليست الحل أبدا , و لا العلمانية أيضا :

المشكلة في الخطاب الشعبوي الذي هو الموجود الآن بكثافة في البلدان التي ثارت أو لازلت تثور , ووجود أمثال هذه الخطابات التعبوية أمر شرعي بحكم أن الجميع يريد كسب أكبر أقدر ممكن من الشعب , وبشكل عام للشعارات زخم لا يضاهيها زخم خطاب آخر ولكن المشكلة أنها لا تعكس الإرادة الحقيقية لمن يرددها وأيضا تدخل بقية الأطراف في نفق الغموض , شعار “الإسلام هو الحل” هو من أبرز الشعارات التي رفعت ولازلت ترفع منذ عدة عقود و القوة التي اكتسبها هذا الشعار أن المخالفين إذا قالوا الإسلام ليس الحل فسيقعون في إشكاليات كبيرة و سيرشقون بتهم عديدة , لكن هذه القوة هي قوة وهمية يستغلها البعض لأنها قوة لإرباك الأطراف الأخرى ليست قوة مستمدة من أصل الشعار , فالشعار غامض جدا فطالبان ارتكنوا إليه و إيران روجوا له و باكستان سقطوا به و تركيا نجحت من خلاله , فكل دولة من هذه الدول تدعي أنها تنطلق من منطلقات إسلامية و من تصورات ومبادئ في الشريعة الإسلامية لكنها مختلفة تمام الاختلاف فيما بينها بل بعضها يقاتل البعض الآخر , فيجب على من يرفع هذا الشعار ألا ينسى تلك النماذج التي رفعته ولم تتقدم به بل كان في الحقيقة أحد عوامل التخلف لها , الشيء الآخر الذي يجب التنبه له أن هذه المرحلة ليست مرحلة الغموض ولا التقية يجب أن يكون الجميع واضحين في طلباتهم وطموحاتهم و مبادئهم أكثر من أي وقتٍ مضى فالمشكلة التي واجهتها الثورة الإيرانية و جعلت الخميني و القوى الإسلامية هي المستأثرة بطول البلاد وعرضها كان الغموض , فالثورة في الحقيقة التي بدأها كانت القوى الثقافية التي ربما كانت متدينة لكنها لم تكن تطمح لدولة دينية تعمل بولاية الفقيه , وفي هذه المرحلة في جميع الدول يجب أن يكون كل شيء واضحا لا أحد يطلب برنامج تفصيلي في كيفية تطوير الاقتصاد والبلديات ونحوه , لكن يجب أن تكون هنالك خطوط عريضة متفق عليها الجميع حتى يعلم الناس إلى أين هم ذاهبون , و حتى القوى الغير إسلامية هي الأخرى يجب أن توضح المقصود بالعلمانية التي تريدها ففي الحقيقة علمانية تركيا التي أشاد بها أرودغان متطرفة بل أدخلته السجن بسبب قصيدة ألقاها ! و حرمته من ترأس الحكومة لعدة أشهر بعد فوز حزبه عام 2002 , يجب على كل الأطراف حاليا أن تكون واضحة و مبادئها واضحة هذا ليس زمن “التقية” بل أكبر خطر سيهدد الثورات العربية هي “التقية” .

-من حسن الحظ :

ربما من حسن الحظ أن الدول التي نجحت فيها الثورة _تونس و مصر _ أن ليس هنالك جماعة واحدة استأثرت بالسلطة ولازالت المؤسسة العسكرية التي كانت جزء من النظام السابق متماسكة وقوية وفي مصر هي التي تدير البلاد حاليا وأما في تونس فتظهر كحامي للثورة , وهذا سيجعل انفراد أحد الأحزاب بالسيطرة الكاملة وعمل تصفيات للمعارضين كما حدث في الثورات المختلفة على مر العصور , و أيضا أنه لازال هنالك نخبة مثقفة لا تريد مسح كل مورثات النظام القديم بل ترى أن هنالك منافع يجب استثمارها و مواصلة العمل عليها ولا تريد التخلي عنها , فلأجل هذا ستكون كل الأحزاب مضطرة إلى الحوار فيما بينها و عليها أن تعترف أن الشعب ليس كله من مناصريها و أنه يتكون من أطياف مختلفة .

-لا أحد يمتلك الحل :

البعض يعتقد أنه يملك المفتاح لكل أبواب الدنيا و يستطيع حل أعقد المعضلات ريثما يشرب فنجان قهوة ! يجب على كل الأحزاب حاليا أن تتواضع و ألا تنساق خلف الايدولوجيات الفارغة وأن تعلم أنها كانت معزولة عن السلطة لمدة عقود وأنها كانت في موقف المعارضة غالبا فهي تتقن نقد الواقع لكن صناعة المخارج أصعب بكثير , والناس أتعبتهم الشعارات التي يجيد أية شخص صناعتها و إنما يريدون واقعا يمثل طموحاتهم في النماء والنهضة والتوزيع العادل للثروة .

Advertisements