رغم النجاح الهائل الذي حققه فيلم مونوبولي إلا أن أغلب النقاشات كانت تدور حول “فرض الرسوم على الأراضي البيضاء” و تم اهمال الجانب الفني في الفيلم , رغم أنني أراه شيء جديرا بالوقوف عنده فلولا الإبداع الفني الذي قدمه طاقم العمل لما أحدث هذه الضجة ..

-نوع الفيلم :

“بدر الحمود” يقدم نوع جديد من الأفلام ليس بالضرورة ينجح دائما , النوع يندرج تحت “الكوميدي – الوثائقي” وهذا التصنيف على حد متابعتي البسيطة للسينما لم أشاهد مثله سابقا , نحن هنا لا نتكلم عن فيلم روائي صُور بطريقةٍ وثائقية , مثل الذي نشاهده في مسلسل “ذا أوفيس” أو “مودرن فاميلي” وغيرها  فهذه مسلسلات كوميدية وصُورت بطريقة وثائقية لكن ربما الذي يفعله بدر الحمود هو العكس تماما فـ فيلمه الأخير “مونوبايلي” و أفلامه السابقة “التطوع الأخير” و “الاتصال الأخير” تميل إلى الجانب الوثائقي وتُصور بطريقة روائية , و هذا الميل إلى الجانب الوثائقي تأكد بشدة في حضور الأستاذ عصام الزامل بشخصيته الحقيقية و طرح نظرته الاقتصادية فهنا قطع بدر الحمود أية رأي بأنه يقدم فيلما روائيا , هذه الاستعانة بالجانب الوثائقي والإتكاء عليها في تقديم العمل أعتقد أنه شيء ذكي , وخلص “بدر الحمود” من أثقال فنية كثيرة قد تُلزمه بها الأفلام الروائية _حتى القصيرة منها_ واستخدام الأسلوب الوثائقي خلق له مساحة شاسعة لتقديم الفكرة والاستعانة بالإحصاءات , والمباشرة الشديدة في تقديم الفكرة فكل هذه الأشياء تعتبر عيوب في الأفلام الروائية ولكنها لا تعتبر كذلك عندما يكون الفيلم وثائقيا , لكن يجب ألا ينجر المخرجون الشباب مع هذا النوع من الأفلام ويغترون بالنجاح الرائع الذي حققه فيلم “مونوبولي” فلولا المساحة الشاسعة التي فتحتها أراضي السيناريو لاستقبال تنوع الأفكار , و براعة بدر الحمود في الدمج بين الكوميديا السوداوية و بين الجانب الوثائقي في الفيلم لما نجح الفيلم هذا النجاح الرائع .

 

– قصص مختلفة :

اعتمد السيناريو على ثلاثة قصص لإقامة بنائه و جسرا لإيصال فكرته , ولم تكن هذه القصص متساوية في القوة و الصلابة , لكن كل القصص كان يجمعها نسب “الخيبة” و المواطنة في وطنٍ منهوب , القصة الأولى كانت لمحمد القحطاني وهو الشاب الذي قرر أن يسكن “الفان” لأنه يستحيل أن يجد أرضا يبني عليها و “الفان” يخلصه من سياط الإيجار و تسلط التجار كان حديثه معجونا بالأمل الكاذب و التفاؤل المُحبَط كانت كان كلامه مغرقا في السوداوية رغم أنف النبرة التي تحاول خنق الألم , ورغم أن هذا الشاب كان معدما لكنه كان العكس تماما عن الذين يحترفون نهب الأحلام , رغم أنه لم يكن تاجرا كبير ويملك شركات إلا أنه يحاول “سعودة” الذين يعملون معه , رغم أنه لم يكن يملك الأراضي الشاسعة إلا أنه يبيع أرضه عندما يملكها ولا يمسكها مثل بقية التجار , و هو قبل كل شيء يحب أن يزرع الضحكة على أوجه الأطفال ..كانت مفارقة أن يكون محمد القحطاني المواطن المعدم أكثر وطنية _بالوسائل المتاحة له_ من كثير من التجار و الوزراء الذين صاروا يحترفون  زرع الخيبة في قلوب المواطنين , القصة الثانية كانت قصة “عبدالمجيد الكناني” مدرب كرة القدم الذي هاجر إلى البرازيل هربا من غلاء الإيجار , الحقيقة هذه القصة رغم أنني أظن أنها الأكثر تكلفة و الأكثر إرهاقا على “المخرج” إلا أن رأيي أنها كانت قصة مقحمة لا تخدم الفيلم بقدر ما أثقلت عليه , ومع هذا كانت هنالك مفارقات جميلة في القصة مثل أن يكون المدرب السعودي يذهب ليصدر خبرته إلى البرازيل , أو أنه هناك يملك منزلا و في وطنه لا يستطيع حتى أن يملك أرضا , و أنه لم يقبل أن يدرب المنتخب لأنه ليس في بداية اسمه “كارلوس” أو غيره , القصة الثالثة كانت الأكثر جمالا و عمقا و هي في الحقيقة ليست قصة واحد بل مجموعة قصص لأشخاص يسكنون في “غرفة” اتبعوا نصائح الأباء و الإعلام و المعلمين و عاشوا حياة كان من المفترض أن تهيئ لهم حياة سعيدة وكريمة , درسوا أفضل التخصصات لكنهم تفاجئوا أن من يدير الحياة في وطنهم لا يعترف بالشهادات , فيصل الغامدي ذلك الطبيب لا يستطيع حتى أن يدفع إيجار الشقة وإذا لم يستطيع أن يدفع إيجار الشقة فلن يستطيع الزواج , وصديقه محمد الموسى حاله أكثر سوءا فهو مهندس ولكن يعمل في قطاع خاص بـ”عقد” وفي أية لحظة من الممكن أن يعود إلى سلك العطالة , والمفارقة أن نواف الغامدي اضطر أن يزور جنسية لبنانية حتى يجد عملا لائقا ما هذا الوطن الذي يجب أن تحمل جنسية أخرى حتى تجد عملا , و أما “خالد الرحيم” فلأنه رجل “شريف جدا ” لم ينل حياةً شريفة أبدا , وهذه الكوميديا السوداء الذي يبحث عنها الفيلم وهي أن تكون مضحكة لكنها مضحكة بحسرة وليس شرطا أن تكون دقيقة _بل الأفضل ألا تكون كذلك_ فقد لا يكون صحيحا أن من مثل نواف يضطر لتزوير جنسية أخرى كي يجد عملا وقد يكون بإمكان من هو مثل خالد أن يجد سيارة وقد يكون بإمكان من هو بمثل فيصل أن يأخذ قرضا ولكن المقصود أنه يقدم حقيقة خلف هذه المبالغة _المطلوبة في العمل الفني _ أن هؤلاء الشباب لا يستطيعون امتلاك مسكن خاص وإذا لم يتملكوه فيصعب عليهم الزواج وهذا سيؤدي إلى كوارث أخلاقية واجتماعية .

 

رمزية الحلم :

ربما أكثر مشهدٍ مثيرٍ في الفيلم هو حلم فيصل الغامدي حينما يكون في ساحة شاسعة من الصحراء (المفترض أن تشير إلى الأرض ) ويقف أمامه ثلاثة أشخاص واضح أنهم من أصحاب الجاه والمال  بسبب “البشت” الذي يرتدونه , المشهد كان أكثر مشهد حاضر في عقول المشاهدين ليس لأن هذا المشهد كان “التريلر” فقط بل لأن هذا المشهد لخص الفيلم كله ولخص نصف معاناة المواطنين , فـ “البشت” لم يعد رمزا للوجاهة و الشرف كما كان بل أصبح الآن رمزا للفساد ( الديني – التجاري ) , الوقوف خلف “الشبك” واحتضانه وكأنه أصبح جزءا لا يتجزأ من ثقافة التجار , وقوف فيصل وحيدا و نظرة الجشع تسكن أعين أولئك الثلاثة ويريد الهرب فيصل لكن هؤلاء يطاردونه ويأكلونه … وهذا ليس كابوسا كما ظن  فيصل بل هو واقع .

 

أمور أخرى :

الفيلم كان بليغا من الناحية التصوير و كان الجمل الجمالية التي يلتقطها بدر الحمود فصيحة جدا , كثير من المشاهد تستحق أن تُفرد كصور فوتوغرافية مثل صور “كسر البيض – وقوف محمد وخلفه السفينة المدمرة – منظر البحر في البرازيل ” وغيرها , وواضح تماما حرص بدر الحمود على إبراز هذا الجانب في تصويره وليس هذا فردا للعضلات لكن الأفلام القصيرة في العادة تحتاج إلى مثل هذه الصور كثيرا , والجانب الآخر الذي يستحق الإشادة به هو مدى البساطة التي حرص الممثلون الخروج بها , لم نشاهد ملابسا من “ماركات” كعادة المسلسلات الخليجية بل رأينا “شبابا” يشبهوننا كثيرا وكنا نشاهد أنفسنا فيهم , و أما الأمر العبقري في الفيلم ولا يمكن لأية مشاهد أن يتجاوزه بسهولة هو اسم “الفيلم” مونوبولي , الجانب الرمزي واضح في هذا من خلال اختيار الاسم , فالوطن صار مجرد لعبة مونوبولي يتقاسموه التجار الكبار كما يتقاسم اللاعبون الفنادق في لعبة المونوبولي , و التجار الكبار هم المسموح لهم فقط باللعب في “مونوبولي الوطن” وبرمية نرد يشترون آلالف الكيلومترات من الأراضي , وكلنا يعلم أن الـ “مونوبولي” ليست عادلة ! 

Advertisements