-مقدمة

قبل الولوج في غابات “الكوميديا” الواسعة هنالك قضية أحب أن أشير إليها , في هذا العصر الذي سهل لنا بالإطلالة على الضفة الأخرى من العالم عن طريق تلسكوب “التورنت” و “اليوتوب” ونحوها , هذا العصر الجديد جعل المشاهد يقارن بالضرورة بين ما يشاهده من تألق غربي على الشاشة الكبيرة والشاشة الصغيرة و الانحطاط الفني الذي يقدمه العرب سواء على الشاشة الكبيرة أو الشاشة الصغيرة , الجميع مجمع تقريبا إلى أن هنالك خلل في بنية الفن التلفزيوني العربي والسعودي تحديدا لكن معرفة أن هنالك خلل ما لا تعني أنك تعرف مكمن الخلل و طريق الخروج منه , وهنا تأتي مهمة النقد وصعوبتها وهي محاولة وضع النقد يده على الجمال الذي يقدمه الفن لنا , فالفن هدفه كما أعتقد إنما هي بث نشاطٌ في اللاوعي وتحفيز المشاعر لدى المتلقي _مشاعر حب أو ألم أو تعاطف أو كره ..الخ _ هذه هي مهمة الفن ونتيجته , ومهمة النقد أن تعرف لماذا وكيف .. لماذا هذه القطعة الفنية كان لها هذا الأثر و هذه القطعة الفنية الأخرى فشلت في خلق ذلك الأثر , فالنقد هو محاولة الانتقال بالنشاط الذي يُحدثه الفن في “اللاوعي” إلى “الوعي” هذا هو ما يميز الناقد ويعيبه في آن واحد , فهو يميزه عن غيره من الذين يتعاطون الفن , و يعيبه لأنه يحاول أن يقتحم المنطقة المقدسة للفن و”يعقلن” الفن ويخضعه لشروط وقواعد ومناهج وبالتالي يقلل من قيمة الفن الحقيقية .

– الايدولوجيا والفن :
يقول هيجل : ((ليس مطلوبا من الفن أن يقدم لنا بعض النصائح الأخلاقية , فإننا عندئذ نقيم تصدعا بين مضمون العمل الفني وشكله , لأننا نحاول أن نقحم هدفا من خارج الفن ليصبح هدفا للفن ولابد أن يكون هدف الفن نابع من الفن ذاته ...)) إن الايدولوجيا في التلفزيون أصبحت لا تطاق أبدا , لم نعد نشاهد عملا فنيا بمقومات جمالية تستفز قلوبنا و تثير الدهشة في عقولنا بل أصبحنا نشاهد وعظا أخلاقيا حتى وإن كان ليبراليا _ فلغة الوعظ ليس مقترنة فقط لدى الإسلاميين_ أصبح الذي نشاهده مساجلة فكرية بشعة , وغزو الايدولوجيا بقضها وقضيضها مدن الفن والاستيلاء عليها , والمشكلة التي يواجهها الفن حاليا أنه صار هنالك قفز لكل أدبيات العمل الفني فلا يعدوا أن يكون ما نشاهده وعظا , ويتحول المشاهد إلى طالب في السادس وأمامه العمل الفني ليخبره بأن هذا الشيء جيد وأن هذا الشيء ليس جيدا , الايدولوجيا بحد ذاتها ليست مشكلة والعمل الفني يتسع لأعقد الأفكار و أعمقها لكن عندما تكون الايدولوجيا هي الغاية و يتم تهميش الأدوات الفنية للعمل هنا تكمن الكارثة , وفي السعودية وتحديدا من خلال مسلسل “طاش ما طاش ” أصبح هذا الشيء حاضرا كما لم يحضر من قبل , والذي يتابع النقاشات التي تحصل بعد الحلقة سيعلم أنها نقاشات بين تيارين في الدرجة الأولى وستكون الجمل التي يفتتح بها النقاش : “صادقين , معهم حق , حلقة جريئة , فعلا القضاء لدينا يعاني ” و الطرف الآخر سيقول : “طاش يبالغون , هذه تصفية حسابات , لابد أن يقحموا _المطاوعة_ في الحلقة ” ونحوها من العبارات التي تدل على أن النقاش الذي يدور إنما هو نقاش فكري بحت , وأما عندما خرج ناصر القصبي وعبدالله السدحان وسعد الدوسري لم يفاجئني “السدحان” بعنجهيته وضيق أفقه بل كانت المفاجأة الكبرى هي وجود “سعد الدوسري” في اللقاء ..
فبأية صفة كان حاضرا ؟! فهو كاتب مقالات اجتماعية رائع جدا , لكن وجوده في الحلقة كانت بأية صفة ؟ داود الشريان كان مقدم البرنامج وعبدالله السدحان وناصر القصبي فنانان .. إذا لماذا لم نرى ناقدا فنيا يطرح المعضلات الفنية التي يقع فيها طاش أو ربما الفتوحات الفنية التي يحققها طاش لا فرق بينهما , لكن المهم أن نشاهد شخصا يأتي بصفته الفنية , ليقدم نقدا فنيا …
وتم بكل بساطة قتل العمل الفني و التعاطي معه على شكل ايدولوجي سواء على مستوى النقاشات “النتية” أو الصحفية أو الإعلامية .. ويفعل ذلك أناس يسمون أنفسهم فنانين , ولم أتفاجأ حينما قرر “عبدالله السدحان” أن يتوشح رداء المصلح الاجتماعي وهو يقول أنا كاتب مقالات لكنها تعرض على الشاشة ! ..وكان يفتخر _حرفيا_ أن عمله الفني يتحول إلى مجرد مقال ؟!
وجود الايدولوجيا المكثف في العمل الفني يتم في العادة لثلاثة أسباب.. الأول : أن المجتمع يمر بمشكلة كبيرة مع تعطل المنافذ الاعتيادية التي تمر من خلالها الأفكار والقرارات والنقاشات وبالتالي تضطر الثقافة إلى خلق متنفس جديد لها لتعبر الايدولوجيا من خلالها عن ذاتها , الأمر الثاني : هو ضعف العمل الفني فيضطر الكاتب ( المخرج – الممثل – المنتج ..) أن يغطي على سوء عمله بالاستعانة بالايدولوجيا وبالتالي يتم نقل الضغط من العمل الفني إلى الفكرة المقدمة من خلال العمل , والأمر الثالث : هو رسوخ فكرة الوصاية التي اعتدنا أن نراها بارزة لدى الوعاظ و الأصوليين بشكل عام لكن عدوى الوصاية تنتقل إلى الفنان الذي كان دوره التاريخي أنه أول من يحارب الوصاية ويكسر التقليدية , و هي مشكلة ثقافية كبيرة عندما يتغلغل فكر الوصاية في المجتمع حتى يصل إلى الفنان نفسه .
وبعد هذه المقدمة الطويلة عن غرابة الايدولوجيا عن الفن .. سيأتي سؤال : هل يمكن أن تتواجد الايدولوجيا في الفن ؟!
بالتأكيد يمكن وفيلم عظيم مثل “الختم السابع” لبيرجمان كان متخما بايدولوجيا الإلحاد ولكن وهذا هو المهم تم تقديمها بأسلوب فني عظيم جعل الفيلم من أفضل الأفلام عبر التاريخ , ونحن إذ نقول ما نقول لا نحصر الفن في نوع محدد لكنني أتوقع من العمل الفني الخالي من الايدولوجيا “فنية” أكثر من العمل الذي يقيد نفسه بالايدولوجيا و أتوقع الزلل من النوع الثاني أكثر من النوع الأول … 
وبما أن حديثنا عن الكوميديا , سنقول أنه من شبه المستحيل تقديم فكرة كبيرة وعميقة خلال الكوميديا على العكس ستُشوه الكوميديا الفكرة المراد تقديمها وتثير سخطا لأن جانب السخرية فيها حاضر على عكس الأنواع الفنية الأخرى وعندما تتحدث عن حلقة لا تتجاوز مدتها 30 دقيقة كما هو في مسلسل “طاش ما طاش “ستتفهم مدى التشوه الذي يحيق بالأفكار التي يقدمها طاش و أسباب سوء الفهم و حاجتهم في بعض الفترات إلى التصريح بمقصدهم مثلما فعلوا عندما عرضوا حلقة “تعدد الأزواج” وفي نهاية الحلقة اضطروا إلى إعطائنا محاضرة عن العمل الفني و الرمزية فيه و المقصود من حلقاتهم السابقة المشابهة لهذه الحلقة .
وكانوا فعليا يقدمون مقالة تعرض على الشاشة …

الكوميديا التقليدية

ليس هذا مكان للتحدث عن الكوميديا في أصلها ومفهومها و هل هي ذاتها “الملهاة” التي كان يعرضها اليونانيون في مسارحهم؟!..وهل هي فعلا سخرية من المجتمع أم لا ؟! إنما الحديث سيكون عن الكوميديا المعروفة التي رسخت ذاتها كنوع فني في القرن العشرين بشكلٍ عام , علينا أن نعرف أولا أن الكوميديا هي أسهل الأنواع الفنية وفي ذات الوقت أصعبها ..فهي أسهل من ناحية قبولها لدى الجماهير وسرعة انتشارها ولا نحتاج أن نذكر أن الأفلام والمسلسلات الكوميدية هي الأكثر شهرة وذيوعا وهي التي يعاد عرضها لأكثر من مرة , وهي الأصعب من ناحية الإرهاق الفني الذي تحتاجه لتكون فنا محترما يستحق الاحتفاء , والمشكلة التي نواجهها حاليا أن الفنان والمنتج يريد تحقيق الربح و أن ينتشر العمل الفني بين الناس و في نفس الوقت ليس لديه الاستعداد أو ربما القدرة لتقديم عمل فني يستحق الاحترام , وبالتالي تم تشويه الكوميديا وصارت نوعا فنيا مبتذلا في أغلب نتاجه . 
في بدايات انطلاق الفن التلفزيوني في العالم العربي وبداية تأسيس الكوميديا المسرحية الهزلية التي تعتمد على كوميديا الشخصية عبر”مدرسة المشاغبين” حينها اعتمدت الكوميديا تعتمد على موهبة الفنان والارتجال بالدرجة الأولى لأنه
أولا : لم يكن هنالك “سينارسيت” حقيقيين لديهم الاستعداد لكتابة السيناريو والحوار الكوميدي ولن نتفاجأ إذا ما علمنا أن مسلسل “درب الزلق – سليمان الطيب – طاش ما طاش _في بداياته_ ” هو من كتابة أبطاله ولا نحتاج إلى عقلية فذة لنعلم أن نصف الحوارات في المسرحيات إنما هي مرتجلة من الممثلين أنفسهم إما أمام الجمهور مباشرةً أو في “البروفات” لذلك أصبحنا نرى الممثل هو الكاتب في آن واحد , 
وثانيا : ارتكاز الأعمال الكوميديا بالدرجة الأولى على كوميديا الشخصية وهذا فتح الباب على مصراعيه للارتجال , 
ثالثا : دخول الفنانين المسرحيين بثقافتهم المثقلة بالارتجال إلى عالم التلفزيون وأصبح نشاهد في التلفزيون أداء تمثيلي غريب ..ومهجن لا تستطيع أن تقول هو تمثيل مسرحي تماما ولا تمثيل تلفزيوني مطلقا و لازلت أتذكر مشهد لطارق العلي في مسلسل الفلتة حينما يتحدث عن حرب 56 ويخطب : حنا عرب .. حنا أخوان .. مصر ذولا أخوانا .. وبيجي يوم ونحرر فلسطين …الخ وكأنه كان ينظر إلى جمهور أمامه ليصفقوا له ويحيونه على موعظته التاريخية _ورغم أن هذا النوع من التمثيل بشع في المسرح إلا أنه أكثر بشاعة على التلفزيون _ , 
رابعا : بما أن الكوميديا والفن كان في بداياته والبدايات تعني التجريبية فكان لا مفر من الارتجال والاعتماد على الممثل بأن يتحول إلى كاتب لنصوصه وحواراته . 
إذا من الإنصاف أن نقول إن الكوميديا قامت في بداياتها على مفهوم الارتجال ولاشك أنها نجحت في ذلك فمسلسلات مثل درب الزلق و سليمان الطيب و على الدنيا السلام و مسرحيات مثل مدرسة المشاغبين و المتزوجون , فهذه الأعمال ظلت تحارب الشيخوخة وظلت خالدة في الذاكرة الفنية والجمهور , لكنها اعتمدت على فنانين يملكون الموهبة للارتجال, والمشكلة التي حصلت أن النجاح الكوميدي الرائع في السبعينيات و الثمانينات لم يواكبه تطور على صعيد كتابة النصوص فظلت النصوص شحيحة وغير قادرة على صناعة مدرسة كوميدية عربية وخليجية _تحديدا_ قادرة على الاستمرار , و المشكلة الأخرى أنه حتى في أسلوب الارتجال لم تظهر موهبة جديدة كوميدية _لأسباب كثيرة _ قادرة على التنافس مع الجيل القديموحتى الجيل القديم نفسه لم يعد قادرا على الاستمرار في الارتكان إلى تقديم أعماله بالارتجال , إذا كانت النتيجة الحتمية هي سقوط الكوميديا في مستنقع التهريج و قتلها بالأسلوب الذي أنجحها في البداية _أقصد كوميديا الشخصية _ . 

-عقدة الثلاثين حلقة :
لا أعلم من بدأ سنة “الثلاثين” حلقة و أشاع أن المسلسلات يجب أن تعرض في رمضان وإلا فعليها السلام , لا أعلم من هو ولا أية مسلسل بدأها لكن ذالك الشخص كان يحفر قبر الكوميديا التقليدية , المشكلة التي أوقعتنا فيها الثلاثين حلقة أن كم الإبداع الذي سيتوفر لكاتب على مدى ثلاثين حلقة أمر شبه مستحيل وبذلك يلجأ المنتج إلى طلب حلقات لـ مجرد “ملأ الفراغ” لإكمال جملة الثلاثين حلقة , وكلنا نعلم أن العمل على المسلسلات العربية يكون تقريبا لمدة ستة أشهر _أو أقل_ وقبل العمل يجب أن يكون السنياريو والحوار موجودة _كشكل مبدئي_ على الأقل لدى المخرج و المنتج , فإذا من حقنا أن نسأل كم هي المدة الحقيقية التي يكتب فيها كتاب المسلسلات الكوميدية ؟! أو هي كما يقول أحد الأصدقاء: يبدو أن المسلسلات الكوميدية السعودية تُكتب بين المغرب والعشاء ؟! هذا الضغط القاسي على كاتب المسلسل و الطلب منه أن يكتب ثلاثين حلقة في مدة قصيرة أمر شبه مستحيل , وكانت النتيجة الحتمية هي وقوع كل المسلسلات في فخ التكرار و التمطيط وليس مصادفة أن تكون المسلسلات الكوميديا الكلاسيكية الشهيرة لا تتكون من ثلاثين حلقة , فدرب الزلق يتكون من 13 حلقة , وخالتي قماشة من 13 حلقة , وعلى الدنيا السلام من 16 حلقة و الكل يذكر أن طاش ما طاش في بداياته كان من 20 حلقة , وقاعدة فنية تقول أنه كلما قل المنتج الفني قلت احتمالية الأخطاء الواردة فيه و ارتفعت إمكانية الإبداع , زيادة الحلقات إلى 30 حلقة كان لأسباب إنتاجية بحته و أنهكت العمل الفني و جعلته يسير مترنحا على جسر كوميديا الشخصية و كان الجسر واهيا جدا و كان السقوط حتمي …

Advertisements