اسم الكتاب : عصر الثورة : أوربا (1789-1848)
اسم المؤلف : إيريك هابزباوم .
اسم المترجم :فايز الصباغ .
عدد الصفحات :560
سعر الكتاب :75

إن ثلاثية إيريك هوبزباوم “عصر الثورة 1789-1848, عصر رأس المال 1848–1875 عصر الإمبرطورية 1875-1914” والتي أضاف إليها لاحقا كتاب “عصر التطرف 1914-1991” هي من أهم الكتب التي تؤرخ لتلك الفترات ولكن ليس التاريخ الذي تعودنا أن نقرأه المليء من ناحية الأحداث الشحيح من ناحية التحليل , يسير إيريك هوبزباوم في درب التاريخ الصعب والوعر فيتمعن في الظواهر التاريخية الكبرى التي حولت المجتمعات من حال إلى حال ويحلل أسبابها ونتائجها ويربط بعضها ببعض على نحو متكامل في المجالات السياسية و الاجتماعية والاقتصادية و الفكرية والثقافية فهو لا يكتب التاريخ فقط بل يرسم لوحة كاملة عن الحقبة التي يتناولها كتابه , فهذه السلسلة موسوعية إذا أردت أن تعرف الحياة الاقتصادية في ذلك العصر فاقرأ أحد هذه الكتب , وإذا أردت أن تعرف الحياة السياسية في ذلك العصر فأقرا أحد هذه الكتب , بل و إذا أردت أيضا أن تعرف الحياة الأدبية في ذلك العصر فأقرأ أحد كتب هوبزباوم , ويتطلب هذا النوع من التحليلات ليس فقط إلى معرفة هائلة وموسوعية عن الحقبة التي يتناولها المؤرخ بل إلى فهم وقدرة دقيقة في التحليل وربط الأشياء ببعضها البعض , وهو يقول (( إن مهمة المؤرخ هي اكتشاف الأنماط والآليات التي حولت العالم من حال إلى حال ..)) وليس ذلك فقط بفهم الماضي بل كما يقول ((تتجاوز ذلك إلى تفسيره , ومن ثم إيجاد رابطة تشده إلى الحاضر )) إذا ليس مستغربا أن يكتب هوبزباوم فقط 4 أصفحات يصف بها الحروب النابلوينية الشهيرة من بين 500 صفحة _تقريبا_ و أغلبها مغرقة في التحليل . إن هذا الكتاب مكتوب كما يقول إيريك هوبزباوم نفسه ((القارئ المثالي في تصويري هو المواطن الذكي المتعلم الذي لا يسعى إلى إشباع فضوله لمعرفة الماضي فحسب , بل الذي يريد أن يفهم كيف ولماذا أصبح العالم على ما هو عليه الآن .. وإلام سيؤول ))

حتى نفهم أهمية ذلك العصر ما بين 1789 – 1848 وقد تكون المصطلحات التي نحتت في عصر ما أهم بكثير من أعلى الوثائق و أهم كلام المؤرخين , تأملوا معي هذه المصطلحات التي اتخذتها مكانتها و فهم بالشكل الذي هي عليه في ذلك العصر (طبعا من نافل القول أن التاريخ هنا تقريبي وليس المقصود به أنه 1788 لم يكن يشهد شيء من ذلك ) من هذه المصطلحات كلمات مثل :”الصناعة ” , “الصناعي” , “المصنع” , “الطبقة العاملة ” , “الرأسمالية ” , “الاشتراكية” , “الليبرالي ” , “المحافظ” و “الجنسية” , “الصحافة ” , “الايدولوجيا ” وهي كلها مصطلحات إما نحتت في تلك الفترة أو عدلت خلالها , هل بإمكاننا أن نتخيل العالم بدون هذه المصطلحات ؟! هل بإمكاننا أن نتخيل تصنيف الدول بدون ذكر الميزة الصناعية “دولة صناعية ” هل بإمكاننا أن نتخيل الاقتصاد بدون مصطلح الرأسمالية و ضدها الإشتراكية _والاشتراكية درجات وإن كانت سقطت الدرجة الأكثر تطرفا لازالت البقية لها أتباعها _ هل بإمكانك أن تتخيل العالم بدون صحافة و ايدولوجيا ؟! كما يقول هوبزباوم إن الثورة المزدوجة _الثورة الصناعية في إنجلترا و الثورة السياسية في فرنسا _ مثلت التحول الأعظم في تاريخ البشرية منذ الثورة الزراعية التي حدثت كما يقول بعض المؤرخين قبل عشرة آلاف سنة , إن الثورة المزدوجة قد نقلت العالم كله من حال إلى حال , إن ثورة 1789 – 1848 . لم تكن نصرا للصناعة بحد ذاته , بل نصر للصناعة وفق قواعد الرأسمالية ولا للحرية والمساواة عموما بل للطبقة الوسطى و للمجتمع البرجوازي الليبرالي , ولا للاقتصاد الحديث أو الدولة الحديثة بل للاقتصادات والدول في منطقة جغرافية معينة من العالم وتحديدا أوربا و قسم من أمريكا , ومن المفارقات أو ربما من الحتميات التي لم يكن لتجاوزها سبيل , أن الثورة المزدوجة كان مركزها دولتين النزاع بينهما يكاد أن يوصف بالأزلي و التنافس بينهما شرس , الدولتان هما فرنسا و إنجلترا وكانا تجسيدا للنهضة التوأم وانطلقت من هذين البلدين وانتشرت في مختلف المعمورة .


ما المقصود بالثورة الصناعية ؟!
تعني بكل بساطة أنه في وقت ما في ثمانينات القرن الثامن عشر سقطت للمرة الأولى في التاريخ الإنساني الأغلال التي كانت تكبل القوة الانتاجية للمجتمات البشرية , التي أصبحت قادرة منذئذٍ على مضاعفة الإنتاج والبضائع والخدمات على نحو مستمر سريع , وهذا ما يسميه علماء الاقتصاد “الانطلاق في نمو مستدام ذاتيا ” إذ لم يستطع أي مجتمع سابق على مر التاريخ أن يخترق السقف الذي فرضته على الإنتاج بنية اجتماعية _ما قبل صناعية _ وأيضا فرضه على الإنتاج علوم وتقنية قاصرة , وتحديدها بكلمة ثورة مهمة إذ أنها امتلكت كل شروط الثورة الصناعية , فالثورة الصناعية تعني “إنتاج كل ما تريد في حدود الوسائل المتاحة” , وأيضا من شروطها وجود سوق ناضجة تتقبل هذه العملية الصعبة و مؤسسات سياسية تحتويها وترعاها , ومجتمع مهيأ ثقافيا وفكريا لأن يكون متلقيا للثورة الصناعية و أيضا منتجا لها , فالثورة الصناعية ليست مرتبطة أبدا بالتقدم العلمي والمعرفي فقط و إلا ففرنسا و ألمانيا كانت التفوق العلمي والمعرفي أكبر منه في بريطانيا , ومن الأشياء التي تثير الاهتمام أن علم الاقتصاد ربما كان العلم الوحيد الذي تفوقت في بريطانيا على أقرانها , وبعد الثورة الصناعية صار علما انغلوسكسونيا بامتياز , لكن الذي جعل بريطانيا تتصدر الثورة الصناعية و تمسك بزمام المبادرة ليس التقدم التقني لوحده بل أيضا تواجد الظروف المناسبة و المناخ الملائم لإدارة مفتاح تشغيل الآلات وبالتالي إدارة العالم , فقبل قرن من الزمان قامت بريطانيا بمحاكمة ملكها وإعدامه وتم الإقرار أن تحقيق الربح والنفع الخاص والتنمية الاقتصادية هو الهدف الأسمى لسياسة الحكومة , وأيضا تم حل المشكلة الزراعية في بريطانيا إذ لا نلمح على حد قوله هوبزباوم ملامح “شريحة الفلاحين البريطانين” وعلى العكس نراها جلية في أوج ازدهار هذه الظاهرة في فرنسا و ألمانيا و روسيا .
وأما المخترعات التقنية فقد كانت في منتهى التواضع والمُخْترع الأشهر و الأكثر تقدما كانت المحرك البخاري _الذي اخترع على أثره القطار_ كان قد اخترعه جيمس وات عام 1784 والذي أساسا كان لا يتطلب إلا جزء يسيرا من الفيزياء , إن الثورة الصناعية في بريطانيا لم لتحقق ما حققته لولا الازدهار والانتعاش الاقتصادي الذي كانت تعيشه أوربا في القرن الثامن عشر عموما لكن حتى هذا الازدهار لم يكن كافيا لخلق نظام تصنيع , بل صار الهدف في بريطانيا انتاج كميات ضخمة بكلفة سريعة التناقص بحيث لم يعد يعتمد على قانون الطلب والعرض التقليدين بل يكون المصنع نفسه قادر على خلق السوق الخاص به , ولكي نقرب الصورة نقول إن صناعة السيارات الحديثة بحجمها الهائل ليس اختراع السيارة فالسيارة معروفة من القرن الثامن عشر بل قدرة المصانع على صنع سيارات رخيصة _نسبيا_ تكون في مقدور فئات المجتمع المختلفة , وهذا بالإضافة إلى توفر أمرين في بريطانيا : توفر مكافات استثنائية لصاحب المصنع أو _المخترع_ الذي يستطيع أن يوسع مدى إنتاجه بسرعة حتى ولو استخدم مبتكرات بسيطة قليلة الكلفة إلى حدٍ ما , فهنا نشأ تشجيع الصناعيين والمخترعين لتطوير آلاتهم للصنع أكبر قدر ممكن بأقل كلفة ممكنة , وأما الأمر الثاني المهم فهو وجود سوق عالمية تحتركها دولة واحدة , فلا يمكننا أصلا أن نتصور هذه الثورة الصناعية و إغراق السوق العالمية بالمنتجات لولا أن بريطانيا كانت تسيطر على جزء كبير من العالم وتحتكر بعض الأسواق لأن تبيع فيه بضائعها و التجارة الكولونيالية هي التي فتحت أسواق العالم للبضائع البريطانية استيرادا وتصديرا . ويكفي هنا أن نذكر أن أمريكا اللاتينية الفقيرة خضعت للتبعية الاقتصادية لبريطانيا فكانت تستورد ما يزيد على نصف ما تستورده أوربا من الملابس القطنية.
بني أول اقتصاد صناعي رئيسي في بريطانيا وكان فوضويا صغيرا في المقاييس الحديثة لكن إذا ما نظرنا إليه بمنظار 1848 فإنه يبدو في غاية الضخامة , وهذا الإقتصاد الصناعي أطلق قوة مليون حصان من عقالها و أنتج مليوني ياردة من القطن سنويا وصدر واستورد ما يعادل مئة وسبعين مليونا جنيه من البضائع كل سنة , وكان حجم التجارة في بريطانيا ضعفي ما كان عليه في فرنسا وكان استهلاك بريطانيا من القطن ضعفي استهلاك الولايات المتحدة و أربعة أضعاف الاستهلاك الفرنسي , وأنتجت بريطانيا أكثر من نصف الحديد الخام الذي ينتجه العالم المتقدم اقتصاديا , و استعمل الفرد البريطاني من هذا المنتج ضعفي ما استعمله نظيره في جارتها بلجيكا التي تلتها في التصنيع وثلاثة أضعاف المعدل في الولايات المتحدة الأمريكية و أكثر من أربعة أضعاف في فرنسا ..
لقد كانت بريطانيا بحق “مشغلة العالم” ..
لكن المدن التي قامت على أساسها الثورة الصناعية كانت بشعة و الطبقة العاملة فيها أسوأ حالا مما هي في مناطق أخرى , وكان السياح الأجانب تضيق رئاتهم بهذا الجو المثقل بالضباب و المشبع بدخان المصانع , لكن كانت بريطانيا والعالم بأجمعه يعلم أن الثورة الصناعية قامت على يد التجار والمبادرين إلى المخاطرة في مشروعات اقتصادية وكان قانونها الأزلي هو الشراء من أرخص الأسواق والبيع في أغلاها هي التي كانت تقوم بتحويل العالم من حال إلى حال .. ولم يكن أحد ليستطيع عرقلة مسيرتها , فقد غدت الآلهة القديمة والملوك لا حول لهم ولا قوة أمام رجال الأعمال والآلات البخارية في العصر الجديد .. عصر الحديد .


الثورة الفرنسية :
“إن الإنجليزي الذي لا ينحني احتراما و إعجابا بالأسلوب الجليل الذي تجريه فيه الآن واحدة من أهم الثورات التي شهدها العالم , لابد من أن يكون عديم الإحساس بالفضيلة والحرية , وهو لن يكون من أبناء وطني الذين كان من حسن حظهم أن يشهدوا ما جرى خلال الأيام الثلاثة الماضية في هذه المدينة العظيمة , وسيشهد على أن ما أقوله لا غلو فيه ولا شطط ”
صحيفة ذي مورنتغ بوست – يوليو 1789 حول سقوط الباستيل .

إذا كان عالم الإقتصاد في عالم القرن التاسع عشر كان قد بنا أسسه و هيأ قواعده البريطانيون بالثورة الصناعية التي صارت منارا لكل العالم الاقتصادي , فإن عالم الايدولوجيا و السياسة في ذلك القرن قد حفر قوانينها على أحجار التاريخ الفرنسيون و صارت قبلة يحج لها كل الأمم التي تبحث عن الحرية و الكرامة , إذا كانت بريطانيا قدمت للعالم السكة الحديدية والمصانع و فتحت الأسواق على مصراعيها فإن فرنسا هي التي قادت دفة الأفكار في سفينة العالم و وجهتها نحو ميناء مفاهيم الحرية و والثورة وسيادة الشعب بالشعب , والعلم الثلاثي الذي أضحى رمزا لكل الأمم الناشئة الصاعدة , لقد طرحت فرنسا على طاولة العالم مفاهيم الردكالية الديمقراطية والقضايا الخاصة بالسياسة الليبرالية و كما رسخت مفهوم القومية و قدمت القانون الدستوري لأكثر دول العالم .
كانت أواخر القرن الثامن عشر عصر تململ سياسي و عصر الأزمات للأنظمة الحاكمة القديمة ونظمها الاقتصادية , وصعود طبقات جديدة للمجتمع وظهور دعوات كثيرة بقصر سلطة الملك , ظهرت حركات تمرد في إيرلندا و الولايات المتحدة وبلجيكا و هولندا , لكن الذي ميز الثورة الفرنسية أنها أولا قد نجحت وأسقطت الملك و أصبحت فرنسا على أثرها دولة جمهورية , والأمر الثاني أنها اندلعت في واحدة من أقوى دول أوربا و أكثفها سكانا فقد كان سكان فرنسا يشكلون 20% من سكان أوربا , والأمر الثالث الذي يجعل الثورة الفرنسية من أكثر الثورات تأثير في التاريخ الإنساني أنها كانت ثورة حملت هما “رسولية” و رأت أن من واجبها أن تنشر أفكارها و تصوراتها إلى العالم , وقد انطلقت جحافلها من أجل “تثوير” العالم وقد أفلحت في ذلك إلى مدى كبير , ولو نظرنا إلى الولايات المتحدة فقد انكفأت على ذاتها وظل تأثيرها قاصرا على المناطق التي حولها , طبعا هذا لا يعني الانتقاص من الثورة الأمريكية وشرعيتها في كونها ثورة بل أن “حنة أرندت” تقول هي الثورة الكاملة الوحيدة التي حدثت في العالم , بل في نظر الكثيرين أن الدستور الأمريكي والمبادئ التي حملها أفضل بكثير من الثورة الفرنسية لكن الحديث عن مدى تأثيرها على العالم , وأصبح لمصطلح الحرية الذي كان يستخدم في ذلك الوقت تعبيرا قانونيا ضد الرق غدا له مضمون سياسي , ومصطلح الوطن الذي كان يستخدم للدلالة على مكان ولادة المرء أصبح بتأثير الثورة الفرنسية يدل على المواطن والمواطنة .
إن الثورة الفرنسية ليست ثورة من الثورات المختلفة التي يحفل بها التاريخ , بل هي ثورة التاريخ ..وحددت شكل العالم السياسي الذي نراه اليوم .

لماذا حدثت الثورة الفرنسية ؟!
كان النبلاء _الذين لم يكونوا نبلاء أبدا_ يشكلون 400 ألف من أصل 23 مليونا فرنسيا , وكان هؤلاء هم نخبة النخب وكانوا من الناحية المالية يتمتعون بمزايا عديدة من بينها الاقطاعيات و أيضا الاعفاء من الضرائب لكن من الناحية السياسية كانوا عطشى و سلطة الملك لا توازيها سلطة , و سحب الملك منهم المؤسسات التقليدية مثل البرلمان والجمعية العمومية الاقطاعية , وكان هؤلاء النبلاء حرموا سابقا من التجارة وصارا يكتفون بريع اقطاعاتهم الزراعية , ولكن المحافظة على مظاهر “النبل” هذه ليست رخيصة التكلفة , فراحوا يستغلون نفوذهم و انقضوا على الوظائف الرسمية للدولة التي كانت الملكيات المطلقة تفضل أن يشغلها رجال من الطبقة الوسطى مؤهلين وفنيا و لديهم الكفاءة اللازم لإدارة المؤسسات , ولا ننسى أن النبلاء في غالبيتهم كانوا “مقاتلين ” وقادة عسكريين شجعان ولم يكونوا إداريين مهرة , ومن خلال هذا فإن النبلاء لم يكتفوا فقط باستعداء الطبقة الوسطى في المجتمع الفرنسي بمزاحمتهم في وظائفهم فقط بل أدخلوا البلد في عجز إداري عن طريق توليهم مهام الإدارة , وأيضا قام النبلاء بتعويض نقص دخلهم عن طريق امتصاص كل ما يستطيعون امتصاصه من الفلاحين بحجة حقوقهم الإقطاعية فالطبقة الإستقراطية إذا لم تكتفي باستعداء الطبقة الوسطى بل و أيضا الفلاحين .
لقد كانت فرنسا تقف على حافة الإفلاس , و أدى دعمها إلى الثورة الأمريكية بالمال والعتاد ضد عدوتها التقليدية بريطانيا أن تسقط في هاوية الإفلاس , وأصبح جيب الحكومة فارغا وبذلك يقول هوبزباوم ((يمكن للثورة الأمريكية أن تدعي أنها كانت السبب المباشر للثورة الفرنسية )) لقد منحت أزمة الحكومة الفرصة للأرسقتراطية و “البرلمانات” للدفع , غير أن هذه الجماعات رفضت الدفع إلا إذا وسعت الامتيازات التي كانت تتمتع بها , وقد حدث الاختراق الأول للملكية المطلقة حينما قامت “جميعة من الوجهاء” منتقاة بعناية ولكنها متمردة بتقديم عرض لتلبية مطالب الحكومة , وحدث الاختراق الثاني والحاسم عندما اتخذ قرار يائس لدعوة مجلس “فئات الطبقة العامة ” وهو الجمعية العمومية الاقطاعية القديمة التي ظلت مدفونة منذ 1613 ,إذا من جلب الحطب لنار الثورة كانوا هم طبقة النبلاء الذين يريدون توسيع صلاحياتهم لكنهم لم يعلموا أن الثورة أول من ستحرقهم هم , لقد كان بالإمكان أن تتجاوز فرنسا محنتها الاقتصادية لولا التعبئة السياسية التي شُحن بها قلوب الطبقات العاملة في باريس.
لقد كانت إيديولوجيا 1789 ماسونية الطابع وتدعوا إلى الإخاء والمساواة بين الطبقة العاملة و النبلاء , و إلغاء الامتيازات الإلهية عن الكهنة و كسر السلطة المطلقة عن الملك وأقاربه , ولم تكن تلك الايدولوجيا ديمقراطية بالضرورة بل أن البرجوازي الفرنسي في1789 و في عام 1848 أيضا لم يكن ديمقراطيا وإنما يؤمن بدولة دستورية علمانية تشيع فيها الحريات المدنية والدينية .
وحينما انتخب مجلس العموم للطبقات العامة كان العد تنازلي قد بدأ لسقوط الملكية المطلقة و إلغاء طبقة النبلاء وسقوط استبداد الكنيسة , وحتى نتصور هذه الفكرة جيدا لنعرف أن الملك لويس السادس عشر الذي يعتبر تاجه حقا إلهيا و أنه ظل الله على الأرض أتى إلى ذلك المجلس فقال له “ميرابو” أحد الأعضاء ((مولاي,إنك غريب في هذه الجمعية , ولا يحق لك التحدث هنا )) وكانت هذه المفارقة فبدل أن يكون الملك الذي تعود أن يخرس الأصوات التي تخالفه و يحاصر فكر الفلاسفة والمثقفين صار هو من لا يحق له التحدث .

الكتاب ضخم وعظيم , ويحتوي على أفكار رائعة وتستحق الاهتمام وأنا لم أتطرق إلا جزء بسيط جدا منه و أعتقد أنه يستحق الاقتناء .

Advertisements