كل عام وأنتِ بخير ..
كل عامٍ و الشعر يتلو تراتيله في محرابك
بخير ..
كل عامٍ و الثورة تولد من رحم عينيك
بخير ..
كل عامٍ و من نهديكِ تبدأ حرب التحرير ..
كل عامٍ واليابانيون يعلنون أن شعركِ الغجري
اكتشاف علميُّ خطير ..
أدخل دودة القز في البطالة الداروينية
فـ شعرك المصنع الطبيعي الأول
و الأنقى
و الأحلى
لإنتاج الحرير .. 
كل عامٍ و المدينة الفاضلة تكتب على جدرانها
بألوانها الصحراوية الصدئةِ
المرأة هي الخطر المحدق الكبير
الشِّعْْر هو الخطر المحدق الكبير
الأغنية هي الخطر المحدق الكبير
البلاك بيري هو الخطر المحدق الكبير
الحب هو الخطر المحدق الكبير
فـ أتلمس قلبي حتى أتأكد أنهم لم
يعتقلوكِ بعدُ
وأنك لا زلت تنامين هناك بخير ..
كل عامٍ و الطيور المهاجرة تعلن أن
كتفيك وطنها الأخير ..
كل عامٍ والقلوب المسافرة تحتفل
بأن عينيك مطارها الأخير ..

كل عامٍ والشعراء يتبعهم الغاوون
كل عامِ وأنا أفتش عن غاوييني 

كل عامٍ و أنا على شاطئ العمر
أكتب رسائل شوقٍ لكِ
و أضعها في القوارير
فـ يلفظها البحر ..
ويخبرني أن شركة الاتصالات
تطالبني بسداد الفواتير ..

كل عامٍ وأنا أركب تاكسي لهفتي
و أقطع نصف الطريق إلى غرفتكِ ..
فـ يرصدني بؤبؤ “ساهر” الصغير :
ويحذرني حضرة الشرطي معيض :
“على اشتياقي أن يلتزم بالسرعة القانونية
و يمين خط السير ..”
عليًّ أن أكون
صاحب سمو أو سفير
حتى أفلت من بؤبؤ ساهر الصغير
و أنجو ربما من حلق المدينة الكبير ..

20 – 4 – 1985
لم يكن يوما عاديا في تاريخ الإنسانية ..
لم تكن ورقة تقويم أخرى
يقطفها أبوكِ بلطفٍ..
من تقويم أم القرى ..

ولم يكن صباحا آخر
تنادي فيه العصافير
حيَّ على الأمل
و فتيات الجنوب
حيًّ على الوطن ..
وموظف البلدية
حيَّ على الخزائن

لم يكن صباحا آخر
يبكي الولد فيه خوفا
من المدرسة
ويتشبث في أعمدة السرير
ويضرب فيه الموظف المسكين
أخماسا بـ أخماس
حتى يحل معضلة
راتبه الصغير
وصرف العائلة الكبير ..

لم يكن صباحا آخر
يهرِّب فيه الشاعر الحياةَ
إلى المدينة المعلبة ..
و تهرِّب فيه الجدةُ
حكاية الجميلة والأمير 
ويهرِّب فيه منيف
ثورة البدوي الأخير 
و أحاول أن أهربَ
لغةً جديدةً تفهمينها وحدكِ
بين أعين الطوابير ..

كان صباحا خرافيً
كـ عينيك
“…..
….”*
كان صباحا خرافيً
سقطت فيه أربع عشرة شرفةً
من إيوان اليمامة 
و نادى فيه البشير
بموت عصر الخرافة 
و ولادة عصر جديدٍ
ترسمينه بفرشاة مسكرتك..

كان صباحا خرافيً
فكر بالاستقالة فيه وزير
و أُصدر فيه قرار بمنح الأراضي
فصادر الأراضي ابن الأمير
فاشتكى المساكين للأمير
فصاح ضاربا على صدره
الحق لا يضيع عندنا
وتلك الصحراء لكم ..

كان صباحا خرافيً
أخذ الشيطان فيه إجازة من العمل
فـ نسى عضو الهيئة أن يتساءل
من هذين ؟
وماذا يفعلان ؟!
ولماذا يعاملان بعضهما بحنان ؟!

صباح العمر يمر و أنتِ لازلت
تأبين أن تسلميني مفاتيح جسدك ..
صباح العمر يمضي وأنا لازلت
أطوف على الحاناتِ
وأجمع أشجع الرجال حتى
أقوم بآخر غزْواتي وأخطرها ..
صباح الخريطة تخطيء
فاقتحم الحصن الخطأ ..
وانتصرُ ..
فأرضى بأن أكون إمبراطوراً هناك..
صباح العمر يمر ونحن لازلنا
نناور موعدنا ..
و قلبنا ..

صباحك تدلفين إلى مربع الخامسة والعشرين
بكثيرٍ من التثاؤب ..
وقليلٍ من الأمنيات ..
أمك تعيد الاسطوانة المشروخة : الزواج ..
و أبوك لم يعد يدافع عنك كما كان ..
وأنتِ لا زلتِ تنتظرين ع الشرفات
قدوم فارسك الأثير..
فارسك :
الذي خاض كل ملاحمه مع الكلمات ..
وخاضت كل ملامحه الخسارات ..
تنتظرينه أن يخترق المدينة المحرمة
ويحرق عهود القبيلة و العادات ..
أمك تذكرك باستمرار: ابنتي عدد الخاطبين قل
و عدد السائلين عنك في الزواجات قل
و إيمانك يا صديقتي أيضا قل ..

تنظرين إلى أخيك يحزم أحلامه
و يكمل دراسته في الخارج
ويطير على بساط الدعوات ..
وأنتِ لازلتِ تطرقين أبواب المنتديات ..
تفتشين في داخلك عن بقايا حكايات
تنشرينها تحت اسم مستعار ..

صباحك تتمطين في سرير الخامسة والعشرين ..
تنفضين عن عيونك بقايا كسل ..
وعن شفاهك بقايا قبلةٍ مختلسة من حلم ..
تنظرين إلى جسدك في المرآة ..
تخلعين رداءك ..
تتلمسين تفاصيلة..

وأنا أقوم بواجباتي الصباحية بجد ..
أغني بصوت رديء تحت الدش “الحلوة دي 
و يقاطعني صوت البلاك بيري أثناء
حلاقة ذقني ..
افتح الرسالة ..
تعانق عيني صورة صدرك ..
فيجرحني الموس و لا انتبه ..
ينزل الدم و لا انتبه ..
و لكن أقول
ليس من الألم
وليس من الدم ..
أح

– لماذا أرسلت هذه الصورة ؟
– ممم لأنك كنت جيدا معي هذا الأسبوع ..
– لم أكن أعلم أني كنت جيدا لهذه الدرجة ..
بالمناسبة أتعلمين أني كنت أحلق وجرحت ذقني ..؟!
– ألم تكن الصورة تستحق ذلك الجرح ؟
– بلى
تضحكين بخبث وتقولين :
– إذن اشكر الله أنك لم تكن تحلق شيء آخر ..

كل عامٍ و محمود درويش يردد:
قضيتي هي حصار الحصار ..
كل عامٍ و تشي جيفارا يردد:
قضيتي سقوط الإمبريالية ..
كل عامٍ و أحمد مطر يردد :
قضيتي هي شتم السلطان
كل عامٍ و ياني يردد :
قضيتي خلق الجمال في التناقض ..
كل عامٍ و اداورد سعيد يردد
قضيتي هي البحث عن الوطن ..
كل عامٍ و الواعظ يردد :
قضيتي هي الحفاظ على عذرية المجتمع الثقافية..
كل عامٍ و نعوم تشومسكي يردد
قضيتي الكشف عن ماذا يريد العم سام ..
كل عام و مارسيل خليفة يردد
قضيتي هي أغنيةٌ تكنس الطائفية ..
و كل عامٍ و أنا أردد ..
قضيتي هي أنتِ .. و لا شيء غيرك
فيلتفت الجميع إلي …
ويحدقون فيَّ لوهلة 
ثم يقولون :
ربح البيع يا أحمد ..
ربح البيع ..

مساء أهلي يسافرون ..
مساءك تشفقين علي .. ليس كثيرا على ما يبدو ..
وتقررين إعطائي وصفتك السرية
في طبخ المعكرونة :
– طبخة بسيطة ..
– أكيد ؟
– ايه .. حتى القرد يستطيع طبخها …
مسائي اجلب المقادير من “السوبر ماركت”
و أفكر بهذا المبلغ أستطيع أن أشتري غداء من أرقى مطعم بخاري في الرياض
– حسنا لقد جلبت المقادير .. ماذا أفعل الآن ؟
– قطع البصل شرائح ..
– شرائح ؟! باللهِ ما هو نوع هذا القرد “الأسطورة ” الذي كان يأخذك أبوك إليه ؟!
– الموضوع ليس صعبا كما تتصور ..
– مشكلتك لم تستوعبي بعد أن لدي معاناة كبيرة حتى تقطيع التفاح ..
بعد مدة تسأليني :
– بشر انتهيت من تقطيع البصل ؟
– نعم الحمدلله انتهيت أخيرا .. لكن ليس من الضروري أن يكون شكلها دائري تماما
أليس كذلك ؟
– ممم لا
– جيد لأني لا أدري ما هو الشكل الذي أمامي .. لكن بالتأكيد ليس “دائري”
لحظة لو تأملته جيدا .. ربما يكون متوازي أضلاع ..!!

مساء المطبخ يتحول إلى ساحة مجزرةٍ صغيرة ..
استعملت من الأواني ما يكفي لـ طبخ “ناقة “
كما أخبرتني أمي بعد أيام ..

مساء المعكرونة تجهز .. أتذوقها
تسأليني :
– أعجبتك ..؟
– جدا ..
– صدق ؟
– ايه والله .. صحيح تعبت في الطبخة لكن مذاقها يستحق كل ذلك التعب !!
– ألم أخبرك ؟ ما فيه أحد يطبخ المعكرونة مثلي ؟!
– وأنا أقسم بكل ما هو مقدس أن أخذ سر هذه الوصفة معي إلى القبر ..

مسائي استغفر الله كثيرا لأني كذبت عليك ..
لكن خشيت أن تجعليني أطبخها مرةً أخرى
وآتي هذه المرة بـ “الفطر” الذي تستخدمينه..

مسائي أضع صورة لأول طبخاتي في “البلاك بيري”
يأتي أحد الأصدقاء ويقول :
– ماشاء الله .. منذ متى وأنت تجيد طبخ “الجريش” ؟
– جريش ؟! ضع نظارتك !! إنها معكرونة !؟
– نعم ؟ لقد كنت أريد أن أزورك و أتعشى معك ..لكن يبدو أني سأكون
مشغولا في الأربعة والعشرين ساعة القادمة .. انتبه يا صديقي إذا مرضت
_وستمرض_ ألا تتصل علي ..

كل عامٍ و أنا أتسلق حبال الشوق
إلى شرفتك ..
تهمسين في إذني : إذا لم تستطيع أن
تنهي هذه السنة معي فـ لا أريد أن أبدأها
بك ..

كل عامٍ و أنا أعض على حسرتي ..
وأرسم ابتسامة لأنك قلتِ لي ذات يومٍ
أحب أن تكون آخر صورة لك في ذاكرتي
وأنت تبتسم ..

 

وأمضي ..

 

الرياض
ما بين أبريل و أغسطس 2010

 

Advertisements