اسم الكتاب : علم نفس الجماهير .
اسم المؤلف : سيمغموند فرويد .
المترجم : جورج طرابيشي .
عدد الصفحات :140 
سعر الكتاب :18 ريال .

فرويد كانت تتراكم في داخله هموم الخروج بـ “علم النفس” من أريكة المحللين النفسيين وغرف الأطباء الضيقة إلى رحابة العالم , كان يبحث عن شرعيةٍ لهذا العلم خارج المجال الطبي , وحقيقة علم النفس ظل لمدة طويلة علما مركونا في عقول الأطباء و بقي التقزيم يطاله من كافة الناس , ولم يحقق انتصاراته الكبرى و فتوحه العلمية العظيمة إلا منذ بداية القرن العشرين وخاض حروبا كثيرة حتى يعترف به كـ “علم أكاديمي” وينفصل عن “علم الاجتماع” , وفرويد فخورا بكتابه هذا “علم نفس الجماهير” وظل دائما يشير إليه في مقالاته و كتبه كـ أحد جهوده التي سعى إليها لتطبيق النظرية التحليلية النفسية على الجماهير , ولـ نقل علم النفس من غرف الأطباء إلى قاعات المحاضرات , كتب غوستاف لوبون كتابه “علم نفس الجماهير” في 1895 ولكن رد فرويد كان في عام 1921 وحينها كان فرويد قد أكد جل نظرياته النفسية من الليبيدو واللاشعور و عقدة أوديب والأنا الأعلى و الغرائز المكفوفة وغيرها من النظريات التي غيرت نظرة العالم للفرد والمجتمع على حدٍ سواء .
فرويد في رده على لوبون يرتكز على قاعدة أن لوبون عندما يصف الجماهير لا يصف إلا “السطح” فقط وتبريراته لعرى العلاقة الوثيقة التي تنشأ بين الأفراد في الجمهور لا تقدم جوابا حقيقيا , فمثلا إن مفهوم “اللاشعور” يقوم عند لوبون على أساس “العرق” فاللاشعور هو موروث الفرد من العرق الذي ينتمي إليه , فالعرق هو الخزان التحتي الذي تصدر عنه الروح الجماعية للجماهير , ويقول لوبون ((ينبغي أن يوضع “روح العرق” في المرتبة الأولى لأنه وحده أهم من كل العوامل الأخرى مجتمعة )) لكن اللاشعور عند فرويد ينتمي إلى عقلية مختلفة تماما وديناميته فاعلة على مستوى الأفراد كما على مستوى الجماهير , والنبع الذي يغذي اللاشعور عند فرويد هو “المكبوت” , والمكبوت عند فرويد دائما وأبدا هو الجنس سواء عند الأفراد والجماعات .
يقول لوبون ((تحدد علل شتى ظهور سمات خاصة عند الجمهور , أولها أن الفرد في الجمهور يكتسب بحكم العدد وحده شعورا بقوة لا تقهر تتيح له الاستسلام لغرائز ما كان إلا ليكبحها فيما لو لبث وحيدا , وهو سيستسلم لهذه الغرائز بسهولة أكبر مادام حس المسؤولية الذي يردع الأفراد على الدوام يتلاشى بتمامه بحكم من أن الجمهور “غفل” وبالتالي لا مسؤول )) لكن فرويد يقول ((إن وجهة النظر التي نأخذ بها تعفينا من تعليق قيمة كبيرة على ظهور صفات جديدة , حسبنا أن نقول إن الفرد في الجمع يجد نفسه في شروط تتيح له أن يفك أسر ميوله اللاشعورية المقموعة , والصفات _التي نقول أنها جديدة_ ليست سوى تظاهرات لذلك الشعور الذي تختزن فيه بذور كل ما هو شرير في النفس البشرية )) وفرويد قال أن الحصر الاجتماعي “الخوف” هو الذي يؤسس لدى الفرد الضمير الأخلاقي وعندما يذهب هذا “الخوف” يذهب معه الضمير الأخلاقي والعدد ليس هو ما أظهر هذه الخصائص النفسية لدى الجمهور كما يزعم جوستاف لوبون , ويشير فرويد إلى نقطة في غاية الأهمية حينما يقول ((وإذا أردنا أن نكون فكرة صحيحة عن أخلاقية الجماهير فلا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن جميع المكفوفات الفردية تتلاشى وتضمحل لدى الأفراد حين يجمعهم جامع الجمهور بينما تستيقظ بالمقابل الغرائز الوحشية الهمجية المدمرة القادمة من الأزمنة البدائية النائمة في أعماق كل فرد وتبحث عن تلبية و إشباع , لكن الجماهير أيضا قابلة تحت تأثير الإيحاء للرضوخ و الخضوع والتجرد والتفاني في سبيل مثلٍ أعلى , وبينما تشكل المصلحة الشخصية لدى الفرد المحرك الأوحد لكل نشاطاته تقريبا , فإنها لا تحدد _إلا فيما ندر_ سلوك الجماهير , وفي حين أن مستوى الفكري للجمهور هو على الدوام دون مستوى الفكري للفرد , فإن مسلكه الأخلاقي يمكن أن يتجاوز المستوى الأخلاقي للفرد مثلما يمكن أن يهبط إلى ما دون هذا المستوى بكثير )) وهذا كلام في غاية الأهمية و الإتقان ويجب أن ننتبه إليه , فهبوط المستوى الأخلاقي لدى الجماهير ليس لأنهم جماهير بل لأن الأفراد الذين يكونون ذلك الجمهور هابطين أخلاقيا , ومثلما شاهدنا في ثورة مصر حيث رأينا جمهورا نصب رايته في أعلى هامة السمو و الأخلاق التي لم تظهر فقط الوجه الحسن لمصر بل أظهرت الوجه الحسن للإنسانية جمعاء , فكذلك رأينا جمهورا يعتدون على الناس وعلى أعراضهم , بل وهذه نقطة مهمة أيضا يذكرها فرويد أن الرقي بأخلاقية الجماهير أسهل بكثير من الرقي بأخلاق الفرد و الأصل أن تكون أخلاقهم أرقى لأنهم لم يخرجوا لأجل مصالحٍ فردية ولا مكاسب شخصية بل لأجل “مثلٍ أعلى” وأيا كان هذا المثل لكنه ينشأ رابطة متينة بين الجمهور والأخلاق حيث التخلص من المنفعة الذاتية التي قام عليها الفكر الرأس مالي .

لكن يبقى السؤال المهم هل فعلا يكون تفكير الجماهير أقل من تفكير الأفراد ؟ يقول فرويد ((من المتفق عليه أن إبداعات الفكر الكبرى و الاكتشافات الفاصلة والحلول الحاسمة للمشكلات الخطيرة لا يمكن أن تنجم إلا عن العمل الفردي , المنجز في الوحدة والفراغ إلى الذات )) توقفت كثيرا عند هذه الجملة وفي الحقيقة أن الذكاء الجماعي التي تجلت في الثورة المصرية و أيضا التونسية تبين أنه قد يتفوق العقل الجماعي على العقل الفردي , فالمثقفون و المعارضين السياسين رضوا في مرحلة ما على “سليمان” أن يكون الرئيس و أيضا على الغنوشي لأنهم كرست في دواخلهم و تراكمت في عقولهم “عقلية الاقليات” فكانوا يعتبرون أن وعد مبارك بعدم ترشيح نفسه أكبر انتصاراتهم , لكن الشعب كان ذكيا وظل يناضل وسيظل يناضل حتى تثمر كل مطالبه من دوحة الوطن , وأما ما تعارف عليه التاريخ أنه في العادة الجماهير ترتد في سلم الحضارة فهذا في الحقيقة لأن نواة الجماهير التي تخرج في الغالب أفراد فقراء لم ينالوا التعليم الذي يملأ جوف عقولهم ولم يحصلوا رغيف أملٍ بـ حياة تنتظرهم في الغد , لذلك يكون الغضب لباسهم الوحيد ويدمرون الأخضر واليابس .

السؤال المهم الذي نطرحه هنا لماذا يسلم الفرد عقله إلى الجمهور , ولماذا تصيبه حالة من الطاعة والانصياع لإرادة الجماهير , ما هو نوعية السحر الذي يمارسه الجمهور على الفرد و جبروت السلطة التي تفرضها إرادة الجماهير على الأفراد ؟! بعض المحللين السوسيولوجيين يقول هي الرهبة التي تمارسها الجماهير على الأفراد ويكو طاعة الفرد خاضعة لغريزة البقاء على هذا التأويل , والأكثر يدعي بأن هنالك نوع من الإيحاء “التنويم المغناطيسي” الذي يفرضه الجمهور على الأفراد , وغوستاف لوبون المؤلف الذي يرد عليه فرويد يرد جميع خصائص هذه الظاهرة إلى عاملين الأول هو الإيحاء و الثاني هو “هيبة الزعيم _ الكارزيما” لكن في الحقيقة الكارزيما هي امتداد لـ الإيحاء , لكن لو تأملنا قليلا القول القائل بأن تأثير جميع ظاهرة تأثير الجمهور على الفرد و الرغبة العميقة لدى الفرد بأن يبقى ضمن المنظومة العامة لتفكير الجمهور و حتى في طريقة حركتهم و نوعية لبسهم , أقول هذه الظاهرة التي يردها لوبون إلى الإيحاء ليست دقيقة بالضبط , لأننا في حياتنا العامة و الشخصية نقاوم الإيحاء بشكل مستمر و دائم لكن ما الذي يجعل الفرد في الجمهور تضعف مناعته في مقاومة الإيحاء ؟! 
رغم أن فرويد لديه ملاحظات كثيرة على الإيحاء ولا يسلم به بشكل مطلق , لكن لنقفز على ذلك و نرى لماذا يكون لدى الفرد هذه القابلية للإيحاء ؟! هنا يأتي “الليبيدو” المصطلح الذي نحته فرويد وزعم أنه يقدم الأجوبة عن كل ألغاز النفس البشرية , والليبيدو بإختصار عند فرويد هو “الحب” و الحب المقصود هنا هو الحب الجنسي لكن فرويد يعتبر أن حب الذات و الأهل والأصدقاء وحتى الأفكار المجردة منطلق من “الحب الجنسي” ويدلل على ذلك أن جميع ضروب الحب ما هي إلا تعابير عن مجموعة واحدة ومتماثلة من الدوافع التي تحض في بعض الحالات على “الجماع” أو تصرف في حالات أخرى عن هذا الهدف أو تحول دون تحقيقه , مع حفاظها على ما فيه الكفاية من سماتها و صفاتها المتميزة ! 
دعونا نرجع إلى موضوع علم الجماهير و نقول أن “الحب” أو الروابط الوجداني العميقة _حتى لا ندخل في جدلية الحب الجنسي _ هي التي تشكل مكنون النفس الجماعية , والذي يدل على ذلك ثلاثة أمور : 
الأول : لكي يحافظ الجمهور على تماسكه فلا بد من أن تمسكه قوة ما , وماذا يمكن أن تكون هذه القوة غير الحب ؟! أقوى المشاعر في هذا الكون ؟! 
والثاني : حين يعزف الفرد وقد ضواه الجمهور تحت جناحيه عما هو شخصي وخاص بالنسبة إليه ويسلم قيادة الإيحاء للآخرين .. لا بد أنه يكون يفعل ذلك لأنه يشعر بالحاجة إلى توافق لا على تعارض مع الآخرين والإنسان إنما يحب أن يوافق من يحبه ؟! 
الثالث : الشعور بوحدة المصير و وحدة الحزن و وحدة الانكسارات و وحدة الظلم كل هذا ينجم عنه شعور عميق بالحب لدى كل الأفراد المنخرطين في الجمهور . 

Advertisements