اسم الكتاب : المراة واللغة 
اسم المؤلف : عبدالله الغذامي 
عدد الصفحات :230
سعر الكتاب : 24 

يتهمني كثيرا من الأصدقاء بانحيازي إلى ضفة المرأة , و سقي كثيرا من أفكاري لـ حدائق الأنوثة , لا أدري حقيقةً إن كانت هذه التهمة في محلها أم لا , لكن سأكون فخورا بها كثيرا , لازلت أعتقد و أؤمن بأن المرأة كانت ولازالت ترزح تحت طائلة الاستبداد سواء كان استبدادا تحت شعائر الدين أو استبدادا تحت شعارات الحرية !؟ لا فرق كثير بينهم لأن النتيجة واحدة وهي ظلم المرأة , كتاب عبدالله الغذامي “المرأة واللغة ” يمخر عباب هذه الفكرة .. وهي فكرة ظلم المرأة لكن البحر الذي يجدف فيه مركبه عبدالله الغذامي هو بحر صفحات الكتب , و الدسائس التي خبئت بين موروثات الثقافة السائدة , ومن يدري ربما المعارك التي تخاض بين صفحات الكتب أكثر شراسة و أكثر وحشية من كثيرا من الملاحم والحروب التي يشتعل أوارها في عالم الواقع . 

الأصل هو التذكير :
يقول ابن جني ((إن تذكير المؤنث واسع جدا لأنه رد إلى الأصل )) وربما لأجل ذلك نجد كثيرا من الشعراء الشعبيين عندما يتغزلون في حبيباتهم , يستخدمون ضمير المذكر , طبعا هذا عائد إلى الثقافة السائدة التي رأت أنه من العيب أن يتغزل الرجل بحبيبته أو زوجته فكان هروبا من “العيب” في استعمال الضمير المؤنث فـ استعلموا الضمير المذكر , وتقول بنت الشاطيء وهي من باحثة و أديبة وشاعرة معاصرة ((إن مؤرخي الأدب قد تعمدوا طمس أدب المرأة العربية في العصور الماضية , وأنهم قد ألقوا بآثارها في منطقة الظل )) فيبدو أن الذين مارسوا الوأد الجسدي في العصر الجاهلي كانوا ولازالوا يمارسون الوأد الثقفي للمرأة !
وفي الأمثال الشعبية يقال “وراء كل رجلٍ عظيم امرأة ” وهذا المثل الذي اغتبط به كثير من النساء و صاروا يرددنه لم يفهموا الخبث الثقافي الذي ينطوي عليه , فكأن قدر المرأة أن تكون خلف الرجل العظيم , ليس بجانبه وليس حتى أمامه مستقلة عنه لا بل ستكون خلفه . وأيضا يبدو أن ضمير التذكير هذا تسلل إلى وعي النساء المثقفات _ بدون علمهن_ وهن يدافعن عن حياض الأنوثة فـ هاهي نوال السعداوي تقول في كتابها الموسوم بـ “الأنثى هي الأصل ” ((إن القلق لا يحدث للإنسان إلا إذا أصبح واعيا بوجوده وأن هذا الوجود يمكن أن يتحطم , وأنه قد يفيد نفسه ويصبح لا شيء , وكلما كان الإنسان واعيا بوجوده زاد قلقه على هذا الوجود وزادت مقاومته للقوى التي تحاول تحطيمه )) ماذا تلاحظون في هذه العبارة ؟ التي هي أصلا مقتبسة من كتاب يتحدث عن المرأة وعن قلقها ؟! أنها خالية تماما من ضمير مؤنث وأنها متخمة بـ ضمير المذكر من أولها إلى آخرها . وعلى الجانب الآخر نرى مي زيادة تتحدث في محفلا مليء بالنساء وتقول (( أيتها السيدات …
أنا المتكلمة ولكنكن تعلمن أن ما يفوه به الفرد فنحسبه نتاج قريحته وابن سوانحه , إنما هو في الحقيقة خلاصة شعور الجماعة تتجمهر في نفسه ويرغم على الإفصاح عنها
 )) أيضا ماذا تلاحظون في هذه القطعة التي قالتها امرأة دافعت عن حقوق المرأة كثيرا ؟! نفس الملاحظة التي قلناها على مقطع نوال السعداوي .
ويقول الغذامي ((ولقد استعرضت أعمال غادة السمان وسميرة المانع و آمال مختار وضوى عاشور ورجاء عالم ومي زيادة و سحر خليفة , خصيصا لرصد الضمائر عندهم فاتضحت سيطرت الضمير المذكر في كل حالة تجريد )) و لنرى غادة السمان في أجمل عباراتها و أشهرها تقول ((ما أروع و ما أسوأ أن تكون امرأة )) ومثلما يقول الغذامي سياق الجملة أن تقول غادة “أن تكوني” . و أيضا نازك الملائكة أوردت تعليقا على أحد قصائد علي محمود طه التي كان عنوانها “هي وهو ” فقالت ((الترتيب العربي أن يقول “هو و هي” لأن التقديم عندنا لضمير المذكر على ضمير المؤنث وما من ضرورة لتغيير هذا الأسلوب )) .
وإذا ما دخلت المرأة مجال العمل الوظيفي فإنها تدخل في سياق التذكير فهي “عضو” و هي “محاضر” وهي “مدير” وهي “رئيس الجلسة” وحتى يزيل الإشكالية فقد قرر مجمع اللغة العربية في القاهرة أنه يجوز ((وصف المؤنث بالتذكير فيقال فلانة أستاذ أو عضو أو رئيس , استنادا إلى ما نقله ابن السكيت عن الفراء أن العرب تقول :عاملنا امرأة و أميرنا امرأة وفلانة وصي وفلانة وكيل فلان , وإنما ذكر لأنه إنما يكون في الرجال أكثر مما يكون في النساء , فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر ))
إذا يا أصدقاء التذكير هو الأصل و يترتب على أن يكون التذكير هو الأصل أن يكون التأنيث فرعا عنه , ولهذا الفصاحة أن تقول فلانة زوج فلان وفلانة عروس فلان إن كنت تتحرى الفصاحة والأصالة . 

الكتابة رجل :
اللغة أساسا فعل يتسم بالتفاعل بين الجنس البشر كله , رجال ونساء ولا نشك أن النساء ساهمن في صياغة اللغة حينما كانت في طورها الشفوي لكن الأمر تحول حينما جرى اكتشاف الكتابة و صار البشر يمارسون التدوين , و التاريخ يجمع أن الرجل كان سيد الكتابة ولم نحفظ إلا نساء قليلات تفاعلن مع اللغة المكتوبة , وربما لأجل هذا وجه الرجل مسار اللغة إلى خدمة الذكور و خلدوه عن طريق نقشه وحفره في ذاكرة الحضارة , وصار الحضور المذكر هو جوهر اللغة وتعمقت الذكورة في اللغة عبر الكتابة حتى صارت وجهها وضميرها , وبهذا صارت المرأة خارج النطاق اللغوي و مطرودة من الثقافة التي تجعلها تقدم نفسها بلغة مكتوبة و في النهاية تحولت المرأة إلى مجرد “موضوع” ولم تعد ذاتا ثقافية أو لغوية .
وراح الرجل بالتالي يرسم المرأة وينقشها على حسب شهواته في صورة متواترة عبر التاريخ وكأنما هي الشيء الطبيعي والذي كان والذي يجب أن يكون , انظروا إلى الرسومات في العصور الوسطى وما قبلها ستجدون تركيزا فجاً على إبراز الأعضاء الأنثوية وكأنها شيء شهواني , ولهذا يأتي مفكر مثل عباس محمود العقاد ليقول : ((إن المرأة خُلقت جميلة لسبب واحد , هو أن تسعد بها عيون الرال كما تسعد بالنظر إلى الفاكهة )) فصارت المرأة مجرد فاكهة لتمتع أعين الرجال , أما هربرت سبنسر يقول إن نظرية داروين ترجع نقص المرأة إلى حالة النزيف الشهري وإلى عمل المرأة كجهاز توليد مما أخرها في عملية تطور النوع المؤنث وتخلفه في سلسلة النمو النوعي الحيواني ! أما عدو الجمعيات النسوية الأول سيمغوند فرويد فهو صاحب تلك النظريات التي أقضت مضاجع النساء وقالها بكل صراحة : إن المرأة رجل ناقص , وعندما تكتشف أن هنالك عضو ما ينقصها تنبت في داخلها عقدة حسد القضيب , ثم تخرج من هذه إلى محاولة التعويض عن العضو المفقود بأن تحصل على طفل , ولا تستطيع أن تحصل على طفل إلا بعدما تحصل على رجل , مما يوصلها إلى الاستسلام الكامل للرجل , و بحسب فرويد إن المرأة لا تصل إلى أنوثتها الكاملة إلا بإدراك المرأة لنقصها .
أما عقل المرأة فالثقافة سواء العربية أو الغربية كرست أن المرأة عقلها ضعيف وتحتاج إلى وصي فـ في المثل (( لب المرأة إلى حمق )) و رسول حمزاتوف يقول ((يقال إن عقل المرأة في طرف ثوبها ما دامت جالسة فهو معها لكن يكفيها أن تنهض حتى يتدحرج عنها ويسقط على الأرض )) فبما أن المرأة ناقصة عقل فتحتاج إلى وصي ويتولى أمرها ويتحدث عنها .. ومن غير الرجل سيضطلع بهذه المهمة ؟!

ثم سُلب من المرأة مهارتها :

يبدو أن الثقافة التي نسجها الرجل قد أعطت المرأة بعض الصفات الاجتماعية الحسنة , فالمرأة في العرف الثقافي هي التي تجيد الطبخ , والمرأة في العرف الثقافي هي الجميلة , والمرأة في العرف الثقافي الأفضل في الخياطة وتصميم الأزياء , ورغم أن الجمعيات النسوية تدعي أن هذه الأعمال ثانوية و هي في الأساس تقدم كـ خدمات للرجل , لكن حتى العرف الثقافي للأسف بدأ يستكثر هذه المميزات على المرأة .. فهاهو الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يسلب من المرأة جمالها فيقول : الرجل أجمل من المرأة لأن الرجل جميل في مراحل عمره كله , صبيا كان وشابا و كهلا و شيخا , أما المرأة فجمالها محصور في مرحلة عمرية محددة وهو سن الصبا واليفاعة ثم تفقد روناقها و بهاءها وتنتهي بسن اليأس ( عدم الصلاحية ) , وليس هذا حصرا على الإنسان فالشيخ رحمه الله يقول أن ذكر الحمام أجمل من أنثى الحمام و ذكر الطاووس أجمل من أنثى الطاووس وكل ذكور الحيوان أجمل من الإناث .
وأيضا الطبخ فأشهر الطباخين رجال و أفضلهم أيضا , وشخصيا أشك في هذه المعلومة رغم أنها سائدة فصحيح أن هنالك طباخين رجال كثر لكن ليسوا بالضرورة أن يكونوا أفضل من المرأة والذي يدل على هذا أن أشهر كتب و أكثرها مبيعا يكون أصحابها نساءً .
نعود إلى موضوع جمال المرأة حتى عباس محمود العقاد الذي قال أنها مجرد فاكهة إلى عين الرجل يبدو أنه ندم على أنه وهب المرأة هذه المنزلة العظيمة بأن تكون فاكهة للرجل فيقول عن جمالها ((إن الجمال ليس بالمزية المسلم بها للمرأة كل التسليم ولا بالحكر الخالص لها المحرم على غيرها , فهذا شوبنهور ينكره عليها البته ويزعم أم المرأة ذميمة قبيحة , فإذا تخيلناها حسناء فاتنة فهي الغريزة الجنسية التي تزيغ بصرنا ..فتلهينا عن عيوب خلقها كما يلهينا الجوع والظمأ عن عيوب الطعام الخبيث والشراب الكدر , وداروين يميل إلى تفضيل جمال الرجل على جمال المرأة ويقيس ذلك على عطل الإناث وروعة منظر الذكور في كثير من المخلوقات ))

حسنا يبدو أن الموضوع انتهى كما تقول ألين شولتر : بأن يكون الرجل أكثر “نسائية” من النساء أنفسهم .


الأنوثة و المكان :

رأينا كيف تمت محاصرة المرأة معنويا في الجزء السابق من الحديث , وكيف تم سلبها مهاراتها لكن الموضوع لم يكن كافيا , لذلك احتاجت الثقافة إلى محاصرة المرأة في الواقع , ولذلك في العرف الاجتماعي يحق للرجل أن يجلس وهو يفرج رجليه و يمد يديه , فإن العرف الإجتماعي يقضي بأن تكون المرأة مقيدة وأن حدود جسدها ستكون أقل بكثير من حدود الرجل , و انظر إلى صورة تنتظر فيه المرأة و الرجل في إحدى “محطات الباص” سترى كيف تجلس المرأة ملتزمة بمقعدها و سترى الرجل مفردا أقدامه ويديه ويجلس بكل حرية .
لقد رسمت الثقافة هذه الحدود وهذه الحقوق إلى درجة أن الصينين تعودا أن يقيدوا أقدام بناتهم في صغرهن كي تنثني فإذا كبرن تقيدت حركتهن وقلت سرعتهن , ولقد مارست الحضارة الجاهلية وأد البنات و الكثير يعتقد أن هذه العادة انتهت لكن ليس صحيحا ففي الهند في وقتنا الحاضر عندما يتبين أن المولود “أنثى” يتم إجهاض الحمل في كثير من الحالات , و حتى أن الأمر وصل إلى أن يكون النساء أكثر من الرجال في الهند _وهذه أعتقد أنها تعتبر ظاهرة حضارية , ففي الأغلب يكون النساء أكثر من الرجال _ , وحتى في لندن ظهرت عيادات طبية تساعد في فرز الحيوانات المنوية وتغليب فرص الذكور فيها قبل التلقيح , وذلك استجابة لطلب أعداد غفيرة من ممثلي ثقافة الفحول _على حد وصف عبدالله الغذامي _ .

Advertisements