قراءة في كتاب نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط – جورج قرم

أضف تعليق

209378726314

اسم الكتاب: نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط.

اسم المؤلف: جورج قرم.

اسم المترجم: سلام دياب.

الدار الطابعة: دار الفارابي.

التعريف بالمؤلف والكتاب

الدكتور جورج قرم مولود سنة 1940, من أكثر المؤلفين العرب غزارة بالتأليف ونشاطا. وهو الوزير السابق في الحكومة اللبنانية. كتاب جورج قرم الذي بين أيدينا جزء من مشروعه الذي يتألف من “شرق غرب الشرخ الأسطوري” و “المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين” وهذا المشروع يهدف بشكل أساسي إلى إعادة فهم الاختلاف بين الغرب والشرق وأنه ليس سببه ثقافي أو ديني كما يدعي صمويل هنتغتون والتأكيد على السياق السياسي و دور الهيمنة الغربية على الدول العربية وحلفائها في خلق ظاهرة الإرهاب وإعادة دور الدين بشكل مكثف في الحياة العامة. جورج قرم ينتمي بشكل واضح إلى مدرسة تؤمن بقيم الحداثة و التنوير بطموحها الإنساني وموقفه من الدين ينتمي إلى هذه المدرسة ويرفض بشكل صارم مقولات ما بعد الحداثة والنسبوية والتعددية الثقافية. أيضا جورج قرم يكتب أساسا باللغة الفرنسية وبالتالي سيلاحظ القارئ أنه يتوجه بالكلام في أجزاء من الكتاب بشكل مباشر إلى المثقف الفرنسي وماذا يجب أن يكون دوره في الفترة القادمة

الكتاب مترجم والترجمة كانت ممتازة لكن واجه المترجم مشكلة في التفريق بين مصطلحي

sécularisation

 الذي يتم ترجمته بالعادة في العالم العربي إلى علمانية. ومصطلح

laïcité

الذي يجري في العادة تعريبه في العالم العربي بـ “اللائكية” أو توصف اللائكية بأنها “العلمانية الصارمة”. المترجم ترجم

sécularisation

إلى الدنيوية و ترجم

laïcité

إلى العلمانية وهذا الاختيار قد يشوش على القارئ نوعا ما لكن يبدو أن هذا التفريق أتى من جورج قرم نفسه و من المعروف أن سكالرزيوم تترجم إلى العلمانية أو الدنيوية.

مقدمة للمقاربة الدنيوية في تحليل الصراعات

إن الصراعات التي نسميها بالصراعات الجيوسياسية أي تلك التي توضع وجها لوجه بلدا ضد بلد أو عدة بلدان تتطلب دوما التبرير لجعل العنف والموت والدمار الذي تزرع بذوره مقبولا. بل يمكننا القول إن الصراع لا يندلع إلا عندما يعتبر هذا الطرف أو ذاك أنه أقنع بما فيه الكفاية رأيه العام بضرورة إعلان الحرب. تجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من الصراعات المحلية داخل بلد ما سرعان ما تكسب بعدا إقليميا أو حتى دوليا قد يفضي إلى صراعات أكبر أو قد يكون بمثابة فضاء رمزي ومحدد لصراع أكبر.

ومن المفارقات كما يقول جورج قرم أن الخطاب الجديد لتبرير الحرب رغم أننا في عالم العولمة ويتميز عالمنا على نحو متزايد بإمكانية استخدام أدوات البحث والتنقيب فإن الخطاب الجديد لتبرير الصراعات تميز باستخدام مكثف لـ البروباغاندا والايدولوجيا  وللدعاية والتضليل والتذرع بـ “قيم” ذات طبيعة استعلائية يجب حمايتها أو نشرها. وأكثر من ذلك اتخذ هذا الخطاب الجديد خلال السنوات الأخيرة لغة جواهرانية تركز على شرح أسباب النزاع باعتبارات ذات طبيعة انثروبولوجية أو دينية أو عرقية أو ثقافية. تبرز الصراعات هنا كضرورة لا مفر منها للحفاظ على “كينونة” شبه منزهة أو ثابتة تتجسد من خلال قيم ما, أو على العكس لتدمير كينونة تعتبر مؤذية ولا يمكن التساهل معها للحفاظ على السلام.

يؤكد جورج قرم أن التحليل الدنيوي لأسباب الصراعات يميل الآن إلى التواري حقل المعارف الأكاديمية التي يزداد تركيزها على عوامل يشار إليها بشكل خاطئ بعودة الدين أو العرق عوامل تقدم بمثابة التفسير الرئيس للصراعات والحروب. وهكذا يقول جورج قرم أن التحليل الدنيوي ذلك الذي ينفي مقاربة الصراعات من المنظور الأنثروبولوجي الديني أو العرقي أو بأحد أشكال المزاعم الجواهرانية لأسباب الصراعات أو بتحديد عامل واحد أو مذنب واحد أو مسؤول عن الصراعات. تسعى هذه المقاربة الدينوية إلى استعادة معرفة الأسباب الحقيقية للصراعات التي تجد جذورها في تاريخ مختلف المجتمعات تاريخ معقد دوما لا يحتمل أي تبسيط.

يؤكد جورج قرم على أن الذي يريد تغطية الصراع إعلاميا أو أكاديميا اتخاذ عدة احتياطات منهجية.

الاحتياط الأول تجنب الرؤية الثنائية للعالم ومبدأ السببية الأحادي الجانب.

الاحتياط الثاني: الانتباه لانزلاق القانون الدولي أو ما يسمى بالشرعية الدولية للإشارة إلى قرارات مجلس الأمن, فخلف هذا المصطلح تختبئ قوة وإرادة أمريكا وحلفائها. وكما يقول جورج قرم إن الجمعية العامة التي تضم كل الدول هي الجهة الوحيدة التي بالإمكان اعتبارها الممثل عن دول العالم كافة وليس عن مجتمع دولي لا وجود له أساسا.

الاحتياط الثالث: العودة إلى تقنيات التحليلات السياسية الدنيوية والمتعددة العوامل التفسيرية للصراعات: يتطلب النهج الدنيوي في التحليل بحسب رأي جورج قرم مراجعة كل العوامل التي أدت إلى نشوء الصراع. وهذا ما يمكن تسميته بالتحليل متعدد العوامل إذ يستعرض الأسباب الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والعقائدية التي أسست لبنية الصراع.

يذكر جورج قرم أن من أسباب الصراعات هو انبعاث الأفكار الأرستقراطية والسلطوية. يقول جورج قرم شهدنا عودة ظهور الأفكار الأرستقراطية المصحوبة بعودة ظهور أفكار حول عدم المساواة بين الأجناس والأعراق والحضارات. وهو جدل قيم أدمى أوربا طوال تاريخها الحديث من حروبها الدينية التي نالت من جبروت الكنية الكاثوليكية الرومانية إلى الثورة الفرنسية التي هاجمت امتيازات الطبقية الأرستقراطية الإقطاعية المنشأ, إلى الحركات القومية الأوربية الكبرى التي اعتبرت نفسها الشعب المختار والمتفوق فألهبت المشاعر والأهواء وأثارت حروب القرن العشرين بما فيها الكثير من الحروب الاستعمارية وكذلك الحرب العالمية الأولى. هو جدل بين قدامى ومحدثين أو بين أنصار نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي هرمي قائم على المنشأ العائلي والثروة أو الطبقة الاجتماعية. نظام ثابت لا يتبدل في التاريخ وبين أولئك الذين يدعون إلى المساواة بين الرجل والمرأة والشعوب بغض النظر عن الزاوية التي نرى فيها هذا الجدل فهو مسؤول إلى حد كبير عن أعمال العنف المتكررة في الواقع عن حرب أهلية دائمة تقريبا داخل حتى العالم الغربي ذاته. وهو كذلك المسؤول عن فظائع الحرب العالمية الثانية أو حرب جلاء الاستعمار التي يجب أن نؤكد فيها على الدور الهام الذي أدَّاه فيها قسم من الدول الأوروبية علما أنها تعتبر نفسها من أنصار المساواة والقيم الإنسانوية.

وكما يرى جورج قرم أن التراث الثور الفرنسي الذي وضع قيد التنفيذ مبادئ الفلاسفة الإنكليز ومبادئ فلسفة الأنوار قد أعطى للعالم الأدوات السياسية والقانونية لتحرير الشعوب والطبقات الاجتماعية في حين تعزز النيوليبرالية اليوم عودة الفروق والطبقات الاجتماعية وصناعة الامتيازات التي غالبا لا تبررها أية جدارة حقيقية.

يذكر المؤلف كأحد أسباب الصراع أن دولا ذات مكونات ناقصة نشأت في حالات صراع لايزال قائما. فهناك دول نشأت في ظروف نزاع وهي غير قادرة على البقاء إلا في ظل استمرار آليات التنازع تلك هي حالة دولة إسرائيل ودولة الباكستان اللتين نشأتا انطلاقا من رفض قبولهما التعايش الديني التعددي إذ إن كلتيهما تزعمان تجسيد جوهر الدين ونقائه. إن أقدم نزاعين في الوقت الحالي هما الصراع الفلسطيني والصراع الكشميري وهما راجعان إلى إدعاء هاتين الدولتين تجسيد شرعية دينية. أيضا يمكن أن نذكر في هذا الإطار الدول التي تشكلت لكي تكون “دولا عازلة” لطموحات قوى إقليمية ودولية مختلفة كما هي حال لبنان وأفغانستان. فضلا عن ذلك فإن بعض هذه الدول محاطة من جميع الجهات وبدون موارد وبالتالي فهي تعتمد على حسن نية جيرانها الأكثر نفوذا والبعض الآخر ذات طبيعة جمهورية الموز _ وهي الدول التي يكون اقتصادها يعتمد على عدد قليل من المنتجات كزراعة الموز تحكمها مجموعة صغيرة وفاسدة وتكون غير مستقرة_ لا يزال يعيش في زمن الاستعمار الجديد. وسواء كانت هذه الدول مكونة بالشكل الصحيح أو ضعيفة هيكليا ورهينة التأثيرات الخارجية على نحو غير متناسب فإنها تؤدي إلى توتر مستمر وغالبا ما تكون نقطة بداية لصراعات أوسع نطاقا. إن عب الاستعمار وعبء حروب إزالته ولكن في كثير من الأحيان تركة الحروب الباردة كل هذه العوامل لا تزال تؤثر في الديناميكية المزعزعة للمجتمعات والمؤججة للأوضاع النزاعية المتمحور حولها وذلك على حساب السكان ضحايا هذه الصراعات التي تتجاوزهم بكثير.

يختتم الفصل جورج قرم بذكره لفائدة المقاربات الدنيوية للصراعات: فهو كما يقول إن هذه المقاربات هي الوسيلة الوحيدة القادرة على أن تعارض تطور انتشار المفردات والتركيبات الأسطورية التي تمنح شرعية كاذبة وسهلة للحروب والصراعات. وفي كثير من الأحيان لا يتقيد المثقفون والباحثون بهذه الاحتياطات بل يتماهون مع شعارات وسياسات القوى التي هي مصدر إنفجار الصراعات. إن إمكانية النفاذ إلى وسائل الإعلام والتأثير في الأمراء الحكام أقوى من الرغبة في فهم وتفسير رهانات الصراع في كل تعقيداتها. هكذا نشهد في الأبحاث الأكاديمية جملة من القيم الضمنية يتم التعبير عنها من خلال المسبقات البديهية والأحكام الفجة وكذلك من خلال استخدام مفردات انثربولوجية جوهرانية تحون دون كل تحليل دقيق لصراعٍ ما. ويواصل جورج قرم أن هذه المواقف تتعارض مع الرغبة في السلام والعدالة التي تتوق إليها المجتمعات في العادة. فالبشر العاديون لا يطلبون الحرب بل هم دعاة سلام لا يطمحون إلا إلى العيش الآمن وإنما هي النخبة السياسية المتعطشة إلى مزيد من السلطة والمكاسب المادية. فالحرب والعنف قبل أن يطالا الجسد ويجلبا الموت هما في البداية حرب كلامية واستحداث معان تحمل العداء للآخر والانتفاص منه وتهميجه.

في الفصل الثاني يتحدث جورج قرم عن الصراعات الجديدة ووظيفة “عودة الدين”

يؤكد جورج قرم أن هذه العبارة اكتسبت رواج كبيرا دون أن يتساءل الباحث عن معناها ووظيفتها. ففي البداية إن الحديث عن عودة يفترض أنه كان هنالك غياب, غير أن ما من شيء قابل للجدال والمناقشة مثل هذا القول وذلك لسببين الأول أن الدين على اختلاف أشكاله قديم قدم الكون فالحاجة إلى التسامي وإلى تفسير هشاشة الوجود البشري أمام ديمومة الكون وحتمية الموت يستدعي الإيمان بجملة من المعتقدات من شأنها أن تهديء من قلق الإنسان وروعه. وهذا الشيء لم يختف وفي أمريكا حيث كان التدين التقليدي هو السمة الأساسية للمجتمع الأمريكية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي حتى وفي أوربا ظل الدين موجودا وحاضرا وإن اكتسب طابعا علمانيا بشكل تدريجي. و السبب الثاني الذي يجب أن يبعث الشك في وجود ظاهرة “عودة الدين” فيعود إلى غياب الإحياء اللاهوتي في الديانات التوحيدية الكبرى. فكلي كي يكون هنالك عودة للدين يجب أن يكون هنالك تجديد عميق للاهوت في تلك الأديان وهذا ما لم يحدث بنظر جورج قرم.

ويتحدث المؤلف على أنه بعيدا عن عودة الدين فإننا نشهد وإلى حد بعيد أزمة حادة تصيب هذا البعد الأساسي من المجتمعات البشرية في جميع أنحاء العالم. تضافرت هذه الأزمة مع أزمات متعددة الجوانب تتصل بالشرعية السياسية وتصيب مجتمعات عديدة. تتلاعب أزمة الشرعية السياسية بالأزمة الدينية نفسها وقد تتلاعب الأزمة الدينية بأزمة الشرعية السياسية. هذا ما يخلق في المجتمعات المتأزمة خصوصا المجتمعات التوحيدية هذا الخانق من حرب الحضارات والأديان. فالأزمة تستشري داخل المجتمعات التوحيدية وكذلك بين بعضها البعض هي أزمة سياسية بامتياز تتصف ليس بـ “عودة الدين” و إنما بـ “اللجوء إلى الدين”.

يتحدث المؤلف كيف أن العلمانية كانت هي الايديولوجية السائدة في القرن العشرين و أن القاموس العلماني هو كان القاموس المستخدم في تفسير الصراعات ولم تكن تستدعى القيم الدينية في لتبرير الرغبات السياسية.

 لكن يقول المؤلف أنه من المفيد أن ندرك كيف انقلب العالم في بضعة عقود من جيوسياسية غاب عنها استحضار القيم الدينية والحضارات والثقافات إلى عالم لا يكف فيه قادته وأصحاب القرارات السياسية للقوى العظمى أو الصغرى عن استحضار علاقتهم بالله وتمسكهم بقيم دينية وحضارات عابرة للأوطان خيالية أكثر منها واقعية. كانت هنالك خمس أحداث سياسية كبرى قادت إلى هذا التحول ويذكرها المؤلف بالترتيب الزمني.

 الحدث الأول: انتصار الوهابية في العالم الإسلامي. الحدث الثاني انفصال مسلمي الهند وتأسيس دولة باكستان. فبعدما أرادت النخبة المسلمة في الهند الانفصال عن الاتحاد الهندي لتشكيل دولة منفصلة قائمة على الهوية الدينية. حدث للأسف حمام الدم 1947 ونشأت دولة باكستان وفي عام 1970 انفصل البنغلادشيون في حرب هي الأخرى دامية وهذا يؤكد أن الرابط الديني وحده لا يكفي لتشكيل أمة متماسكة. الحدث الثالث هو الصهيونية وقيام دولة إسرائيل. الحدث الرابع هو تأسيس منظمة مؤتمر الإسلامي. الحدث الخامس هو الثورة الدينية الإيرانية. وفي نفس الفترة حدث الإحياء الكاثوليكي الذي انطلق من بولندا و برز الانجيليون الجدد في الولايات المتحدة وأخيرا انهار الاتحاد السوفيتي.

images

العلمانية كحل لمسألة الدين.

يؤكد المؤلف على الفروق بين ما يسميه _بالإدخال في الدنيوية_ و” العلمانية” ويقصد بنظام الإدخال في الدنيوية هو المفهوم الانجلوسكسوني والألماني للعلمانية المستوحى من قيم الكنائس البروتستانتية المختلفة. والعلمانية التي سيتحدث عنها ما تسمى بـ “اللائكية” المستوحاة من التقليد الفرنسي. و يقول أن هنالك ثلاث مزايا للنظام العلماني على الأقل وليست متواجدة في الدينيوية.

المزية الأولى هو التأكيد على الإنسانوية كمبدأ ينظم المجتمعات ومصدر للأخلاقيات والسلوكيات. وبموجب هذا المبدأ تُحرم كل رؤية تراتبية للحضارات والأعراق والثقافات والأديان. المزية الثانية: هي إنشاء فضاء عام مستقل عن الفضاء الخاص يسمح بنشر المواطنة. إن الفصل بين الفضاءين ضروري لازدهار المواطنة ففي الفضاء الخاص يستطيع المواطن ممارسة كل الخصوصيات التي يرغب فيها سواء في اعتقاداته الدينية أو في لباسه بل حتى في اللغة التي يود استخدامها. لكن في الفضاء العام يجب على المواطن أن يضع معتقداته وتقاليده الخاصة حيث إنه مواطن ذو سلوكية تنشأ عن تربية مدنية اكتسبها من أخلاقية المصلحة العامة في المجتمع وعلاقاته بالمحيط الخارجي. وأيضا من الفضاء العام الإعلام باختلاف أشكاله و إذا كان الإعلام يستخدم لنشر قيما ذات طبيعة خاصة دينية أو عرقية فهذا يعني أنه يستخدم الفضاء العام كوسيلة لتوثيق الروابط الدينية العرقية أو الدينية أو لترويج هذه الروابط ونكون بهذا في تناقض صارخ مع جوهر القيم الجمهورية في ذاتها.

المزية الثالثة للنظام العلماني هي السعي الدؤوب وراء المصلحة العامة داخل المجتمعات وبين المجتمعات ففي الفضاء العام تناقش شؤون المجتمع وتعد فيه قواعد الأخلاق العامة التي تستقى منها القوانين والأنظمة المتوجب تطبيقها وكذلك السياسات التي يتوجب تنفيذها للتوصل إلى ما يعرف بالمصلحة العامة.

ويؤكد المؤلف أنه من خلال هذه المبادئ الثلاثة نرى الفرق الفاصل بين نظام إدخال الدين في الدنيوية وبين نظام علماني. ففي نظام الإدخال في الدنيوية تكون الهوية والقيم الدينية في قلب الحياة العامة حيث يمكن توظيف الدين والأصول العرقية مباشرة في المجادلات أو المنافسات السياسية. أما في النظام العلماني فالدين والأصول العرقية تبقى قيد الفضاء الخاص. في الحالة الأولى تُشجع الطائفية بجميع أنواعها وتشجع كذلك جماعات الضغط الخاصة بها للإدلاء بآرائها في الفضاء العام. في الحالة الثانية فهي تشكل عقبة خطيرة أمام تنمية الشعور بالمواطنة والفكر الجمهوري.

في الفصل الثامن يتناول المؤلف الطائفية والتعددية الثقافية كمصدر للصراعات.

يقول جورج قرم إنه يمكن اعتبار مفهوم المواطنة الحديث أعظم إنجاز للمجتمعات البشرية إذ خلافا للمفهوم الإغريقي الذي كان يقتصر على فئة معينة من سكان المدينة يشمل المفهوم الحديث جميع الفئات الاجتماعية. في نهاية المطاف وتحت تأثير الفلسفة الليبرالية الانكليزية وعصر الأنوار الأوربية ومبادئ الثورة الفرنسية الكبرى تم إدماج كل أفراد المجتمع في جسد سياسي واحد دون أي إقصاء على أساس عنصري أو ديني أو جنسي أو متعلق بالانماء العرقي أو العائلي.

إن هذا المفهوم يعاني اليوم من تراجع ملحوظ وأصبح موضع مجادلات بشكل متزايد تحت وطأة الظواهر الإيديولوجية والسياسية المختلفة التي تميز مرحلة ما بعد الحداثة. وأيضا هواجس المجتمع الناجمة عن العولمة الاقتصادية وتراجع الثقة بمزايا نظام الدولة – الأمة سليل القرن التاسع عشر الأوربي نظامٌ استطاع نموذجه أن يجوب الكرة الأرضية.

يتحدث المؤلف عن السياقات والأصول التاريخية لهواجس الهوية.

فيقول جورج قرم دعونا نذكر سريعا بالسياق العالمي الذي حفز صعود الايديولوجيات والذاكرات الخاصة بالهوية. فالقضية اليوم هي رؤية العالم الذي ينغلق في الوقت الراهن داخل تقسيم ثنائي بين “نحن” و “هم” بين عالم منطو على طائفة دينية أو عرقية أو مجموعة من المجتمعات تعرف نفسها من خلال حضارة وقيم مشتركة من جهة وبين عالم خارجي “عدائي” يتوعد “بوحشيته” بل بنزعته الاضطهادية أو الظالمة. هكذا حل محل الرجاء في أخوة عالمية نظرة تشاؤمية تحفز المطالبة بالضمانات والحمايات والحصص والمؤسسات المنفصلة والرسمية لكي يشعر أعضاء الطائفة بتمثيلهم في الفضاء العام.

قد يكون هذا التصعيد في قضايا الهوية ناجما عن اجتماع أسباب مختلفة. فالسبب الاول غني عن التعريف: وهو الانهيار التدريجي للإيديولوجيات العالمية والعلمانية منذ ابتدأت المرحلة الأولى للحرب الباردة, وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية للحركات الدينية الأصولية وغير الأصولية من أجل زعزعة قبضة الأحزاب الشيوعية أو نفوذها, خصوصا في أوربا الوسطى والعالم الإسلامي.

إضافة إلى ذلك فإن تجانس أنماط الحياة في جميع أنحاء العالم تحت تأثير مجتمع الاستهلاك والعولمة الافتصادية لم يخل من تأجيج مختلف أشكال المقاومة الثقافية, خصوصا لدى أولئك المستبعدين من الأنماط الجديدة في النمو الاقتصادي وتداول الثروة. وغالبا جاءت عبارة هذه المقاومة الثقافية عن طريق التقوقع على الهوية الذي حفزته الحركات السياسية الراديكالية القديمة منها والحديثة كحركات اليمين المتطرف في أوربا وبعض الحركات الأصولية الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

يتحدث جورج قرم عن نظرية التعددية الثقافية فيقول: في هذا السياق المختلف الأشكال ومع الارتفاع الهائل لعدد المهاجرين الوافدين من قارات أخرى, في هذا السياق اعتبر العديد من الأدباء أن تراث عصر الأنوار والثورة الفرنسية قد عفى عليه الزمن حيث إن عصر ما بعد الحداثة يتطلب في نظرهم بعض التعديلات للمفاهيم الصارمة والمتجانسة للأخلاقية الجمهورية التي تفصل بحزم الفضاء الخاص عن الفضاء العام حيث لا يجوز التعبير عن الخصوصيات العرقية والدينية. من هذا المنظور يتوجب على الديمقراطية أن تتأقلم مع هذه الأشكال الجديدة للطائفية أليس من الأفضل احتواؤها وإضفاء الطالبع المؤسساتي عليها وقبولها والاعتراف بالتعددية بكل أبعادها في الفضاء العام بدلا من التمسك بالانقسامات السياسية والايديولوجية التقليدية البحتة بين يمين ووسط ويسار انقسامات كانت ستفقد في جميع الأحوال كل قيمة معنوية لها؟

يذكر جورج قرم أن مصطلح مجتمع أصلا يفيد في حد ذاتها معاني مفهوم التعددية كافة فالمجتمع في طبيعته تعددي وعندما يختل هذا الشرط نصبح أمام أنواع أخرى من توصيف المجموعة البشرية التي قد تكون قبلية أو طائفية أو عرقية أو لغوية أو دينية بشكل وثيق أو ريفية وإقليمية حصرا. لكن هذه المجموعات المغلقة قل تواجدها بفعل التمدين المتزايد للعالم منذ قرنين وتكاثر ظواهر الهجرة والانتشار التدريجي للتعليم.  لكن تنوي التعددية الثقافية أن كل هذا التعدد سواء كان شعب و عرق و دين وحضارة واختلاف الأجناس وجماعات مضطهدة تاريخيا بمختلف أشكال الاستعمار أو ببقايا منظمات اجتماعية ذات تسلسلات هرمية حادة وقاسية كنظام الطبقات الهندي, فالتعددية الثقافية تنوي تنظيم كل ذلك وأن تجعل من إدارة “الاختلاف” نقطة التركيز في الشؤون العامة. وأيضا تم اكتساب مصطلح “اندماج” أو “التماثل” صبغة سلبية في مفاهيم ديمقراطية ما بعد الحداثة.

ما هي الإشكالات في نظرية التعددية الثقافية؟ يجيب جورج قرم أن هنالك إشكاليتان رئيستان للتعددية الثقافية. الإشكالية الأولى بتحقيق التوازن بين الحق في الاختلاف والحق في المساواة وكذلك بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد. لنلاحظ أولا أن مفهوم التعددية في ذاته ملتو في المقاربة الخاصة التي تنادي بإقامة مجتمعات متعددة الثقافة ذلك أن الأمر لم يعد تعددية الآراء السياسية والاجتماعية والاقتصادية أي المناهج المختلفة لتحقيق “المصلحة العامة” للمجتمع وإنما قد أصبح مجرد إقامة نظام التأكيد على اختلاف الانتماءات الهويتية ذات الطبيعة العرقية أو الدينية أو الثقافية. وهذا ما يؤدي إلى حدوث إنقلاب في فلسفة الديمقراطية الحديثة بكل أبعادها خصوصا في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. والجدير بالملاحظة هنا هو أن صعود الاختلافات العرقية والدينية في مجتمع ديمقراطي ما يعود إجمالا فقدان تكافؤ الفرص الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولذلك يصبح التقوقع على الهوية وسيلة فعالة للتعبير عن السخط الاجتماعي-السياسي.

يتحدث المؤلف عن مفهوم حق الاختلاف الذي ترفعه التعددية الثقافية ويقول أن المفارقة تكمن في أن مفهوم الحق في عرف القانون يحتاج إلى تكملته الطبيعية ألا هي والمساواة. فالحق لتحقيق رسالته الأولى يجب أن يكون عاما وينطبق على كل المواطنين كافة بطريقة متساوية. وهذا بالتحديد ما ينقصه حق الاختلاف الذي يعني أن بعض بنود القانون لن تطبق على بعض فئات المواطنين أو أن يتم اعتمدا التمييز الايجابي لمصلحة تلك الفئات لتأمين ذات الخصوصية الهويتية تكافؤ فرص اقتصادية واجتماعية أفضل كنظام الحصص أو الألأولوية في التوظيف أو تبسيط الامتحانات والاختبارات للحصول على شهادات أو على وظائف.

الإشكالية الثانية للتعددية الثقافية في إشكالية المخاطر التي تجرها الأنظمة السياسية ذات القاعدة الطائفية كالنظام اللبناني في مجال احترام الحقوق الفردية وشخصية كل مواطن. ومن مآسي حقوق الطوائف سحق الفرد عن طريق أسره في اتباعه طائفية خانقة. أولئك الذين يستفيدون من الحقوق الطائفية هم من يستخدم ويفرط في استخدام لغة الهوية ومطلقية الفروق. يواصل جورج قرم فيقول إن المجتمع الطائفي أو المتعدد الثقافات حسب العبارة الجديدة غالبا ما يؤدي إلى تكوين غيتوهات متجاورة فما من نجاح يذكر حقا في هذا المجال. سويسرا هي النموذج الأكثر نجاحا ولكن ليس هذا هو الحال في بقية الدول.

يقول جورج قرم أنه يجب العودة إلى إعادة قيم الحرية الفردية ومفهوم الفكر الجمهوري. فيقول أن الجمع بين نظام سياسي يضمن الحريات الفردية إلى أعلى درجاتها ويكفل في الوقت نفسه التوزيع العادل لثمار النمو الاقتصادي وبين التقدم التقني لكل فئات المجتمع ولكل مناطق البلد هو بلا شك أفضل حماية للمجموعات المهددة أو المهمشة في مظهر من مظاهر هويتها المعقدة. ويقول ماذا يمكن أن يضمن بشكل أفضل بقاء مجموعة بشرية تعاني تناقصا ديموغرافيا أو حالة التهميش والإقصاء الاجتماعي – الاقتصادي خير من التطبيق الصارم للحرية الدينية وحرية التعليم وحرية التنظيم الثقافي والفني؟ وإذا اقترنت بآليات عادلة لتوزيع المداخيل ومن أجل إزالة الإقصاء وتوفير عمل لائق للجميع يمكننا حينئذ أن نظن أنها خير وصفة للحفاظ على المجتمع المتعدد وأشكال التعددية الخاصة بكل مجتمع.

رأي القارئ في الكتاب

بشكل مجمل الكتاب ممتاز ويحاول أن يعيد الاعتبار للمفاهيم الكلاسيكية في تفسير الصراعات الجيوسياسية في العالم و أيضا للمفاهيم الكلاسيكية في الطريقة المثلى للتعامل مع ظاهرة الدين في المجال العام والخاص. جورج قرم ينجح نجاحا كبيرا في جانب تفسير الصراع في الشرق الأوسط وتأكيده على المسألة الاقتصادية بأنها من خلالها وحدها تستطيع فهم مجمل الصراع في المنطقة. فدول الخليج لأنها تملك فائضا كبيرا من المال بسبب النفط والغاز تملك تأثيرا كبيرا على بقية الدول العربية ولأنها تنتمي إلى محور محافظ قريب من أمريكا بالتالي تسعى غالبا لدعم جماعات إسلامية أو علمانية لا تهدد مصالح أمريكا, وتسعى أيضا لنشر تعاليم السلفية لأن هذا يشكل قوة ناعمة لهذه الدول. وأيضا هذا العامل هو ما يفسر اهتمام قوى الاستعمار المختلفة من بريطانيا و ورثيتها أمريكا بهذه المنطقة لأنها تشكل الخزان الأكبر لمصدر الطاقة في العالم ويجب ألا يسقط هذا الخزان بأيدي أطراف قد تهدد وصول مصادر الطاقة إلى بقية العالم.

أيضا مناقشة جورج قرم لمفهوم التعددية الثقافية كان موفقا من ناحية أخطار التعددية الثقافية, لكن يبقى الاعتراض الأساسي قائم وهو أن الدول العلمانية مثل فرنسا وأمريكا وكما يقول باتريك سافيدان صاحب كتاب الدولة والتعددية الثقافية ” نلاحظ مثلا في فرنسا أن جدول العطل يتضمن أياما ترتبط بالديانة الكاثوليكية ويقتضي مبدأ الحياد في هذه الحالة تعويض هذه الأيام بأيام محايدة أو أن نمنح الفرد أيام عطل لا ترتبط بحدث خاص بحيث يتصرف فيها كيف شاء أن يتصرف. وفي الحقيقة أن الدولة يستحيل عليها إخفاء آثار الهيمنة الرمزية للأغلبية بسبب التداخل الذي لا يمكن تحاشيه للثقافي والسياسي, ويدفع بنا هذا الاعتراف أن الدولة من أجل أن تحقق الأهداف التي تأسست من أجلها فلا يمكن لها ان تمتنع عن التصرف كفاعل ثقافي.” وفي الحقيقة أن  هذا الاعتراض قوي ويؤكد على الجذور الدينية للدولة لكن الدولة تحرص بشكل مستمر على أن تظهر بالمظهر العلماني حتى القيم الدينية الموجودة فيها تتبناها بشكل رمزي حيث أنه اعتقاد الأسلاف مؤسسي الدولة وبالتالي تتبناها الدولة احتراما لهم, و ليس بسبب “دينيتها” لكن بسبب “اعتناق الأسلاف لها” فمثلا توضع اقتباسات من كلام  مؤسسي الدولة وفيها نبرة دينية في الكتب المدرسية أو في الأماكن العامة, وهذا لا يناقض قيم الدولة الجمهورية والعلمانية.  و أما موضوع العطل الرسمية لاشك أن أحد الحلول هو وضع اجازات في المناسبات الدينية المختلفة وهذا ما أقرته مدينة نيويورك مؤخرا بأن جعلت عيد الفطر وعيد الأضحى عطلة رسمية لطلاب المدارس العامة. وبلا شك أن قيم مؤسسي الدولة سنراها واضحة في مختلف نواحي الدولة لكن يجب أن يتم علمنة هذه القيم ويجب أن تكون مفتوحة وشاملة بأن يكون لأي أحد اعتناقها ولا يجبر أحد عليها و أن تشمل أكثر عدد ممكن ومؤثــِّر من مواطني الدولة وألا تأخذ بعدا عرقيا أو طائفيا ينتقص من بقية مواطني الدولة.

أيضا حديث جورج قرم عن الفصل بين المجال الخاص والعام وأن الدين ومظاهره يكون محلها هو المجال الخاص لم يكن موفقا. وحجتي ليست أن الدين ملاصق للإنسان لايمكنه التخلي عنه كما يقول الإسلاميون في العادة. لكن الحجة الأساسية هي أن الدين بحد ذاته عبء ثقيل على الشخص المتدين فهو يتعلق بالمصير الأخروي وأن هنالك أناس سيذهبون إلى الجنة وأن هنالك من سيذهب إلى النار, وبالتالي لديه هم “دعوي” لنشر الدين, و هو واجب ديني في المسيحية والإسلام وهذا الشخص يريد أن يحاول أن يدعو بقية مواطني الدولة لدينه لكي لا يذهبوا إلى النار, وبالتالي مجال الدعوة ومجال السجالات الدينية بين الأديان والمذاهب سيكون حتما المجال العام. وأيضا حتى “الإنكار” على الإقدام على فعل محرم هو ليس محمي فقط بحرية ممارسة الدين بل بحرية التعبير فكيف لنا أن نقمع شخص يريد أن يرفع لافتة بجانب عيادة للاجهاض مكتوب فيها عبارة دينية تحرم هذا الفعل. وأيضا لو أن مجموعة متدينين يريدون مساعدة الفقراء وإقامة جمعيات تطوعية عملا بنص ديني وهم يُعرِّفون أنفسهم في المجال العام أنهم يساعدون الفقراء والمساكين عملا بوصايا الأنبياء هل من الحكمة منع هؤلاء لأنه مارسوا واجبا دينيا في المجال العام ؟

إن الدولة التي تمنع الدين من المجال العام هي ليست تقصي فقط جزءا أصيلا من المجتمع بل تجعل من طائفة المتدينين كلهم أعداءا لها لأن الدولة تكون عدوة لدينهم. بالمقابل ليس المطلوب هو فتح المجال العام لمختلف أنواع الخطابات الدينية فالخطابات التي تدعو للعنف أو تهدد بقية السكان يجب أن تُجرم لأنها تهدد السلم الأهلي. وأيضا يجب تشجيع نوعية الخطابات الدينية المتنورة التي تناقش ظواهر التدين الرجعية والتي فيها إهانة للإنسان و المرأة أو ظواهر التدين تلك التي  تقف أمام تقدم الدولة أو يهددها.  وشخصيا أميل إلى رأي مارسيل غوشيه الذي يرى أن الحل لظاهرة الدين في الدولة هو الفصل بين المجال السياسي والمجال العام وتوسيع المجال العام وهذا يتاح للمتدينين العمل فيه دون أن تحاصرهم اللعبة السياسية. ورغم أن مارسيل غوشيه نفسه رأى أنه يجب أن الدولة تساوي بين كل الأديان والمذاهب والآراء فهذا في نظري ليس موفقا دائما بل من الأفضل للدولة مع سماحها بحرية التدين وحرية الخطابات الدينية المختلفة, لكن عليها أن تخدم خطابا دينيا أكثر تفتحا ومتسقا مع القيم الجمهورية التي تتبناها الدولة نفسها. فكما أن الدولة ليست حيادية في المجال الثقافي وتدعم مشاريع ثقافية مختلفة للمواطنين مثل تمويل مسرحيات وطنية أو مسرحيات لها قيم ثقافية وإنسانية بهدف صنع مواطن صالح فإن لها حق أيضا أن تدعم أنشطة دينية مختلفة تؤكد على هذه المعاني.

Advertisements

“إلا المجاهرة” تهافت أحمد الشقيري

5 تعليقات

شاهدت حلقة “إلا المجاهرة” من برنامج خواطر, والحلقة كانت مكونة من جزئين وهي الحلقة الوحيدة حتى الآن ببرنامج خواطر التي يتم تقسيمها إلى جزئين ربما لأن الموضوع كان مهما جدا بنظر أحمد الشقيري. لكن رغم ذلك لم يكن الشقيري سوى متبنٍ لخطاب صحوي تقليدي يردده دعاة الصحوة منذ الثمانينات, فموضوع العفاف والفضيلة هو من المواضيع المفضلة لدى الوعاظ. والحلقة كانت تهدف بشكل أساسي إلى تحذير العرب من انتشار الجنس الحاصل بأمريكا و التمسك بقيم الفضيلة والعفاف.

ودعني أبين هنا في هذه النقطة أن نقدي للحلقة لن يكون منطلقا من الخطاب الليبرالي الذي يدعي أن الحرية _أي حرية لا تعارض القانون_ هي إيجابية وجيدة لأنها حرية. فالفكر الليبرالي يرى في الحياة الجنسية الأمريكية أنها جيدة بحكم أنها نابعة من اختيار حر من أطراف بالغة راشدة. لكن الرد على هذه الحجة أن الحرية بحد ذاتها ليست بالضرورة تــُنــتج شيئا جيدا ويستحق المديح, فلو أن أحدا كتب كتابا من بدايته إلى نهايته لا توجد فيه سوى كلمة “حرية” لن يكون شيئا جيدا ولا يستحق أن يُحترم رغم أنه كتب الكتاب بحرية تامة. طبعا لننتبه إلى نقطة هنا وهي أن المحاججة ليست لمنع الكاتب أن يكتب الكتاب لكن للقول أنه كتاب سيء رغم أنه صدر بفعل حر, وكذلك بإمكاننا استخدام هذه الحجة ضد طبيعة الحياة الأمريكية الجنسية بأنها حياة سيئة رغم أنها صدرت بفعل حر. الذي يهمني هنا تأكيده هو أن الفعل له شكل وله مضمون فالشكل هل نبع من إرادة حرة أو لا, و المضمون هو طبيعة الفعل نفسه. فالفعل قبل أن يكون إيجابيا لابد أن يكون نابعا من إرادة حرة و طبيعته جيدة بحسب المعايير والقيم التي تتبناها الجماعات ويتم التنازع عليها.

نقدي للحلقة سيكون للأساطير التي بثتها الحلقة وهي أساطير تردد من كل واعظ يعالج موضوع الفضيلة في العادة. الأسطورة الأولى و هي الأكثر خطورة أن التحلل بالمجتمعات يبدأ بالتدرج فنوعية الثياب تقصر مع السنوات والعقود ثم ينتشر العري والفساد لذلك يجب أن نقف مع اللبس الذي يستر أكثر ولا نتخلى عنه. ففي أحد المشاهد يستعرض الشقيري نوعية ملابس الأمريكيات وكيف أنها تغيرت مع مرور السنوات وأن هذا كان متزامنا مع درجة الانحلال الأخلاقي في المجتمع. أولا دعني أقول هنا أن القول أن الملابس كلما كانت ساترة أكثر كان العفاف موجود بشكل اكبر, والربط بين الفضيلة والثياب الساترة فكرة ساذجة إلى أبعد حد. فالشقيري يعرض كيف كانت ملابس الأمريكيات محتشمة في القرن التاسع عشر ولا يدري أن تلك الفترة هي الفترة الذهبية للدعارة في أمريكا, وأصبحت الدعارة تجارة من أكثر التجارات التي تدر الأرباح, بل تفوقت على تجارة التصدير وصنع البيرة مجتمعة. هذه الفترة الذهبية للدعارة هي نفس تلك الفترة التي يرثي لها الشقيري لأن ملابس النساء فيها كانت أكثر احتشاما.  الأمر الآخر الذي استشهد به إلى أن نوعية الثياب المحتشمة ليست دلالة على أن المجتمع تنتشر فيه الفضيلة والعفاف هو أنه في مصر و أفغانستان لباس المرأة أكثر احتشاما منه في أمريكا لكن قضايا التحرش الجنسي و الاغتصاب هي أكثر منها بمراحل من أمريكا.

وأما الأسطورة الأخرى المتعلقة باللباس التي ذكرها الشقيري , أن ملابس النساء تكون أقل سترا مع مرور السنوات إذا بدأت بكشف يسير عن الجسد. هذا الكلام ليس صحيحا وهو تقليد وعظي يأتي للتحذير من التساهل في الكشف عن الأمور البسيطة من باب سد الذرائع. فأولا في مصر في الخمسينات والستينات كان من الطبيعي جدا أن ترتدي المرأة المصرية فستانا في الشارع يكشف عن سيقانها وتذهب بهذا الفستان إلى الجامعة أو العمل, لكن اليوم لبس المرأة المصرية وربما في العالم العربي كله أكثر سترا من ذلك. وهنا نذكر نقطة أنه رغم أن ملابس المصريات كان بهذه الطريقة في تلك الفترة لكن التحرش وجرائم الاغتصاب وحتى الزواج العرفي هو أقل مما هو عليه الآن فهذا تأكيد على أن قصر الملابس وطولها ليست دليلة على الحشمة. وأيضا ما يبطل كلام الشقيري وغيره من الوعاظ أنه بأمريكا نفسها التي يستشهد بها كان لباس المرأة في العشرينيات أقل سترا منه في الثلاثينات. فالمجتمع اتجه للمحافظة في ذلك العقد و أما في عقد العشرينات فقد كان متجها إلى الانفتاح. فقصدي كله من إسقاط هذه الأسطورة هو أن العفاف ليس مرتبطا بالمدى الذي تستره المرأة من جسدها, و الأمر الآخر أنه ليس بالضرورة أن لباس المرأة يكون أقل سترا مع الزمن وأننا يجب أن نقف بحزم رافضين تغيير كشف الأمور الصغيرة بحجة سد الذرائع وبحجة أنها ستكون بوابة لأشياء أكبر, وأن الملابس التي تستر أكثر هي أفضل. و في الحقيقة حتى مصطلح “ساتر” أو “محتشم” هو مصطلح نسبي يحدده المجتمع و الزمان والناس فربما في وقت من الأوقات كانت عباءة الكتف تُعتبر في السعودية غير ساترة لكنها الآن ساترة و كان كشف الوجه أمرا خطيرا لكنه الآن أمر مقبول أكثر. فالقصد أن مفهوم الحشمة و الستر هو نسبي يتغير بتغير الزمان وما يحدده المجتمع ومرجعيته وأيضا التدافع والنقاش في المجال العام بين أفراده.

الأسطورة الثالثة التي ذكرها الشقيري هو استخدامه الخاطئ لسؤال زينت بنت الجحش للنبي صلى الله عليه وسلم “أنهلك وفينا الصالحون؟” فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “نعم إذا كثر فيكم الخبث” وهو حديث شهير بالبخاري وإن كان في صحته كلام, لكن على فرضية صحته  فالشقيري استخدم الحديث ليدلل على هلاك بومباي بالبركان و أن أعلى نسبة انتحار في سان فرانسيكيو هو بسبب كونها مدينة يكثر فيها الشواذ. وهذا كلام في منتهى التهافت. فالشقيري نفسه يرفض أن يقول أن تسونامي أو حتى حادثة غرق جدة هي عقوبة إلهية ويقول أنه لا يكون بإمكاننا أن نعرف أن ما حصل لبومباي بأنه عقوبة إلهية إلا بنص لكنه طوال الحلقة يصور للمشاهد أن ما حدث لها عقاب إلهي. ولا يجب أن ننسى أن الجنس والشذوذ الجنسي كان شائعا في أثينا وروما و بلاد فارس وكلها لم تهلك بكارثة طبيعية. و أيضا من الغريب استدلاله على أن سان فرانسيسكو هي أكثر مدينة فيها انتحار وربط ذلك بالشذوذ الجنسي, وينسى أن الانتحار قد يكون من علة نفسية سببها تعاطي المجتمع الأمريكي مع الشذوذ الجنسي ومدى تقبلهم له _الذي بالمناسبة هو ليس كبيرا عكس ما يُصور بالإعلام الأمريكي_, أو ربما لأسباب اقتصادية ونفسية وليس بالضرورة وجود علاقة سببية بين الشذوذ في سان فرانسيكو ونسبة الانتحار فيها. على  أية حال اليابان التي صور فيها الشقيري أحد أجزاء برنامجه وطلب منا تقليدها هي من أكثر الدول انتحارا في العالم وهناك 90 حالة انتحار يوميا فيها فلو أن واعظا جاءه وقال أن نسبة الانتحار بسبب أنهم بوذيون أو لأنهم دولة صناعية فهل سيقبل ذلك ويقول هي عقوبة إلهية كما فعل مع سان فرانسيسكو؟ و حتى قوله صلى الله عليه وسلم “نعم..إذا كثر فيكم الخبث” فالخبث هنا لا نفهمه فقط بأنه الزنا بل منه السرقة و شيوع النفاق و السكوت عن الظالم وتطبيق القانون على الضعيف و تجاهله عندما يتجاوزه الشريف, هذه الأسباب التي تؤدي إلى هلاك الأمم وهكذا جرت سنن الله سبحانه في نهوض الأمم وسقوطها.

الأسطورة الأخيرة التي ذكرها الشقيري في حلقته هي تعرضه لمرض الإيدز وأنه نشأ في أمريكا, ورغم أن هذا الكلام صحيح لكن إثبات أن الإيدز عقوبة إلهية كلام لا معنى له. لأنه أولا ينتشر في الأماكن التي يكثر فيها الفقر والجهل وعدم التوعية الجنسية فـ 68% من المرضى متواجدون في أفريقيا, فهل لأن الحياة الجنسية بأفريقيا أكثر انحلالا منها في أمريكا أم لأنهم فقط سيئي الحظ ينتشر عندهم الجهل والفقر. بالإضافة إلى أن الادعاء أنه عقوبة إلهية سيكون خطيرا لأن كثيرا من المصابين بالمرض هم أطفال ولم يكن لهم ذنب سوى أن أمهم حاملة للمرض فهل هؤلاء أيضا معاقبين؟ هذا يناقض العدل الإلهي وقوله تعالى “ولا تزر وازرة وزر أخرى”

في ختام هذه التدوينة أقول أن تفسير الحوادث والعقوبات الالهية بالانحلال الجنسي كلام فارغ بإمكاننا تطبيقه بأي مكان وأي مدينة ولن يعوزنا العثور على  ذنب آخر بدل الانحلال الجنسي, فإذا لم يكن بأيدنا نص إلهي يخبرنا بأن ما حدث عقوبة إلهية فلا طائل من التألي على الله سبحانه. الأمر الآخر هو أنه ليس بالضرورة أن المجتمع يسير في اتجاه واحد في قضية الستر في الملابس وأنه يكون أكثر سترا مع مرور السنوات وهذا ليس في اللباس فقط فحتى على صعيد السينما, فمثلا كانت السينما المصرية والإيرانية لديهم حرية أكبر في عرض جسد المرأة والعلاقات الحميمية منها في الوقت الحالي. وهذا أمر طبيعي يدل على تغيير مزاج المجتمع وتوجهه للمحافظة أكثر. وليس صحيحا أبدا أن الستر في الثياب يدل على العفاف, بل وليس صحيحا أن المرأة كلما سترت من جسدها أكثر كان ذلك أفضل, فالحجاب الذي يــُـفرض من الدولة فرضا لا قيمة له أبدا وفيه استبداد وتغول للدولة. وموضوع اللباس اللائق والمحتشم يحدده المجتمع نفسه عن طريق التدافع بين أفراده وليس مقبولا أن تفرضه الدولة أو أن يحكم عليه احد من خارجه, فكما أنه ليس مقبولا أن يأتي أمريكي ليقول لنا لبساكم فيه ظلم للمرأة ليس من حقنا أن نقول للأمريكيين لباسكم فيه امتهان للمرأة. وفي النهاية إن الوعيد الذي في حديث “أنهلك وفينا الصالحون؟” فقال صلى الله عليه وسلم “نعم.. إذا كثر فيكم الخبث” متعلق بإقامة العدل و رفع الظلم و محاربة الفساد وليس فقط بانتشار مظاهر التعري والزنا.

قراءة في كتاب الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية لبارينتجون مور

تعليق واحد

اسم الكتاب: الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية
اسم المؤلف: بارينتجون مور
اسم المترجم: أحمد محمود
عدد الصفحات: ٦٠٠

رحلة شيقة مليئة بالمعارف التي يشرع لنا سماواتها بارينتجون مور ونحن نسير بين صفحات الكتاب, لا يمكن لأية مهتم بالثورات الكبرى التي غيرت شكل الدول للأبد ألا يقرأ هذا الكتاب, إن الفرق الجوهري بين الثورة والانقلاب ليس هو أن تكون مسلحة أو بشرت بالعدالة أم لا, إن الفرق الجوهري كما نرى أنه الثورة ابنة شرعية للحالة الاجتماعية حيث حينما نتأملها لا يمكن لنا فصلها عن سياقها الاجتماعي عكس الانقلاب الذي قد يكون انقاذا للنظام السائذ وتكريسا لحالة اجتماعية سائدة, الثورة ليست بالضرورة يقوم بها مجموعة كبيرة من الشعب, فالثورة قد يقوم بها مجموعة مسلحين لكنهم فعلوها استجابة لنداء التاريخ المؤكد ضرورة التغيير, بارينتجون مور يتحدث في كتابه هذا عن سبع ثورات كبرى واخترت أن أتحدث عن ثلاث فقط في هذه التدوينة, نلاحظ في منهج بارنتجون مور هو التركيز على دور النظام الاقتصادي الذي أدى إلى الثورة فبتغيير النظام الاقتصادي تقوى طبقات جديدة في المجتمع وتضعف طبقات أخرى, وأيضا ففي حالة انجلترا نلاحظ أن عدم وجود الفلاحين وعدم وجود الغوغاء وكونها الثورة الانجليزية ثورة قامت بها الطبقة البرجوازية الصاعدة والأرستقراطية المعادية للملك هو ما أدى إلى نجاحها في تحولها نحو الديمقراطية والحرية في انجلترا عكس ما حدث في فرنسا حيث كان الغوغاء هم المحرك الأساسي للثورة, وأيضا كان أهم نتائج الثورة الانجليزية هو وجود برلمان قوي ويتمتع بقدر كافي من المرونة ليكون هو حلبة صراع طبقات المجتمع وبذلك ترسخت العملية الديمقراطية في انجلترا وأن البرلمان هو المكان الطبيعي للتحقيق المطالب والرؤى والأفكار السياسية, وعند حديث بارنتجون مور عن الحرب الأهلية الأمريكية باعتبارها ثورة لأنه تم فيها هزيمة الشكل الاقتصادي الأرستقراطي المتخم بالرجعية وإن كان ظل قائما ثقافيا حتى بعد الحرب الأهلية لكنه لم يعد موجودا اقتصاديا, فقد كان بارنتجون مور يرى أن اقتصاد الجنوب مقارب لاقتصاد روسيا قبل الثورة البلشفية, وأما القول أن نهاية الرق كانت نتيجة حتمية ولم تكن الحرب ضرورية فمور يرى أن هذا كلام فارغ إذ أنه حتى في أثناء الحرب واجه ابراهام لينكلون معارضة شديدة حتى من حزبه لتمرير التعديل الثالث عشر القاضي بتحرير العبيد ولم يستطيعوا تمرير هذا التعديل على الولايات الجنوبية التي تعمل بنظام الرق لكنها لم تنفصل عن دولة الولايات المتحدة الأمريكية, وفي حالة اليابان نشاهد أن النظام الاجتماعي القديم تفكك بسبب أعمال الطبقة الحاكمة الذين فعلوا أمرين مهمين الأول هو محاولة ترسية السلم وبسبب ذلك فقد “الساموراي” أهميته في الدولة وتوجه العديد منهم إلى كونهم قطاعين طرق وجاهزين للثورة في أية وقت ولا شك أن النظام الاجتماعي في اليابان بترسيته للسلم تخلى عن أحد الطبقات الحامية للنظام الاجتماعي, والأمر الآخر الذي فعلته الطبقة الحاكمة في اليابان وساهم في الثورة هو فرض “حياة الترف” على طبقة الدايمو الذين لم يكن لهم خيار إلا الاستعانة بطبقة التجار البرجوازية الصاعدة في ذلك الوقت ومع الوقت قوت هذه الطبقة وكانت حليفة ميجي والمحرك الأقوى لعصر الاصلاحات في اليابان حيث كان القضاء على النظام القديم سهلا بعد تفككه.
يبدأ بارينتجون مور كتابه بطرح قضية التحول الديمقراطي في انجلترا ويعرض السؤال الأسرع تبادرا إلى الذهن حين تناول مسألة التحول الديمقراطي في انجلترا : لماذا بلغت عملية التحول الصناعي في انجلترا أوجها عند إقامة مجتمع حر نسبيا ؟! يتم في العادة عند تناول هذا الموضوع الحديث عن دور التسامح الديني والحرية السياسية ودور المكون الأرستقراطي لكن يتم تجاهل الدور الخاص وشديد الأهمية الذي أدته الطبقات في الريف في التحول إلى التصنيع , هذا الانفتاح كان نتيجة الثورة الانجليزية على الملك تشارلز في القرن السابع عشر وهذه الثورة كانت لها إرهاصات كثيرة من بينها هي تلاشي فكرة العصور الوسطى العصور الماقبل رأسمالية التي كانت تحكم على الأفعال الاقتصادية بناء على إسهامها في سلامة النظام الاجتماعي وأصبحت الفكرة التي يتبناها الناس هي الحكم على الفعل الاقتصادي من حيث هو دوره في مراكمة رأس المال, ولأن انجلترا كانت مجتمعا زراعيا فكان محل النقاش هو الأرض والفلاح , لقد كان الإقطاع الملكي يحمل معه ليس الأرض وحدها فالإقطاع كان على الدوام محملا ومقيدا بمجموعة كبيرة من الالتزامات نحو الآخرين, وفي انجلترا حتى قبل أن يولد آدم سميث بدأت جماعات متناثرة من الإنجليز تقيم في الريف قبول المصلحة الذاتية والحرية الاقتصادية على أنهما الأساس الطبيعي للمجتمع الإنساني, نتج عن هذا المبدأ عصر “السياج ” _الذي كان يوضع حول الأرض.. مثل “الشبك” _ فقد كان الفلاحون في انجلترا يرعون أغنامهم في الحقول المفتوحة ويحتطبون منها وكان هذا هو التعامل العرفي في انجلترا حيث أن سكان “الضيعة” يرعون في الأراضي ويعتبرونها ملكا مشاعا, لكن لم يستمر الوضع على هذا النحو فقد وجد السيد الإقطاعي والملاك الصغار للأراضي مخرجا قانونيا لتسييج أراضيهم وتأجيرها لمن يبيع الصوف, ولذلك وانتعش سوق الأراضي بين سنة 1580 واستمر لنصف عقد ليكون ثمن سعر استئجار الأرض لسنة هو ثلث الثمن بيعها قبل عقود قليلة من عام 1580والسياجات كانت شكلا من أشكال الاستيلاء على الأرضي البور والأراضي المشاعة وفي كثير من الأحيان على أراضي الجيران الذين لم يكونوا يملكون مراقبين أشداء للدفاع عن حقوقهم, خرج هؤلاء الذين شجعوا موجة الرأسمالية الصناعية منتصرون في الصراع ضد النظام القديم وخرج الفلاحون العاديون كما هي العادة الضحايا الرئيسون للتغيير. فقد كان الفلاح البسيط مضطرا لمقاومة السيل الرأسمالي الغازي وتبنيه للتقليد الانجليزي القائم على التنظيم التعاوني والحاجة إلى الأرض المشاع والخشب, وتم طرد الكثير من الفلاحيين وحولت الأراضي الزراعية والمشاع إلى مراع للأغنام حيث كان الصوف مصدرا مدرا للمال لمالك الأرض الانجليزي, وعلى ذلك فقد كان الناقل الرئيسي لما بات في النهاية مجتمعا حديثا وعلمانيا هو رجل التجارة في كل من الريف والمدن, وعلى عكس ما حدث في فرنسا انطلق هؤلاء التجار قدما بشكل أساسي اعتمادا على أنفسهم وليس تحت مظلة الرعاية الملكية, وكانت القوة الطبقة الارستقراطية بالإضافة إلى البرجوازية الصاعدة ضد تدخل التاج الملكي الذي كان يعوزه الكثير من الكفاءة الادارية في التخفيف من أثر “السياجات” على الفلاحيين والطبقات الفقيرة في المدن التي أصبحت بمرور الوقت تهديدا حقيقيا للنظام .

إذا ً كانت الثورة الانجليزية مواجهة بين العناصر ذات العقلية التجارية بين طبقات ملاك الأراضي العليا وبقدر أقل بين صغار الملاك والمحاولات الملكية للحفاظ على النظام القديم, وبطبيعة الحال هذا ليس السبب الوحيد لنشوب الحرب الأهلية لكنه السبب الرئيسي برأي بارينتجون مور, وبعد انتصار الثورة تم قتل الملك تشارز الأول بتوقيع 59 من أعضاء البرلمان في مقابل 49 الذين كانوا ضد إعدام تشارلز الأول, وتم إعدام الملك في مشهد مأساوي حيث وقف كروموبل _قائد المعارضة ورئيس المجلس الجمهوري لبريطانيا وهي المدة القصيرة التي أصبحت فيها بريطانيا جمهورية قبل أن تعود العائلة المالكة بقليل من الصلاحيات والكثير من الخوف_ خلف الملك في أثناء قتله وأخذ يلطخ يديه بدمه بعد قتله ويرفعها للحشود قائلا “انظروا إن دمه أحمر مثلنا .. مثل كل الناس .. وليس دمه أزرقا كما كان يعتقد الناس .
لم يكن الكثير من الأثرياء مرتاحين مع التغيير الكبير الذي أحدثته الثورة فقد سقطت في وقت واحد اثنتين من دعائم النظام الاجتماعي هما التاج و الكنيسة ولذلك رحب الكثير من الأثرياء بعودة الملكية في شكل جديد يتناسب مع متطلباتهم, وبالنسبة للملوك فقد كان مشهد قتل الملك تشارلز الأول مرعبا ولم يحاول أي ملك انجليزي أخذ الحكم المطلق مأخذ الجد, ويلاحظ في الثورة الانجليزية أنه لم يظهر الفلاحون وغوغاء المدن على السطح كما كانوا هم المحرك الرئيسي في الثورة الفرنسية وذلك ساعد على عدم إقامة ديكتاتورية حيث ظل النظام القديم في الثورة الانجليزية باقيا, وكانت سياسة قادة التمرد رأسمالية واضحة فقد كانوا يرفضون تدخل التاج الملكي في حقوق الملكية الخاصة بملاك الأراضي _حيث كان الملك في السابق ضد السياجات_ وكانوا أيضا ضد تدخل الراديكاليين من الطبقات الأدنى وتم التصدي لهذه المحاولات بحزم ومهارة.

لقد كان القرن التاسع عشر هو قرن التحول الديمقراطي في انجلترا بطريق سلمي بامتياز فما كان دور القرن الثامن عشرو القرن السابع في الاسهام في ذلك التحول ؟! لقد كان الميراث الذي ورثته انجلترا من القرن السابع عشر والثامن عشر هو تقوية البرلمان على حساب الملك ويعني كون البرلمان موجودا أنه كانت هناك مؤسسة مرنة تمثل الحلبة التي كان يمكن أن تُسحب إلى داخلها العناصر الاجتماعية الجديدة عند ظهور مطالبها وآلية مؤسسة لتسوية صراعات المصالح بين تلك الجماعات بطريقة سلمية, والميراث الثاني الذي ورثته انجلترا من القرن السابع والثامن عشر هو القضاء على طبقة الفلاحين وبالرغم مما تبدو عليه تلك النتيجة من قسوة فهناك أسس قوية للاعتقاد بأنه ربما كانت أهمية هذا الاسهام في التحول الديمقراطي بقدر أهمية تقوية البرلمان, فقد كان ذلك يعني أن التحديث يمكن أن يمضي في انجلترا بدون مخزون ضخم من القوى المحافظة والرجعية التي كانت موجودة في فترات معينة في ألمانيا واليابان والهند , وهو يعني أيضا أن احتمال حدوث ثورات الفلاحين بالطريقة الروسي والصينية مستبعد جدا. بالإضافة إلى المصلحة التجارية والصناعية بقاعدتها الاقتصادية القوية المدعومة من خلال الطبقة البرجوازية والطبقة الأرستقراطية الذين كانا كليهما يؤمنون بالمبادئ الرأسمالية وهذه الطبقة كانت تتميز بقدر من المرونة لتقديم تنازلات شعبية عندما تكون ضرورية.

كون أمريكا دولة ولدت متأخرة أعطاها من المميزات ما لم يكن لدول أوربا أو آسيا فأولا أمريكا في طريقها إلى الرأسمالية لم تواجه طبقة من الفلاحيين مثلما كان في أوربا وآسيا ولم تواجه مشكلة تفكيك المجتمع الزراعي المعقد والراسخ الخاص بأي من الشكلين الإقطاعي والبيروقراطي فالزراعة في أمريكا كانت منذ البداية زراعة تجارية, لكن كان هنالك معركتان مسلحتان كبيرتان في التاريخ الأمريكي ساهمت في تحول الولايات المتحدة إلى الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية المعركة الأولى هي الثورة الأمريكية ضد بريطانيا المعركة الثانية هي الحرب الأهلية الأمريكية ومن الشائع في التاريخ اعتبار الحرب الأهلية بمثابة نقطة فاصلة بين الحقبتين الزراعية والصناعية في التاريخ الأمريكي وأن نصر الشمال هو نصر للاقتصاد والفكر الصناعي على الاقتصاد والفكر الزراعي. وأيضا تعتبر الحرب الأهلية بمثابة الجرح في سجل الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت بعد الثورة الأمريكية بعبقرية سياسية باتخاذ الحلول الوسط بالمصالحة بين الولايات الجنوبية والشمالية وبين الولايات الصغيرة والولايات الكبيرة حين كتابة الدستور لكن لماذا لم تحضر هذه العبقرية أثناء الحرب الأهلية وهل كانت الحرب حتمية ولم يكن لدى أي الجانبين حل الخلاف بدون حرب؟!

يقول بارنتجون مور: بحلول عام 1860 أي قبل حدوث الحرب الأهلية بــ”!!!” كانت قد تشكلت في الولايات المتحدة ثلاثة أشكال مختلفة إلى حد كبير من المجتمع في أجزاء من البلاد: الجنوب الذي يزرع القطن والغرب أرض المزارعين الأحرار والشمال الذي يتحول بسرعة نحو التصنيع, لم يكن القطن مهما للاقتصاد الجنوبي فحسب بل كان مهما للاقتصاد الأمريكي ككل ولم تكن تلك المزارع التي يديرها العبيد زائدة غير متوافقة زمنيا مع الرأسمالية الصناعية في الشمال الشرقي بل كانت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام وجزءا من محركاته الأساسية في العالم بصفة عامة وكانت انجلترا تستورد معظم قطنها من الجنوب.

لقد كان ملاك العبيد في مناطق الجنوب لا يتجاوز 350 ألف مواطن من أصل 6 ملايين في المناطق التي تسمح بالاسترقاق, لكن مع ذلك يقول بارنتجون مور لم يكن الرق في أمريكا في طريقه للزوال بلا قوة عسكرية, و أن اعتبار أن الحرب الأهلية لم تفعل إلا أن حققت نتيجة كانت حتمية كلام فيه سخف ويدل عليه أنه حتى في أثناء الحرب الأهلية واجه التحرير السلمي للعبيد صعوبات لا يكاد يمكن التغلب عليها, ففي الولايات الجنوبية التي كانت تسمح بالاستعباد ولم تستقل عن الولايات المتحدة وقفت بشدة ضد قانون لينكلون لتحرير العبيد وفي الحقيقة أن التعديل الثالث عشر الشهير الذي حرر العبيد كان قد استثنى تلك الولايات التي كانت تأخذ بنظام الرق وبقت في الاتحاد وتلك المناطق من الجنوب الواقعة داخل خطوط الاتحاد. وفي وصف دقيق قال إيرل راسل “لم يسري التعديل الثالث عشر إلا حيثما لا يمكن لسلطات الولايات المتحدة ممارسة نفوذها” وفي الحقيقة أن بقاء العبيد في المقام الأول كما يرى مور أنه كان مفيد اقتصاديا للجنوب, لقد كانت ولايات الغرب المفتوحة حديثا هي الشرارة التي أشعلت الحرب بين الشمال والجنوب, فقد كان الشمال يخاف أنه إن انتشرت العبودية قد تنقلب الموازيين بين ولايات العبيد وولايات الأحرار الأمر الذي له أهميته بالطبع إذا كان للفروق بين مجتمع فيه عبودية ومجتمع يخلو منها أهمية وبحلول عام 1820 كانت المشكلة قد احتدمت ورغم أنه كان هنالك مجموعة من التسويات إلا أن المسألة لم تسوى للأبد ولذلك كانت المشكلة تنفجر على نحو متقطع بين فينة وأخرى, وبحلول 1857 حدث انهيار اقتصادي وهبطت أسعار القطن بشكل حاد وارتفعت معها أسعار العبيد بسبب كثرة الطلب عليهم وقلتهم فلم يكن بالإمكان استيراد العبيد بشكل قانوني كما في السابق وهذا سبب امتعاض الجنوب. لا يمكن أيضا فهم سبب الخلاف بين الجنوب والشمال بدون أن نفهم أن الجنوب كان بلا طبقة برجوازية حقيقية فرغم أن مالك المزرعة في الجنوب رأسمالي إلا أنه كان مختلفا عن الرأسمالي في الشمال فلم تكن الحضارة التي نشأت في الجنوب حضارة برجوزاية ومن المؤكد أنها لم تقم على حياة المدينة بل أنه على عكس ما حصل في أوربا من تحدي فكرة مكانة الفرد القائمة على “أصله” ومن أي عائلة أتى وهذا ما فعلته الطبقة البرجوازية في أوربا حينما تحدت الطبقة الأرستقراطية ظلت مناطق الجنوب في الولايات المتحدة تدافع عن هذه الفكرة وظلت ترى أن أفكار الثورة الأمريكية و الفرنسية أفكار هدامة , إذا ً نحن أمام حضارتين مختلفتين تنتميان إلى دولة واحدة وكما يقول بارنجتون مور أنه لا يجد في ذهنه حالة غريبة كهذه فمن الصعب العثور على حالة في التاريخ أنشأت فيها منطقتان مختلفتان أنظمة اقتصادية تقوم على مبادئ متناقضة تناقضا كبيرا ومع ذلك تظل قائمة في ظل حكومة مركزية تتمتع بسلطة حقيقية في كلتا المنطقتين.

النتيجة التي يتوصل إلليها بارنجتون مور أن الحرب الأهلية لم تكن بسبب المنافسة بين الاقتصاد الشمالي والجنوبي إذ أنهما كانا متكاملين في أحسن الأحوال وفي أسوئها لم يرتبطا ببعضهما البعض , وفي الحقيقة لم يكن يشكل المجتمع الجنوبي بنظامه الاقتصادي القائم على العبودية أي خطر على النمو الرأسمالي في الشمال لكن من الواضح أن المجتمع الجنوبي كان يشكل عقبة ضخمة في سبيل الديمقراطية, فعلى الأقل كل تصورٍ للديمقراطية يشمل أهداف المساواة بين البشر ولو حتى ذلك الشكل المحدود من مساواة الفرص وحرية الإنسان, وعلى ذلك كان المجتمع الجنوبي عائقا للمجتمع الشمالي الذي كان يرى نفسه وريثا للثورة الانجليزية في القرن السابع عشر ووريثا للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر بل وأيضا وريثا للثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر, ويبدو أن انتصار الشمال في الحرب الأهلية بالرغم من كل نتائجه الغامضة انتصارا سياسيا للحرية إذا قارنه بما كان يمكن أن يحدث لو انتصر الجنوب في الحرب, فمن الواضع أنه لو انتصر الجنوب أن نظام الرق سيرسخ نفسه في الولايات الغربية المفتوحة حديثا و التي أحاطت بالشمال الشرقي , حينذاك ستكون الولايات المتحدة مثل روسيا قبل الثورة البلشفية أي اقتصاد الأملاك الشاسعة والأرستقراطية المناهضة للديمقراطية وطبقة تجارية وصناعية ضعيفة وتابعة وعاجزة وغير قادرة على الاندفاع نحو الديمقراطية السياسية وغير راغبة في ذلك. إذا كان القضاء على العبودية خطوة حاسمة وكان يشبه في أهميته القضاء على الحكم الملكي المطلق في الحرب الاهلية الانجليزية وتلك أولوية لابد منها لأي تقدم في سبيل الحرية والديمقراطية.

ينتقل بارنتجون مور إلى الحديث عن اليابان وطريقة تحولها إلى الرأسمالية وهي التحول من الأعلى للأسفل, لقد كان وضع اليابان والصين ورسيا متشابها فكل من هذه الدول خلال القرن السابع عشر وصلت إلى سلطة هذه البلدان حكومات قوية أنهت تاريخا طويلا من الاقتتال والحروب الداخلية لكن نزوع اليابان إلى التحديث كان مختلفا عن الدولتين الآخريين, وتشكلت كقوة صناعية كبرى في بدايات القرن العشرين ولم تشهد ثورة فلاحية كما في الصين وروسيا, بعد أن انتصر توكوجاوا إياسو نصرا حاسما في معركة سيكيجهارا التي وقعت عام 1600 انهى بذلك الانتصار عصر الباونات المتحاربين وأعلن بداية فترة السلم الداخلي وعُرف هذا النظام من الحكم بجوانبه السياسية والرسمية باسم شوجن توكوجاوا واستمر حتى عودة الامبرطور في عام 1868, وكانت الفكرة الأساسية للشوجن فكرة ثابتة وهي الحفاظ على النظام والسلم, فقد كان المجتمع مقسما تقسيما حادا إلى حكام ومحكومين وكان المحكومون في المقام الأول من الفلاحين الذين كانت طبقات المحاربين الحاكمة تعتبرهم في الأساس أداة لفلاحة الأرض وإنتاج الضرائب لمنفعتها, وفي المقابل وحين كان النظام يعمل بشكل جيد كان الفلاحون يحصلون على فوائد القدر اليسير من الأمن الاقتصادي والعدل السياسي على أقل تقدير, كان الحكام يحاولون قمع أي تأثيرات يمكن أن تقضي على النظام السائد و إجهاض أية محاولة لولادة طبقة جديدة تقلق طبقة الحكام لكنهم في النهاية سيفشلون عندما يظهر التجار ويقلقون النظام السائد, كانت هنالك فروق ودرجات مهمة داخل الطبقة الحاكمة فقد كان الإمبرطور ليس أكثر من اسم رمزي يتذرع به الشوجن ليفرض سطوته وسيطرته وظل الامبرطور ليس بيده سلطة فعلية حتى القرن التاسع عشر, وبالمقابل كانت أسرة توكوجاوا التي منها الشوجن يملكون ما بين ربع او خمس الأراضي البلاد, ثم كانت تلي هذه الطبقة في المرتبة جماعة صغيرة هم السادة العظام ويسمون بالدايمبو ولم يكن هنالك سوى 194 منهم في عام 1614 وكانت لهم مزارع شاسعة تنتج الأرز غالبا وكانت تلي هذه الطبقة منزلة ً جماعة الساموراي الرئيسية أو المحاربون الذين كانت بينهم تفاوتات كبيرة في السلطة والثروة ويقدر هؤلاء حوالي مليوني شخص أو تقريبا بين كل ستة عشر من السكان, وكان الساموراي من الناحية الرسمية أتباع عسكريين للدايمبو وكان يتلقون منهم راتبا سنويا من الأرز, وفي الحقيقة أن الشوجن توكوجاوا بجعل الساموراي متلقين للراتب السنوي كان قد عزلهم عن قواعد السلطة المستقلة في الريف وقضى بضربة واحدة على المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار السياسي في الفترة السابقة , وفي الوقت نفسه ومن خلال فرض السلم والنظام حرم الشوجن الساموراي من أية وظيفة حقيقية في المجتمع الياباني وأسهم في خلق جماعة الساموراي الذين أصابهم الفقر والذين سيكونون في النهاية سببا رئيسا في الإطاحة بالشوجن.

يقول بارنتجون مور عانى نظام توكوجاوا ولم يستطع المحافظة على شكل الطبقات القديم ومع ظهور سفن الكومودوا بيري في عام 1854 كان نظام توكوجاوا قد عانى من انهيار كبير وكان انهيار النظام القديم بالإضافة إلى محاولات الحفاظ على امتيازات النخبة الزراعي قد أدى إلى ظهر بعض القوى الاجتماعية التي بلغت ذروتها في النظام الذي ألقى قنابله المميتة على بيرل هاربر في عام 1941 .

لقد كان هنالك عاملين تسببا في موت النظام القديم و كانا القابلة التي أشرفت على ولادة النظام الجديد, ومن المفارقات أن يكون هذان العاملان هما ما حرص على ترسيته الشوجن توكوجاوا وهما الترف والسلم, فقد كان الترف الذي فُرض على طبقة الدايمبو من خلال إجبارهم على الإقامة في العاصمة في فترات محددة من السنة وبذلك ازدادت نفقاتهم حيث كان عليهم الاحتفاظ بمقرين في الموطن الاصلي وفي العاصمة وما يستتبع ذلك من سفر مع الحاشية وإظهار أشكالا من البذخ وهي ضرورية لتأكيد المكانة الاجتماعية وصرف تكاليف إقامتهم في العاصمة, فهذه الزيادة في الإنفاق أضعفت الدايمبو وأعطى في نفس الوقت حافزا للطبقات التجارية في المدن, فقد اضطر الدايمبور إلى شحن منتجات مزارعهم المحلية إلى السوق مستعينين بخدمات التجار وبذلك أصبح الدايمبو معتمدا على التاجر في تسويق سلعته في المدن ومن جهة أخرى اعتمد التاجر على الدايمبور ليوفر له الحماية السياسية. ومن ناحية أخرى كانت المصارف الكبيرة التي اضطر أن يدفعها الدايمبو ومع شيوع السلم والنظام سببا رئيسيا لتخفيض رواتب الساموراي التابعين لهم, ولاشك أن مكانة المحارب القديم في اليابان كان قد شارفت على الغروب وكانت مكانة المكانة القائمة على الثروة قاربت على الشروق, يقول أحد الأدباء اليابانيين واصفا تلك الحقبة أن “الساموراي أصبح يكره سيده أكثر مما يكره ألد أعدائه المحاربين” ورغم أن في هذا الوصف مبالغة لكن نشأ في تلك الفترة, ولا ننسى أن الساموراي كان ممنوع عليه ممارسة أية نشاط تجاري وبالرغم أن كثيرا منهم لم يكونوا أوفياء لهذا القانون لكن لم يحققوا أرباحا تشعرهم بالأمان كساموراي , ولأجل ذلك أصبح كثير من الساموراي “رونين” أي لا سيد لهم, ولأن هؤلاء موهبتهم الكبيرة هي القتال لم يتوانى عن الانخراط في أية نشاط عنيف, وهذا أسهم بشكل كبير في اضطراب الجزء الأخير من عصر توكوجاوا, وانخرط عدد منهم في قضية التخلص من الغربيين وعارض كثير منهم فتح موانئ جديد لأنه يعني حينئذ أن طرد الغربيين مجرد حلم, ومن جانب أخر اشتدت قوة طبقة التجار “تشونين” حتى أنها تفوقت على قوة الأرستقراطية اليابانية “الدايمبو” أو “الساموراي” فقد كان هؤلاء يعتمدون على التجار في تحويل محاصيلهم الزراعية إلى نقد وتمويلهم بالكثير من الأشياء الضرورية ومعظم الطيبات اللازمة لأسلوب الحياة الارستقراطي, ومن الملاحظ أن التجار لم يطالبوا بالتخلص من القيود الاقطاعية, وأكثر من ذلك أصبحت عائلات الساموراي الفقيرة تبيع مرتبتها السياسية إلى التجار وبذلك نشأت طبقة تجار محاربين وبالمقابل نشأت طبقة دايمبو وساموراي تجار فانهار الفصل الطبقي الذي كان يقوم عليه نظام الشوجن.

نظام الشوجن كان يوشك على الانهيار ومع استغلال موضوع الاقطاع من قبل أنصار الإمبرطور “ميجي” تم تحريض الفلاحيين للقيام بتمردات متفرقة, ولم تكن سوى مسألة وقت حتى يعود الإمبرطور ليكون هو السلطة المركزية ويبدأ عصر “الميجي – الإصلاح” و قصة اليابان الرأسمالية .

٢٠١٣٠٤٠٨-١٣٢١٢٦.jpg

وطن ضيق على اتساعه

تعليق واحد

وطن ضيق على اتساعه

لازالت تلك الصورة عالقة في الذاكرة حينما انتصب مدرس الجغرافيا ليخبرنا عن اتساع رقعة الوطن على الخريطة، كنت فخورا جدا بتلك المساحة.. وكنت ساذجا جدا..

وكلما كبرت تيقنت أكثر أن الوطن صغيرٌ رغم اتساعه..

الوطن الكبير ليس هو الذي يشغل مساحة كبيرة من الكرة الأرضية.. الوطن الكبير هو الذي تشغله مساحات كبيرة من الأحلام والأفكار و الفرص ..والآمال.

الوطن الصغير هو الذي لا يتسع إلا لايدولوجيا واحدة و مذهب واحد وتصور واحد عن الحقيقة، وكل ما تحتاجه ليدرج اسمك في سجلات الخونة هو مخالفة هذه الايديولوجيا والمذهب والتصور..

الوطن الكبير لا يخاف من التغيير بل يسعى للتغيير لأن الأجيال تتغيير والعقول تتغير والاحتياجات تتغير ويؤمن أنه إن لم يتغير لن يبقى وطنا لمن يَقدمُ من الأجيال

الوطن الصغير يخاف من التغيير..وإن لزم الأمر يسعى هو إلى تغيير نفوس أبنائه وتشويهها قبل أن يشتد ساعدهم ليغيروه وفق أحلامهم..

يا سادة الوطن الكبير يتسع للكل ..سويسرا التي تبلغ مساحتها ٤١ الف كيلو متر مربع فقط وهي بذلك أصغر من أصغر منطقة في المملكة استطاعت أن تضم أربع لغات و كثير من العرقيات والأديان ومع ذلك _أو ربما بسبب ذلك _ استطاعت أن تنال تصنيف كونها أفضل دولة ليولد فيه المرء لعام ٢٠١٣

الوطن الصغير هو الذي شعبه ينتمي إلى دين واحد وعرق واحد وثقافة واحدة و تجمعه وحدة المصير إلا أنه يرفض أن يشعر بذلك بقلبه وإن صدقه بعقله.

يا سادة إن الوطن الصغير هو الذي ينتمي إليه الشعب و يشعرون أنهم نبعوا من أرضه.. لكن الوطن الكبير هو الوطن الذي ينتمي لشعبه ويشعر أنه هو نبع منهم.

الوطن الصغير هو الذي يصرف المليارات ليقيم مركزا ليتحاور أتباع الأديان والأفكار في مشرق الأرض ومغربها .. وسجونُهُ تنوح لأنه مُلقى بين قضبانها من لم يحملوا سوى فكرهم.

الوطن الكبير حيث الناس يقلقون من أزمة قد يأتي بها المستقبل ..
الوطن الصغير حيث الناس يقلقون من استمرار أزمة إلى المستقبل.

،،،

أغنية “نطرتك” شربل روحانا/أميمة الخليل

أضف تعليق

٢٠١٣٠٣٢٥-١٨٢٠١٢.jpg

http://m.youtube.com/watch?v=eyw-2BOIph0&feature=youtube_gdata_player

لدينا ما يكفي من الأمل لننتظر ..لدينا ما يكفي من الخوف لننتظر ..و لدينا أيضا ما يكفي من الغباء لننتظر، في تلك البقعة الزاخرة بالخيبات يجري شربل روحانا عوده ويشعل شمعة إبداعه التي لم تنطفيئ رغم كل ريح بؤس الأغنية العربية التي تحيط بها، أول إحساس يتسلل إليك حينما تفتح نافذة قلبك للأغنية هو ذلك الإحساس العميق ب”الدفء” المنمق بالأمنيات العتيقة، إن شربل روحانا يزرع نوتة التقليد المصري بكل عراقته في حقل لحنه ليثمر لنا جمالا متدليا شهيا لكل عشاق الفن الراقي، اللحن يسير هادئا متزنا بجماله لكن منكسرا بأمله المشنوق في ساحة الانتظار، لا يستمر اللحن بهذه الصيغة فسوف ستتصاعد نبرة الوجع فيه لتتحول إلى صرخة تمرد عندما ينعطف النص من الرضوخ في حالة الانتظار إلى حالة اللوم والعتاب للمنتَظر، وفي هذه المنطقة يتجلى إبداع شربل روحانا وهو يضع درجات السلم الموسيقي أمام صوت أميمة الخليل التي ستبدع هي الأخرى في صعوده وهبوطه في مقطع “يا ولعي غني على شفافك صلاة”.
في شق التوزيع الموسيقي يكرس شربل روحانا الآلات الشرقية وكأنه يكرس الهوية العربية لأغنيته، و لا يحاول أن يقحم جملا لحنية غربية ليس ذلك لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك .. بل لأنهم يفهم جيدا ما تحتاجه أغنيته كي تبدو جميلة ..وأنيقة. لن تكون الأغنية بهذا الجمال لو لم تغنها أميمة الخليل بصوتها الرقيق المغدق في الحنان و النازل من سحابة الحنين والعميق كالذكريات، دع عنك كل ما تملكه من مؤهلات إبداعية تجعلها تتماشى مع مقتضيات لحن شربل روحانا التي لم تكن سهلة بكل تأكيد.

قراءة في كتاب بؤس الايديولوجيا – كارل بوبر

تعليق واحد

اسم الكتاب: بؤس الايدولوجيا
اسم المؤلف: كارل بوبر
اسم المترجم : عبدالحميد صبرة
عدد الصفحات: ٢٠٤

كارل بوبر يعتبر من أبرز المفكرين المعنيين بقضية “فلسفة العلم” وقدم إضافات محترمة له، وهو في هذا الكتاب يدق طبول الحرب ليشن هجوما كاسحا ضد علماء العلوم الإنسانية ولا يستثني من مدنهم سوى علم النفس و الاقتصاد فقد أعطاهم الأمان في بداية كتابه, الطريق الذي يسلكه كارل بوبر في هجومه هو تقرير أن معظم العلماء الإنسانيين _ما قبل نظرية الفوضى على الأقل_ يؤمنون بأن هنالك قوانين و اتجاهات وأنماط يسير عليها التطور التاريخي وأنه بالإمكان الكشف عن هذه الأنماط _وفيما بعد وُلِدَت فلسفةٌ تقول أنه لا يمكن التنبؤ بالتاريخ وأحد أبرز رواد هذه الفلسفة نسيم طالب صاحب كتاب البجعة السوداء_ كارل بوبر يقول أن علماء العلوم الإنسانية رغم أنهم دشنوا علومهم قبل العلوم التطبيقية الطبيعية لم يستطيعوا حتى الآن أن أن يصلوا إلى معادلات تخبرنا عن التطور التاريخي .و أن النقطة “ب” سيصل إليها المجتمع في حالة كذا وكذا بعكس العلوم الطبيعية التي قدمت نتائج مذهلة في توقع مسارات النجوم وتأثيراا الكواكب وأماكن سقوط القذائف ونحوها, كارل بوبر بعد أن يعرض بؤس الفلاسفة التاريخانيين من وجهة نظره يؤكد نظريته الأساسية وهي أن العلم يجب أن يستخدم أكثر في مناطق النفي وأنه لا يكون علما بلا اختبار وتجريب فأنت ربما تنظر وتحلل لمدة سنوات أن كل البجع أبيض عن طريق الاستقراء لكن يكفي أن ترى بجعة سوداء واحدة لتثبت فشل هذه النظرية. فهو كما هو واضح ينزع إلى أن يُعرَّض النظريات إلى أقسى أنواع التحديات فإن صمدت كان نظرية علمية , وبشكل عام الكتاب ممتاز ويحفزك على التفكير والتساؤل لماذا لم تتقدم العلوم الانسانية كما تقدمت العلوم الطبيعية ؟! وفي كل جواب قد تقدمه سيرد عليك كارل بوبر مبينا أن العلوم الطبيعية واجهت تلك الصعوبات بعينها ما عدا أنها استنتجت لها منهجا يجعلها ناجحة.

ينطلق كارل بوبر من فكرة مفادها أن هنالك مذهبٌ كثيرا ما نصادفه في المناقشات المتصلة بالعلوم الاجتماعية وهذا المذهب كثيرا ما يـُستخدم من غير نظر نقدي بل قد يسلم به تسليما , وهو يقصد في الإجمال طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبؤ التاريخي هو غايتها الرئيسية كما تفترض أن إمكان الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الأنماط التي يسير التطور التاريخي وفقا لها , وكارل بوبر يسمي هذا المذهب بالمذهب “التاريخاني ” , يبدأ كارل بوبر كتابه بالقول أن العلوم الاجتماعية والاهتمام بها ليس أحدث من العلوم الطبيعية وفي العصور القديمة كان يمكن أن تبدو فيها العلوم الاجتماعية متقدمة على العلوم الطبيعية , ولكن بمجيء جاليلو ونيوتن أحرزت العلوم الطبيعية من النجاح ما لم يكن مرتقبا لها وتفوقت على غيرها من العلوم , ولكن العلوم الاجتماعية لا يبدو أنها وجدت من يحقق لها ما حققه جاليلو ونيوتن للعلوم الطبيعية , وفي هذه الأحوال يتجه الباحثون في علم من العلوم الاجتماعية إلى الاشتغال بالمسائل المنهجية والكثير من مناقشاتهم حول هذه المسائل يُطرح وقد اتجهوا بأبصارهم إلى مناهج العلوم المزدهرة وبخاصة العلوم الطبيعية , فمثلا كانت المحاولات الهادفة إلى تقليد المنهاج التجرييبية المتبعة في العلوم الطبيعية هي التي أدت إلى إصلاح علم النفس في عهد فونت , ولكن كما يرى بوبر أن نتيجة هذه الإصلاحات في العلوم الاجتماعية عدا علم الاقتصاد وعلم النفس لم يحالفها التوفيق. وحينما فشلت بدءا العلماء يتساءلون عن إمكان تطبيق المناهج الفيزيقية _مناهج العلوم الطبيعية _ على العلوم الاجتماعية , وكما يقول بوبر نشأ فريقين من ذلك التساؤل، فريقٌ مؤيد لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية وفريقٌ رافض لها , ويعتقد بوبر أن كلا الفريقين وما يقدمانه من حجج قائم على فهم خاطئ للعلوم الطبيعية .

يعارض المذهب التاريخاني الذي يقول باستحالة تطبيق معايير المنهج الطبيعي في العلوم الاجتماعية: إن المناهج التي تتميز بها العلوم الطبيعية لا يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية لأن قوانين الطبيعة أو القوانين الفيزيقائية هي قوانين صادقة في كل مكان وأي زمان ذلك أن العلوم الطبيعية تسيطر عليها مجموعة من القوانين التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان، عكس القوانين الاجتماعية أو قوانين الحياة الاجتماعية فتختلف باختلاف الزمان والمكان ورغم تسليم المذهب التاريخياني كما يقول بوبر بأن كثيرا من الظروف الاجتماعية النموذجية يعود إلى الظهور على نحو منتظم فإن المذهب التاريخاني ينكر أن يكون لانتظام وقوع هذه الحوادث في الحياة الاجتماعية ما لنظيره في العالم الفيزيقي من طابع ثابت , وذلك لأن الحوادث الاجتماعية المنتظمة تعتمد في وقوعها على التاريخ كما أنها تعتمد على الفوارق الحضارية ي أنها تعتمد على موقف تاريخي معين . ومن ثم لا ينبغي للمرء أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية مثلا من غير تقييد وإنما يجور له فقط أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية في عهد الإقطاع أو القوانين الاقتصادية في مطلع العهد الصناعي وهكذا .ولذلك يقول المذهب التاريخاني أن كثير من التغييرات التي حصلت في العلوم الاجتماعية إنما هي من صنع الإنسان نفسه وهذا لا ينطبق على القوانين الفيزيقية فهي ليست من صنع الإنسان، إذ أنها ثابته وحتى لو تغيرت فإن تغييرها لم يحصل بسبب الإنسان وهذه الحجة كما يقول بوبر تجد لديها قبولا لدى أصحاب النزعة العملية من المذهب التاريخاني الذين يرفضون الأمر الواقع ويسعون إلى التغيير وكما يقول ماركس الذي يعده بوبر “أحد مشاهير التاريخانيين والنزعة العملية ” فهو يقول _أي ماركس_ “لقد وقف الفلاسفة حتى الآن عند تفسير العالم على أنحاء مختلفة , ولكن المهم هو تغييره ”

ويحتج التاريخيون أيضا بأن العلوم الطبيعية تستخدم منهج التجربة أي أنها تتوسل إلى عزل الظواهر الطبيعية صناعيا والتحكم فيها حتى تتوصل إلى تحقيق الظروف المتماثلة مرة بعد أخرى وما يترتب على هذه الظروف من نتائج معينة , وواضح أن هذا المنهج يعتمد على الفكرة القائلة بأن الأمور المتماثلة تحدث في الظروف المتماثلة والذي يدعيه صاحب المذهب التاريخاني هو أن هذا المنهج يمتنع تطبيقه في العلوم الاجتماعية وحتى إن أمكن تطبيقه فهو في رأي المنهج التاريخاني عديم النفع لأنه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقق إلا في حدود الفترة التاريخانية الواحدة فلن يكون لأية تجربة نجربها إلا دلالة محدودة جدا , وأيضا التجربة في العلوم التطبيقية لا تكون إلا بعزل الظواهر الطبيعية صناعيا وإن تم عزل الظواهر الاجتماعية صناعيا كما في العلوم الطبيعية فإن ذلك سيؤدي إلى استبعاد العوامل التي لها الأهمية العظمى في علم الاجتماع , فنحن على سبيل المثال لن نجد في روبنسن كروسو وفي نظامه الاقتصادي الفردي المنعزل نموذجا مفيدا للنظام الاقتصادي الذي لا تنشأ مشكلاته إلا عن التأثير المتبادل بين الأفراد والجماعات.

وأيضا يقول المذهب التاريخاني أن تكرار التجربة بحذافيرها بالنسبة للمجتمعات مستحيلة إذ أننا في علم الحياة نتكلم عن تاريخ الكائن العضوي لأن هذا النوع من الكائنات يتكيف إلى حد ما بالحوادث الماضية , وإذا تكررت هذه الحوادث فإنها تفقد ما لها من طابع الجدة _بأن تكون جديدة_ بالنسبة للكائن العضوي الذي جربها , فتتخذ صفة العادة بالنسبه له , ولكن هذا هو السبب في أن تجربة الكائن للحادث المتكرر ليست هي نفس تجربته للحاديث الأصلي أي السبب في أن تجربة التكرار هي تجربة جديدة , وعلى ذلك فتكرار الحوادث المشاهدة يقابله تولد التجارب الجديدة في من يقوم بالمشاهدة ولما كان التكرار تنشأ عنه عادات جديدة فهو على في تكون ظروف جديدة لها صفة العادة ومن ثم فلا يمكن لمجموع الظروف الداخلية والخارجية التي تكررت فيها تجربة تجريها على كائن عضوي معين لا يمكن لهذه الظروف أن تكون من التشابه بحيث يجوز أن نتكلم عن تكرار بالمعنى الصحيح , وذلك لأنه حتى لو تكررت ظروف البيئة بحذافيرها فإن هذا التكرار سيقترن بظروف جديدة في داخل الكائن العضوي : إذ أن الكائن العضوي يتعلم من التجربة , أما في العالم الطبيعي فإنه يستحيل أن يحدث فيه شيء جديد حقا فقد يخترع الإنسان آلة جديدة ولكن من الممكن دائما أن ننظر إليها على أنها ترتيب جديد لعناصر هي أبعد ما تكون عن الجدة _بأن تكون جديدة_ , وعند المذهب التاريخاني أن الجدة في عالم الاجتماع جدة حقيقية بل جدة جوهرية كالجدة البيولوجية أي أنها جدة حقيقية لا يمكن ردها إلى جدة في الترتيب وذلك أنه يستحيل في الحياة الاجتماعية أن تبقى العوامل القديمة في الترتيب الجديد كما كانت عليه من قبل تماما , ويزعم المذهب التاريخاني كما يقول بوبر أنه ما من شيء يفوق في أهميته ظهور الفترات التاريخية الجديدة حقا , وهذا الأمر الفائق الأهمية في الحياة الاجتماعية لا تمكن دراسته بنفس الطرق التي تعودنا اتباعها في تفسير الظواهر الفيزيقية الجديدة أي باعتبارها ترتيبات جديدة لعناصر مألوفة وحتى لو أمكن تطبيق المناهج الفيزيقية المعهودة على المجتمع لما أمكن تطبيقها على أهم صفاته جميعا : يعني المذهب التاريخاني بذلك انقسامه إلى فترات وظهور الجدة فيه .

ثم ينتقل بوبر ليعرض مذهب التاريخانيين المؤيدين لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية في العلوم الانسانية, فهؤلاء يقولون إن العلوم الإنسانية نسق نظري غايته تفسير الحوادث والتنبؤ بها بواسطة النظريات والقوانين الكلية التي يحاول عالم الاجتماع اكتشافها , وحين نَصفُ علم الاجتماع بأنه تجريبي فمعنى ذلك أن له سندا من التجربة وأن الحوادث التي يفسرها ويتنبأ بها هي وقائع يمكن مشاهدتها وأن المشاهدة هي الأساس الذي نعتمد عليه في قبولنا أو رفضنا لأية نظرية من نظرياته , ونحن حينما نتحدث عن النجاح الذي أحرزه علم الطبيعة فالمقصود النجاح الذي أحرزه في تنبؤاته ونحن حين نعارض بين النجاح المحدود لعلم الاجتماع ونجاح العلوم الطبيعية فنحن نفترض أن نجاح علم الاجتماع ينبغي هو الآخر أن يقوم في أساسه على تأييد التجربة لتنبؤاته , ويلزم عن ذلك أن بعض المناهج كالتنبؤ بواسطة القوانين واختبار القوانين بالتجربة يجب أن يكون خطا مشتركا بين علم الاجتماع وعلم الطبيعة .
يقول كارل بوبر أن أحد الأسس التي انطلق منها المؤيديون لاستخدام المنهج الطبيعي في العلوم الاجتماعية هي إعجابهم الشديد بنيوتن وعلم الفلك تحديدا وقدرته على التنبؤ بالأحداث فعلم الفلك يستطيع بحساباته أن يتنبأ أين ستكون النجوم , فلذلك دعا التاريخانيون المؤيدين لاستخدام المنهج الطبيعي أنه كما لعالم الفلك أن يستعين بسجلات المراصد و مراقبة الكواكب وحينها يستطيع التنبؤ عنها فكذلك على عالم الاجتماع أن يطالع التاريخ ومن خلال دراسته يستطيع التنبؤ بالأحداث وأيضا كما أن علم الفلك قائم على تفسير الحركات باعتبارها معلومة لقوى تعينها أو ما يسمى بالديناميكا فكذلك التاريخانيون يقولون أنه يجب أن يقوم علم الاجتماع على نوع من الديناميكا الاجتماعية أي على نظرية تفسر الحركة الاجتماعية باعتبارها معينة بقوى اجتماعية أو تاريخية , ثم بعد ذلك نصل إلى نظرية التطور التاريخي وكما يقول بوبر يدعي المذهب التاريخاني أن علم الاجتماع ليس إلا علم التاريخ وليس المقصود بالتاريخ هنا المعنى التقليدي والمحدود للكلمة بأن يكون سجلا للأحداث الماضية بل المقصود أنه ذلك العلم الذي لا يكتفي بأن يعود بصره إلى الماضي فحسب بل يُلقي ببصره نحو المستقبل أيضا , وعلم التاريخ بهذا المعنى يدرس القوى المؤثرة بوجه عام وقوانين التطور الاجتماعي بوجه خاص ولذلك من وجهة نظر المذهب أن القوانين الاجتماعية الصادقة صدقا كليا هي قوانين تاريخية , إذ يجب أن تكون قوانين للصيرورة والتغيير والتطور , وفي رأي التاريخانيين أن علماء الاجتماع ينبغي أن يحاولوا الوصول إلى فكرة عامة عن الاتجاهات العريضة التي تتغير الأبنية الاجتماعية وفقا لها كما أن يحاولوا أن يدركوا العلل في هذه الصيرورة حتى يستعد الناس لاستقبال التغييرات الوشيكة الوقوع باستنباط النبوءات من تلك القوانين .

لا ينبغي أن نفهم أن المذهب التاريخاني بكلا اتجاهيه يدعو إلى انتظار التغيير أو القدرية بأن ينفي قدرة الإنسان على تغيير مجتمعه فهذا لم يكن مقصودهم بل إن المذهب التاريخاني لديهم ميول لما يسميه بوبر “النزعة العملية ” والمذهب التاريخاني يعلم تمام العلم أن رغباتنا وأفكارنا وأحلامنا واستدلالاتنا ومخاوفنا ومعارفنا ومصالحنا وأعمالنا هي كلها قوة مؤثرة في تطور المجتمع والمذهب لا يقول بعجزنا عن إحداث أي شيء كان , وإنما يتنبأ بأنك لن تستطيع أن تحقق شيئا بأحلامك أو بما يركبه عقلك طبقا لخطة مرسومة فلا تأثير إلا للخطط التي تتمشى مع تيار التاريخ الرئيسي , ولذلك فالأعمال المعقولة ليست إلا ما يتلاءم مع التغييرات الوشيكة الوقوع ويساعد على تحقيقها ومن ثم فالنبوءة التاريخية والتفسير التاريخي يجب اتخاذهما أساسا لكل عمل اجتماعي واقعي صادر عن رؤية , ثم يتساءل بوبر هل بإمكان المذهب التاريخاني أن يبعث الأمل والرجاء في نفوس من يرغبون في رؤية عالم أفضل ؟ فيجيب أن هذا الأمل لا يمكن أن يمنحه من التاريخانين إلا من ينظر إلى التطور الاجتماعي نظرة متفائلة فيعتقد أنه بطبيعته “خير” و “مطابق للعقل” بمعنى أنه متجه بطبيعته نحو حالة أفضل وأكثر قبولا لدى العقل . ومن المفارقات أن منهج التاريخانيين القائم على المذهب الطبيعي يستلزم منه نظرية اجتماعية تقول بأن المجتمع لا يتطور أو يتغير تغيرات ذات شأن , أما المذهب الآخر المعارض للعلوم الطبيعية فهو يقول أن المجتمع متغير بالضرورة ولكنه يسير في طريق مرسوم لا يمكن أن يتغير ويمر بمراحل عينتها من قبل الضرورة التاريخية فها هو ماركس يقول “إذا ما اكتشفت مجتمع من المجتمعات قانون الطبيعي الذي يعين حركته فلن يمكنه ذلك من تخطي المراحل الطبيعية لتطوره أو حذفها من الوجود بجرة قلم ولكن في استطاعته أن يفعل شيئا واحدا وهو التقليل من آلام الوضع والتقصير من مدتها ”
بعد أن نقد بوبر المذهب التاريخاني بكونه مذهب كلي وشمولي ولا يؤمن بالهندسة الاجتماعية أو تكنولوجيا المجتمع بحيث يكون التغيير مرسوما مسبقا ومخططا له ويكون جزيئا ويعتبر المذهب التاريخاني مثل هذا النوع من التغيير أو الذي يطالب به كالمشعوذ الذي يقوم برقصة لنزول المطر بينما يرى المذهب التاريخاني مهمته الأساسية بأن يكون كالنشرة الجوية بأن ترصد أحوال المجتمع وتتوقع التغييرات التي تحصل على حد ادعاء بوبر , ثم ينتقل بوبر إلى الرد على مذهب التاريخيين الذين يرون استحالة تطبيق المناهج الطبيعية على علوم الاجتماع فيقول يزعم التاريخاني أن المنهج التجريبي لا يمكن تطبيقه في العلوم الاجتماعية لأننا لا نستطيع في الميدان الاجتماعي تحقيق الظروف التجريبية المتماثلة تماما مرة بعد أخرى ومع أن بوبر يسلم بأن هذا الزعم قد يكون فيه شيء من الحق لكنه يقرر أن زعم المذهب التاريخاني قائم على سوء فهم فاحش للمناهج التجريبية في علم الطبيعة , ولنتأمل أولا في هذه المناهج الطبيعية فكل عالم طبيعي تجريبي يعلم أنه قد تحدث أمور مختلفة جد الاختلاف في ظروف تبدو متماثلة فقد تبدو لنا قطعتان من السلك متشابهتين تماما التشابه لكننا إذا وضعنا الواحدة منهما مكان الأخرى في جهاز كهربائي كان الخلاف في النتيجة كبيرا جدا وقد نحتاج إلى بحث طويل حتى نكتشف أي نوع من التماثل ينبغي تحققه لنحصل على نفس النتائج وقد نحتاج إلى إتمام البحث قبل أن يكون بمقدرونا تحقيق الظروف المتماثلة لأجل إجراء تجاربنا ..ومع ذلك فنحن نطبق منهج التجربة طوال الوقت , وحتى حجة العزل الصناعي فالمذهب الطبيعي لا يستطيع عزل تأثير القمر على أحد الكواكب لكي ينظر إلى مدى تأثيره وحجمه بل يستمر بالتجربة والمقارنة وكذلك المفترض على عالم الاجتماع وأيضا قضية التطورات التاريخية فكما يرى بوبر أن المسألة بالنسبة للتاريخانيين أنهم يشكون لو أنهم ذهبوا إلى فترة تاريخية بعيدة لكان الفشل مصير الكثرة الكاثرة من تجاربهم الاجتماعية ويقول بوبر أن مثل هذه المخاوف تبدو جزءا من هستيريا المذهب التاريخاني بانشغاله المرضي بأهمية التغير الاجتماعي والمسألة كما يقول بوبر أن عالم الاجتماع التاريخاني ليس له القدرة على تكييف ذهنه تكييفا ناجحا يتلاءم وما يحدث في البيئة الاجتماعية من تغييرات .

ثم ينتقل بوبر إلى حجة التاريخانين الثانية وهي أن التعميمات لا تصدق إلا على فترة تاريخية معينة , ويبدأ بوبر بانتقاد دعوى المذهب التاريخاني بأنه يسلم بأن معظم الناس الذين يعيشون في فترة تاريخية معينة يميلون إلى الاعتقاد خطأ بأن ما يحدث حولهم على نحو منتظم هو من القوانين الكلية للحياة الاجتماعية ونحن لا نستطيع أن نكتشف ذلك إلا عندما ننتقل إلى بلد غريب فجأة فنجد أن عاداتنا في الأكل ونحوه لا تلقى قبولا لدى البلد الغريب كما كنا نفترض من قبل وينتج عن ذلك بوضوح أن كثير من تعميماتنا التاريخية الأخرى قد تكون من هذا النوع نفسه ونحن لا نستطيع الانتقال إلى فترة تاريخية معينة لتأكد من هذا الأمر وهذه الصعوبة لا تواجه المذهب الطبيعي فيقول العالم التاريخاني إنه لا يستطيع التأكد من أن ما يكتشفه هو قوانين كلية حقا لأنه لا يملك ما يكفي من الوثائق لإثبات ذلك , ويرد بوبر بأن ما يلحق بيئتنا الفيزيقية من تغير قد تنشأ عنه تجارب مماثلة تماما لما ينشأ نتيجة لتغير بيئتنا الاجتماعية أو التاريخية , فهل هناك كما يقول بوبر ما هو أكثر انتظاما من تعاقب الليل و النهار ؟ مع ذلك فهذا التعاقب لا ينطبق إن عبرنا الدائرة القطبية , ونيوتن لم يكن مضطرا أن يتنحى ناحية من العالم يشاهد منها حركة الأجسام التي ل خضع لتأثير قوة الجاذبية أو غيرها حتى يتبين أهمية قانون القصور الذاتي مثلا بل على العكس إن قانونه هذا محتفظ بقيمته في المجموعة الشمسية على الرغم أنه لا يوجد فيها جسم واحد يتحرك بمقتضاه , ويتوصل بوبر أنه لا يبدو أن هنالك سببا نعجز من أجله عن صياغة النظريات الاجتماعية الهامة بالنسبة لكل الفترات الاجتماعية فالفوارق البارزة بين هذه الفترات لا تدل على استحالة اكتشاف مثل هذه القوانين , ثم ينتقل بوبر إلى الرد على المذهب التاريخاني المؤيد لاستخدام المنهج الطبيعي بحجة أن تاريخاني القرن التاسع عشر يعتنق عقيدة التطور الاجتماعي وهو يقتبسها من داروين كما كان التاريخاني في القرن الثامن عشر يؤمن بالتنبؤات بعيدة المدى ويقتبسها من نيوتن .
يرى بوبر أن مذهب وحدة المنهج بين المذهب الطبيعي والاجتماعي وهو المنهج الذي يقول بأن العلوم النظرية أو التي تهدف إلى تقرير القضايا العامة سواء كانت علوما طبيعية أو اجتماعية تستخدم جميعها منهجا واحدا وهذا المنهج هو الصحيح برأي بوبر , فهذه المناهج ترجع إلى التفسير العلم الاستنباطي و التنبؤ والاختبار ويسمى في كثير من الأحيان منهج الفرض لأنه لا يحقق اليقين المطلق لأي من القضايا العلمية التي يختبرها وإنما تحتفظ هذه القضايا دائما بطباع الفروض المؤقتة وإن بدا هذا الطابع قد يذهب عنها بعد نجاحها في كثير من الاختبارات القاسية , ويواصل بوبر فيقول يجب أن ننظر إلى الاختبارات باعتبارها محاولات لاستئصال النظريات الكاذبة أو اكتشاف مواطن الضعف في النظريات حتى ننبذها إن كان الاختبار يكذبها وتبدو هذه النظرية أحيانا مخالفة لأهداف العلم إذ يقال إن غاية العلم إثبات النظريات لا حذف الكاذب منا ولكن استهدافنا إلى إثبات النظريات إلى أقصى درجة تستطيعها هو نفسه الذي يدعونا إلى أخضاعها لأقسى أنواع الاختبار فينبغي أن نحاول اكتشاف وجوه النقص فيها وينبغي أن نحاول تكذيبها ويختم بوبر بقوله إن أردنا أن نضمن البقاء للنظريات الصالحة لوحدها علينا أن نجعل كفاحها من أجل الحياة عسيرا .

٢٠١٣٠٣٢٠-٠٧٥٦٥١.jpg

٢٠١٣٠٣٢٠-٠٧٥٩٥٧.jpg

حبك ضرورة – قصيدة

أضف تعليق

٢٠١٣٠١٢٧-٠٥٢٧١٣.jpg

وأنت ضرورية للقصيٓـدة كالوحي للأنبياء وأكثر ..
وطاهرة طهر قطر المطر ِ ..بجوف الغمام البعيد و أطهر
وفي قلبك الوطن الحلم حيثُ..جميع معاني المعاناة تحظر
وفي عمق غمازتيك يموت.. الحنين و كل المسرات تـُحضـَـر
أعود كطفل ينام على قصــــة للخيال تضيء وتسحر ..
وقربانَ أعطيك مفتاح ذاكـــرتي فحياتي لديك تُعمر
وكل احتمال ٍ لحب غزالٍ.. سواك على سفح نحرك يُنحر
ونعلم أن الزمان يضيق..على حبنا الكبير ويصغَر
إلى ما قبيل الزمان نهاجـــر حيث البياض يعمُّ ويـُنصَر
ويطلع من قلبنا الغيم ينبــتُ من شفتينا مزارع سكر
بدونك كل الذي في البسيطـــــة ليس سوى مضجر ومكرر
وحبك خولة ديني عليه ..أعيش وفيه أموت وأنشر ..

Older Entries